‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجديد الفكر الديني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجديد الفكر الديني. إظهار كافة الرسائل

01/01/2020

جدالات ما بعد شحرور


فكرة هذا المقال معروفة لجميع القراء. واظنها مقبولة عند معظمهم . وخلاصتها ان اكثر المفاهيم مرهون بزمن محدد ، قد يمتد بضعة اعوام او عدة أجيال. 
نعلم طبعا ان بعض الأفكار قيم مجردة لا ترتبط بظرف زمني او مكاني. ومع ذلك فان مفاهيمها وتطبيقاتها تتغير مع الزمن. خذ مثلا قيمة العدالة التي عرفها الانسان منذ اقدم الأزمنة ، كقيمة سامية لا يجادل فيها أحد. لكنها فهمت وطبقت في تلك الأزمنة ، على صور نعتبرها اليوم نقضا للعدالة. 
من ذلك مثلا العقوبات القاسية كالصلب والحرق ، التي اعتبرها الانسان القديم عقوبات عادلة وعقلانية ، لكن انسان اليوم يرفضها ويستنكرها ويعتبرها هدرا للانسانية ونقضا لكافة القيم.
ومثلها الرق وتجارة البشر التي قبلها سابقا جميع أهل الأديان في مختلف البلدان ، ولم يروا فيها مخالفة لمقتضيات العدالة. لكنها اليوم مرذولة ومرفوضة عندهم جميعا. فهذه الأمثلة وغيرها تكشف ان الظرف الزمني-المكاني للفكرة جزء من حقيقتها أو جزء من مفهومها.
زبدة القول ان الارتباط بين الفكرة والزمن (او المكان) مما لا يختلف فيه اثنان. في هذه النقطة سيسألني أحد القراء: اذا كان الامر كذلك ، فما الجدوى من تكرار الكلام فيه؟
الداعي لتجديد الكلام ، هو كثرة ما لاحظته من تعليقات في الأيام العشرة الماضية ، تدل على ان الفكرة ، رغم اتفاق الجميع عليها ، لازالت منفصلة عن التفكير الفعلي ، سيما في الأمور المرتبطة – ولو من طرف بعيد – بقضايا الهوية والدين. أما مناسبة تلك التعليقات فهي رحيل المفكر المعروف محمد شحرور ، وما صاحبه من جدل بين من يتفهم اراءه ومن يعارضها. في هذا الجدل وجدت كثيرا من الناس يقولون: هل نترك آراء مفسري القرآن ونأخذ برأي شحرور؟. وثمة من قال: هل يعقل ان شحرور ومن يسانده ، قد فهموا ما عجز الصحابة والتابعون عن فهمه؟. بل ان بعض الدعاة اخذ المسألة لمنحى آخر بالقول: هل يصح ان نأخذ تفسير القرآن من مهندس معماري؟.
هذه التعليقات تنصرف الى معنيين في الغالب:
اولهما: ان القران (وبقية النصوص الدينية) لها معنى واحد يمكن لكل عالم باللغة ان يصيبه. ومن هنا فان التفسيرات الجديدة التي يقترحها محمد شحرور ، تتعارض مع الاحادية المفترضة للتفسير.
اما المعنى الثاني فهو ان قدامى المفسرين ، ومن نقلوا عنه من الصحابة والتابعين ، هم الجهة الوحيدة المؤهلة لتفسير القرآن او استنباط الاحكام الشرعية من النصوص ، ومن يعرض رأيه اليوم فهو متطفل.
لو قدمت هذا الشرح الى مئات الاشخاص الذين يشاركون في الجدالات الدينية ، فالمرجح ان اكثر من نصفهم سيوافق على واحد من المعنيين ، مع التعارض الواضح بينهما وبين المفهوم الأول الذي قلت انه من المسلمات وفحواه ان الزمن جزء من تشكيل الفكرة.
لا يمكن لشخص يفهم الفكرة الاولى بدقة ، ان يوافق على اي من المعنيين اللذين ذكرتهما للتو.  بعبارة اخرى فان الانسان الواعي يجب ان يختار بين القول بوحدانية الفهم والتفسير في كل الظروف ، او تعدد الفهم والتفسير مع تعدد الازمنة والظروف.
أظن انه قد حان الوقت كي تسأل نفسك عزيزي القاريء: هل ترى ان للنص القرآني او النبوي معنى واحدا ، يخبرنا عنه اقرب الناس الى عصر الرسالة ، ام ان لكل جيل مسلم الحق في تبني فهمه الخاص للنص ، بغض النظر عن افهام السابقين؟.
الشرق الاوسط : الأربعاء - 6 جمادى الأولى 1441 هـ - 01 يناير 2020 مـ رقم العدد [15009]
https://aawsat.com/node/2060551

19/06/2019

دعوة التجديد بغيضة.... ولكن



اعلم – مثل كثير من القراء – ان الدعوة المعاصرة للتجديد الفكري والفقهي ، لا تلقى ترحيبا في الوسط الديني. بل لا أبالغ لو قلت انها تواجه بنوع من الارتياب والتشكك ، في مبرراتها وتوقيتها والجهات التي تتبناها ، والقضايا التي تطرحها كامثلة عن الحاجة الى التجديد.
"تجديد الدين" مصطلح مألوف في أدبيات المدرسة الفقهية التقليدية. لكنه مختلف عن المفهوم الذي يثير النقاش في عالم اليوم. الاسئلة التي يطرحها المفهوم الجديد ، والشواغل التي تشغل المهتمين به ، لاتماثل تلك التي تشغل رجال المدرسة  التقليدية. دعاة التجديد في الفكر الديني اليوم ، لا ينتمي غالبيتهم الى طبقة رجال الدين ، بل الى نخبة ثقافية تشكلت قناعاتها أو تطورت في إطارات العلم الحديث. ومن هنا فان مجالات اهتمامها تشكلت في سياق انتقال المجتمع او الاقتصاد الى الحداثة. هذا يعني – ضرورة - أن هذه  النخبة تنتمي ، من حيث التصنيف الاجتماعي ، الى دوائر
مصالح حديثة نوعا ما ، متعارضة مع تلك التي تنتمي اليها المنظومة التقليدية.  
تباين النسق الاجتماعي/المعرفي ، واختلاف دوائر المصالح ، أضاف نقاش التجديد الى مسار الصراع الذي لا يخلو منه مجتمع في طور النمو ، بين دعاة الحداثة وحماة التقاليد. وبالنظر لهذا السياق ، فليس متوقعا ان ينحصر الجدل حول تجديد الدين في المستوى النظري ، او صراع الافكار ، بحسب تعبير المرحوم مالك بن نبي.

التقليديون يصفون دعاة التجديد بالعلمانية والتميع. كما ان دعاة التجديد يتهمون التقليديين بالفشل في استيعاب جوهر التحدي الذي يواجه الاسلام المعاصر.
 
اني اتفهم الاسباب التي تدعو المؤسسة الدينية التقليدية الى الارتياب في دعاة التجديد ،  افكارهم واغراضهم وطرقهم. اعلم ان هذا يحصل دائما ، لان نجاح الدعوة الجديدة ، يقود عادة الى تغيير التوازنات الاجتماعية ، ومعها منظومات عريقة من مصادر القوة والنفوذ والقيم. اذا اردت التحقق من صحة هذا الاستنتاج ، فابحث عن الاشخاص الذين كانوا اغنياء او وجهاء قبل اندماج مجتمعاتنا في الاقتصاد الحديث ، وقارنهم بنظرائهم الجدد: اين أولئك وأين هؤلاء؟.  
 
غرضي في هذه السطور هو دعوة التيار الديني مجملا الى تقبل فكرة التجديد ، باعتبارها حراكا متواصلا لا يتوقف في زمن ، ولا يرتبط بشخص بعينه او قضية بعينها. التجدد والتحول سمة للحياة الطبيعية ، بل هو ضرورة لها. إذا اردنا للدين الحنيف ان يبقى فاعلا في حياة اتباعه ، متفاعلا مع حياة العالم ككل ، فهو بحاجة الى مواكبة التحولات التي تجري في هذا العالم ، ولو اقتضى ذلك التضحية بالكثير مما ألفته النفوس ، واعتادت عليه أو استراحت اليه. اريد توجيه هذه الدعوة بالخصوص الى عامة المؤمنين ، الذين يهمهم إبراء ذمتهم من اي خلاف لأمر الله ، كما يهمهم – في الوقت نفسه – ان لا يتخلفوا عن مسيرة المدنية  المعاصرة ، ومن هنا فهم أصحاب مصلحة في التجديد ، بل هم في حاجة ماسة اليه.
أعلم انه ليس سهلا على المؤسسة الدينية الرسمية في أي بلد ، والقوى الاجتماعية التي تؤازر رجال الدين عموما ، ليس سهلا عليها التنازل عن افكار ألفتها وارتاحت اليها ، وتشكلت في أفقها وعلى أرضها علاقات ومصالح ومسلمات. بل ليس سهلا عليها ان تذهب الى هامش المجتمع ، بعدما سكنت قلبه سنوات طويلة.
هذا ليس بالامر السهل. لكني لا أظن ان أحدا يملك الخيار. يمكن تأخير التجديد سنة او سنوات. اما ايقافه فهو رابع المستحيلات كما يقال.

الشرق الاوسط الأربعاء - 15 شوال 1440 هـ - 19 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14813]


مقالات ذات علاقة

نقد التجربة الدينية

11/07/2018

شرع العقلاء


يفخر المسلمون عادة بأن دينهم اختص العلم بمرتبة عالية ، كما احترم العقل ومجد "اولي الالباب" وخصهم دون بقية الخلق بجانب من الخطاب القرآني.

 لكن لو أردنا الغوص في معنى هذا الكلام ، أي مكانة العلم والعقل في حياة المسلم وفي التشريع الديني ، فربما نجد ان ما نفخر به لفظيا ، نتحاشاه او حتى ننكره ونرفضه على مستوى العمل.
اذا كنا نقبل بمكانة سامية للعقل وما ينتجه من علم ، فالمفترض ان يظهر برهانه في نقاط الاشتباك وموارد التنازع ، وليس في تدبيج الكلام. ونقطة الاشتباك الأولى هي تحديد مكانة العقل مقارنة ببقية مصادر التشريع ، ثم الموازنة بين دور العقل ودور المصادر الاخرى في وضع او اختيار الاحكام.
ويذكر ان فقهاء المسلمين متفقون على مصدرين للتشريع هما القرآن والسنة. لكنهم اختلفوا في العقل والاجماع. والميل الغالب يتأرجح بين انكار كون العقل مصدرا للتشريع ، وبين اعتباره ملحقا بهما ، وان دوره هو الكشف عن الحكم الذي يفترض ان يحويه النص ، وليس اصدار الحكم بشكل مستقل عن النص.
الفرق بين الاثنين يتضح في الأمثلة التالية: يأمرنا النص باقامة حد القتل ، ويخبرنا العقل بناء على معطيات علمية بحتة ، بان هذا الحكم لا يؤدي غرضه الرئيس اي استئصال الجريمة ، او ان تطبيقه يسيء لصورة الاسلام او مجتمع المسلمين.  مثال ثان: يخبرنا النص بالصوم اذا شهد شهود بانهم رأو هلال رمضان ، ويخبرنا العلم ان الرؤية مستحيلة في ذلك اليوم. مثال ثالث: يخبرنا النص بان الفائدة على القروض حرام مطلقا ، ويخبرنا العقل بان الاقراض والاقتراض ، سبيل لازم للنمو الاقتصادي وتحسين معيشة الناس.
الغالبية العظمى ممن واجهوا هذا التعارض ، قرروا تقديم ما فهموه من النص على حكم العقل المستقل. ولهم في ذلك حجج معتبرة ، كالقول بان الخطأ محتمل من العقل وغير محتمل من النص ، فلا يقدم المحتمل على المؤكد. وان الشارع امرنا بالرجوع الى أمره ، اي النص. وان الانسان يريد ابراء ذمته أمام الله ، واتباع كلام الشارع محقق لبراءة الذمة.
هذه الحجج التي يبدو ظاهرها معقولا ، تضعنا – في بعض الاحيان على الاقل - امام مفارقات غير معقولة. من بينها مثلا تعارض الحكم الشرعي مع الواقع ، ومن بينها انفصال الحكم عن علته او حكمته ، او المصلحة المنظورة فيه. في المثال الثالث نعرف ان علة تحريم الفائدة على القرض هي منع الاستغلال. ونعرف ايضا ان الاستغلال غير مؤكد في كثير من القروض المعاصرة. كما نعرف ان اقتصاد المجتمعات ومعايش الناس لا تقوم الا بالقرض والاقتراض. هذا امر واقع يعيشه جميع الناس.. فما الذي نختار؟.
وفي المثال الثاني: نحن نأتمن الحسابات الفلكية على حياتنا ، حين نسافر بالطائرة او السفينة ، ونعتمدها في مختلف جوانب حياتنا. اي انها ليست مجرد احتمال نظري. فما العمل حين يقول لنا النص: اتركوا هذا الدليل الذي يعتبره كافة العقلاء حقيقة موضوعية ، واعتمدوا مفاد النص المعارض؟.
هذه الأمثلة والعشرات من أمثالها تستدعي مراجعة معمقة لفلسفة التشريع ، ولا سيما مكانة العقل ودوره في إنشاء الاحكام الشرعية. صحيح اننا نطيع أمر الله كي نبريء ذمتنا. لكن الأصح هو ان غرض الدين هو مساعدة المؤمنين به كي يحيوا حياة طيبة. وهذه ليست ممكنة مالم يكن الحكم الشرعي متصلا بالواقع ومنبعثا من حقائقه ومتفاعلا معها.
الشرق الاوسط الأربعاء - 27 شوال 1439 هـ - 11 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14470]
http://aawsat.com/node/1327286

مقالات ذات علاقة


هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...