‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة السياسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة السياسية. إظهار كافة الرسائل

31/07/2025

سلوك النكاية

 اطرف رد تلقيته هذا الأسبوع ، سؤال استنكاري يقول صاحبه ".. وهل المركز الصحي او سفلتة الشارع في تلك القرية ، أهم من الوحدة العربية...؟"

يتعلق هذا السؤال بكلام ورد في مقال الأسبوع الماضي ، يندد بتسييس الخدمات العامة ، مثل صيانة الطرق وتشغيل شبكات الكهرباء والماء ، الخ. ويزعم المقال ان تسييس الحياة وقضاياها ، جعل الإصلاح مستحيلا.

وكنت على وشك الرد بأن المركز الصحي اهم من الوحدة العربية. لكني خشيت ان تفهم العبارة على غير ما اردته. فاستبدلت الجواب بسؤال معاكس وجهته للسائل: وهل تعتقد ان الذي لا يكترث لوضع قريته ، سيهتم كثيرا بمشروع عظيم كالوحدة العربية ، اهتماما جادا ومقترنا بوعي واستعداد للمساهمة ، وليس مجرد كلام في الهواء او تكرار لما يقال في التلفزيون؟.
د. محمد جابر الانصاري

ويبدو ان ترددي في الجواب كان في محله. لأني سألت نفسي بعد قليل: وما المانع ان يكون الشخص قليل الاكتراث بأمور قريته ، لكنه عظيم الاهتمام بأمور بلاد بعيدة جدا. وقد رأينا في الواقع وقرأنا أيضا ، عن علماء لم يكتبوا حرفا واحدا عن قراهم ، ولم يعرضوا علومهم على أهلها ، لكن بحوثهم اثارت اهتمام العالم شرقا وغربا. أردت القول أنه ليس من المستبعد ان يهتم شخص بالوحدة العربية ، مع أنه لا يكترث لوحدة اهل قريته او طريقها او مستوصفها. ليس مستبعدا ولا معيبا أيضا ، فهموم الناس وانشغالاتهم مختلفة ، كما تختلف أذواقهم وذكرياتهم.

هذه الفكرة جعلتني اتردد في الجواب. لكنها ذكرتني أيضا بأن الدكتور محمد جابر الانصاري ، المفكر البحريني المعروف ، عرض وجها آخر لهذه القصة ، وأظنه جديرا بأن نستمع اليه. يقول الانصاري انك قد تجد شابا في مقتبل العمر ، مستعدا لهجران اهله سعيا وراء الاستشهاد في حرب حقيقية او متوهمة. لكن هذا الشخص عينه ليس مستعدا للخروج من بيته لتنظيف الشارع امام بابه.

-         ما هو القاسم المشترك بين هذه القصة وتلك؟.

القاسم المشترك هو الثقافة السياسية ، بمعنى تصور الانسان للشأن العام ، ودوره هو كفاعل في المجال العام ، أي إدارة البلد. الاهتمام بالطرق والكهرباء والمستوصف في مقال الأسبوع الماضي ، يعادل تنظيف الشارع في المثال أعلاه ، والتشنيع على رجال السياسة والدولة في المثال الأول يعادل المشاركة في الحرب ، في المثال الثاني.

تحدث الانصاري عن "النكاية" باعتبارها مضمونا لنوع من الثقافة السياسية ، قائمة على أرضية الكراهية ، تؤثر في ذات السياق ، على موقف الفرد او الجماعة من القضايا العامة ، ومن الفاعلين في المجال العام.

ينصرف مفهوم "النكاية" الى تطبيق محدد ، يتجلى في تركيز الفرد على المواقف التي تجسد التضاد والمعارضة والقطيعة ، واهمال المواقف التي تفسر بأنها لينة ، او جيدة ، او قبول بتعددية الموقف ، او وقوف عند منتصف الطريق.

رأي الانصاري هذا ، يفسر مثلا موقف شريحة واسعة جدا من الذين تحدثوا في الشأن السوري ، وكانت تعبيراتهم – وفق ما شرحت في الأسبوع الماضي – متشددة وقاسية ، ضد من صنفوهم كأعداء ، رغم انهم مواطنون سوريون مثل الذين يناصرونهم ويدافعون عنهم.

سلوك "النكاية" يعني ان تنظر الى الآخر المختلف ، باعتباره سيئا في الغالب ، وان تتمنى ان يكون في حال سيء ، دائما ، وان تفسر كل افعاله وكلامه وتصرفاته تفسيرا يسيء الى صورته في عيون الناس.

انت تسمع متحدثين في المجالس العامة ، وكتابا على منصات التواصل الاجتماعي ، يحشدون كل مثلبة تنقل اليهم ، فيلقونها على من يكرهونهم ، مع ان بعضها غير معقول او متناقض.

الكراهية – أيا كان سببها – تحجب الحقيقة عن عقل الناظر ، فلا يرى الوقائع ولا يلتزم بالتسلسل المنطقي للافكار. وهذا مسيء له أولا ، قبل ان يسيء لسامعيه. بدل النكاية في الغير ، ادع الله لهم بالهداية ، فلعل دعاءك يرتد اليك.

الخميس - 06 صفَر 1447 هـ - 31 يوليو 2025 م   

https://aawsat.com/node/5170300

مقالات ذات صلة

24/07/2025

كفوا السنتكم.. اصلحكم الله

 لقيت يوما دبلوماسيا من هولندا ، عمل في لبنان وتزوج فيه ، فصرفنا معظم الوقت في نقاش عن ذكرياته وتأملاته عما رأى هناك. وذكر لي نقطة كنت قد لاحظتها أيضا ، وهي التسييس الشديد لكل مسألة ، حتى رسوم الكهرباء وتنظيف الطرقات وتشجيع السياحة وأمثالها. وكان مما أخبرني انه التقى قريبا بأهل زوجته ، فدار الحديث كالعادة عن أهل السياسة ونزاعاتهم ، فسألهم: لماذا لا يتحدثون عن أمور قريتهم: عن البلدية والنظافة والمركز الصحي والمدرسة.. الخ ، فقالت له إحدى السيدات: ان المشكلة كلها في الرؤوس ، فاذا صلحت صلح كل شيء. ثم عادوا لحديثهم المعتاد. وفي اليوم التالي سألهم ان كانوا قد توصلوا الى شيء ، فأخبره احدهم انهم يتحدثون في ذلك الامر وغيره ، على سبيل التسلية وقتل الوقت ، لا أكثر ولا أقل.

قال لي الرجل ان الوضع هناك يستحيل إصلاحه. لأن السياسة ابتلعت كل شيء. السياسة – بطبعها – عالم متأزم ، لأن موضوعها الرئيس هو التسوية بين المصالح المتباينة ، وتهدئة النزاعات التي تتولد عن اختلاف التوجهات والمشارب. أما حياة الناس اليومية فتديرها الأجهزة المكلفة بالخدمات العامة ، مثل صيانة الطرق وتشغيل شبكات الكهرباء والهاتف والمرافق الصحية والتعليم ، وغيرها. فاذا دخلت هذه الأجهزة في بطن السياسة ، أو الحقت بالدوائر السياسية ، انقلب دورها من خدمة الجمهور الى الاغراض السياسية للجماعة الحاكمة او شركائها او حتى المعارضة.

اذا أردت أن تعرف كيف تبتلع السياسة كل شيء ، وكيف يجري تسييس كل شيء ، فاقرأ ما تنشره الصحافة من تقارير واخبار عن سوريا اليوم. واقرأ تعليقات الناس على مواقع التواصل الاجتماعي ، السوريين والعرب على حد سواء ، انظر لموضوعات جدلهم ، هل تجد فيها شيئا عن الزراعة وإعادة بناء القرى التي هجرت او خربت ، هل يتحدثون عن تأهيل الجرحى والمتضررين في المعارك السابقة ، وهل تسمع عن ترتيبات لاعادة ملايين السوريين الذين هجروا بلادهم الى دول الجوار ، وبعضهم لازال يعيش في مخيمات بائسة ، هل تسمع عن مشروعات تأهيل شبكات الماء والكهرباء والهاتف والمراكز الصحية... الخ.

هناك بالتأكيد خبر او اثنين عن كل من هذه المسائل. لكنها لا تكاد ترى. الموضوعات التي تحتل المساحة الاوسع هي المنازعات ، من تخوين وتكفير وتدليل على وجوب القتل والتدمير وافساد الحياة. إن أردت معرفة الروحية العامة التي تهيمن على هذه النقاشات ، فانظر الى لغتها الخشنة ، انظر الى مقدار الشتائم التي يستعملونها في وصف من يعتبرونهم اليوم أعداء ، مع انهم كانوا وسيبقون شركاءهم في الوطن وشركاءهم في القرار ، سواء أحبوهم أم أبغضوهم.

ماذا يستفيد شخص يعيش في حلب او دير الزور ، او في الكويت او القاهرة او بيروت ، او في لندن او ستوكهولم ، من شتم الناس المقيمين في السويداء او درعا أو حماة او إدلب ، حتى لو كانوا مخالفين له في السياسة او الدين. بل لماذا ينشغل بالجدل حول مشكلة السويداء او درعا او  القنيطرة او غيرها ، وهو  عاجز عن المشاركة في الحل ، أي ان كلامه سيكون مجرد تأجيج للمشاعر ، وتشجيع للكراهية ، بدل ان يكون مقولة خير او دعوة للخير.

اذا كان حريصا على ذلك الجزء من سوريا (او أي بلد آخر) فليدع الى حقن الدماء أولا ، وليفكر في الاعمال التي تعين على التسالم ، وتحسين الحياة والمعايش لعامة الناس ، خاصة أولئك المحتاجين للارشاد والمساعدة ، بدل ان يصرف طاقته في توزيع الاحكام والتهوين من قيمة الناس هنا او هناك.

قبل حوالي 30 عاما ، سأل احد الصحفيين المرحوم محفوظ النحناح ، السياسي الجزائري ، عن الحل الذي يقترحه للنزاع الأهلي الذي كان ناشبا في بلده يومئذ ، فتلى الآية المباركة "كفوا ايديكم واقيموا الصلاة". وانا أقول لهؤلاء الذين سيسوا كل شيء فأفسدوا السياسة ولم يصلحوا شيئا " كفوا السنتكم.. سكوتكم هو الغنيمة".. اصلحكم الله.

الخميس - 29 مُحرَّم 1447 هـ - 24 يوليو 2025 م

https://aawsat.com/node/5167935

مقالات ذات علاقة

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

فلان المتشدد

خديعة الثقافة وحفلات الموت

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

اتجاهات في تحليل التطرف

ابعد من تماثيل بوذا

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

غلو .. ام بحث عن هوية

11/01/2024

صناعة الكآبة

 

خصص الصديق الدكتور اياد العنبر مقاله الأسبوعي يوم الجمعة الماضي ، لتبرير المنحى التشاؤمي في أحاديثه ومقالاته. والدكتور العنبر متحدث قوي الحجة ، ومن الوجوه المرغوبة في قنوات التلفزيون العراقية ،  فوق انه أستاذ للعلوم السياسية.

أعلم طبعا ان دواعي التشاؤم كثيرة في محيطنا العربي. لكني أسأل نفسي دائما: متى كان وضع العرب مثاليا أو خاليا من دواعي التشاؤم؟. فهل نحول صحافتنا الى مجالس عزاء ، وهل نبكي عالمنا الحي كما نبكي الأموات. ما الذي ينفع الأحياء لو بكينا عالمهم او بكينا موتاهم ، ما هي  القيمة التي نضيفها كأصحاب رأي الى هذه الحياة لو ملأناها بالدموع؟.

د. اياد العنبر

لكن ثمة جانب لا يتعلق بالعاطفة او الموقف الشخصي من الحوادث ، اعني به التأثير الخطير للتشاؤم على التماسك الاجتماعي. وهذا الامر اكثر وضوحا في حال المجتمع العراقي ، الذي يخاطبه الدكتور اياد في المقام الأول.

تعرفت على هذا المجتمع منذ أيام الصبا. وطوال السنوات التالية تعرفت عليه اكثر ، على جمهوره العام والعديد من اهل العلم والكتاب والزعماء والسياسيين. ومع اختلاف هؤلاء في المشارب والتوجهات والمواقع ، فقد وجدت التشاؤم قاسما مشتركا فيما بينهم ، وسمة عامة للحديث في مجالسهم.

اعرف مبررات كثيرة ، تاريخية وسياسية ، تجعل الثقافة العامة للعراق على هذا النحو. لكن هل تساءل المثقفون والزعماء العراقيون عن النتائج التي يمكن أن يفضي اليها هذا التوجه؟.

في سبتمبر الماضي كتبت عن "راس المال الاجتماعي" واعيد التذكير بانه يشير الى مجموعة الأعراف والمفاهيم المشتركة بين أعضاء مجتمع معين ، والتي تشكل أرضية للتفاهم والتشارك فيما بينهم ، التشارك في الأعمال والأموال والأفكار. ومن هنا فهي تمهد لفعل جمعي منسجم ، يجعل النظام الاجتماعي أكثر فاعلية وكفاءة.

دعنا الآن نتساءل: ما الذي يحصل في المجتمع حين تتلاشى مشاعر التفاؤل ويغدو متشائما ، هل يتعزز "راس المال الاجتماعي" ام يتلاشى. هل يزدهر العمل الجمعي لتحسين الحياة العامة ، ام يحصل العكس ، أي انصراف كل فرد الى التفكير في نفسه والبحث عن حلول لمشكلاته ، بل وحتى الهروب من واقعه الذي لا يستطيع تغييره بمفرده؟.

انظروا الى واقع العراق ، اليس هذا ما ترونه.. كل الناس يشكون من كل شي ، كلهم يتهمون قادتهم ونخبهم واهل الرأي فيهم ، يتهمونهم بالتسبب في كل ما حل بالعراق ، والنخب تتهم السياسيين ، وهؤلاء وأولئك يتهمون الناس بالسلبية وعدم القدرة على التعاون او الصبر او المشاركة في الحلول الخ.

أزعم ان صناع الثقافة في العراق ، في الماضي والحاضر ، قد شاركوا رجال السياسة في تفتيت "راس المال الاجتماعي" أي الأساس الضروري للثقة المتبادلة بين الناس ، الثقة الضرورية كي يفعلوا شيئا مفيدا لهم كأمة واحدة ، لا كأفراد او طوائف.

الكتابات والخطابات المتشائمة ، وتلك التي لا تحوي سوى التشكيك في كل شيء وكل شخص ، ملأت نفوس الناس بالريبة في أي شخص يتولى منصبا ، او يدعي القدرة على التغيير. وهذا سيعيق قطعا أي تفكير جاد في التغيير او محاولة للتغيير ، ولو في المستوى الأولي. فمن الذي سيضحي او يرهق نفسه وحياته ، اذا كان جزاؤه – أيا كان الحال – هو السخرية والتشكيك بل الاتهام بانه فاشل وعاجز ، او مجرد حرامي او متسلق او متسلط او ذيل للأجنبي؟. وهذه للمناسبة أوصاف شائعة في الساحة العراقية.

ان جوا كئيبا كهذا ، سيفضي – دون شك - الى افساد السياسة ، ثم القضاء على حرية التعبير ، وأخيرا تمهيد الطريق لبروز المغامرين الشعبويين ، الذين كفاءتهم الوحيدة هي اثارة العواطف والانفعالات ، أو اثارة الخوف من الآخر المختلف ، أي باختصار ، الأشخاص المراهنين على تفكيك المجتمع وتفتيته.

هل هذا ما يرغب فيه زعماء العراق ونخبته وصناع الرأي من أهله؟.

ان كانوا يرغبون في غير هذا ، فليكفوا عن نشر التشاؤم. هذا هو الوقت الذي يصح فيه تماما ، المثل الصيني: بدل ان تلعن الظلام اضيء شمعة.

الشرق الاوسط الخميس - 28 جمادي الآخر 1445 هـ - 11 يناير 2024 م

https://aawsat.com/node/4782126/

مقالات ذات صلة

رأس المال الاجتماعي

 عـلم الوقـوف على الاطـلال

العودة إلى ثقافة الزمن المنقضي

الاموات الذين يعيشون في بيوتنا

كيف تكون رجعيا.. دليل مختصر

السيف لـ عكاظ: أدباء وعلماء الأمس منفصلون عن هذا الزمان

متشائمون في غمرة الوباء ، لكنني متفائل

لا تقتلوا أفكاركم الجديدة 

02/03/2022

عرب اوكرانيا وعرب روسيا


قليل من الناس كانوا واثقين من ان القوات الروسية سوف تطرق أبواب العاصمة الأوكرانية هذا الأسبوع. انا واحد من كثيرين اعتقدوا ان موسكو تطبق الاستراتيجية المسماة "حافة الهاوية" التي تنسب الى جون فوستر دالس ، وزير الخارجية في عهد الرئيس الأمريكي دوايت ايزنهاور. تقترح هذه الاستراتيجية التلويح الشديد بالحرب وحشد القوات وتأزيم الموقف ، الى حد يقنع جميع الأطراف بان الحرب باتت قاب قوسين أو أدنى. عندئذ سوف يتنادى الجميع ، لاقناع المتصارعين بتقديم التنازلات الضرورية لدرء الكارثة. لأن خسائر السلم ، مهما تعاظمت ، فلن تساوي كوارث الحرب.

يبدو الآن ان توقعاتنا لم تكن دقيقة ، وأن الرئيس الروسي لم يذهب الى أوكرانيا للتهديد ، بل لانجاز مهمة رفض الاوكرانيون تنفيذها. اخفاق توقعاتنا ليست بالأمر المهم على أي حال ، فهو يحدث تكرارا. لكني اردت استثمار المناسبة للحديث حول جانب أثار اهتمامي فيها ، وهو يتعلق بالثقافة السياسية العربية.

دعني أبدأ بتوضيح الفارق بين السياسة والثقافة السياسية. يستحيل – في ظني – تعريف السياسة بكلام مختصر جامع مانع. ولذا سأقترح وصفا لماهيتها ، فهي عندي "علاقة تنطوي على استخدام صريح او ضمني لمصادر القوة العامة ، بغرض الجبر المباشر او غير المباشر ، في المجال العام/غير الشخصي". اما الثقافة السياسية فهي تصور الانسان لنفسه كفاعل في "الحياة العامة" او متأثر بتحولاتها. وتشمل افعاله وردود فعله وفهمه للأشخاص والاشياء في عالم السياسة بشكل خاص.

تأثير الثقافة السياسية يتجسد في موقف الفرد تجاه الدولة والقوى الاهلية التي تمارس نوعا من السلطة او تسعى اليها. كما يظهر في موقفه من القوى والدول الاجنبية ، التي تثير اهتمامه لسبب او لآخر.

بالعودة الى الحرب الروسية-الاوكرانية ، فقد اختلف الجمهور العربي حولها ايما اختلاف. وهو اختلاف يكشف عن تباين الثقافة السياسية بين مجتمعات ، لديها مصادر متماثلة للجانب الرئيس من ثقافتها ، اعني الجانب الذي يغذي الهوية القومية والدينية ، لكن تجربتها الحديثة مختلفة الى حد كبير.

من الواضح لكل متابع ان الناس منقسمون فعلا ، بين متعاطف مع اوكرانيا ومتفهم للموقف الروسي. الفريق الاول يسمي الاجتياح الروسي غزوا ، بينما الثاني يسميه "عملية عسكرية" فحسب. هذا الوصف بذاته ينطوي على حكم هو الاساس فيما يليه. الفريق الذي يصفه بالغزو ، يتقبل – من حيث المبدأ على الاقل – الاخبار والمواقف الصادرة من جانب اوكرانيا.

الطرف الثاني لا يجرؤ على امتداح الموقف الروسي ، او اعتباره – على سبيل المثال – انقاذا للشعب او قمعا للفتنة او عودة الفرع للاصل.. الخ. لكنه يراه مبررا فحسب. ولو طالعت السبب لوجدته في موقف الحكومة الاوكرانية من اسرائيل ، أو تحالفها مع واشنطن. وبعضهم يختصر المسافة ، ليخبرك بأنه حيثما وقفت الولايات المتحدة ، فهو يقف على الجانب المضاد. وكفى الله المؤمنين القتال.

هناك ايضا المواقف المتفرعة عن ازمات محلية. نعلم مثلا ان غالبية السودانيين يقفون مع اوكرانيا ، لأن حكومتهم تميل الى الجانب الروسي ، أو هكذا يظنون. كذلك الحال في سوريا ، وربما غيرها.

أوضحت لي هذه الأزمة ان غالبية العرب اتخذوا موقفا يعكس انشغالات سياسية راهنة. لكن اقلية صغيرة فحسب ، اتخذت مواقف مبدئية نظير رفض الحرب ، بالنظر لنتائجها الكارثية على البشر والعمران. لقد رأينا مثل هذا الموقف في روسيا نفسها وفي دول غربية عديدة ، فلماذا لم نر تعبيرات مماثلة في العالم العربي ، ام انها قد جرت فعلا ، لكنها لم تنل تغطية اعلامية ، على نحو ما حصل في الدول الاخرى؟.

 الأربعاء - 29 رجب 1443 هـ - 02 مارس 2022 مـ رقم العدد [15800]

https://aawsat.com/node/3505666/

مقالات ذات صلة

تفارق الافهام بين المجتمع والدولة العربية

حاكم ملتح وحاكم يستحي

سوريا قد تكون بوابة الحرب الباردة

مجتمعات متحولة

نادي الكبار ليس قيادة للعالم

الهوية السياسية للشيعة: من الانكفاء الى البراغماتية

 

 

23/10/2019

هيروهيتو ام عصا موسى؟

المقال الاسبوعي للصديق محمد المحمود "العنف في الثقافة العربية" أثار – كالعادة - جدلا حادا ، بعضه متصل بالموضوع ، ومعظمه انكار على الكاتب دون مناقشة للفكرة. وخلاصة راي المحمود ان العنف جزء من تكوين الثقافة العربية. وهو يرى هذا ظاهرا في التعامل اليومي بين الناس ، وفي تعبيراتهم المنظمة عن قضاياهم ودواخل انفسهم ، كما في الشعر والامثال السائرة. لكن أبرز أمثلته تتجسد في الحقل السياسي.
بعض الناس سيوافق بالتأكيد على رأي المحمود ، وبعضهم سيرفضه. وهذا من طبائع الامور ، وليس ضروريا ان نجادل هذا الرأي او ذاك. لكني أود انتهاز الفرصة ، لاستكشاف واحد من اطارات النقاش في المسألة ، اعني الميل للتسالم او العنف في السلوكيات الفردية والجمعية. ويهمني التركيز على علاقات القوة ، اي العلاقات التي تنشأ في ظل تباين القوى بين طرفين أو أكثر ، وأبرزها – كما نعلم – علاقة الافراد بالدولة. لكن لا ينبغي استثناء القوى الأصغر حجما ، التي تتمثل في الجماعات المنظمة او شبه المنظمة ، وحتى الشخصيات النافذة.
اطار البحث المناسب في المسألة هو "الثقافة السياسية". وهذا من الحقول العلمية الجديدة نسبيا ، وغرضه وصف وتفسير المكونات الذهنية التي تؤثر في علاقات القوة. هذا البحث ، كان يستهدف في بداياته ، الاجابة على سؤال: لماذا نجح التحول الى الديمقراطية في بعض البلدان ، وتعثر في بلدان أخرى. هذا السؤال هو الدافع الرئيس لعمل الاستاذين غابرييل الموند وسيدني فيربا ، اللذين قاما بدراسات ميدانية ، نشرت مستخلصاتها في كتاب "الثقافة المدينية" ، وهو في رايي أبرز المراجع في هذا الحقل. لكن باحثين آخرين مثل دانييل ليرنر ، اخذوا البحث الى بعد آخر ، فركزوا على سؤال: ما هي العوامل التي تجعل مجتمعا ما اكثر استعدادا ، أو أقل استعداد للتحول الديمقراطي. ومن هذه النقطة انطلق بحث جديد حول الفوارق الكبرى (في الذهنية الفردية والجمعية) بين الظرف الديمقراطي وغيره. وقد توصلت خلال ابحاث سابقة الى أن الفارق الرئيس هو القيمة النسبية ، التي تمنحها الثقافة الاجتماعية للمداهنة والتفاوض ، مقابل التشدد والحسم.
بعبارة اخرى فاننا بصدد نوعين من الثقافات: ثقافة تمجد الحلول الحاسمة والسريعة. وفي المقابل ثقافة تحتفي بالمفاوضات والنقاشات المطولة وتكرار البحث ، وتشجب استعمال القوة في حل المشكلات. المجتمعات التي يسودها النوع الاول تتطلع الى زعيم قوي يقدم حلولا حاسمة ، نظير عصا موسى وسيف الاسكندر. اما المجتمعات التي يسودها النوع الثاني فهي اكثر احتمالا لزعيم يجيد التفاوض ولعق الجراح ، وربما التضحية بالكرامة الشخصية حتى يتوصل الى حل. ويرد الى ذهني في هذه اللحظة اشخاص مثل هيروهيتو امبراطور اليابان الاسبق ، ونيلسون مانديلا زعيم افريقيا الجنوبية ، وكلا الرجلين قاد تحولا عظيما من ظرف الصراع العنيف الى ظرف السلام والتقدم. ان نجاح الزعيمين يرجع بدرجة كبيرة ، الى قدرتهما على اقناع المجتمع بان طريق النجاة ليس مواصلة الصراع العنيف ولا رد العدوان بمثله ، بل التفاوض مع العدو حتى بلوغ الهدف ، ولو متأخرا.
اما وقد وصلنا الى نهاية المقال ، فاني اود دعوة القاريء الكريم لمساءلة نفسه: اي نوع من السياسات (والسياسيين) يود ان يرى في بلده: الزعيم السريع الحركة الحاسم ، ام الزعيم المفاوض البطيء؟. ان ميل المجتمعات للعلاقات العنيفة او اللينة ، وقابليتها للتحول الديمقراطي او العكس ، رهن بميل غالبية أهلها لهذا النوع او ذاك من السياسات ورجالها.
 الشرق الاوسط -الأربعاء - 24 صفر 1441 هـ - 23 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14939]


مقالات ذات صلة

مجتمعات متحولة

الايديولوجيا والسياسة

حول الانقسام الاجتماعي

في جذور الاختلاف

حول التعليم والتطرف

ثقافة الكراهية

سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي (كتاب) 


01/08/2018

المجنون الذي تعرفه



مطالعة ما جرى في العراق خلال الأسابيع الماضية ، تكشف عن مسألة تستحق الدراسة في السلوك السياسي للجمهور. الشهر المنصرم تظاهر الاف العراقيين احتجاجا على الزعماء السياسيين والاحزاب المشاركة في الحكم والمعارضة له على السواء. لكننا نعلم ان هذا الجمهور نفسه ، هو الذي صوت لهذه النخبة في الانتخابات العامة التي جرت قبل بضعة اسابيع فحسب.
يمكن تفسير هذه المفارقة في واحد من احتمالين: اولهما ان الذين تظاهروا ضد النخبة السياسية ، ليسوا هم انفسهم الذين صوتوا لها في الانتخابات العامة. والثاني: انهم انفسهم – او على الاقل اكثرهم – صوتوا لها ، لكنهم مع ذلك غير راضين عن عملها.
ترجيح الاحتمال الاول يقلل من قيمة التظاهرات. لأن التنافس الديمقراطي يستهدف تحديد رأي الاكثرية ، وتحويل رأيها الى مصدر للقرار. اذا فاز فريق بالاغلبية فعلى الخاسر تقبل النتيجة مهما كان رأيه فيها. واحتجاجه لاحقا ليس ذا قيمة كبيرة.
لكني أرجح الاحتمال الثاني. اي ان الذين تظاهروا هم ذاتهم – او نسبة معتبرة منهم – الذين صوتوا للنخبة الحاكمة في الانتخابات.
يعزز هذا الاحتمال ان العراق شهد في الأعوام الثلاثة الماضية احتجاجات شعبية متكررة ، تمحورت حول الفساد ، البطالة ، وتدني مستوى الخدمات العامة. وبالرجوع لتقارير الصحافة العراقية بين يوليو 2015 وابريل 2016 مثلا ، يمكن الاستنتاج ان المظاهرات الشعبية التي شهدتها بغداد يومذاك ، كانت اضخم مما جرى في الشهر المنصرم.
معنى هذا ان العراقيين لم يفاجأوا بتقصير النخبة السياسية. بدليل الاحتجاجات الواسعة عليها خلال السنوات الماضية. كما لم يكن رجال النخبة مجهولين او خارج السلطة ، كي يقال مثلا ان الناس خدعوا بهم او اغتروا بوعودهم. فقد كانوا في السلطة خلال السنوات الاربع الماضية على الاقل.
لو كانت السياسة بسيطة ، لصوت الجمهور ضد الوزراء والنواب الذين قصروا في أداء واجباتهم واخرجوهم من السلطة. والحقيقة ان بعض السياسيين الجدد قد فهم الامر على هذا النحو ، فركز دعايته الانتخابية على فشل الحكومة السابقة في تحسين الخدمات العامة ومكافحة الفساد. وطرح نفسه بديلا لها. لكنه فشل في الحصول على كرسي في البرلمان.
السياسة ليست بسيطة. والواضح ان الناس يفصلون – عن قصد او عن غفلة – بين الشخص وعمله. هذا هو السبب الوحيد الذي يفسر الاحتجاج ضد اشخاص بعينهم ، ثم تفويضهم من جديد لشغل ذات المناصب.
اعتقد ان الناس يريدون حكاما يعرفون اشخاصهم. وهذا يذكرني بالمثل المشهور "مجنون تعرفه أهون من عاقل لا تعرفه". وتفسير هذا ان المعرفة تمنح قدرا من الاطمئنان. لاحظت ان هذا رائج حتى في الديمقراطيات العريقة ، التي يركز المرشحون والناخبون فيها على السياسات والبرامج اكثر من الاشخاص. لكن بنسبة اقل ، بسبب اتساع دور الاحزاب في هذه الدول ، الامر الذي يجعل مكانة الشخص اقل مما هي في الدول النامية.
ما اردت الوصول اليه هو ان مكانة الشخص ، لازالت مؤشرا رئيسيا للسياسة في المجتمعات النامية. وان الجمهور يفضل في غالب الاحيان التصويت للشخص وليس لبرنامجه. ولهذا السبب ايضا فانه يعيد تفويضه مرة بعد أخرى ، دون محاسبته على انجازاته وتقصيره خلال توليه السلطة.
هل لهذا علاقة بمكونات الثقافة السياسية في هذه البلدان ، ام هو انعكاس لتازمات ظرفية او طويلة الامد ، ام سببه المسافة الشعورية والمعرفية التي تفصل الجمهور عن الدولة؟.. كل من هذه الاحتمالات وارد. ولعل هناك ايضا احتمالات غيرها.
الشرق الاوسط أربعاء - 19 ذو القعدة 1439 هـ - 01 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14491]
http://aawsat.com/node/1349076

سلوك النكاية

 اطرف رد تلقيته هذا الأسبوع ، سؤال استنكاري يقول صاحبه ".. وهل المركز الصحي او سفلتة الشارع في تلك القرية ، أهم من الوحدة العربية...؟...