الأربعاء، 13 مايو 2020

"الفرج بعد الشدة"


||ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احتواء تحدي الوباء او غيره ||

بعض القراء اطلع بالتأكيد على كتاب "الفرج بعد الشدة" للقاضي المحسن بن علي التنوخي الأنطاكي (939-994م). الذي أراد تعزيز الأمل والتفاؤل ، من خلال تهوين مصائب الدنيا ، وبيان ما يحصل من يسر وسعة بعد الشدائد. وللكتاب شعبية واسعة بين الخطباء والمتحدثين ، لكثرة ما فيه من قصص طريفة. وقد أصاب التنوخي ما قصده ، فتاريخ البشرية يشهد ان كل شدة لابد ان تفضي الى فرج.
بعد هذا التمهيد اقول: ان حديث اليوم لايجاوز هذا الاطار. لكني لا أقصد تهوين الأمور وان بدت في السياق على هذا النحو. وموضوعنا كما هو واضح ، عن حال العالم بعد انقشاع جائحة كورونا.
من ضروب المبالغة الادعاء ، بان أحدا يعرف تماما كيف سيكون العالم بعد سنة او اقل أو اكثر. بديهي ان الخبراء في كل مجال ، سيواصلون التأمل في البيانات المتوفرة ، وسوف يضعون توقعات لما قد يحدث. لكن أحدا منهم لن يغامر بالقول ان تلك التوقعات علم قطعي.
لعل قارئا يسأل مستنكرا: طالما ان الامر لايتعدى توقعات غير حاسمة ، وقد لايعتمد عليها في اتخاذ قرارات أو تحريك موارد ، فما الداعي للاحتفاء بها ، ولماذا نصرف الجهود والاموال على التحليل ووضع الاحتمالات؟.
في الجواب على هذا التساؤل ، يكمن سر المعرفة والتقدم. فلو راجعت ابرز التحولات التي مر بها العالم على صعيد الاقتصاد والصحة والعلوم ، لوجدت ان معظمها جاء بعد كوارث مخيفة. كمثال على هذا فان النصف الاول من القرن العشرين ، شهد ظهور النماذج الاولية والمعادلات الأساسية ، لمعظم الاجهزة التي نستعملها اليوم ، وكذلك الادوية التي نتعالج بها ، والقواعد العلمية التي نعتمدها في شتى ابعاد حياتنا. في العموم فان ما أنجزه العالم في هذه الحقبة ، تجاوزت ما حققه خلال القرون الاربعة السابقة جميعا.
لكنا نعلم ايضا ان هذه الحقبة نفسها ، أي النصف الاول من القرن العشرين ، هي الفترة التي شهدت اضخم الكوارث ، التي سجلها تاريخ البشرية في القرون الخمسة الأخيرة. ومن بينها مثلا الاوبئة التي ذهب ضحيتها ما يزيد عن 150 مليونا ، والحروب الكونية التي قتل فيها نحو 60 مليونا ، اضافة الى موجات الكساد التي ضربت اقتصاديات العالم شرقا وغربا ، ولاسيما كساد العشرينات الذي أدى الى هجرات واسعة ، وموت عشرات الآلاف جوعا.
ثمة محركات عديدة تقف وراء البحث العلمي والاختراع. لعل اقواها شعور الانسان بحاجته الماسة للسيطرة على اقداره ، اي التحرر من اسر الطبيعة وتجاوز قيودها ، وادارة حياته وفق ما يريد ، لا وفق ما هو مضطر اليه بسبب قلة حيلته او قصور امكانياته.
ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر ، وما تؤدي اليه من فوضى واضطراب في نظام العالم ، تولد شعورا قويا بالحاجة الى التغيير والتطوير ، اي ابتكار بدائل عن نظم سائدة ، كشف الوباء عن ضعف استجابتها لحاجات البشر، او صنع تجهيزات ظهرت حاجتنا اليها ، او طرق عمل ومناهج كانت مستبعدة في الماضي وظهر انها ممكنة ، بل ربما ظهر انها اكثر فائدة مما ظنناه.
هذي ببساطة هي الحلقة التي تربط بين الشدة التي يعبر عنها الوباء ، وبين الفرج الذي يلوح وراء جدران الزمن والغيب ، ويدعو الانسان للبحث والمحاولة كي يشق حجابه ويقبض عليه. دعنا نؤمل خيرا ، فوراء العسر يسر وفرج وربما عوض عن كل ما فات.
الشرق الاوسط الأربعاء - 20 شهر رمضان 1441 هـ - 13 مايو 2020 مـ رقم العدد [15142]

مقالات ذات صلة


الأربعاء، 29 أبريل 2020

في الاعجاز والاختبار والعذاب الالهي


||هذا الكون يتحرك في نظام ثابت ، هو "سنة الله". وهو مفهوم للبشر، ولذلك يستعملونه ويسخرون أدواته لتحسين معيشتهم||

لو لم يكن هذا الشيخ مشهورا ومسموع الكلمة ، لما انتشر حديثه عبر العالم ، وما شاهده عشرات الألوف. ولولا ان الكلام الذي قاله يحاكي قناعات عميقة في نفوس مستمعيه ، لما قوبل بالاستحسان والتأييد. خلاصة كلام الشيخ ان وباء كورونا اختبار رباني للبشر جميعا ، غرضه اظهار قدرة الباري سبحانه وتذكير البشر الآثمين بجبروته كي يتعظوا. 

قال الشيخ أيضا انه مندهش غاية الدهشة ، لأن مخلوقا في غاية الضعف والتفاهة ، صغيرا لا يرى بالعين المجردة ، عطل حياة العالم من اقصاه الى أدناه: أوقف السيارات والقطارات والطائرات ، وعطل المصانع والشركات والجامعات والحكومات ، وضرب الجيوش والاجهزة الأمنية من داخلها ، بل لم ينج منه حتى رؤساء الدول وعائلاتهم.
لا حاجة لذكر اسم القائل ، فقد تكرر على السن العديد من الدعاة المحترمين ، الذين ظنوا ان كلاما كهذا ، سوف يذكر  مستمعيهم بما يتوجب عليهم من طاعة الله والتوجه اليه ، وقد يردعهم عن المعاصي ان كانوا من أهل العصيان.
والحق ان طريقة الوعظ هذه خطأ في ذاتها. فهي لا تقنع الا من كان مقتنعا سلفا ، اي من لا يحتاج للموعظة. كونها خطأ تظهر في وجهين: الاول ان جبروت الله وقدرته ، لا تتجلى في أمور يستطيع البشر التنبؤ بها ودفعها ، او اتقاءها وتقليل آثارها ، وهذا لاينطبق على كورونا ولا الاوبئة المماثلة. اما الوجه الثاني فهو ان الأصل في دعوة الناس الى الله ، هو البشرى وإثارة الأمل بالنجاح الدنيوي وليس التنفير.
الوجه الأول يوضحه القرآن في آيات عديدة كقوله سبحانه "لاعاصم اليوم من أمر الله-هود 43" ، بينما نعلم ان العواصم من الاوبئة كثيرة ، وابسطها التباعد الاجتماعي. اما الاوبئة التي ضربت العالم فيما مضى ، فقد طور العلماء امصالا تقي منها ، فما عادت قابلة للتكرار على نطاقات واسعة ، مثل الملاريا والكوليرا والسل والطاعون والتراخوما والايبولا والسارس وأمثالها. وحتى كورونا المستجد الذي ادهش فضيلة الشيخ ، فان العلماء واثقون بامكانية التوصل الى مصل له بحلول نهاية العام الجاري. ثم ان ظهور الفايروس كان مفاجئا ، أما طبيعته فليست مجهولة تماما. كما ان انتقاله للبلدان الأخرى لم يكن مفاجئا ، ولا التحكم فيه والتقليل من آثاره مستحيلا.
بعبارة اخرى فان المسار الذي رأيناه وتابعناه بشكل يومي ، لم يوح أبدا بعجز البشر عن كبح هذا الوباء ،  ولم يقل احد ان العالم اقترب من نهايته ، او ان عواقب الكارثة ستكون بلا حدود. ومن هنا فان هذا الوباء لم يكن بالصورة التي نتخيلها عن جبروت الله وقوته ، التي لا ترد ولا تقف عند حد.
القول بان الله يعاقب البشر من خلال التدخل المباشر في النظام الكوني ، لا يخلو من مضمون خرافي. هذا الكون يدور ويتحرك وفق نظام ثابت ، أسماه القرآن "سنة الله" و "آيات الله" و "فطرة الله". ولو تأملت في هذا النظام لوجدته كله ، قواعده وتفصيلاته ، تسير وفق منطق دقيق ، منطق يفهمه البشر ويستوعبون تفصيلاته ، ولذلك يستعملونه ويسخرون أدواته لتحسين معيشتهم ، وهذا بالتحديد مراد الخالق سبحانه.
ادعو المشايخ الكرام والدعاة الافاضل الى القراءة العقلانية والانسانية للدين ، القراءة التي تنظر للعالم باعتباره مختبرا للعقل والفكر والرحمة ، لا ساحة للعذاب وانتقام القوي من عباده الضعفاء.
الشرق الاوسط الأربعاء - 6 شهر رمضان 1441 هـ - 29 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15128]


مقالات ذات علاقة

الجمعة، 24 أبريل 2020

السيف لـ عكاظ: أدباء وعلماء الأمس منفصلون عن هذا الزمان


الجمعة 24 أبريل 2020 أروى المهنا (الرياض) arwa_almohanna@

من أكثر المفكرين والباحثين السعوديين إثارة للجدل، شخصية لاتقبل القوالب الجاهزة، ولا الأقواس التي تشكل عائقاً أمام ‏يقظة الفكر المتحفز لتفسير وإعادة فهم الكثير من المنهجيات وزعزعة الكثير من القناعات. يؤمن الدكتور الباحث والمفكر ‏توفيق السيف بأن أجمل ما في الحرية احترام الاختلاف، إذ إن لاختلافه بصمة واضحة ترسخ ضرورة الخروج عن السائد في ‏الخطاب الديني تحديداً، وتسهم في تخفيف موجة التعصب والأفكار الرجعية من خلال قراءات معاصرة ترتكز على إعمال العقل ‏والنقد‎.

السيف الذي أوضح في حواره مع «عكاظ» أن أدباء وعلماء الأمس منفصلون عن هذا الزمان، قال إن المجتمع في زمن ‏سابق كان أسيرا لأسئلة زائفة، لكننا الآن أصبحنا أكثر قدرة، على الشعور بذاتنا الوطنية الواحدة، أي كوننا سعوديين أولا. ‏وكشف أنه يعمل هذه الأيام على إكمال البحث المتعلق بموضوع «المساواة» وهو الموضوع الذي يعمل عليه منذ عامين.

·        لنبدأ من جائحة كورونا، كيف تقضي أوقاتك في فترة الحظر، وهل هناك مشروع جديد تعمل عليه؟

أولا أشكركِ أختي العزيزة أروى على هذه الفرصة الغالية، للحديث إلى قراء «عكاظ» الغراء، التي كانت إحدى أبرز محطاتي ‏الكتابية في العقد الماضي، ولي فيها أصدقاء وأحباب.
في ما يخص إدارة الوقت، ما زلت أستيقظ كما اعتدت عند الفجر وأبدأ العمل نحو السابعة والنصف بأعمال الشركة التي يمكن ‏القيام بها عن بعد، ثم القراءة‎.
أقرأ يوميا العديد من المقالات حول الانعكاسات المتوقعة لوباء كورونا على العالم في مختلف الجوانب. ثم أصرف ما بين أربع ‏إلى ست ساعات في البحث المتعلق بموضوع «المساواة»، وهو الموضوع الذي أعمل عليه منذ عامين، واحتمال أن أفرغ ‏من قسمه الأول خلال ثلاثة أشهر. وهكذا أبقي نفسي مشغولا إلى ما بعد المغرب بقليل.
أحيانا أشعر بالسأم لاحتباسي في البيت ثمانية أسابيع حتى الآن. أحاول مقاومة السأم بالعمل في الحديقة والتنظيف وإصلاح ‏الأشياء. لكن - بشكل عام - لا أشعر بالفراغ وليس لدي وقت فارغ. أفترض أن هذا سيتغير خلال رمضان، على الأرجح ‏وستتحول أشياء النهار إلى الليل وسيزيد وقت النوم.

·        في أحد مقالاتك دعوت الجميع للتفاؤل المطلق رغم هول ما يمر به العالم من تداعيات أزمة كورونا؟

أميل إلى التفاؤل بشكل عام، وإذا سيطرت علي حالة من التشاؤم، فإنني أتجنب الكتابة والحديث أو مقابلة الناس، كي لا أنقل ‏لهم عدوى التشاؤم. العالم مليء بالأشياء السيئة التي تولد الضيق في النفوس، فلماذا نزيدها سوءا.
وفي ما يخص وباء كورونا، فإنني أشعر أننا سنكون أقل قدرة على مقاومته إذا سيطر علينا التوتر. بل إن التوتر قد يدمر ‏الأشياء البسيطة والجميلة في الحياة. التشاؤم يولد التوتر النفسي أو يزيده، ونحن لا نحتاجه. طالما كان البشر قادرين على ‏الحياة رغم الوباء، فإن علينا أن نتعامل معه بشجاعة. التفاؤل يجعلنا أكثر قدرة على التفكير المنطقي واستثمار الإمكانات ‏المتاحة في الحياة، رغم هذه السحابة السوداء التي تنذر بالفناء.

·        كيف تقرأ محاولات بعض الجامعات السعودية في إيجاد لقاح لفايروس كورونا؟ وهل من الممكن حقاً أن نتعايش مع الوباء؟

منذ ظهور الفايروس في الصين، كنت أنتظر إعلانا يشير إلى جهد علمي في جامعاتنا، بل كنت أتمنى أن يتولى أحد الأقسام ‏الجامعية إدارة الحملة الوطنية لمكافحة كورونا.
سمعت مرتين عن أعمال بحثية تستهدف التوصل إلى لقاح للفايروس، أولها كان على لسان أحد الباحثين، والثاني على لسان ‏مدير جامعة الملك عبد العزيز. ثم سمعت خبرا في صحيفة عن «خطة» لتصنيع جهاز مساعدة للتنفس، لكن الخبر صيغ ‏بطريقة لا تسمح باعتباره جديا. لهذا السبب وذاك لا أرى في أي من هذه الإعلانات مؤشرات من النوع الذي نتطلع إليه، ولعل ‏قلة متابعتي هي السبب.
أما عن التعايش مع الوباء، فإنني أبسطه على النحو التالي: في الوقت الحاضر يعمل ما بين 20 - 25 % من السوق ‏والمجتمع، ويقع الباقي تحت الحظر. اقتراحي هو أن نعيد تعريف الفاعلية والحظر بحيث يتمكن نحو 50 - 60 % من الاقتصاد ‏والمجتمع من العمل، مع الإلزام المشدد بوسائل الوقاية. أعتقد أن هذا ممكن وأن العالم ككل يتجه إليه. التعايش لا يعني ‏التغافل عن حقيقة الوباء بل الحيلولة دون أن ندمر أسلوب معيشتنا خوفا منه.

·        بعيداً عن كورونا، هل ترى من الجيد أو الصحي أن نستمر بمناقشة خطاب الصحوة وأثره علينا كمجتمع سعودي أو أن نتجاوز ‏المرحلة؟

لن نستطيع التوقف عن مناقشة خطاب الصحوة، لأنها باتت جزءا من تاريخنا الثقافي والاجتماعي وتصورنا للدين، وهي ‏العناصر التي يدور حولها جانب كبير من الجدل بين الناس، أو هي - على الأقل - تشكل خلفية لهذا الجدل.
الصحوة ظاهرة اجتماعية تخضع للتحليل العلمي، مثل غيرها من الظواهر. أعلم أن ارتباط الوصف الديني بالصحوة قد يثير ‏التباسا وحرجا، ولهذا فإن الضرورة تقتضي التأكيد على الجانب العلمي في الموضوع، أي كونها ظاهرة اجتماعية وجزءا من ‏التجربة الثقافية للمجتمع، وهي تخضع للنقاش من هذه الزاوية، وليس من زاوية كونها حالة دينية.
من ناحية أخرى، فإن حداثة العهد - نسبيا - بالظاهرة، تعيق إلى حد ما الحكم المحايد على أشخاصها وحوادثها. أظن أن أي ‏مناقشة لها، لن تنجو من الخلط بين التفسير والتقييم، لذا فإن من الواجب اتخاذ أقصى ما يمكن من احتياطات لتجنب الانشغال ‏بالأشخاص والحوادث، لأن هذا سيقلل من قيمة البحث العلمي ويملؤه بالانفعالات، ما لم نركز على المناقشة العلمية، فإن ‏كتابتنا ستكون مجرد شتائم منمقة أو تكرار لكلام قيل مئات المرات، وسيضطر أبناؤنا وغيرهم لقراءة تاريخ بلادنا الذي يكتبه ‏الأجانب، بدل أن يقرأوا كتابتنا.

·        ساهمت لفترة طويلة في نشر ضرورة وعينا بتجديد الخطاب الديني بما يناسب العصر، هل وصل صوتك؟

في بلدنا ظاهرة عجيبة، مجتمعنا تقليدي يميل إلى نمط ديني أحادي، إلا أنه في الوقت نفسه يتعامل بلين نسبي مع الدعوات ‏الناقدة للتقاليد والداعية للتعدد الديني. لقد كنت أكتب حول هذا الأمر في الصحافة المحلية منذ 28 عاما بالتمام والكمال وبشكل ‏منتظم، وأسمع أحيانا أصواتا تتبرم بهذه الكتابات، بتعبيرات لينة حينا وخشنة في معظم الأحيان. لكن للإنصاف فإن هذا لم ‏يتجاوز الإنكار اللفظي، وهذا - في رأيي - من دلالات اللين في التعامل مع المختلف، وهو من الأمور المحمودة والفريدة في ‏بلادنا. هل وصل صوتي أم لا؟ لا أدري. لكني أظن أننا اليوم أكثر قدرة على التجدد واستيعاب الأفكار المعقدة والمختلفة.

·        هل لدينا كمجتمع سعودي هوية ثقافية واضحة، وهل نحن مدركون لمعنى الهوية حقاً؟

لا شك أننا أصبحنا الآن أكثر قدرة على الشعور بذاتنا الوطنية الواحدة، أي كوننا سعوديين أو لا. في زمن سابق كنا أسرى ‏لأسئلة زائفة مثل سؤال: هل أنا مسلم أولا، أم عربي أولا، أم سعودي أولا.
كنا ندفع دفعا لخيارات سخيفة - لكنها حاسمة ‏أحيانا - بين متعارضات موهومة، وكنا نتعرض لعقاب روحي إذا اخترنا ما تمليه علينا عقولنا. الحمد لله أننا تحررنا من كل ‏هذه التفاهات الآن، وبتنا قادرين على أن نتعرف على أنفسنا في إطارها الطبيعي، أي بيئتها الجغرافية والاجتماعية ‏والسياسية. بتنا نفهم حقيقة أن الهوية ليست دائرة واحدة، بل هي مجموعة دوائر متداخلة، وأن الإنسان الفرد يحمل في الوقت ‏نفسه هويات متعددة، ترتبط بانتمائه الاجتماعي والديني والثقافي وحرفته وطبقته الاجتماعية ولغته وانتمائه السياسي ‏وتأملاته المستقبلية وموقفه من قضايا الكون. لكن هذه كلها تعبر عن نفسها بصورة ثقافية - روحية، تحت المظلة المادية - ‏الثقافية التي اسمها الهوية الوطنية.
أعلم بطبيعة الحال أن هناك أناساً عاجزين عن استيعاب مفهوم الهويات المتعددة، وهم يرونها دليلا على ما يسمونه تلونا أو ‏مؤشرا على عدم الصفاء. هناك أيضا من يحاول اختصار هذا التنوع إلى اثنين أو ثلاثة «القبيلة أو المذهب أو الدين أو ‏القومية+الوطن» ويعتبر البقية ألوانا متباينة أو إضافات مشروطة. الحقيقة أن الهوية الوطنية هي الثابت الوحيد، وهي تتجلى ‏في الانتماء القانوني فقط، أما البقية، أي كون الإنسان مولودا على أرض المملكة، أو انتماؤه للإسلام أو لقبيلة بعينها أو ‏للعروبة، فهذه كلها ألوان مكملة، ولا تشكل شرطا ولا قيدا على الهوية الوطنية.

·        كيف تصف علاقة المثقف السعودي بالمجتمع؟ وهل المثقف خلال الخمسين عاما الماضية قدم مشروعا حقيقيا للمجتمع ‏السعودي؟

لا أريد المبالغة في تصوير دور المثقف السعودي، لكني لا أريد أيضا التقليل من قيمته. السبب في ذلك أنني لا أرى ثقافة اليوم ‏متواصلة مع ثقافة الماضي. لقد مرت المملكة بفترة انتقالية عميقة التأثير جدا، حين عبرت من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد ‏النفط. وكانت - في تقديري - فاصلا سميكا بين الجيل الحاضر وجيل ما قبل خطة التنمية الأولى. الفاصل يعني أن النتاج السابق ‏لم يعد عاملا مؤثرا في تشكيل صورة الثقافة الحاضرة، وبالتالي فإننا لا نستطيع ادعاء التراكم الحضاري الذي تتسم به ‏المجتمعات التاريخية، أو لنقل إن التراكم الثقافي الذي لدينا لم يكن طبيعيا ولا متكاملا، بل هو متكلف ومفكك.
الثقافة السعودية اليوم منقطعة عن ثقافة الأمس، ولهذا فإن الباقين من أدباء وعلماء الأمس الذين ما زالوا يكتبون ‏وينشرون، يبدون منفصلين عن هذا الزمان، فكأنهم يلقون المعلقات السبع بين هواة الشعر النبطي، حيث الكل مستمتع بما ‏عنده، لكنه غير متواصل ولا متفاعل مع الآخر.
من هنا فإن عمر الثقافة السعودية الحاضرة قصير نوعا ما، وهو ينتمي إلى إطار خارجي أكثر مما ينتمي إلى بستان داخلي. ‏وللمناسبة فإن هذا لا يخص لونا من ألوان الثقافة دون الآخر.
ومع مرور الوقت ستنغرس هذه النبتات في الأرض، وستذهب أعمق وأعمق حتى تمتص الروح الكلية للبلد وتتبلور في كل ‏ألوانه. هذا بالطبع يحتاج إلى حرية واسعة للتعبير مضمونة بالقانون، كما يحتاج إلى الاحتفاء بالتعدد والتنوع في كل تجلياته.

·        ما هو الفاصل ما بين المعالم الثقافية والمعالم الدينية؟

مدخل الجواب إلى هذا السؤال، رهن بقناعة ميتافيزيقية مسبقة، موضوعها المساحة التي يغطيها الدين في حياة الناس. ‏القائلون إن الدين شامل، يقولون تبعا إنه لا توجد مساحة حياتية خارج الإطار الديني. والقائلون إن الدين كامل وليس شاملا ‏‏«وأنا من القائلين بهذا» يقولون تبعا إن معظم حياة البشر تقع خارج الدين، وهي تتوسع باستمرار، بينما تبقى الدائرة الدينية ‏ثابتة أو متناقصة.
بديهي أن كل ما يقع خارج الدائرة الدينية، يتأثر بعمل العقل البشري والعلم الذي ينتجه هذا العقل. وهو قد يكون ثقافة - ‏بالمعنى الفني - أو عملا عقليا بكل تعبيراته ومعانيه.
ليس هناك دليل حاسم على أن الدين شامل أو العكس. ليس عند هؤلاء ولا عند أولئك. ولذا فالمسألة تتعلق باعتقاد الإنسان ‏واختياره الخاص.
أحاديث مماثلة
توفيق السيف مع د. الهتلان في حديث الخليج حول الربيع العربي ومآلاته

الأربعاء، 22 أبريل 2020

"الغول" أخطر ما يواجه البشرية بعد تلاشي الوباء

  || في لحظة الخوف على الوجود ، يتقبل الانسان التنازل عن حريته في صنع حياته المستقلة. حينها سيجد كثيرا من تجار الانجازات والاساطير ، يعززون خوفه كي يسيطروا عليه|| 
ابدأ من مقال السيدين جون ميكليثويت وأدريان ولدريدج في هذه الصحيفة يوم الاثنين المنصرم ، والذي بدأ بفرضية ان الاستجابة لتحدي وباء كورونا كانت فوضوية في معظم الدول الغربية. وهذا يرجع في تقدير الكاتبين الى ترهل الادارة الحكومية ، قياسا الى نظيرتها في الدول ذات النظام المركزي ، مثل الصين وتايوان.
Target, Whole Foods, Other Retailers Offer Special Hours for ...
استخدم الكاتبان ارجاعا في غاية الذكاء الى توماس هوبز ، لتقديم غريزة "الخوف على الوجود" كأرضية للمقالة. في 1651 نشر هوبز كتابه "لفياثان" الذي يعد لبنة اولى في فلسفة الدولة الحديثة. و"اللفياثان" حيوان خيالي ، ذكر في التوراة انه كان يبتلع البشر والمراكب في أعالي البحار ، واستخدمه هوبز كرمز لقلق الوجود الكامن في اعماق النفس البشرية ، تماما مثلما نتحدث احيانا عن الجن والتنين والغول ، وكلها كائنات اسطورية ليس لها وجود واقعي ، لكنها محرك نشط لمشاعر الخوف في اعماق البشر.
رأى هوبز ان اي مجتمع يحتاج الى "غول" كبير ومخيف ، يردع الناس عن العدوان على بعضهم. وهذه فكرة استعارها من ارسطو الذي برر التزام الناس بالقانون ، بخوفهم من العقاب ، وليس حبهم للفضيلة. الخوف من الدولة/الغول هو الذي يحمي الناس من اشكال الخوف الصغرى ، كعدوان جارهم على اشخاصهم واملاكهم. اذا لم يكن ثمة لفياثان/غول ، فلعلي اقتل جاري ، وسيضطر الجار للتسلح كي يحمي نفسه. وهكذا يتحول المجتمع الى ظرف حياة متوحشة تسود فيها "حرب الجميع على الجميع". الغول الذي يعنيه توماس هوبز هو الدولة. وهو يرى انها يجب ان تكون مطلقة وقوية كي تردع كافة رعاياها.
حسنا.. ما الذي اراد الكاتبان قوله وراء قصة اللفياثان العتيقة؟
اراد الكاتبان التحذير من ان فشل الحكومات الليبرالية ، في احتواء قلق الوجود المهيمن على نفوس الناس ، ربما يدفعهم للقبول بحكومة متغولة. طالع خريطة العالم اليوم: المدن كلها مغلقة وغالبية الناس سجناء في بيوتهم ، خوف العدوى.  كورونا هي "غول" العصر. ولن يجد الناس بأسا في الاستسلام لحكومة اكثر تغولا ، اذا أثبتت قدرتها على دحر "غول" كورونا.
سيقول احد القراء: حسنا.. وما العيب في هذا؟ طالما كانت قادرة على اعادة الحياة الى طبيعتها فلنجرب حظنا معها!.
حسنا. لقد جرب العالم هذا مرات عدة. ومن الجنون توقع نتيجة افضل اذا كررت ذات التجربة. خذ مثلا تجربة الحزب النازي في المانيا ، والحزب الفاشي في ايطاليا  ، قبل الحرب الكونية الثانية. خذ أيضا تجربة الجنرال فرانكو الذي وضع اسبانيا في الثلاجة اربعين عاما. صعد هؤلاء الى السلطة على انقاض ادارات مترهلة وفاشلة. نجح هتلر مثلا في اعادة النظام والانضباط والفاعلية الى الدولة الالمانية. ثم احتكر مصادر القوة  العامة واحدا واحدا ، حتى تحول الى "غول" حقيقي. ثم اقحم المانيا والعالم كله في حرب حصدت نحو 50 مليون قتيل.
حين يهيمن الخوف على نفس الانسان ، فسوف يتقبل الاستسلام والتنازل عن حريته في صنع حياته المستقلة ،  وسوف يوجد الكثير من تجار الانجازات وتجار الاسطورة ، الذي يعززون حالة الخوف عند الناس كي يسيطروا عليهم.
قد لا تتوفر امامنا بدائل تستحق الاهتمام ، لكن الامر ليس فوق ارادتنا. بوسعنا ان نختار بين الخضوع للخوف ومن يتاجر به ، او استنهاض ما لدينا من طاقات فكرية ومادية ، وتكرار المحاولة مرة بعد مرة ، حتى نهزم "لفياثان" كورونا.
الشرق الاوسط الأربعاء - 28 شعبان 1441 هـ - 22 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15121]

مقالات ذات علاقة










الاثنين، 20 أبريل 2020

مناقشات حول تجربة الصين ، نقاط القوة ونقاط الضعف فيها

النموذج الصيني في التنمية


بيانات بالارقام عن تطور الاقتصاد الصيني بعد تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادي لعام 1980   اقرأ اكثر....



معالجة الفقر على الطريقة الصينية

في 1974 توقع الوزير الفرنسي الان بيرفيت ، نهوضا هائلا للصين ونشركتابا عنوانه "عندما تنهض الصين سيهتز العالم". هذا المقال يلقي الضوء على ابرز التمايزات بين الطريقة التي اتبعتها الصين وتلك التي اتبعت نموذج التنمية الغربي. إقرأ أكثر .....








لا يوجد نموذج تنمية خال من العيوب. ليس هناك برنامج كامل الاوصاف. حين تختار هذا النموذج او ذاك ، فكر اولا: ما الذي يهمك في المقام الاول وما هي حاجاتك المرتبطة بالثقافة المحلية والبيئة المحلية وتطلعات الناس. التنمية ليست مالا ينفق في مبان بل اسلوب لتطوير حياة البشر.  إقرأ اكثر....

Coronavirus: drones in China, chasing citizens who do not wear ...ما بعد كورونا .. عبودية جديدة؟

الميل للتمركز وتوسيع السلطات ، واستغلالها للسيطرة على حياة الافراد ، احتمال مقلق في مرحلة ما بعد كورونا. ربما لن تكون ممكنة بكاملها ، لانها ليست واقعية تماما . لكن على الانسان ان يحذر من الميل الغريزي عند الاقوياء لاستعباده ، فهذا سيكون اسوأ قدر ينتظره.. إقرأ اكثر....



.......................................     نماذج بديلة     .......................................

فكرة التقدم باختصار

مفتاح التقدم اذن هو الايمان بان كل ما في الكون يعمل وفق قانون ثابت ، هو سنة الله في الخلق. وكل جزء من هذا القانون آية ، تدعو الانسان لفهمها  واستيعاب مخرجاتها  . إقرأ اكثر....








"تقليد" النماذج الناجحة ليس شرطا لازما لنجاح التنمية في هذا البلد او ذاك. على العكس من ذلك ، فان النجاح رهن بالاستثمار الامثل للامكانات المحلية ، وتحويل التنمية من سياسة تنفذها هيئات حكومية محددة ، الى مشروع وطني يجد فيه كل مواطن فرصة لابراز قدراته وامكاناته ، حتى يصل من خلاله الى صورة المستقبل التي يريدها لنفسه ولابنائه... إقرأ اكثر....

المسلمون الذين سبق لهم الدعوة إلى طريق ثالث ـ معظمهم على الأقل ـ افترضوه شيئا جديدا ، مستقلا ومختلفا عن الطروحات السائدة ، الليبرالية والاشتراكية وما هو تجميع من هذي وتلك ، وهذا الاقتراح يثير سؤالا ضروريا فحواه:  هل لدينا مشروع اسلامي جاهز ليحل مكان أحد الطريقين؟.. إقرأ اكثر....

السبت، 18 أبريل 2020

ما بعد كورونا .. عبودية جديدة؟


|| بعض الناس يتقبل اخضاع حياته للرقابة المباشرة ، وهو يقول "لاتبوق ولاتخاف". لكن هذا نزول لا يليق بكرامة الانسان||
سأذكر القراء بصورتين ، لعل غالبيتهم قد صادف احداهما هذه الايام. الصورة الاولى لطائرة صغيرة مسيرة (درون) تقترب من سيدة في احد شوارع ووهان ، المدينة الصينية التي كانت بؤرة فيروس كورونا (او ربما مدينة اخرى) ، وثمة تعليق يفيد بان الطائرة أمرت السيدة بارتداء الكمامة والعودة للبيت. اما الصورة الثانية فهي لعربة مسيرة (روبوت) في العاصمة التونسية ، تقترب من سيدة ايضا ، لتامرها بالرجوع للبيت.
Coronavirus: drones in China, chasing citizens who do not wear ...
في كلا الصورتين ، شعر المشاهدون - أو معظمهم - بقدر من الضيق ، لما لاحظوه من فزع على وجهي السيدتين.  وظننت اننا ما كنا سنشعر بالضيق ، ولعل السيدتين ما كانتا ستشعران بالفزع ، لو ان الذي تحدث معهما رجل شرطة اعتيادي. لكن ان توقفك آلة وتصدر اليك أوامر ، فهذا يولد خوفا شديد في نفس الانسان يصعب احتماله ، سيما في ظروف الأزمة.
في الحادثتين حمولة رمزية ضخمة ، تشير لأحد المخاوف الكبرى التي تنتاب المحللين ، ازاء ما سيتلو انحسار وباء كورونا. كنت قد ذكرت في مقال الاسبوع الماضي ، ان شعور بعض الناس بنجاح النموذج الصيني في التعامل مع ازمة الوباء ، ربما ينصرف الى تجميل صورة الحكومات المركزية والشمولية ، حيث الانضباط والانتاجية مقدمة في القيمة على الانسان وحقوقه ، كما في الصين المعاصرة. ونقلت ايضا رأي خبراء قلقين من ان الوباء سيبرر منح النخب السياسية سلطات أوسع من المعتاد ، وان تلك النخب ستتمسك بالسلطات الجديدة حتى بعد زوال الوباء.
نعلم ان حصول النخب الحاكمة على سلطات إضافية ، يعني تقليص المساحات المفتوحة في الحياة العامة او الخاصة ، او ربما زيادة تمركز الدولة ، بدل التفويض التدريجي للسلطات نحو الادارات الوسطى.
كان نيقولو مكيافيلي ، المفكر الايطالي الشهير ، قد قال ان الناس لا يعبأون بكيفية توزيع السلطات ، لانهم لا يأملون في الوصول اليها. لكنهم يشعرون ان الحرية تعطيهم الامان الضروري للسعادة والاطمئنان. الحكومات التي تمارس رقابة لصيقة على الناس ، تجردهم من الامان ، لانها تجعلهم في حالة قلق دائم من ارتكاب خطأ. اما في ظروف الحرية ، فان الاخطاء الصغيرة التي اعتاد الناس على فعلها ، لا تودي بهم للسجن. الحرية – وفق مكيافيلي – ضرورية للناس ، لان الامان ضروري لحياتهم. والرقابة تقلص نطاق الامان.
الحقيقة ان التجربة الصينية (التي احبها بعض الناس) تضمنت نماذج لهذه الرقابة. ومنها مثلا ضبط حركة الافراد ومنعهم من ركوب القطارات او دخول المطاعم والاماكن العامة ، الا اذا عرفوا انفسهم بواسطة تطبيق خاص على هواتفهم المحمولة.
اعلم ان بعض القراء سيردد المثل المحلي السائر "لا تبوق – اي لا تسرق – ولا تخاف". وهو مثل يستعمل لتبرير خضوع الافراد لاجراءات امنية غير ضرورية ، وقد يكون غرضها الوحيد اشعار الفرد بانه تحت السيطرة.
والحق انه مثل غبي لايليق بعاقل ان يقبله على نفسه. لكنه - على اي حال - مثل مشهور. تخيل نفسك تقف بين ساعة واخرى امام مفتش آلي كي تخبره اين تذهب ولماذا. تخيل نفسك محاطا بعشرات الكاميرات التي تسجل دقائق حياتك اليومية ، حتى علاقاتك العائلية.     
 الميل للتمركز وتوسيع السلطات ، واستغلالها للسيطرة على حياة الافراد ، احتمال مقلق في مرحلة ما بعد كورونا. ربما لن تكون ممكنة بكاملها ، لانها ليست واقعية تماما . لكن على الانسان ان يحذر من الميل الغريزي عند الاقوياء لاستعباده ، فهذا سيكون اسوأ قدر ينتظره.
الشرق الاوسط الأربعاء - 8 شعبان 1441 هـ - 01 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15100]

مقالات ذات علاقة


"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...