الأحد، 23 فبراير، 1997

مشروع للتطبيق لا تعويذة للبركـة


حين بدأت بالكتابة عن قضايا الحركة الاسلامية المعاصرة في هذه الجريدة ، ان لا يرتاح اليها بعض القراء ، سيما الذين يتوجسون خيفة من الجدل في الامور التي يعتبرونها مقدسة او فوق مستوى التناول في الصحافة العامة ، لكني اشعر الان بالارتياح لان بعض الذين اعتادوا على اصدار الاحكام قبل القراءة تعاملوا هذه المرة بلطف بالغ ، فكتب بعضهم الي ناقدا ما عرضته من افكار ، اومدافعا عن مواقف كنت قد تناولتها بالنقد ، وتحدث بعض عاتبا علي تناول الحركة الاسلامية والمشروع الاسلامي كما لو كان نطيحة ، في الوقت الذي اصبح هذا المشروع هدفا لسهام الاعداء شرقا وغربا.

ومع اني واثق تمام الثقة في ان اي كاتب لا يمكن ان يكون بلا اخطاء ، ولا بد اني قد ارتكبت اخطاء في مكان ما ، الا اني أجد ان هذه المقالات قد ادت بعضا من اغراضها ، فهي على الاقل شجعت قليلا ممن اتجه الحديث اليهم ، على اعادة النظر في مفاهيم ، كانوا يحسبونها من قبل في عداد المسلمات .

كان ينبغي ان يكون المقال الذي بين يدي القاريء ، هو الاول في سلسلة حول مشروعية نقد الفكر الاسلامي والمشروع الاسلامي ، وكنت ازعم ارساله الى الصحيفة قبل اي مقال آخر ، فاخترت له عنوان (نقد المشروع الاسلامي) لكن احد الزملاء الذين اعتدت تبادل الراي معهم ، وجد ـ حين عرضت عليه المقالة ـ ان  العنوان ينطوي على قدر كبير من الفجاجة ، ذلك ان معظم القراء لا يوافقون على نقد المشروع الاسلامي ، وسيظن بعضهم ان المقصود هو نقد الاسلام بذاته ، فمعظم الناس لا يفرق بين الاسلام في صورته النظرية الاصلية ، وصورته بعد ان يعمل فيه المجتهدون عقولهم ، فيحولونه الى مشروع للتطبيق مرتبط بالزمان والمكان ، وقد دعاني ذلك الى عرض الفكرة مجددا على زملاء آخرين ، وجدت عندهم نفس الانطباع ، الامر الذي دعاني الى تأخير ارساله للنشر ، مع انه اكد لي اهمية الدعوة الى طرح المشروع الاسلامي في صيغه التطبيقية ، بعد ان بقينا ردحا طويلا من الزمن نعرضه للناس كاقوال مجردة ، مثالية تنحو صوب الامنية ، ويسيطر عليها المضمون الاخلاقي ، وتخاطب الفرد ، اكثر مما تتجه الى صور التطبيق في اطار القانون الموجه الى الجماعة السياسية ، ان طرح المشروع الاسلامي في صيغته القابلة للتطبيق ، يستوجب ابتداء اعتباره مشروعا بشريا متاحا للنقاش ، لا كلاما منزلا من عند رب السماء .

منذ ان وجد البشر على هذه الارض ، وهم يسعون لوضع المنهج الذي ينظم امور حياتهم ويشكل سبيلهم الى التقدم والمدنية  ، وشهدت العصور الحديثة ظهورا متزايدا للعقائد والايديولوجيات ، التي تدعي القدرة على القيام بهذه المهمة ، لكن ايا من هذه الايديولوجيات لا يدعي قدرته على تجاوز زمنه ، ولو ادعى هذا لما اخذ على محمل الجد ، ذلك ان الذين وضعوها متأثرون ـ قهرا ـ بخلفيتهم الثقافية ، التي تتشكل في ظروف الزمان والمكان المعين ، وهي لهذا السبب غير قادرة على معالجة الموضوعات المماثلة في الظروف الزمانية او المكانية المختلفة  ، خاصة بالنظر الى اختلاف المبررات التي تقوم عليها الايديولوجيا البشرية ، المبررات التي تشكلها حاجات المحيط المحدود زمانيا او جغرافيا .

اما بالنسبة للاسلام فان كل مسلم يعتقد ان الدين كما انزله الله ، قادر على عبور الزمان والمكان ، ذلك ان الذي ابدعه ليس متأثرا بظروف معينة او اوضاع معينة ، فهو خالق الكون والمكان والمهيمن على الحياة والازمان  .

ويتمتع الدين الاسلامي بقايلية عظيمة للتجدد والبقاء شابا فعالا ، مهما تطاول الزمن او بَعُد زمن الوحي ، وبهذه القدرة على التجدد ، فانه مؤهل للتعامل مع مشكلات الانسان المعاصرة ، بذات الكفاءة والفاعلية التي عالج بها حاجات الانسان قبل اربعة عشر قرنا من الزمان .

ان السر في هذه القدرة يكمن في تعالي النص الديني على الافهام البشرية ، المرتهنة ـ بالضرورة ـ لظروف الزمان والمكان ، فاذا ابقينا النص في تجريده ، فانه سيتيح لنا امكانية الفهم المتجدد في كل زمن ، اما اذا قيدناه بقيود البيئة فسيكون ـ كسائر الايديولوجيات البشرية ـ مؤقتا ومحدودا ، ومرتهنا للشروط الخاصة بتلك البيئة ، وفي هذا يروى عن عبد الله بن عباس الذي اشتهر بلقب ترجمان القرآن  قوله ( لا تفسروا القرآن فان الدهر يفسره)  وفي هذا القول اشارة ذكية الى الحقيقة التي لا يمكن انكارها ، حقيقة ان فهم الاجيال المتاخرة للقرآن ستكون اعمق واشمل من فهم الاجيال المتقدمة ، على الرغم من قرب هذه لزمن النزول وبعد الاخرى عنه .




ان فهم القرآن في زمن سيكون مشروطا بمستوى العلم والعقول في ذلك الزمن ، ونعلم ان تقدم الزمان يتوازى غالبا مع تقدم العلم ونضج العقل البشري ، واذا كان الاولون اقدر على فهم المؤدى المباشر للنص في احكام العبادات ذات الطبيعة الثابتة ، فان معظم توجيهات القران واحكامه لا تتعلق بالعبادات ، بل تتعلق بمجمل نواحي الحياة ، وفهمها محكوم بمستوى حياة الناس وعقولهم في كل حقبة ، ويتفق الاصوليون على ان الايات التي تتضمن احكاما مباشرة لا تتجاوز 500 آية ، تعادل نحو  ثمانية بالمائة فقط من مجموع القرآن الذي يحوي 6666 آية ، وقد روى البيهقي بسنده عن الامام جعفر الصادق عليه السلام قوله في شأن القرآن (أن الله تبارك وتعالى لم يجعله لـزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو في كل زمان جديد ، وعنـد كل قـوم غض إلى يـوم القيامـة) ومنه يتضح ان كل عصر يفهم القرآن فهما جديدا ، يتجاوز ما فهمه العصر السابق ، فيبقى القرآن موردا غضا في كل عصر .

ويبدو لي ان هذه النقطة هي محط الجدل بين علماء الاسلام ورجاله ، طوال الازمنة التالية لظهوره ، فنادرا ما وجدنا جدلا في النص ذاته ، جدل ينطوي على انكاره او انكار فائدته ، وفي الحالات التي بادر احدهم الى تشكيك من أي مستوى في النص ، فقد جرى طرد مادة الجدل من التيار واعتبرت اجنبية أو شاذة ، ونتيجة لهذا الحفاظ الشديد ، فقد بقي النص الديني (القرآن والسنة) محافظا على مكانته ، كمصدر اول للتشريع وميزان يرجع اليه عند الاختلاف .

لكن في المقابل فقد دار الكثير من النقاش واحيانا النزاع حول فهم النص ، وفي بعض الاحيان قام بعض الاسلاميين ، رجال علم او رجال سياسة ، بنفي غيرهم او محاربة رايه انطلاقا من ان فهمهم للنص هو الفهم الوحيد الصحيح او الصالح ، وانه الوحيد المعبر عن مراد الخالق والمتمتع بالشرعية المطلقة .

ان ادعاء التفرد بمعرفة النص الشرعي او ادراك مراد الخالق ، هو نوع من التجاوز على مقام الخالق سبحانه ، فهو يفرغ المراد الرباني في سلة الفهم البشري القاصر ، او يجرد الحكم من مجاله التطبيقي الواقعي ويجعله متعاليا مستحيل التطبيق ، واجد من المناسب هنا استحضار الاشارة القوية للامام على بن ابي طالب ، الى هذا المعنى في رده على قول الخوارج ، حين قالوا بان (لاحكم الا لله) ونادوا برفض تحكيم الرجال في دين الله ، فرد الامام عليهم بالقول ( كلمة حق يراد باطل . نعم إنـه لاحكم إلا للـه ، ولكن هـؤلاء يقـولـون لا إمـرة إلا للـه ، وانه لابد للناس من أمير بـر أو فاجـر  يعمل في إمـرتـه المـؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الاجل ، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العـدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بـر ويستـراح من فاجـر )  فميز امير المؤمنين بين الحاكمية العليا الثابتة لله سبحانه ، وبين الحكم المباشر في ميدان الحياة ، المتروك لاجتهاد اهل الاجتهاد ، ان هذا التمييز ضروري لوضع الحد بين ما يقبل على اطلاقه وما هو قابل للنقاش او الرد .

الثـــــوابت والمـتـغيرات

ثمة احكام تفصيلية منصوصة ، يتعلق معظمها بالعبادة واحكام الاسرة ، او ما يسمى اليوم بالاحوال الشخصية ، وفي هذه فان مجال الاجتهاد محدود ، على الرغم من ان معظم العمل الفقهي ، منذ تاسيس علم الفقه في اواخر القرن الثاني الهجري  والى اليوم ، قد دار غالبا حول محور العبادات والاحوال الشخصية ، بخلاف جانب المعاملات الذي ينتظم تحت عنوانه الجزء الاعظم من امور الحياة ، فقد تركه المشرع لاجتهاد اهل الاسلام في مختلف عصورهم ، بعد ان وضع قواعد عامة ، منطقية ومنسجمة مع العقل الطبيعي لاعتمادها في عملية الاجتهاد .

ومع اعتبار امكانية الاجتهاد المستند الى النصوص والقواعد الشرعية ، فان بوسع المسلمين الاطمئنان الى رحابة افق التشريع واتساع امكاناته .

على ان الامر لم يبق كما اراد له المشرع ، فمع التطورات السلبية التي مرت بها دولة الاسلام ، ولاسيما مع انحسار الشورى ، التي تمثل التجسيد الاوسع والاعلى للاجتهاد في الشأن العام ، فان الاجتهاد قد انكمش الى حدوده الدنيا واصبح متمحورا حول العبادات والاحوال الشخصية ، التي لا تتيح  كثرة المنصوص فيها فرصا واسعة للاجتهاد ، بل ان تكلف الاجتهاد فيها قد ادى الى تضخم فقه الثوابت بموازات انحسار شبه كامل لفقه المتغيرات ، الامر الذي ادى بالنهاية الى تجميد المعرفة الدينية وتاخير الفقه عن زمنه ، لا سيما في الامور غير العبادية .

من ناحية اخرى فان انعدام الشورى ، وغياب حرية التعبير عن الراي منذ نهاية الخلافة الراشدة ، قد غيب الجدل الفقهي في الامور العامة ، واصبح فرض الراي الواحد متعارفا ومن ثم مقبولا ، وشهدنا في اوقات مختلفة في العصر الاموي والعصور التي تلته ظهور تحالفات بين علماء وسياسيين ، تعمل على فرض راي واحد وقمع ما عداه ، وبالتالي فان تداول الراي الذي هو اساس النقد ، قد اصبح ممنوعا بل وسببا لتعريض صاحبه لافدح الاخطار .

وفي الوقت الراهن فان هناك الكثير من الاسلاميين ، من الجيل السابق او من الاجيال الجديدة يقبلون ، بل ويمارسون قمع الراي الاخر ويمنعون تعرض الاخرين لارائهم بالنقد والمناقشة ، باعتبار هذه الاراء مجسدة لصحيح الدين وحقيقـته ، وباعتبار نقدها انحرافا عن الدين او تحديا له ، ويبدو ان الامر جدي الى درجة ان احدا من الاسلاميين لا يجرؤ على طرح راي جديد او اجتهاد غير مسبوق ، خشية ان يرمى بالابتداع أو الانحراف عن الطريق القويم  .

ولهذا فانه من الضروري التاكيد دائما ، على ان فرض راي او اجتهاد او فهم محدد للنص على الاخرين ، باعتباره دينا ، سوف  يؤدي بالضرورة الى سجن النص الديني الواسع الافق والعابر للزمان والمكان ، في قفص الفهم البشري المحدود الافق ، والمرتهن لشروط الزمان والمكان .

ان التاكيد على التمايز بين الدين وفهم الدين ، بين النص وتفسير النص ، بين الحقيقة المجردة التي لا يعلمها غير الخالق  والاجتهاد الذي تتكلفه عقول البشر ، هذا التاكيد يبدو ضروريا لتخليص الدين من قيود البيئة والزاماتها ، كما انه ضروري لاتاحة الفرصة دائما لتجديد الدين ، وجعله فعالا في مواجهة الحاجات المتجددة مع الزمن .

هذا التمايز الضروري يعني اعتبار التفسير والمعرفة القائمة على الاجتهاد وعمل العقل موضوعا ثابتا للنقد والجدل ، بكلمة اخرى فان النقد الذي نتحدث عنه لا يتجه الى الدين ، بل الى فهم البشر له ، وهو لا يتجه الى النص بل الى تفسير المفسرين له .

الراي العام 23 فبراير 1997

مقالات  ذات علاقة
-------------------