الأربعاء، 19 سبتمبر 2007

إشارات على انهيار النفوذ الاجتماعي للقاعدة


   اعلان الشيخ سلمان العودة البراءة من منهج «القاعدة» وأعمالها هو الخبر الذهبي الذي ينتظره كل مشفق على أهل الاسلام في هذا الزمان. نعلم طبعا ان العودة ومعظم العلماء الآخرين في المملكة وفي البلاد الاسلامية الاخرى يرفضون ذلك المنهج الفظ الذي جعل الرمز الديني مرادفا للقسوة واستمراء القتل والاستهانة بالدم الحرام.
لكن الناس كانوا بانتظار مبادرات محددة من جانب الدعاة وعلماء الدين تعلن قطيعة كاملة مع منهج العنف الذي تسير عليه «القاعدة» وأمثالها ومع شخوص «القاعدة» ورموزها. في السنوات الماضية سمعنا كلاما كثيرا يمكن اعتباره انكارا لهذا المنهج ورفضا لأصحابه. لكنه لم يصل الى التصريح والمباشرة المطلوبة. ولهذا فإننا نقدر مبادرة الشيخ العودة أعظم التقدير.
من المفهوم ان تردد الدعاة في اعلان القطيعة العلنية راجع الى القلق من رد فعل سلبي من جانب انصار القاعدة والمتأثرين بدعاواها. ونفهم ايضا ان مؤيدي «القاعدة» يعرفونها لعامة الناس كرأس حربة في الصراع بين المسلمين واعدائهم.

وخلال السنوات القليلة الماضية نجح هذا التنظيم في ترسيخ معايير جديدة في تقييم الاشخاص والمواقف، تتلخص جميعها في اعتبار القتال ضد الغرب ورموزه ومؤيديه التعبير الوحيد عن التدين الخالص، كما تعتبر كل مهادنة او مساومة او تراخ في هذا الموقف انحرافا عن الدين وركوناً الى زخرف الدنيا وتفريطا في الايمان.

اقتنعت بهذه المعايير الجديدة شريحة معتبرة  هل يعود الرمز الديني نقطة انطلاق وإعلان محبة ورسالة تسامح من شباب المسلمين. بعض هؤلاء طور تلك القناعة الى قرار بالموت، فتحولوا الى جنود في جيوش لا يعرفون من يقودها، ولا يعرفون من يستخدمها، ولا يُدركون الاستراتيجيات الكبرى التي تحدد مساراتها ونهاياتها. ورأينا وراء هؤلاء شريحة اوسع اختارت التخلف عن القتال لكنها شكلت ما يُمكن وصفه بصفوف الامداد والدعم لاولئك، وهو ما وصفته الصحافة احيانا بالحاضن الاجتماعي لتيار العنف السياسي.

لم تأت القاعدة بعلم جديد ولا بمذهب مختلف، بل ركزت اهتمامها على اعادة تفسير النصوص الدينية وآراء الفقهاء التي يعرفها الناس ويتداولونها. وهو منهج معروف بين الجماعات الانشقاقية، التي - في غالب الاحيان - تبرر وجودها ومواقفها بالرجوع الى ذات الارضية الثقافية او القيمية التي يقبلها عامة الناس ويرجعون اليها.

وفي هذه النقطة على وجه التحديد تكمن مشكلة الجدل الفكري مع انصار تنظيمات العنف، فهؤلاء يُجادلون بنفس الآيات والروايات وآراء الفقهاء التي يعتمد عليها معارضوهم من الدعاة والعلماء.

من ناحية اخرى فان اعتماد تنظيمات العنف على هذا النوع من الخطاب جعلها بالضرورة شريكا منافسا في ذات القاعدة الاجتماعية التي يتجه اليها الخطاب الآخر. ورأينا خلال السنوات الماضية شبابا لم يعرفوا من العلم الا القليل يُجادلون علماء، بل ويسخرون منهم ويُوجهون اليهم تهم الخيانة والاقبال على الدنيا والانحراف وامثالها، بناء على ذلك التفسير الخاص للنصوص والآراء.

ليس من المستغرب اذن ان نجد علماء اجلاء ينكرون على «القاعدة» واصحابها، ويُسفهون منهجهم ويستقبحون عواقب اعمالهم، لكنهم يفعلون كل ذلك في مجالسهم الخاصة وبين حواريهم والمخلصين لهم، بينما يتخذون - في العلن - موقفا اقرب الى المداورة والانخراط في العموميات، بدل الصراحة والمباشرة في تحديد المواقف واضدادها. بطبيعة الحال فان هذه المعالجة المزدوجة هي واحدة من تجليات «قهر العامة» الذي يعرفه كل المتصدين للعمل العام ولا سيما التوجيه الديني. اولئك الذين تجنبوا التعامل البراغماتي مع المشكلة دفعوا ثمنا غاليا من مكانتهم الاجتماعية وشعبيتهم.

موقف الشيخ العودة الجديد هو دليل آخر على تراجع شعبية «القاعدة» ونفوذها، وتراجع مصداقية تيار العنف بشكل عام. واظن ان ما جرى في العراق خلال الاشهر القليلة الماضية قد ساهم بشكل كبير في تقويض مصداقية ذلك التيار ومن ثم نفوذه الاجتماعي.

من هنا فقد يكون الوقت مناسبا لعلماء آخرين كي يُبادروا الى اعلان مماثل ببراءة المجتمع المسلم ومؤسسته الدينية ودعاته من تيارات العنف بمنهجها ومبرراتها ورموزها واشخاصها ومواقفها واعمالها. منذ سنوات والمجتمع المسلم يتطلع الى عودة الرمز الديني الى سابق عهده: نقطة التقاء واعلان محبة ورسالة تسامح الى اهله وغير اهله.
وقد آن الاوان كي يبادر اهل العلم الى موقف واضح ينفي عن الدين الحنيف ما لحق به من ظلم على ايدي بعض اهله، حين حولوه الى رمز للقسوة والاحتراب.

الأربعاء، 12 سبتمبر 2007

حتى لا تكون الادارة الحكومية عش دبابير



                                                                                                       ~ينبغي جعل عمل الدوائر الحكومية علنياً ومكشوفاً وتمكين الصحافة والناس من نقد موظفيها }
لا اعرف الذي اطلق على المديرين وكبار الموظفين اسم “المسؤول” ، فهذا اللقب لم يُنقل من تراث العرب القديم . ولعله وضع كترجمة لمسمى الرئيس او المتصدي (officer, principal, director) الذي وصلنا مع انتقال نظم الادارة الاوروبية الى العالم العربي . على اي حال فان اختيار ذلك المسمى ينم عن ذكاء صاحبه ورغبته في نقل جوهر المفهوم الاوروبي الحديث في الادارة الحكومية ، اي كون الوظيفة تكليفا تترتب عليه محاسبة ومساءلة وليست مجرد سلطة للامر والنهي والتصرف.
في سياق نقل التجربة الاوروبية ، تميل معظم الدول العربية اليوم الى اطلاق مسمى “الخدمة المدنية” على منظومة الادارة الحكومية. وقد اقتصر هذا الوصف على العنوان العام ولم يسرِ الى افراد الادارة كما هو الحال في الدول الصناعية . نعرف ان الموظف الحكومي هناك يوصف رسميا بالخادم المدني civil servant ، لكن يبدو ان لهذا المسمى وقعاً ثقيلاً في ثقافتنا ، ولهذا اعرضنا عن استعماله في وصف الموظفين الحكوميين . وعلى اي حال فان اختيار المسميات يعكس رغبة في تحقيق معنى ومضمون الاسم . وفقا لهذا فانه ينبغي ان يعمل موظفو الدوائر الحكومية ، في جميع مراتبهم ، كخدام للشعب ، لا كمتسلطين عليه.
يُعتبر مفهوم “الخدمة العامة” ومفهوم “المسؤولية والمحاسبة” من ابرز ما يميز نظم الادارة الحديثة عن نظيرتها التقليدية.  حين نقول ان فلانا مسؤول ، فهذا يعني – في الاصل النظري على الاقل – انه معرض للمساءلة على اعماله ، اي ان سلطته غير مطلقة . صاحب السلطة المطلقة الوحيد هو رب العالمين الذي “لا يسأل عما يفعل” اما باقي الناس فهم جميعا معرضون للمساءلة والحساب. الموظف الحكومي يقبض راتبه مقابل خدمة الناس وليس مقابل التسلط عليهم ، لأن اموال الحكومة هي في الاصل وفي النهاية اموال عامة ، اي مملوكة لمجموع الشعب . الموظف بهذا المعنى اجير عند المواطنين ، وليس من المعقول ان يستأجر المواطنون من يهينهم او يعطل مصالحهم او يؤذيهم بمثل “تعال بكرة” ، و “شوف لك احد” و “تعرف الطريق” وامثالها
مثل كثير من المفاهيم والانظمة الجيدة التي تطبق بالمقلوب حين تنتقل الى مجتمعات متخلفة ، فان مسمى “المسؤول” اصبح عندنا علامة على صاحب السلطة ، اي الشخص الذي بيده الامر والنهي والقرار ، والذي يستطيع ان يفعل ما يشاء من دون ان يتعرض للمساءلة والمحاسبة . هذه الخلطة المقلوبة هي نتاج للثقافة التقليدية التي يمكن ان نصفها بالسلطوية ، والتي تخلط بين عنصري الادارة المدنية والسلطة السياسية ، وتنظر الى الاولى كامتداد للثانية
هذه الثقافة ليست حكرا على بلدنا او بلدان العالم الثالث ، فهي موجودة في كل بلاد العالم . لكن المجتمعات المتقدمة اكتشفت سوءاتها مبكرا وحاولت توفير علاجات . من ابرز هذه العلاجات هو اختصار مجال التصرف الشخصي للموظفين ، كبارا كانوا او صغارا ، وذلك بالتوسع في وضع القوانين واللوائح لكل كبيرة وصغيرة ، وجعل هذه القوانين – وليس رأي المدير - معيارا وحكما فاصلا بين الدائرة الحكومية وبين الجمهور.
ومن بين العلاجات الفعالة ايضا ، العلنية او الشفافية ، اي جعل عمل الدوائر الحكومية علنيا ومكشوفا للجميع ، وتمكين الصحافة وعامة الناس من مناقشة كل دائرة وتقييم ونقد موظفيها بأشخاصهم ووظائفهم ، بل نقد القوانين واللوائح التي تنظم عملهم. ومن بين العلاجات المؤثرة هو التغيير المنتظم لاصحاب المناصب ، كي لا يتحول المنصب الى عش للدبابير. على ان أبرز علاج هو توزيع السلطة وتوزيع مصادرها في المجتمع ، وبين أبرز آليات هذا التوزيع هو تعزيز منظمات المجتمع المدني ، تخصيص الخدمات العامة ، وتعزيزر اللامركزية الادارية.
تطوير الخدمة العامة يحتاج اذن الى تغيير في فلسفة الادارة الحكومية وفي البيئة الثقافية الحاضنة لها . وهذا يحتاج الى جهد واسع النطاق تشارك فيه اجهزة الاعلام والتعليم والهيئات التشريعية فضلا عن النخبة الاجتماعية ، وهو يحتاج خصوصا الى مُدونّة لحقوق المواطن يكون لها صفة قانونية عليا ويجري تداولها وشرحها حتى تتحول الى عنصر ثابت في ذهنية كل المواطنين.

عكاظ  12 سبتمبر2007  العدد : 2278

الأربعاء، 5 سبتمبر 2007

تحسين الخدمات العامة في المكاتب المهلهلة


معظم الدوائر الحكومية متقشفة وسيئة المظهر كما لو انها تنتمي الى دولة فقيرة. التبرير السريع الذي تسمعه حين تسأل هو ان الدائرة الحكومية «موقع عمل» وليست دارا او استراحة كي تنفق الحكومة على تجميلها. هذا التبرير غير منطقي لان بيئة العمل تمثل عاملا مؤثرا في الارتقاء بمستوى العمل المنجز او العكس.

الموظف الذي يعمل في مكتب مهلهل سوف يتعلم بالتدريج اللاابالية والاهمال واصطناع التبريرات، و سوف ينجز عملا يحمل – على الارجح - نفس الصفات. والحقيقة اننا نواجه على الدوام هذا النوع من الاعمال المنقوصة او المعيبة او البطيئة، ونقول في انفسنا:

 لو كان القطاع الخاص هو الذي ينفذها لكانت افضل واجمل واكمل. ولدينا اليوم امثلة واقعية تشير بوضوح الى ان التقتير والتقشف لم يكن هو الخيار الافضل، ولعل مقارنة خدمة الهاتف السعودي قبل التخصيص وبعد التخصيص هي اوضح الامثلة التي اختبرها كل مواطن وكل مسؤول. رغم الارتفاع الهائل في نفقات شركة الهاتف بعد تخصيصها، الا انها تربح اكثر وتقدم خدمة افضل وتوفر للحكومة اموالا اكثر مما كانت عليه فيما مضى، اي يوم كانت تتبع سياسة التقشف السائدة في الدوائر الحكومية.

التقتير سوف يصيب في المرحلة الاولى بيئة العمل. وفي المرحلة الثانية سيصيب الالتزامات اللاحقة، ولا سيما غير الظاهرة للعيان منها. وفي المرحلة الثالثة سيؤدي التقتير الى وقف او تأخير عمليات التطوير والتحديث وتحسين الكيفية. الامثلة على كل من هذه المراحل واضحة للجميع. المستشفى والمدرسة هي اوضح مثال. فالاغلبية الساحقة من مبانينا المدرسية تفتقر الى اي لمسة فنية او جمالية، انها اشبه بمكعبات من الحجر الترابي اللون القيت خطأ على ناصية الشارع، لا تتناسب شكلا او لونا او تصميما مع البيئة المحيطة ولا تشعر العاملين فيها بالراحة.

داخلها مثل خارجها يشعر بالكآبة احيانا وبالصرامة احيانا اخرى. بينما نحتاج الى بيئة مدرسية تماثل البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الطالب، مثل البيت والحديقة والملعب، كي يشعر بالالفة والتناغم وعدم الانفصال عن عالمه الحقيقي حين يعبر بوابة المدرسة. نفس الصورة تجدها في دوائر الحكومة الاخرى. الجدران والابواب تقادم لونها، والاثاث مهلهل، والبناء بشكل عام يعطي انطباعا بأن احدا لا يهتم به.

اوضح الامثلة على الالتزامات اللاحقة التي تتأثر سلبيا بالتقتير، نجده في الشوارع. يتسلم المقاولون الشارع كي ينفذوا خطوط الكهرباء اوالهاتف او المجاري، ثم يعيدونه الى البلدية محطما مليئا بالحفر والمرتفعات والمنخفضات. تسأل اهل البلدية عن السبب وراء هذا فيقولون انه لا يوجد قسم لمراقبة الجودة. والسبب دائما هو عدم توفر ميزانية لتوظيف مهندسين متخصصين في هذا الجانب كي يحاسبوا المقاول ويتأكدوا من وفائه بالشروط المثبتة في العقد. نفس هذه الشوارع لا تحصل على اي صيانة دورية. تنفذ البلدية الشارع، ثم تتركه عشر سنين او ربما عشرين من دون صيانة.

يقول اهل البلدية ان لديهم برنامجا (على الورق) عن مواصفات كل طريق ودورات الصيانة اللازمة له، لكن ميزانية الصيانة لا توضع سلفا كي تتحول الى فرض سنوي لازم مثلها مثل الرواتب والمشروعات الجديدة. ولا يوجد اساسا قسم خاص لمراقبة الشوارع ومتابعة حاجاتها. ولعلنا البلد الوحيد الذي لا يجري فيه تجديد خطوط الطريق وعلامات المرور والارصفة بصورة دورية كما في كل بلدان العالم الاخرى.

وحين تاتي الى التحديث والتطوير تجد الامر نفسه. وقصة توفير انظمة الكمبيوتر لكل الدوائر الحكومية هي ابرز الامثلة على هذا. فالكثير من دوائر الدولة اشترى انظمة قديمة لانها ارخص، لكن الانكى من ذلك ان الجميع متفق على عدم تحديث الاجهزة والبرامج، مع ان دورة التقادم في انظمة الكمبيوتر لا تزيد عن اربع سنوات. كثير من الدوائر الحكومية يشكو من قلة او انعدام الميزانيات المخصصة للتحديث ولهذا فهي تعمل على انظمة انتهت صلاحيتها ولم تعد متوافقة مع اي منتج في السوق.

في هذه الايام يتحدث كثير من المسؤولين عن الحاجة الى مبان ذكية. المباني الذكية يمكن ان توفر الكثير من النفقات غير الضرورية. لكنها لا تفعل ذلك لمجرد اطلاق اسم «المبنى الذكي» عليها. انها تحتاج الى انظمة حديثة وفعالة. وهذا يحتاج الى اموال اضافية في البداية ويحتاج الى صيانة وتحديث مستمر، اي اموال اخرى.

زبدة القول ان الارتقاء بمستوى الخدمات الحكومية يحتاج الى تفكير منفتح، يتضمن بصورة خاصة اعادة النظر في مفاهيم كثيرة سائدة، ومن بينها خصوصا الميل الى التقتير والاقتصاد غير المبرر في النفقات.

وقد اشرنا في مقال الاسبوع الماضى الى بعض النواحي القانونية والادارية، وعرضنا هنا وهناك امثلة على كل جانب. ويبقى الجانب الاكثر اهمية في هذا الموضوع، وهو معالجة الفهم السائد للعمل الحكومي عند بعض الموظفين الذي يميل الى اعتباره نوعا من ممارسة السلطة، واستبداله بمفهوم «الخدمة العامة»، ولهذا حديث آخر ربما نعود اليه لاحقا.


« صحيفة عكاظ » - 5 / 9 / 2007م