الاثنين، 24 أكتوبر 2011

الديمقراطية في بلد مسلم- الفصل الرابع




             د . علي رضا علوي تبار
(   4  )   من المدينة الفاضلة الى مدينة الانسان :
            الفرضيات الاولية للبحث في الديمقراطية الدينية  


تناقش هذه المقالة الارضية الفلسفية التي تستند اليها نظرية "الحكومة الديمقراطية الدينية" التي طرحها الدكتور عبد الكريم سروش . لا تتعلق اهمية التاسيس الفلسفي بالنموذج الديمقراطي نفسه ، فقد كان موضوعا للبحث والتنظير لزمن طويل في المجتمعات التي شهدت ولادة هذا النموذج وجربته . اهمية هذا التاسيس تكمن في مقاربته المعمقة للاشكالات النظرية المطروحة في الاطار المعرفي الاسلامي حول الديمقراطية وامكانية تركيبها في نموذج واحد مع قيم الدين . انه اذن تاسيس فلسفي لمفهوم "الديمقراطية الدينية" كنموذج محلي خاص وقابل للتطبيق في مجتمع المسلمين . تركز المقالة على جوانب محددة يراها الكاتب ضرورية لمعالجة العوائق "الذهنية" و "الفكرية" التي تقف في طريق توطين الديمقراطية وتفاعلها مع البيئة الثقافية والمعرفية لمجتمع المسلمين المعاصر . وفي هذا الاطار فهي تعرض اراء الدكتور سروش في العلاقة بين النظريات المثالية والاستبداد ، واشكالية الظرف التاريخي لتطور النموذج الديمقراطي ، والتعدد المعرفي في الاطار الديني ، اضافة الى دور المجتمع ومكانته كجزء محوري في النقاش حول الحكم الديني .
تمهيد
 الديمقراطية هي اليوم قيمة كونية . يميل معظم سكان المعمورة الى النظام الديمقراطي ، ليس فقط لان القيم التي يقوم عليها تمثل تطلعات مثالية للانسان ، وليس فقط بسبب متانة الارضية الفلسفية التي تستند اليها ، بل ايضا وفي المقام الاول لثبوت افضليتها على جميع نماذج الحكم الاخرى ، وهو ما توصل اليه البشر من المقايسة بين التجارب المختلفة للمجتمعات مع حكوماتها ، تلك التي انتهجت طريق الديمقراطية وتلك التي سارت بخلافه . حين ترى تجربة فعلية فان ناتجها هو بذاته دليل عليها ، وقد رأى الانسان المعاصر ما اثمرت عنه تجربة الديمقراطية وقارنها بثمرات غيرها من انظمة الحكم ، ولهذا فقد تحولت الديمقراطية الى حلم وامل لكل سكان المعمورة . على انه من الانصاف التاكيد على ان الديمقراطية ليست "المدينة الفاضلة" التي تخيلها قدماء الفلاسفة ، فلها عيوبها ومشكلاتها . لكن الاكثرية الغالبة من عقلاء العالم واهل الفكر فيه مقتنعون بانها اقل نظم الحكم التي جربتها البشرية ضررا واكثرها منفعة .
التحول الى الديمقراطية ليس قرارا يتخذ وينفذ بين عشية وضحاها . وهي لا تقوم نتيجة لقرار تصدره الحكومة او برنامج يضعه اهل السياسة اوالفكر . النظام الديمقراطي هو وضعية اجتماعية – سياسية خاصة تتشكل خلال مسار تحول تدريجي ، يتضمن اعادة بناء العلاقات ونظام توزيع القوى داخل النظام السياسي- الاجتماعي على نحو يسمح بممارسة السياسة على ارضية القيم والمعايير الديمقراطية . يمكن للدولة ان تلعب دورا مهما في تسريع هذا التحول ، لكن مجرد القرار لا يكفي ، ولا يمكن التعويض عن التغييرات البنيوية اللازمة بتحولات افتراضية مثل اعلان العزم او الرغبة في التحول الديمقراطي من جانب الحكومة .
يمكن تشخيص الظرف الاجتماعي المساعد على التحول الديمقراطي من خلال اربعة حقول اجتماعية رئيسية :
1- مستوى النمو الاقتصادي-الاجتماعي الذي يشمل المعدل العام للدخل الفردي ، سعة الطبقة الوسطى الحديثة ، التحضر (او نسبة سكان المدن الى مجموع السكان) ، سعة انتشار وسائل الاتصال الجمعي (الصحافة والاعلام ومصادر المعلومات الاخرى) .
2- مستوى الانسجام بين اطياف المجتمع الثقافية والدينية والعرقية .
3- الثقافة السياسية السائدة بين اعضاء المجتمع والنخب السياسية والقوى الفاعلة في الشان العام .
4- مستوى التنظيم المؤسسي للمجتمع ولا سيما في الجانب السياسي (ويشمل حاكمية القانون واستقلال القضاء والدستور وتوفر جمعيات سياسية وتمثيلية الخ) .
تمييزنا بين العوامل البنيوية الضرورية للتحول الديمقراطي من جهة وبين العوامل الذهنية (النية ، الرغبة ، القرار، القناعة) من جهة اخرى ، ينبغي ان لا يقود الى الظن باننا ننكر او نقلل من اهمية تاثير الفكر والقناعات والميول في تاسيس او تسريع ذلك التحول ، ولا سيما على مستوى اتخاذ القرارات . من البديهي ان هذا العامل ذو اثر في تغيير بعض الوقائع ، بل لعلنا لا نجاوز الحقيقة اذا قلنا بان نجاح عملية الانتقال الى الديمقراطية يتوقف على توفر ذهنية مساعدة ، او – بعبارة ادق - انعدام الموانع الذهنية التي تحول دون تبلور وظهور تمثلات وتجسيدات التحول المنشود . وهذا يقودنا الى الدور المناط بالمفكرين وقادة الرأي في الترويج للقيم الديمقراطية واقناع المجتمع بفائدتها .
في الوقت الحاضر يميل عدد معتبر من "المفكرين الدينيين" واهل الراي المسلمين الى الاعتقاد بان الديمقراطية هي افضل المناهج التي عرفها البشر لاتخاذ القرار وادارة المجتمع . ونتيجة لهذا شهد العالم الاسلامي خلال السنوات الاخيرة ظهور العديد من المحاولات الفكرية التي تستهدف في المقام الاول التعريف بفكرة الديمقراطية وعلاقتها بالدين وقابليتها للاشتغال في مجتمع المسلمين . وتركز خصوصا على صياغة وتطوير نموذج ديمقراطي قابل للتوافق مع القيم الدينية وقادر على تمكين المجتمع الديني من ادارة حياته السياسية بصورة ديمقراطية . وتمثل نظرية "الحكومة الديمقراطية الدينية" التي اقترحها الدكتور عبد الكريم سروش واحدة من ابرز تلك المحاولات ، وهي محور النقاش في هذه المقالة .
سوف ابدا بتعريف لمفهوم الديمقراطية التي نتحدث عنها ، قبل عرض القيمة النظرية لتلك الاطروحة وما تضيفه الى النقاش الجاري بين المفكرين ورجال السياسة المسلمين حول توطين الديمقراطية وتبيئتها . في ظني ان اهمية تلك النظرية ستكون اكثر جلاء اذا نظرنا اليها في الاطار الواسع لمجموع الاثار العلمية لصاحبها وعدم حصر النقاش في حدود المقالة التي عرض فيها نظريته هذه . ذلك انها خلاصة للعديد من المقدمات التي ناقشها سلفا في مقالات او كتب اخرى . ومن المهم التعرف على التمهيدات التي تمثل الارضية النظرية لمقولاتها والمنهج الذي اتبعه حتى وصل الى هذه النتيجة .
الديمقراطية
سوف نركز نقاشنا حول مفهوم الديمقراطية على تطبيقاته في مجال السياسة ، اي في اطار عمل الدولة دون تطبيقاته الاخرى في النظام الاجتماعي والاقتصادي . ضمن هذه الحدود فان النظام السياسي الديمقراطي يتسم بثلاث سمات اساسية : اولها توفر مساحة واسعة للتنافس بين الافراد والمجموعات المنظمة (ولا سيما الاحزاب السياسية) تنافسا حرا وعادلا وذا معنى ، اي قادرا على التاثير في الواقع ، سواء في ترجيح سياسات معينة او ايصال اشخاص معينين الى المناصب العامة في الدولة . كي تكون هذه المنافسة ذات معنى فيجب ان تجري دوريا وبشكل منتظم وان تخلو من استعمال اساليب العنف والارغام وترهيب المشاركين فيها . السمة الثانية هي المشاركة الشعبية الشاملة والنشطة في انتخاب القادة واختيار الخطوط الاستراتيجية لعمل الحكومة . تتطلب المشاركة الشعبية توفير الفرصة لجميع المواطنين كي يشاركوا في الترشيح والتصويت وعدم استثناء اي فريق او مجموعة . واخيرا فان الديمقراطية تتطلب مستوى معقولا من الحريات العامة مثل حرية التعبير والنشر ، وحرية تشكيل المنظمات السياسية والحرفية والانضمام اليها . يجب ان يكون مستوى الحريات العامة على نحو يوجب الاطمئنان الى سلامة المشاركة السياسية والتنافس المنصف بين مختلف الاطراف .
عالج الدكتور سروش في اعماله النظرية المختلفة العديد من الاشكالات التي تحيط بمفهوم الديمقراطية . تلك الاشكالات التي يمكن اعتبارها معوقات ذهنية او اسبابا للارتياب في ملاءمة النظام الديمقراطي للمجتمع المتدين . واظن انه قد نجح من خلال معالجاته المختلفة في كشف امكانية التلاؤم بين الحياة الدينية واتباع المنهج الديمقراطي في ادارة الشأن العام للمجتمع المتدين . هذه المعالجات ليست موجهة للمتدينين فقط ، بل يمكن لها ان تغني ايضا تفكير وممارسة اولئك الذين يتبنون الطريق غير الديني في حياتهم وثقافتهم ، فهي تمثل اضافة عظيمة الفائدة للنقاش حول الديمقراطية وسبل تحكيمها في نطاق يتجاوز الاطار الديني . فيما يلي بعض ابرز المسائل التي عالجها سروش في هذا الصدد:
1- الدين والنظريات الشمولية- المثالية
ركز سروش جانبا هاما من بحوثه على مجادلة المفاهيم التي يمكن ان تتخذ كارضية نظرية تبرر المنهج الشمولي في الفكرالديني . فيما يتعلق بالاساس النظري للنظم الشمولية totalitarianism ثمة تفسيران يثيران الاهتمام بصورة خاصة . ينظر التفسير الاول الى النظام الشمولي كثمرة للنظريات الفلسفية المثالية ، لا سيما تلك التي تدعو الى قيام المدينة الفاضلة . تقوم هذه النظريات على انكار سلامة المجتمع القائم والتشكيك في امكانية اصلاحه . ومن هذه الزاوية فان الدعوة الى اقامة المجتمع المثالي او المدينة الفاضلة تنطوي على مشروعات نظرية منفصلة عن الحقائق الاجتماعية القائمة والتطور التاريخي الذي قاد اليها . وهي تتعامل مع النظام الاجتماعي في لحظة معينة كحقيقة مستقلة عن زمانها ومكانها وتاريخها ، اي بكلمة اخرى ، منفصلة عن حقيقتها كتجمع انساني ذي هوية تاريخية . من هذه الزاوية فهي لا تنظر ابدا الى "الامكانية" الفعلية لتحول المجتمع المنظور الى مدينة فاضلة طبقا للتصور المقترح .
يميل اكثر دعاة المدينة الفاضلة الى اعتبار الطبيعة الانسانية فاضلة ، وان ما يعرض للفرد من آثام هو ثمرة للظروف الاجتماعية . فاذا جرى استبدال هذا المجتمع بمجتمع جديد فاضل ، فسوف يزول الاثم واسبابه من حياة الجماعة بصورة اوتوماتيكية . يعتقد هؤلاء الدعاة ايضا بان الانسان مؤهل لبلوغ درجة الكمال ، وينادون بضرورة اصلاحه وتمكينه من بلوغ تلك المرتبة . طبقا لهذه الرؤية فان غرائب حياة الانسان وما تنطوي عليه من نوازع شريرة ليست جزء من طبيعته الانسانية . وهم ينادون بهذه الرؤية في مقابل تلك التي تقول بان طبيعة الانسان وجوهره ينطوي على نوازع الخير والشر معا كما ينطوي على اسباب السعادة واسباب الشقاء . وان تغير شروط الحياة في بيئته الاجتماعية يمكن ان تخفف من النوازع الشريرة في الانسان ، او تزيد نزوعه الى الخير والفضائل لكنها لا تغير ابدا من جوهر الطبيعة الانسانية التي تظل على الدوام قابلة لسلوك طريق الخير بمثل ما هي قابلة لسلوك الطريق المعاكس . لا يأخذ المثاليون بهذه الرؤية ولا يقبلون بما يترتب عليها . بل يرون ان تغيير الظرف الاجتماعي سوف يؤدي الى اقتلاع اسباب الاثم والشقاء نهائيا ، اي عودة الانسان الى ما يعتبرونه جوهره الاصلي الفاضل والخير .
بناء على هذه الرؤية فقد انشغل المثاليون ودعاة المدينة الفاضلة بالهدف ، اي تغيير المجتمع ، وركزوا على الادارة والقيادة باعتبارها العامل الحاسم في الاصلاح . وقد قادهم هذا التركيز – كما هو متوقع – الى اغفال موضوع الاصلاح ووسيلته الاساسية ، اي الانسان ، وما ينطوي عليه المجتمع الانساني من مشارب متنوعة ، ورؤى مختلفة وتجارب متباينة . يمكن القول – مجازا – ان المثاليين قد نظروا الى المجتمع الانساني كقالب جامد يتكون من اجزاء متماثلة الصفات والخصائص ، وقابلة للتبديل والتعديل على يد الفئة الاصلح او الاكمل . ومن هذا المنطلق فقد وفرت النظريات الفلسفية المثالية التبرير المناسب للنظريات والمناهج السياسية الشمولية .
التفسير الثاني للعلاقة بين النظريات المثالية والشمولية ، تبنته حنه ارندت ، الفيلسوفة الالمانية ، وهو يركز بصورة خاصة على العلاقة بين الحكم الشمولي والقانون . طبقا لارندت فان الشمولية ليست بالضرورة حكومة فردية او استبدادية او فاقدة للقانون . ولا يمكن تعريفها في اطار المقارنة المشهورة بين الحكم القانوني ونظيره الاستبدادي . قد تقوم الحكومة الشمولية على القانون وتحترمه ، لكن هذا القانون ليس قانونا وضعيا ينظر الى واقع الامور ويعالجها كما هي . بل هو في الغالب من نوع القوانين الاجمالية العامة ، المفترضة سلفا وغير القابلة للتغيير . تقول ارندت :
يضعنا الحكم التوتاليتاري [الشموليٍ] ازاء نوع من الحكم مختلف تماما . ولئن صح انه لبث يتصدى لكل القوانين الوضعية التي كان اصدرها بنفسه [ . . .] . غير ان النظام التوتاليتاري الانف لم يقدم على تصرفاته الا مسترشدا بالقانون ، ولم يكن اعتباطيا قط . اذ انه طالما ادعى اطاعة قوانين الطبيعة والتاريخ اطاعة صارمة ودون اي لبس، بحكم ان كل قوانينه الوضعية مستمدة منهما .
ذلك هو ادعاء النظام التوتاليتاري الفضيع ، والذي يبدو في الظاهر قاطعا ، في كونه يعود بمصدره الى منابع السلطة حيث اكتسبت القوانين الوضعية اسمى شرعيتها، فنأت به عن ان يكون نظاما "خليا من القوانين" . [ . . .] ولما كان ابعد من ان يمارس السلطة لصالح فرد ، فانه بدا مستعدا للتضحية بالمصالح الحيوية المباشرة لاي كان في سبيل تحقيق ما يدعيه انه قانون التاريخ او قانون الطبيعة [1] .
حاول الدكتور سروش في مواضع مختلفة نقد وتفنيد كلا المبنيين اللذين تقوم عليهما الدعوات الشمولية . وعالجهما من زاويا مختلفة ، فلسفية ومنطقية ، ومن زاوية الرؤية والمعرفة الدينية . واظن ان مقالته "از تاريخ بياموزيم = لنتعلم من التاريخ"هي واحدة من اكثر معالجاته الفكرية للدعوات المثالية صراحة وتحديدا . يقول سروش في هذه المقالة :
الذين ملأوا فراغ التاريخ والذين صنعوا التاريخ لم يكونوا اناسا مثاليين بل اناسا واقعيين . هؤلاء الناس لم يكونوا معصومين او منزهين عن الكفر او الخبث . . معرفة الانسان كما هو في واقع الحياة ضرورة لتصحيح وتعديل ما ننتظره من هذا الانسان . . لا يوجد بشر غير هؤلاء البشر بكل ما فيهم وما عليهم . اذا اردنا منهم شيئا فينبغي ان يكون مما هو ممكن لهم وضمن قابلياتهم . ينبغي ان توضع البرامج والسياسات على نحو يتناسب معهم ، وان تفصل على قياسهم . . لن يحصل المربون والمعلمون والقادة على تعريف للبشر افضل ولا انفع في ميدان العمل من التعريف القائل بان الانسان مخلوق خطاء وآثم . وحين يفعل الخطأ او يرتكب الاثم فانه لا ينزل عن انسانيته ولو بمقدار درجة ، ولا يخرج عن قالبه وطبيعته الاصلية ولو بمقدار ذرة . حين يفعل ذلك فهو – في حقيقة الامر – يكشف جانبا من حقيقته الانسانية . وعلى هذا الاساس يجب ان يعامل . . يجب ان لا ننسى ان الشيطان قد استمهل حتى يوم القيامة كي يزين للناس طريق الضلالة ويفتنهم عن طريق الهدى ، وهو يسري في عمله هذا مثلما يسري الدم في عروق بني ادم [2] .
 بناء على معنى الشمولية المنظور في تفسير حنه ارندت ، ادعى بعض الباحثين ان دين الاسلام ينطوي بصورة عامة على ارضية خصبة للشمولية . ويتجلى هذا في القول بان الاسلام يسعى للاشراف الكامل على حياة الفرد والمجتمع وعمل الدولة في شتى ابعادها وتفصيلاتها ، وانه يحتوي على احكام تنظم كل جزء من اجزائها . من هذه الزاوية فان الفصل بين مجالات الحياة العديدة ، مثل الفصل بين المجالين الشخصي والعام ، وبين المقدس والعرفي ، وبين السياسي والديني ، هذا التفكيك لا يمكن تصوره في الاسلام باي حال . ويذهب اصحاب هذه الرؤية الى ان الشريعة (التعليمات المستنبطة من القرآن والسنة) هي القانون الاول والاعلى الذي لا يقبل التعديل او التغيير ، وهو المفهوم الذي اشارت اليه حنه ارندت .
في المقابل فان نظرية "القبض والبسط " تفتح امام الباحثين بابا آخر ، فهي تميز اولا بين ثلاثة عناصر اصلية في فهم الدين وممارسته ، جرت العادة على فهمها كعقدة واحدة متشابكة او متحدة . هذه العناصر هي "الشعائر ونمط الحياة الدينية" التي تنتمي الى الحالة الروحية للانسان وليس للتفكير او الحالة الذهنية ، و "اركان واصول وفروع الدين التي نزل بها الوحي على رسول الله" ، و "فهم المتلقي لاصول واركان ومباني وفروع الدين" .
في المرحلة الثانية تدعي النظرية ان المعرفة الدينية تبدأ مجردة والهية ، لكنها تتحول حين يتلقاها المؤمنون الى معرفة بشرية . وحينئذ فانها تخضع لنفس القوانين وقواعد العمل السائدة في المعارف البشرية الاخرى . منذ اللحظة التي يتلقى فيها البشر النص الالهي ، فانهم يفهمونه فهما متاثرا – بالضرورة – بتجربتهم الحياتية وثقافتهم وهمومهم وتطلعاتهم . هذا الفهم الخاص يحمل شروط الظرف التاريخي الذي جرى فيه ويرتبط ارتباطا وثيقا بالتجربة الحياتية للانسان الذي قام به وانتجه . من هنا فان هذه المعرفة نسبية وتاريخية ومشروطة بالظرف الذي شهد ولادتها . بعبارة اخرى فانها غير صافية وغير كاملة وتحتمل الخطأ ، تماما مثلما ان المعرفة العادية للانسان في ظرف خاص مؤقتة ومتغيرة وتجريبية في الغالب . وعلى هذا الاساس تحذر نظرية "القبض والبسط" المخاطبين بالدين من تعميم القيمة القدسية والمطلقة للدين الى الفهم والاستنباط الذي يمارسه البشر والذي هو في كل الاحوال معرفة بشرية غير مقدسة ولا مطلقة ولا معصومة . جوهر الدين مقدس وغير قابل للتغيير ، ويجب ان يركز العلماء والعارفون جهدهم على نيل ذلك الجوهر . لكن ما ينتج عن تلك الجهود ، وبصورة عامة جميع افهامنا للدين ومعارفنا الدينية سواء في اصول الدين او فروعه او احكامه ، هي افهام ومعارف بشرية ، وهي قابلة للتغيير والتطوير .
في المرحلة الثالثة تنتقل نظرية "القبض والبسط" من تقرير امكانية التحول في فهم الدين الى القول بان هذا التحول ليس ممكنا فقط بل هو حتمي . وهي تطرح هذه المسالة ضمن مسار تجريبي فتقرر اولا ان فهمنا للشريعة مستمد ومعتمد بكليته على المعارف البشرية ومتلائم معها ، وان نوعي المعرفة الديني والبشري في حال تفاعل وحوار دائم . ومن هذا التمهيد تصل الى القول بانه طالما كانت المعرفة البشرية العادية خاضعة للانقباض والتوسع ، فان فهمنا للشريعة سيكون هو الاخر عرضة للانقباض والتوسع . وبعد ان تلقي الضوء على مسار العلوم البشرية (فهم البشر للطبيعة والكون ، العلوم التجريبية والفلسفة ... الخ) وتوضح انها في حال انقباض وانبساط وتحول مستمر ، تصل الى الاستنتاج بان التحول في المعرفة الدينية ، وعلى نفس ذلك المسار هو امر حتمي . في هذا الاطار فان التوصل الى فهم للدين مستقل عن حاجات ومعارف كل عصر بذاته ، اي فهم متجرد وعابر للزمان والمكان ، هو امر مستحيل . بعبارة اخرى فان كل فهم للدين في ظرف معين او زمن معين يتناسب ويتلاءم بالضرورة مع المعارف المقبولة في ذلك العصر . ومن هنا فلا يمكن لهذا الفهم – اي المعرفة الدينية – ان تكون اساسا لحركات او انظمة شمولية .
استيعاب الدين في عصر ما هو استيعاب متناغم ومساير للعلوم والمعارف المقبولة من جانب اهل الدين في ذلك العصر ، وهو بمثابة جواب على اسئلتهم ومشكلاتهم النظرية والعملية . مثل هذا الاستيعاب يتشكل من خلال حوار دائم بين المؤمنين تتكشف في اطاره نقاط التلاقي بين النص الديني وبين معارفهم وحاجاتهم وتوقعاتهم وآمالهم ، على مختلف المستويات والمسارات . الشريعة في نظرية "القبض والبسط" ليست اذن قانونا اعلى او ثابتا لا يتغير ، ولا هي عالم متجرد ومنفصل عن موضوعها الانساني او الاجتماعي ، بل معرفة حية تتفاعل باستمرار مع موضوعها وتتكيف مع احواله المتغيرة . بعبارة اخرى فهي غير مطلقة او كلية من ناحية ، وهي متغيرة ومتأثرة من ناحية اخرى . المعرفة الدينية كما تقدمها نظرية "القبض والبسط" ليست جوابا ثابتا على كل شيء وفي كل زمن او مكان ، اي بكلمة اخرى ليست ارضية مناسبة لنظرية شمولية او نظام توتاليتاري .

2- من محورية الدولة الى محورية المجتمع
حين تنظر الى العلاقة بين الراي العام وسياسات الدولة في المجتمعات غير التقليدية ، فسوف تجد ان التوجهات السياسية للمجتمع تتمظهر وتتجسد على صورة "فعل سياسي" تبعا للعلاقة التفاعلية بين القوى الثلاث الكبرى في المجتمع ، اي الدولة والمجتمع المدني وجمهور الشعب . بعبارة اخرى فان وضعية اي مجتمع ونظامه السياسي هو نتاج لتاثير وتفاعل ثلاثة متغيرات هي : حجم وقوة الجزء المنظم والفعال من المجتمع ، اي ما يوصف بالمجتمع المدني ، طبيعة العلاقة التي تربط بين الدولة والمجتمع المدني ، واخيرا طبيعة العلاقة بين الدولة وجمهور الشعب .
يمكن لذلك التفاعل ان يجري على صور عديدة ، بعضها مساعد وبعضها معطل او معيق للتطور الديمقراطي . من بين جميع الصور المحتملة ، يركز الباحثون في علم الاجتماع السياسي على واحدة منها يعتبرونها مناسبة كل التناسب مع الديمقراطية . تتشكل هذه الصورة من تعاضد وتكامل العناصر الثلاثة التالية :
أ- نضج المجتمع المدني من حيث القوة والانسجام والتاثير في الحياة الاجتماعية .
ب – قيام علاقة عضوية وتفاعلية بين الدولة والمجتمع المدني .
ج - بالنظر لتشكل القوة الاجتماعية الرئيسية في اطار جماعات منظمة (احزاب ، منظمات مهنية وجماعات مصالح . .الخ ) فان الحكومة لا تحتاج الى الاستعانة المباشرة بجمهور الشعب في دعم اغراضها او سياساتها .
في هذا النموذج ، يتمتع المجتمع المدني الناضج بحالة ديناميكية ويلعب دور المرآة الكاملة للتوجهات والمصالح والمشارب المختلفة الموجودة في المجتمع . لا يتمظهر تاثير الشعب على سياسات الدولة في المجتمعات المتقدمة من خلال النشاطات الفردية المعزولة ، بل من خلال التجمعات والتشكيلات الاجتماعية التي توفر الاطار المناسب لتطوير كفاءات الافراد وتحويل قناعاتهم الشخصية الى نشاط جمعي مؤثر . بكلمة اخرى فان هذه التجمعات هي التي تحول الراي الفردي الى قوة جمعية قادرة على التاثير في سياسات وتوجهات الدولة . من ناحية اخرى فان كل واحد من التشكيلات والتجمعات ومنظمات المجتمع المدني بكل تنوعاتها ، هو بصورة مباشرة او غير مباشرة ممثل لمصلحة او شريحة من المصالح لطبقة او صنف اجتماعي معين . ومن هذه الزاوية يمكن لكل شريحة اجتماعية تشكيل المنظمات او جماعات العمل كي تمثل الذراع السياسي الذي يدافع عن مصالحها ، او يروج لمتبنياتها في المجال الاقتصادي او الثقافي او السياسي او غيره .
جرت عادة الباحثين واهل الراي الذين فكروا وكتبوا حول الحكومة الدينية على مناقشة المسألة ضمن منهجين مختلفين عن النموذج المذكور اعلاه . ركز احد المنهجين على خصائص الحكومة الدينية ، فانصب توصيفهم المفهومي للحكومة على صفات قادتها مثل الفقاهة والعدالة او على خلفيتهم الاجتماعية وهمومهم الطبقية . تصور اصحاب هذه الرؤية الدولة كيانا مستقلا عن المجتمع ، يقف وراءه ، ويتولى امر هدايته وتوجيهه الى الطريق المستقيم . على المستوى العملي فان تحقق هذه الرؤية سيقود بالضرورة الى تضخم الدولة في مقابل المجتمع ، وازدياد تدخلها في الحياة الاجتماعية ، وبالتالي انكماش او ضعف المجتمع المدني ودوره وتاثيره .
اما المنهج الثاني فهو يبدأ تعريفه للحكومة الدينية بتوضيح خصائص المجتمع (الشعب والمجتمع المدني) . والفرضية الاولية في هذا المنهج هي ان الحكومة الدينية وليد شرعي وطبيعي للمجتمع الذي تديره ، وهي منبعثة منه ومرتبطة به ارتباطا كاملا وعضويا . هذا المجتمع مؤلف من جمهور يحمل قناعات وعقائد وسلوكيات دينية . وبالنظر لتلك الرابطة العضوية بين الدولة والمجتمع المدني فان اقامة حكومة دينية هو احتمال مستحيل في مجتمع لا يحمل تلك القناعات والعقائد . ويفترض الدكتور سروش في تعريفه للحكومة الديمقراطية الدينية ان رسوخ واستقرار الحكومة الدينية غير ممكن مالم تضع نصب العين ميول الشعب وهمومه وعلاقاته . يقول في هذا الصدد :
الحكومة الدينية هي الوليد الشرعي والطبيعي للمجتمع الديني . كما ان الحكومة الاستبدادية هي الوليد الطبيعي للمجتمع الجاهل والمنكر للحقوق والقابل للظلم والمتأخر وغير الصناعي والمغلق والقبلي . كذلك فان الحكومة الديمقراطية هي الوليد الطبيعي للمجتمع المتعلم والصناعي الذي يؤمن ايمانا كاملا بحقوقه ، والذي تتوفر له اليات للمشاركة في الحقوق والشؤون العامة ... مهما ارادت الحكومة ، فهي في نهاية المطاف مولود الشعب ، وهي معه وفي صفه ، وهي من جنسه وعلى شاكلته .
الحق ان الحكومة الدينية قائمة على المجتمع الديني وهو سابق عليها وممهد لها ، هي تناسبه وتمثله . في مجتمع ديني فان اي حكومة غير دينية ، هي بالضرورة غير ديمقراطية .
بطبيعة الحال فان الحكومة الدينية المنبعثة من المجتمع الديني والمعتمدة عليه ستكون ديمقراطية ايضا اذا جمعت بين رضا الخالق ورضا المخلوقين، والتزمت بما هو خارج الدين وما هو داخله ، وراقبت حرمة العقل والاخلاق السابقة للدين بقدر ما راقبت حرمة العقل والاخلاق المسبوقة بالدين [3] .

3- التعددية كارضية للديمقراطية
وجه سروش جانبا مهما من اعماله نحو توضيح وتعزيز المباني النظرية الضرورية لقبول التعدد الفكري والتنافس الحر بين الافكار باعتبارها السبيل الوحيد لاغناء التجربة الانسانية وتطوير الحياة والنظام الاجتماعي . التعدد الفكري ليس ناتجا عن اختلاف المجتمعات وظروفها الحياتية فقط ، بل هو ايضا ثمرة لتنوع واختلاف المدارس الفلسفية والمنهجية التي يتبعها كل باحث ومفكر في التحليل والبحث والاستنتاج . الافكار التي طرحها كبار فلاسفة السياسة هي خلاصة لتاثير ثلاثة عوامل : المحيط الاجتماعي الخاص الذي تولدت فيه تلك الافكار وكانت بصورة من الصور جوابا على بعض همومه او انشغالاته ، والمرجعية التاريخية التي تتصل بها الفكرة او تعتمد على فرضياتها ، ومنهج البحث والاستدلال والتقييم (نظرية المعرفة) الذي اختاره صاحب الفكرة سبيلا للتحليل والربط بين فرضياته واستنتاجاته . من هنا فان تحديد علل التفاوت بين الاراء العديدة في الفلسفة السياسية يحتاج الى فهم نظريات المعرفة المختلفة بقدر ما يحتاج الى معرفة النظريات المتعلقة بالانسان والمجتمع والدولة . ينبغي الاخذ بعين الاعتبار هذه القاعدة لفهم المنهج الذي اختطه سروش في ميدان الفلسفة السياسية وتقييم النتائج التي توصل اليها . في الحقيقة فان ابرز ما توصل اليه في هذا الصدد هو ترسيم المنهج التحليلي الذي يسمح بتنوع الافكار ويتعامل مع تنافسها الحر كضرورة لتطوير الحياة الاجتماعية ، بغض النظر عن تقييمها الاخلاقي (اي اعتبارها صحيحة او خاطئة ، حقا او باطلا) .
في اعتقادي ان منهجا للمعرفة من هذا النوع يمثل احد الاركان الاساسية للسلوك الديمقراطي . لو نظرنا الى جوهر الحياة الانسانية كجدال بين الانسان وبين الظروف المادية والطبيعية التي يعيش في ظلها ، ومحاولات يبذلها لحل المسائل والمشكلات التي تفرزها تلك الظروف ، فان كفاحنا في الحياة سوف يتمحور حول اقامة النظام الاجتماعي الاقدر على توفير الوسائل اللازمة لحل المشكلات . من نافل القول ان العثور على الحلول الافضل والاكفأ يتوقف غالبا على اطلاق العقول والخيال للتفكير من دون قلق او عقبات او محظورات ، والتعبير الحر وغير المقيد او المتحفظ عن الاراء والاحتمالات التي يتوصل اليها مختلف الناس ، والممارسة الحرة للنقد والتفنيد والمراجعة لمختلف الاراء والاحتمالات والحلول المطروحة . ومن هنا فقد ذهب دعاة الديمقراطية الى القول بان اكفأ المجتمعات هي تلك التي لا تقيد او تمانع من التعبير الحر عن الراي المختلف والمخالف ، كما تجيز تعريضه للتداول والنقد ، وتتيح الفرص الضرورية للاخذ بتلك الاراء وهذا النقد في ميدان العمل .
سياسات الدولة بل وجميع القرارات التنفيذية الادارية تنطوي في واقع الامر على رؤية تجريبية : (اذا فعلنا X سوف نحصل على Y . من ناحية اخرى فاذا اردنا الحصول على A فيجب ان نفعل B) . معروف للجميع ان هذه الفرضيات قد تقع في الخطأ "كل بني ادم خطاء" ، وقد جرت عادة البشر جميعا على نقد اعمالهم وتصحيحها او تغيير مساراتها اثناء قيامهم بها . كل سياسة او برنامج عمل هو بمثابة فرضية يتبين صدقها او خطلها من خلال عرضها على الحقائق الواقعية واختبار قدرتها على التطابق او التباين مع الواقع ، حيث يجري على ضوء التجربة نقدها وتصحيحها او ربما تغييرها .
تصحيح الفرضية من خلال النقد والتجريب هو الوسيلة المعتادة لتطوير الفكر والممارسة . لكن لا شك ان الافضل والاكفأ والاكثر عقلانية هو كشف عيوب الفرضيات ونقاط ضعفها قبل وضعها في ميدان العمل ، فمن شأن ذلك ان يوفر الوقت والجهد كما يحد من الخسائر الاخرى التي يمكن ان تترتب على تطبيق فرضيات خاطئة او ناقصة . بعبارة اخرى فان توفير الفرصة لممارسة النقد الحر والمتنوع على السياسات والبرامج والقرارات المؤثرة في المجال العام ، هو ضرورة عقلائية للمحافظة على الموارد العامة . لكن فاعلية هذا النقد يتوقف على توفر ارضية ثقافية تتقبل تنوع الاراء والافكار وحرية التبادل الثقافي ومشاركة الجميع في تشكيل الحياة السياسية للجماعة ، هذه الارضية هي منهج معرفي او نظرية في المعرفة كما يتضح من النص التالي للدكتور سروش:
لو كنا نملك الحق ، لو كان واضحا وصريحا مائة في المائة ، لو ان الحق وضع نفسه سهلا ، عاريا ، ورخيصا بين ايدينا ، لما كان ثمة حاجة للكلام ، بل لربما تحملنا تحكم الحق وصاحب الحق ، ولقدمناه على ثمرات عقولنا التي قد تصيب وقد تخطيء . لكن ماذا نفعل وتجربة البشرية كلها تخبرنا بان الحق لا يمكن ان يوجد عريانا . حيثما توجهت فان ما يظهر من الحق هو نسبة محدودة منه ، بينما يختفي الباقي وراء الحجاب . نحن بحاجة الى كشف هذا الحجاب كي نرى الحقيقة . . . الباحث الذي ادرك ان بلوغ الحقيقة يتطلب العبور بمفازات متشابكة من المعلومات والافكار وطرق ملتوية من التحليلات والمناهج التي تناظر سعة وتنوعا تجربة الانسان وما انتجه من افكار ، مثل هذا الباحث يدرك ايضا مقدار حاجته الى غيره ، ولهذا فهو حريص على دعوتهم للكلام والمشاركة في التفكير والبحث[4] .
يوضح هذا النص بجلاء ان رؤية سروش في فلسفة العلم ومنهجه العام في تعريف ومعالجة المعرفة البشرية ، تمثلان معا ارضية معقولة لقبول التنوع والتعدد في الاراء وضرورة تحرير التبادل الثقافي والفكري من القيود والمعيقات .
4- تقييم الديمقراطية وتقييم اطارها التاريخي
 النموذج المعاصر للديمقراطية بما فيه من مؤسسات واليات عمل هو وليد المجتمعات الصناعية ذات الاقتصاد الراسمالي التي نطلق عليها مجموعا "الغرب" . ومن هنا فقد مال عدد من اهل الراي الى القول بالتلازم والتشابه والارتباط بين صناعة الغرب وسياسته من جهة وبين الفكر والفن والفلسفة والادب الغربي من جهة اخرى . واستخلصوا بناء على هذا بان علينا ان نأخذ المنتج الغربي بكليته او نرفضه بكليته . فيما يتعلق بالسياسة مثلا فقد ذهبوا الى ان قبول الديمقراطية هو اشبه باقتطاع جزء من حصاد الحقل الغربي ، وهو يساوي القبول بذلك الحقل بكليته وكل ما يزرع في ارضه . ندرك اهمية هذا الاشكال من خلال النظر في الاطار التاريخي الذي ولد فيه مفهوم الديمقراطية ، ذلك ان ايا من العناصر التي تشكل الارضية المادية والذهنية لهذا المفهوم ، ليست من ذلك النوع الذي يمكن قبوله في اطار المعتقدات الدينية . ويشدد المعارضون للديمقراطية على ان تاريخ الغرب مندرج ومندمج بمجمله في النظام الغربي المعاصر وهو يتراءى في كل جزء من تفاصيله . ومع الاخذ بعين الاعتبار ان تاريخ الغرب كان مسار تباعد عن المعنويات والدين ، فان قبول اي جزء ولو صغير منه يتساوى مع القبول بذلك المسار كله . بعبارة اخرى فان احد وجوه الاعتراض على الديمقراطية الاكثر رواجا في بلادنا هو في جوهره نقد لتبعات وانعكاسات هذا النوع من الحكم في الغرب . السؤال الذي يتردد في اذهان المتوجسين من الديمقراطية فحواه : اليس من الممكن ان يقود التسليم بالديمقراطية الى التسليم بالمقدمات التاريخية للتجربة الغربية؟ .
يرى سروش ان هذا السؤال – رغم كونه مشروعا – هو اقرب الى القلق من المجهول منه الى كشف واقع ممكن :
صحيح ان كل جزء من الثقافة قد تولد بسبب دوافع خاصة وتطور ضمن مسار تاريخي خاص ، لكن انتخابه وشراءه لا يعني بالضرورة انتخاب او شراء تلك الدوافع او المسار التاريخي ... بديهي ان كل ادب او فن او منهج مما يوجد اليوم في حقول العلم والسياسة والتكنولوجيا هو عصارة وخلاصة للمعاناة والافكار والاحاسيس والاهداف التي حملها وكابدها وناضل من اجلها الماضون من البشر . لكن ليس من البديهي ان نعتبر تلك الاداب والفنون والسياسات حاملة لاعباء تاريخها وما انطوى عليه من فضائل او آثام ، فكلما حطت في مكان فتحت كشكول اسرارها ونشرت مظلة ماضيها على مستقبل مضيفيها او ناقليها والآخذين بها . هذه مغالطة ليس اكثر . الاداب والفنون والعلوم والعادات ليست مثل الفانوس الذي لا بد من حمل وقوده في داخله حيثما اخذناه . تاريخ تلك الاداب والعلوم لم يعد حاضرا الان في قلبها . بلى .. القضايا الجارية في الغرب اليوم هي ثمرة لتاريخ تلك الديار وما جرى فيه من حوادث . لكن كيف يمكن القول ان كل ذرة من هذه القضايا تنطوي على كل ذلك التاريخ ، بل والادعاء فوق ذلك بانها تحمل معها الغرب وفضاءه واحواله حيثما رحلت ؟ . تاريخ اي حادثة ينتهي بـ "وجود" ووقوع الحادثة ، لكن هل يدخل التاريخ في تكوين "ماهية" تلك الحادثة وينضوي في مضمونها ؟ . نحن بحاجة الى معرفة التاريخ والجغرافيا كي نعرف اسباب "وقوع " تلك الحوادث وظهورها ، لكن ماذا عن معرفة ماهيتها ؟ . ان جغرافيا الحوادث والافكار وتاريخها ، بل واي معلومة تتعلق بتلك الحادثة او الفكرة لا يمكنها ان تقدم حكما على جودتها او صحتها او خطلها[5] .
من مجموع استدلالات سروش يتضح ان الديمقراطية ، رغم تشكلها وتطورها في اطار النظام الاجتماعي الغربي ، الا ان الحكم عليها يجب ان يتخذ مسارا مستقلا عن الحكم على الجوانب الاخرى من سلوك الغربيين ومنظوماتهم القيمية . لا ينبغي تعميم موقفنا من قناعاتهم وعقائدهم وتوجهاتهم او سلوكياتهم على كل ما انتجته حضارتهم ، وهو المنهج الذي اتبعه كثير منا في سياق ما يوصف بنقد الحضارة الغربية . ولادة النظام الديمقراطي في ارض غير ارضنا لا يعنى ضرورة ان نغفله ونعتبره الى الابد غريبا عنا او مذموما .
خلاصة :
قدمت المناقشة السابقة صورة عن المنهج الذي اتبعه الفيلسوف الايراني عبد الكريم سروش في مناقشة سؤال الديمقراطية والديمقراطية الدينية . وواضح انه يبتعد في هذا المنهج عن مسارات المناقشة المتعارفة في الادبيات الرائجة . فهو لا يركز على سؤال : هل تتناسب الديمقراطية مع الدين ام لا ؟ ، بل يهتم اولا وقبل كل شيء بسؤال : كيف نناقش فكرة الحكم الديني والديمقراطية الدينية ؟ ، وما هي الفرضيات الصحيحة التي ينبغي الانطلاق منها قبل الشروع في البحث . وقد عرض الكاتب اربع فرضيات اولية في هذا الصدد هي نفي العلاقة بين الدين والنظريات الشمولية ، والتاكيد على نسبية المعرفة وتحولها ، والتركيز على المجتمع بدل الدولة كموضوع للبحث في الحكم الديني ، واخيرا الفصل بين تقييم الديمقراطية كنظام ادارة وبين تقييم الاطار التاريخي الذي ولدت فيه .


[1] حنه ارندت : اسس التوتاليتارية ، (بيروت 1993) ، ص 246
[2] عبد الكريم سروش ، تفرج صنع ، (تهران 1987) ، ص 254-273
[3] سروش ، فربه تر از ايديولوجي (تهران 1994) ، مقاله "باور ديني ، داور ديني"
[4] سروش ، المصدر السابق ، مقاله "عقل وازادي"
[5] سروش ، تفرج صنع (تهران 1994) ، مقاله "غربيان وحسن وقبح وشؤون واطوار انان" . 





بقية فصول الكتاب


تقــــــــــــــــــــــــــــــــديم 
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/1.html
1)  الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية                                                         محمد مجتهد شبستري
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_8707.html
2) الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية                                 محسن كديور
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_9060.html
3) الديمقراطية الدينية: حاكمية العقل الجمعي وحقوق الانسان                           عبد الكريم سروش
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_6931.html
4) من المدينة الفاضلة الى مدينة الانسان :
 الفرضيات الاولية لبحث الديمقراطية الدينية                                             علي رضا علوي تبار
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_7868.html
5) في معنى الوصف الديني للديمقراطية                                                  علي بايا
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_24.html
6) جدل فقهي حول الدولة الحديثة                                                          توفيق السيف
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post.html      


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...