‏إظهار الرسائل ذات التسميات التيار الاصلاحي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التيار الاصلاحي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 يونيو 2019

دعوة التجديد بغيضة.... ولكن



اعلم – مثل كثير من القراء – ان الدعوة المعاصرة للتجديد الفكري والفقهي ، لا تلقى ترحيبا في الوسط الديني. بل لا أبالغ لو قلت انها تواجه بنوع من الارتياب والتشكك ، في مبرراتها وتوقيتها والجهات التي تتبناها ، والقضايا التي تطرحها كامثلة عن الحاجة الى التجديد.
"تجديد الدين" مصطلح مألوف في أدبيات المدرسة الفقهية التقليدية. لكنه مختلف عن المفهوم الذي يثير النقاش في عالم اليوم. الاسئلة التي يطرحها المفهوم الجديد ، والشواغل التي تشغل المهتمين به ، لاتماثل تلك التي تشغل رجال المدرسة  التقليدية. دعاة التجديد في الفكر الديني اليوم ، لا ينتمي غالبيتهم الى طبقة رجال الدين ، بل الى نخبة ثقافية تشكلت قناعاتها أو تطورت في إطارات العلم الحديث. ومن هنا فان مجالات اهتمامها تشكلت في سياق انتقال المجتمع او الاقتصاد الى الحداثة. هذا يعني – ضرورة - أن هذه  النخبة تنتمي ، من حيث التصنيف الاجتماعي ، الى دوائر
مصالح حديثة نوعا ما ، متعارضة مع تلك التي تنتمي اليها المنظومة التقليدية.  
تباين النسق الاجتماعي/المعرفي ، واختلاف دوائر المصالح ، أضاف نقاش التجديد الى مسار الصراع الذي لا يخلو منه مجتمع في طور النمو ، بين دعاة الحداثة وحماة التقاليد. وبالنظر لهذا السياق ، فليس متوقعا ان ينحصر الجدل حول تجديد الدين في المستوى النظري ، او صراع الافكار ، بحسب تعبير المرحوم مالك بن نبي.

التقليديون يصفون دعاة التجديد بالعلمانية والتميع. كما ان دعاة التجديد يتهمون التقليديين بالفشل في استيعاب جوهر التحدي الذي يواجه الاسلام المعاصر.
 
اني اتفهم الاسباب التي تدعو المؤسسة الدينية التقليدية الى الارتياب في دعاة التجديد ،  افكارهم واغراضهم وطرقهم. اعلم ان هذا يحصل دائما ، لان نجاح الدعوة الجديدة ، يقود عادة الى تغيير التوازنات الاجتماعية ، ومعها منظومات عريقة من مصادر القوة والنفوذ والقيم. اذا اردت التحقق من صحة هذا الاستنتاج ، فابحث عن الاشخاص الذين كانوا اغنياء او وجهاء قبل اندماج مجتمعاتنا في الاقتصاد الحديث ، وقارنهم بنظرائهم الجدد: اين أولئك وأين هؤلاء؟.  
 
غرضي في هذه السطور هو دعوة التيار الديني مجملا الى تقبل فكرة التجديد ، باعتبارها حراكا متواصلا لا يتوقف في زمن ، ولا يرتبط بشخص بعينه او قضية بعينها. التجدد والتحول سمة للحياة الطبيعية ، بل هو ضرورة لها. إذا اردنا للدين الحنيف ان يبقى فاعلا في حياة اتباعه ، متفاعلا مع حياة العالم ككل ، فهو بحاجة الى مواكبة التحولات التي تجري في هذا العالم ، ولو اقتضى ذلك التضحية بالكثير مما ألفته النفوس ، واعتادت عليه أو استراحت اليه. اريد توجيه هذه الدعوة بالخصوص الى عامة المؤمنين ، الذين يهمهم إبراء ذمتهم من اي خلاف لأمر الله ، كما يهمهم – في الوقت نفسه – ان لا يتخلفوا عن مسيرة المدنية  المعاصرة ، ومن هنا فهم أصحاب مصلحة في التجديد ، بل هم في حاجة ماسة اليه.
أعلم انه ليس سهلا على المؤسسة الدينية الرسمية في أي بلد ، والقوى الاجتماعية التي تؤازر رجال الدين عموما ، ليس سهلا عليها التنازل عن افكار ألفتها وارتاحت اليها ، وتشكلت في أفقها وعلى أرضها علاقات ومصالح ومسلمات. بل ليس سهلا عليها ان تذهب الى هامش المجتمع ، بعدما سكنت قلبه سنوات طويلة.
هذا ليس بالامر السهل. لكني لا أظن ان أحدا يملك الخيار. يمكن تأخير التجديد سنة او سنوات. اما ايقافه فهو رابع المستحيلات كما يقال.

الشرق الاوسط الأربعاء - 15 شوال 1440 هـ - 19 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14813]


مقالات ذات علاقة

نقد التجربة الدينية

الخميس، 1 مارس 2012

بعد عام على صدوره : بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" حجر زاوية في تاريخ التيار الديني السعودي


في مثل هذه الايام من العام المنصرم نشر على الانترنت بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات". هذا البيان يشكل حجر زاوية في مسار طويل ، واحسبه علامة بارزة في التاريخ المعاصر للمملكة العربية السعودية وللتيار الديني المحلي بشكل خاص.

سرد البيان ثمانية محاور للاصلاح ، هي (نصا) :

1.       أن يكون مجلس الشورى منتخباً بكامل أعضائه، وأن تكون له الصلاحية الكاملة في سنّ الأنظمة والرقابة على الجهات التنفيذية بما في ذلك الرقابة على المال العام، وله حق مساءلة رئيس الوزراء ووزرائه.
2.        فصل رئاسة الوزراء عن الملك على أن يحظى رئيس مجلس الوزراء ووزارته بتزكية الملك وبثقة مجلس الشورى.
3.     العمل على إصلاح القضاء وتطويره ومنحه الاستقلالية التامة، وزيادة عدد القضاة بما يتناسب مع ارتفاع عدد السكان وما يترتب على ذلك من كثرة القضايا.
4.     محاربةُ الفساد المالي والإداري بكل صرامة ومنع استغلال النفوذ أياً كان مصدره ومقاومة الإثراء غير المشروع وتفعيلُ هيئة مكافحة الفساد لتقوم بواجبها في الكشف عن الفساد ومساءلةُ من يقع منه ذلك وإحالته إلى القضاء.
5.        الإسراع بحل مشكلات الشباب ووضع الحلول الجذرية للقضاء على البطالة وتوفير المساكن لتتحقق لهم بذلك الحياة الكريمة.
6.       تشجيع إنشاء مؤسسات المجتمع المدني والنقابات وإزالة كافة العوائق التنظيمية التي تحول دون قيامها.
7.       إطلاق حرية التعبير المسؤولة وفتح باب المشاركة العامة وإبداء الرأي، وتعديل أنظمة المطبوعات ولوائح النشر.
8.     المبادرة إلى الإفراج عن مساجين الرأي وعن كل من انتهت محكوميته أو لم يصدر بحقه حكم قضائي دون تأخير. وتفعيل " الأنظمة العدلية" بما فيها " نظام الإجراءات الجزائية" والتزام الأجهزة الأمنية و"المباحث العامة" بتلك الأنظمة في الايقاف والتحقيق والسجن والمحاكمة وتمكين السجناء من اختيار محامين للدفاع عنهم وتيسير الاتصال بهم ومحاكمتهم محاكمة علنية حسب ما نصت عليه تلك الأنظمة.
***
لو لم اذكر علاقة التيار الديني بالبيان ، فلربما ظن كثير من القراء انه صادر عن اي من تيارات الاصلاح الوطنية غير المصنفة ضمن اطياف التيار الديني السعودي. فالمطالب التي يعرضها لا تبتعد عن تلك التي تحدثت عنها البيانات التي وقعها من يصنفون عادة كليبراليين او دستوريين ، منذ وثيقة "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله -2003" وحتى "برنامج وطني للاصلاح-2011". بل لعل ذلك البيان قد تجاوز هذه الوثائق في بعض مطالبه.

تبنى البيان طيف اصلاحي يمثل الشيخ سلمان العودة ابرز شخصياته المعروفة. وافتتح باشارة الى التحولات التي يشهدها العالم العربي ، "الثورات التي بدأها الشباب وانضم لهم الشعب بكل فئاته ومكوناته في كل من تونس ،  ومصر وليبيا وغيرها" تمثل نذيرا بان المملكة ، مثل سائر البلدان تواجه تحديا جديا ، ستذهب الامور باتجاه الثورة ، مالم تبادر الدولة سريعا في "الإصلاح والتنمية والحرية والكرامة ورفع الظلم ومقاومة الفساد ".

خلال السنوات العشرين الماضية اصدر الناشطون في التيار الديني السعودي بيانات وعرائض عديدة تنتقد سياسات رسمية او تقترح تعديلات في الادارة والقانون. لكن بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" يمثل حالة مختلفة عن تلك البيانات جميعا. ويهمني الاشارة الى عنصري اختلاف رئيسيين في هذا المجال:

أ‌)    المطالب التي عرضها بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" تضع الموقعين في خانة دعاة الديمقراطية. في الماضي كانت مثل هذه الدعوة منبوذة في الوسط الديني ومصنفة كشعار للمتغربين والعلمانيين. مطالب مثل فصل السلطات ، سلطة تشريعية منتخبة ، حريات مدنية ، مجتمع مدني ، ليست معتادة في الوسط الديني ، فضلا عن طرحها كحل لازمة وطنية.
ب‌)   وقع على البيان ما يزيد عن عشرة الاف مواطن. الاسماء الخمسين الاولى في قائمة الموقعين لها اهمية استثنائية ، فهي تشير الى قاعدة عريضة تتجاوز المجال الاجتماعي للتيار الديني. هذا يؤكد اهتمام صانعي البيان بتقديم خطاب يعبر عن المجتمع السعودي بمختلف شرائحه. فيما مضى كان التيار الديني يقدم نفسه كصانع احداث وصانع راي عام منفرد ، يتوجه لبقية السعوديين ناصحا وحاكما . البيان الذي نحن بصدده يقدم موقعيه كشركاء في خطاب واحد ، يدعو لاهداف واحدة ويقدم طريق حل واحد.

المعنى السياسي لبيان "دولة الحقوق والمؤسسات"


دشن البيان مرحلة جديدة مضمونها الابرز هو انفكاك الطيف الاصلاحي عن تراث السلفية التقليدية ومسارها التاريخي وخطابها السياسي والاجتماعي. هذا يعني بالضرورة طلاقا مع الدولة التي اعتادت التعامل مع التيار الديني كسد امام مطالبات الاصلاح السياسي واداة كبح لارادة التغيير ، سيما بين الجيل الجديد من السعوديين.

هذا التلخيص قد لا يصف ما جرى على وجه الدقة. ما وصفناه بطيف ديني اصلاحي ، هو في حقيقة الامر تيار في دور التشكل ولم تتضح ملامحه النهائية بعد. سلوكياته وخطابه اقرب الى التجريب ، وتكوينه الاجتماعي في حال تموج ، تدخل فيه موجة وتخرج منه اخرى ، يتسع ويضيق ، تسخن اجواؤه الداخلية وتبرد. ومن المرجح ان يبقى الامر على هذا النحو لفترة لا نستطيع تحديد امدها ، الا اذا جرت حوادث كبرى في البلد ، تضطر مختلف الاطياف والافراد الى حسم خياراتهم.

لكننا نستطيع في هذا الوقت – الذي يعتبر مبكرا نسبيا – الاشارة الى بعض التحولات التي يسهم مجموعها في تشكيل الصورة النهائية لذلك الطيف:

1- الخروج من عباءة الدولة : صدور "مذكرة النصيحة" في منتصف 1992 كان اول اعلان صريح عن ظهور طيف ديني جديد متمايز في خطابه وتكوينه الاجتماعي عن المؤسسة الدينية الرسمية وكبار العلماء. تجلى التمايز بشكل رئيسي في تطلع الطيف الجديد للتاثير في سياسة الدولة وتوجيه مسارها ، اي الانتقال من صورة العضو العامل ضمن الجهاز الرسمي – كما هو حال المؤسسة الرسمية – الى صورة العضو المتخارج والموجه. هذا يستبطن قناعة داخلية بان الطيف الجديد لا يستمد قوته من علاقته العضوية بالدولة كماهو حال ابرز العلماء التقليديين ، بل من تاثيره في الراي العام ، الامر الذي يذكر بحال جماعات الاسلام السياسي التي نشطت في تلك الحقبة. اطلق على الطيف الجديد اسم تيار الصحوة.

2- التحرر من عباءة السلفية التقليدية: منذ 2001 كان ثمة جدل داخل التيار الجديد حول توجهاته الرئيسية ومواقفه السياسية ، لا سيما موقفه الذي يتسم بالارتباك وربما الغموض تجاه تيار العنف السياسي الذي يتمثل في تنظيم القاعدة. كان هذا الامر محرجا جدا لتيار الصحوة ، نظرا لاختلاط مياهه بمياه "القاعدة" على مستوى المصادر الفكرية والبيئة الاجتماعية. في اول الامر كان ثمة محاولات يمكن وصفها بالاعتذارية ، تؤكد على ان "القاعدة" هي التي مالت عن الصراط المستقيم. لكن ظهر تاليا ان هذا المنهج التبريري ليس فعالا في اداء وظيفة الفرز المطلوبة ، خاصة وان هناك اجنحة في "الصحوة" ، واخرى ضمن التيار التقليدي ، تبشر – ضمن مستويات اقل عنفا - بنفس المباديء والمواقف التي تتبناها القاعدة ، مثل العداء الديني للغرب ونظرية المؤامرة الدولية .. الخ. كان الامر يقتضي اذن حسم الخيارات:
أ) على المستوى الفكري: التباعد عن الفهم النصي للدين والالتزام بتراث السابقين ، وتبني تفسير للدين اكثر انفتاحا على العصر ونتاجه العلمي.
و ب) على المستوى الاجتماعي: اعادة  تحديد شريحة المخاطبين من خلال التركيز على الطبقة الوسطى الحديثة واهمال الطبقات التقليدية. هذا يعني – بالضرورة – الالتزام بالقيم واللغة وانواع الخطاب التي تميل اليها الطبقات الحديثة وقبول المخاطرة بخسارة التقليديين.

حسم الخيارات



قبل 2005 كان تيار "الصحوة" يراهن على ترميم الجسور مع الحكومة. وبذل في هذا الصدد جهودا كبيرة وعلى مسارات مختلفة.  ويبدو ان جناحا في الحكومة كان يميل ايضا الى هذا الخيار ، ايمانا منه بان الدين والمال هما الوسيلة الاقوى لتبريد التوترات وتثبيط التعارضات. لكن هذا الجناح لم يكن قادرا او مستعدا لدفع الثمن السياسي المطلوب. منذ 2005 اظهرت الحكومة اتجاها اوضح للتحرر من ضغوط رجال الدين التقليديين ، وانتهاج خط  اكثر انفتاحا في الجانب الاجتماعي. احدث هذا الاتجاه صدمة في الوسط الديني ، عبر عنها بوضوح الشيخ عبدالمحسن العباد ، الرئيس السابق للجامعة الاسلامية:
لما آلت ولاية الأمر في هذه البلاد قبل عام واحد إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أعزّه الله بطاعته ونصر به دينه ، هبَّ دعاة تغريب المرأة إلى الخوض في مجالات مؤدّاها انفلات النساء في هذه البلاد ، كما انفلتت في البلاد الأخرى ، وطفحت بها الصحف ، مؤملين أن يجدوا في عهده خلاف ما كان في عهد أبيه وإخوانه الأربعة الذين وَلُوا الأمر من قبله، وأنَّى لهم ذلك؟[1].

اطلق وصف "التغريبي" على عدد كبير من المساعدين المقربين للملك ، ابرزهم – ربما – وزير العمل السابق ، المرحوم غازي القصيبي. لكن الوصف تمدد ليشمل ايضا وزير الاعلام السابق اياد مدني ، وزير العمل عادل فقيه ، السكرتير الخاص للملك ورئيس ديوانه خالد التويجري ، واخيرا ابنة الملك عادلة وزوجها وزير التربية الامير فيصل بن عبد الله ال سعود[2]. المهم في الامر كله ان التيار الديني بجناحيه التقليدي والصحوي وضعا نفسيهما في مواجهة مطالب متصاعدة بالاصلاح السياسي يموج بها المجتمع السعودي ، وتتناغم معها تغيرات في المحيط الاقليمي ، فضلا عن ضغوط من حلفاء المملكة الغربيين ، لا سيما الولايات المتحدة الامريكية. في خضم هذا الصراع صعدت الحكومة اجراءاتها الهادفة لتحجيم التيار الديني في مستويات عديدة ، بلغت اعلى مستوياتها في اغسطس 2010 ، حين صدر امر ملكي يمنع رجال الدين من الافتاء للعموم.  ونص الامر على ان " كل من يتجاوز هذا الترتيب فسيعرض نفسه للمحاسبة والجزاء الشرعي الرادع، كائناً من كان"[3]. وقد تم بالفعل اغلاق مواقع انترنت وانظمة تواصل يديرها رجال دين ، وانذر آخرون بانهم سيتعرضون لاجراءات مماثلة مالم يغلقوا الابواب المخصصة للفتوى على مواقعهم الالكترونية.

في هذه الفترة تحديدا ، اي الربع الاخير من العام 2010 ، كان ثمة حراك ساخن بين مثقفين يتبنون رؤية دينية اصلاحية ، قد نجح في بلورة موقف جديد ، يدعو الى تبني موقف محدد تجاه ما يجري في البلاد. تتلخص هذه الرؤية في ان الجدل الشديد داخل التيار الديني حول ما يصفونه بمؤامرة تغريبية قد حرف الصراع  عن مساره الصحيح بتركيزه على الاشخاص ،  متناسيا حقيقة ان جميع هؤلاء الاشخاص لم يكن لهم قيمة ولا قدرة على فعل شيء لولا انهم اعضاء في النظام السياسي . انهم بعبارة اخرى عناصر في منظومة واسعة تنفذ سياسة عامة ، هي جوهر المشكلة. المبالغة الحديث عن التغريب قد يستر حقيقة ان استبداد الدولة وانفراد النخبة بالحكم وانعدام المشاركة الشعبية والرقابة ، هو الذي يجعل التغريب او غيره ممكنا ، ويجعله – وهذا هو الاهم – قادرا على استثمار مصادر القوة الوطنية التي تهيمن عليها الدولة. بناء على هذا التحليل راى هؤلاء الاصلاحيون ان على التيار الديني ان يعيد صياغة اهدافه بالتركيز على معارضة الاستبداد والدعوة للمشاركة الشعبية.  هذه اذن دعوة لتحول التيار الديني الى حركة سياسية معارضة للحكومة.

لم يكن متوقعا ان يتوافق اكثرية رجال الدين على هذا التحليل. فهو – في نهاية المطاف – دعوة لكل منهم للتضحية بنظام مصالح جرى بناؤه وترسيخه على مدى سنوات طويلة. كما انه سيؤدي بالضرورة الى تعميق الانقسامات داخل المجتمع الديني.

في ديسمبر 2010 انطلقت شرارة الربيع العربي في تونس ونجحت في الاطاحة بحكومة الرئيس زين العابدين بن علي. وتلتها مصر التي انفجرت ثورتها بعد شهر ، ثم البحرين واليمن وليبيا في الشهر التالي. وفي هذا الشهر تحديدا ، فبراير2011 ، شهدت الساحة السعودية صدور بيانات عديدة ، تتفق جميعها على اعتبار الاصلاح السياسي المطلب الملح للمجتمع السعودي في لحظته الراهنة.
بيان "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" كان الاكثر اثارة للاهتمام لانه اكثر من مجرد اعلان مطالب. كان اعلانا بوصول الجيل الجديد في التيار الديني الى نقطة التحول الكبرى ، التي تتمثل في اتخاذ موقف سياسي – فكري صريح يساند الاصلاح السياسي ويدعو للديمقراطية.
***
هذه النقطة هي الحلقة الاخيرة في مسار طويل. واظن ان تاريخ الحركة الدينية السعودية سوف يصنف في المستقبل الى مرحلتين ، مرحلة ما قبل بيان الحقوق والمؤسسات ومرحلة ما بعد البيان. فيما يتعلق بالتوصيف السياسي للمجتمع السعودي ، فقد كشف البيان عن حقيقة ان التعبئة الثقافية الطويلة الامد ضد المباديء السياسية الحديثة لم تنجح في اقناع السعوديين بالتخلي عن التطلع لعلاقة جديدة بين المجتمع والدولة ، علاقة تقوم على المساواة والشراكة والضمان القانوني لحريات الافراد وحقوقهم. هذا تطور يبعث على الغبطة ويعزز الامل ، رغم تاريخ طويل  من الاخفاقات وخيبات الامل.
نشر في موقع المقال (1 مارس 2012 ) http://www.almqaal.com



[1] عبد المحسن العباد: لماذا لا تقود المراة السيارة في المملكة العربية السعودية.  ص 55. ن. إ.
 www.saaid.net/book/8/1915.doc
[2] انظر مثلا ابراهيم السكران: تطورات المشروع التغريبي في السعودية. مدونة ابراهيم السكران (8 سبتمبر 2010)

الثلاثاء، 16 يونيو 2009

هل تتلاءم الثقافة الإسلامية مع الديموقراطية؟




بقلم توفيق المديني
جريدة المستقبل  - الثلاثاء 16 حزيران 2009 - العدد 3335 - ثقافة و فنون - صفحة 18

الكل في العالم العربي، وفي العالم الغربي، تساءل في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، عن التطورات السياسية والإسقاطات السياسية، على ضوء انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ومدى تفاعل مجموعة من التغيرات الإيرانية مع المعطيات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط.

وهناك تساؤل ألقى بثقله على الساحة العربية، منذ انتصارالثورة الإسلامية في إيران، ويتمثل ماهوالأفضل للعالم العربي، أن ينخرط في تجربة الديمقراطية الغربية، حتى وإن عبدت هذه الديمقراطية الطريق لوصول الحركات الإسلامية الأصولية إلى السلطة، أم أن الأمرعلى عكس من ذلك يتطلب الإبقاء على الأنظمة التسلطية عن طريق إجهاض الفوز الانتخابي للإسلاميين بحجة حماية المسار الديمقراطي، والمثل الديمقراطية؟ وفي سؤال جامع، هل حالة الديمقراطية حالة شر تام أم حالة خير للعالم العربي؟

لاتزال ظاهرة الإسلام السياسي على تنوع حركاته وتياراته في العالمين العربي والإسلامي تشغل اهتمام الباحثين والمفكرين العرب. فقد عقدت في السنوات الأخيرة ندوات فكرية عدة، شارك فيها باحثون ومفكرون لهم تجربة غنية بالفكر وخبرة سياسية عملية ومساع ديموقراطية معروفة، ومتحفظون ومعترضون على الديموقراطية، لتقديم مقاربات حول إشكاليات الديموقراطية، بهدف نقل الحوار حول الديموقراطية في البلاد العربية خطوة إلى الأمام على طريق تأسيس أرضية فكرية سياسية مشتركة لتأصيل الديموقراطية في الحياة السياسية العربية دون تعد على ضوابط نظام الحكم الديموقراطي ومبادئه العامة المشتركة، ودون تضحية بثوابت الأمة ومصالحها الحيوية.

وغالباً ما يتساءل بعض الباحثين والمنظرين العرب والأجانب عن العلاقة بين الإسلام والديموقراطية، وهل تتلاءم أو تتعارض الثقافة الإسلامية مع بعض التجربة "الديموقراطية الغربية" أو"الليبرالية"؟.

يقدم لنا الدكتور توفيق السيف في كتابه الجديد "حدود الديمقراطية الدينية" تحليلا سوسيولوجيا معمقا عن النقاش المستجد في منطقة الشرق الأوسط حول العلاقة بين الدين والديمقراطية، متخذا من دراسته لتجربة السلطة في إيران ما بعد الثورة الإسلامية موضوعا لاختبار فرضياته حول إيجاد بناء نموذج ديمقراطي قادر على التفاعل مع الهوية الدينية للمجتمعات المحلية.

ويتألف الكتاب من سبعة فصول وخاتمة، حيث يناقش الفصل الأول: المسار التاريخي الذي تطوّرت خلاله نظرية السلطة الشيعية منذ القرن الثامن الميلادي حتى قيام الثورة الإسلامية في عام 1979. ويناقش الفصل الثاني التعديلات المهمة التي أدخلها آية الله الخميني على نظرية السلطة الشيعية التقليدية، والتي بلغت المقوّمات الأساسية والوظيفية لنموذج السلطة التقليدية. ويناقش الفصل الثالث نموذج السلطة الثوري الذي قام على أرضية النظرية الدينية التقليدية، ويستعرض مكوّناته ومبرّرات قيامه. ويقدّم الفصل الرابع تحليلاً للإيديولوجيا السياسية للتيار المحافظ، بما فيها رؤيته للدولة الاسلامية وموقفه من القضايا موضع الجدل في إيران، مثل مسألة المواطنة وما يتعلق بها من الحقوق السياسية، والشرعية وسيادة القانون، والجمهورية ودور الشعب، فضلاً عن الأساس النظري لتلك الايديولوجيا.

ينطلق توفيق السيف في تحليله لصعود التيار الإصلاحي في السياسة الإيرانية، من نظرية الانقلاب البراديمي (المنظومي) التي طورها الفيلسوف الأميركي توماس كون لتفسير ذلك التطور، ومعانيه بالنسبة إلى التحجدربة الإيرانية. فهو يقول: "أظهرت المناقشة أن العيوب التي أدت إلى إطاحة الباراديم الثوري تكمن في الأسس التي قام عليها، ولا سيما الافتقار إلى أيديولوجيا سياسية متينة وعدم الانسجام عند النخبة التي اشتركت في إقامة النظام السياسي. واسهم هذان العاملان في تسهيل قيام حكومة شمولية شديدة التخلف. وأظهرت تجربة العقد الأول من عمر النظام فشل البراديم الثوري في احتواء مشكلات البلاد، لا سيما في ظروف الحرب والضغوط الاقتصادية الخارجية" (ص 145).

وقد توسعت جبهة الإصلاحيين مع انتخاب حجة الإسلام الإصلاحي محمد خاتمي رئيساً للجمهورية في أيار/ مايو 1997، الداعي إلى إرساء دولة القانون، والحريات العامة، وحقوق الفرد، والتعددية، والسماح بنشاط جميع الأحزاب شرط موالاتها للدستور حتى لو اعترضت على بعض تدابيره مثل آلية عمل نظام ولاية الفقيه "ويبقى شخص الفقيه خارج دائرة النقد".

ومن خلال الفحص الموضوعي لتجربة الإصلاحيين في الحكم وأيديولوجيتهم، يلخص الكاتب خصائص الخطاب الإصلاحي بأنه خطاب يجمع بين الأساس الديني والمفاهيم الديمقراطية ـ الليبرالية واقتصاد السوق الحر، ويتبنى عدداً من المعالجات النظرية التي تمثل اختراقات في جدل الدين ـ الحداثة، وتتعلق بمسائل جوهرية مثل الطبيعة الدينية للدولة، ومصدر السلطة والسيادة، ودور الشعب وغيرها. وقد عالج المفكرون الإصلاحيون هذه المسائل من منطلقات دينية أصيلة، لكن تفسيراتهم الجديدة مكنتهم من التوصل إلى صياغات قريبة جداً من تلك المعروفة في الأدبيات السياسية الحديثة.

يستنتج الكاتب أنه في حين فشل التيار الإصلاحي في إحداث تغيير كبير في بنية السلطة أو المحافظة على دوره السياسي، فقد نجح في تغيير البيئة السياسية في إيران، وإرساء حزمة مهمة من الإصلاحات في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبصفة خاصة في علاقة الدولة بالمجتمع.

وتتمثل المحاور الرئيسة للخطاب الإصلاحي في نقد الأيديولوجيا الرسمية، ولاسيما أرضيتها النظرية (الفقه التقليدي)، والدفاع عن الحداثة، والديمقراطية، والتعددية، وتحديد السلطة. ويقترب المفهوم الإصلاحي للديمقراطية إلى حد كبير من المفهوم الليبرالي. لكنه يخالفه في الموقف من العلمانية، إذ يرفض الإصلاحيون العلمانية كأيديولوجيا لكنهم يعتبرون التحول العلماني (أو المعرفي) نتيجة حتمية لاندماج الدين في الدولة والتحولات الاجتماعية.
ويقدم الخطاب الإصلاحي مثالا قويا على إمكانية المصالحة بين الإسلام والحداثة، لا سيما في الجانب السياسي. فهو يوفر أرضية لتفاعل نشيط بين المعرفة الدينية من جهة والفكر الفلسفي الاجتماعي الحديث من جهة أخرى.

ويعتقد الكاتب أن تجربة الإصلاحيين في السلطة، جعلت إيران أقرب إلى الديمقراطية، إذ تمثل تجربتهم الفكرية والسياسية نموذجاً يثير الاهتمام في تجسير الفجوة بين الدين والديمقراطية، ويقدم المفكرون الإصلاحيون حلولاً جديدة للكثير من المسائل التي ما زالت تثير الجدل في الشرق الأوسط حول إمكان التوصل إلى نموذج ديمقراطي محلي قادر على التفاعل مع الهوية والقيم الدينية للمجتمعات الإسلامية..

ولما جاءت حكومة الرئيس أحمدي نجاد، الممثل القوي للتيار المحافظ المتشدد، فقد كانت مبنيّةٌ على تحالفٍ بين عدّة مجموعات سياسية وعسكرية: أوّلاً فريقٌ دينيّ مُتشدّد يلعب فيه آية الله مصباح يزدي دوراً هامّاً، ويدعو إلى تطبيقٍ كاملٍ لمبدأ "ولاية الفقيه"، بالتحالف مع مرشد الثورة؛ وفصيلٌ من "حرّاس الثورة" يتطلّع إلى جعل إيران قوّةً مُهيمنةً في المنطقة - وقد تمّت مكافأة قادة هذا الفصيل بمناصب اقتصادية وسياسية هامّة. أمّا القسم الآخر من "الباسدران" فقد التحق باللّواء محمود باقر قاليباف، ممثّل الشريحة المُحدّثة، وهو رئيس بلديّة طهران، ومرشّحٌ للإنتخابات الرئاسية.
الشيء المؤكد في إيران، أن التيار المحافظ المتشدد ما زال يتمسك بالمفاصل الأساسية للنظام ويعمل من مواقعه المحصنة على كبح أي إصلاح أو تغيير أو إطلاق حرية التعبير ولو من داخل النظام، نفسه، والقيم نفسها التي انفصلت من أجل الثورة الإسلامية. فالطلاب الذين كانوا رأس الحربة في إسقاط شاه إيران، يوم كان رمزاً للظلم والاستبداد، وناصروا الجمهورية الإسلامية، أصبحوا اليوم يطالبون بالتخلي عن نظرية ولاية الفقيه، التي باتت تفتقر إلى المساندة سواء وسط الطلاب أو أساتذتهم. وهذا بحد ذاته يعتبر تطوراً سياسياً مهماً وخطيراً، بل إنه أهم وأخطر تطور منذ استلام رجال الدين السلطة العام 1979.

ويعتقد بعض المحللين الغربيين أن تبلور التيار الإصلاحي في إيران هي "بداية النهاية" لنظام حكم آيات الله الذي نشأ عام 1979، وتذهب دومينيك برومبرجر، الخبيرة الفرنسية البارزة في الشؤون الدولية إلى الجزم بأن "الثورة الخمينية انتهت في طهران.." بعد أن كسر التيار الإصلاحي "المساكنة على الطريقة الإيرانية" المتميزة بانعدام التوازن البنيوي في المواجهة بين "الفقيه" المطلق مع الشرعية الشعبية.

مرة أخرى، يجد التيار الإصلاحي نفسه في صراع مع الزمن وأن المبادرة التي دخلها في سبيل تحديث النظام السياسي، وخوض معركة الحداثة في إيران، هي في غاية التعقيد، بعد أن ضيع الفرصة الأخيرة عندما كان خاتمي في السلطة، حيث أن هزيمته أدت إلى انحساره، ولو مؤقتا.
ولاشك أن انحسار وفقدان التيار الإصلاحي زمام المبادرة، يخدمان موضوعياً البيروقراطية المحافظة والمتشددة، التي انقضت على المكاسب التي حققها التيار الإصلاحي خلال السنوات القليلة الماضية. ذلك إن نجاح التيار المحافظ المتشدد كان له تأثير كبير في كل العالم الإسلامي.

الكتاب: حدود الديموقراطية الدينية
 الكاتب: توفيق السيف
دار الساقي، بيروت 2009، 407 صفحات من القطع الكبير

جريدة المستقبل  - الثلاثاء 16 حزيران 2009 - العدد 3335 - ثقافة و فنون - صفحة 18
http://almustaqbal.com/storiesprintpreview.aspx?storyid=352688

مقالات مماثلة




الثلاثاء، 14 مارس 2006

المحافظون والاصلاحيون : المشهد الحزبي في ايران 2005



ناقشنا في الفصلين الماضيين الايديولوجيا السياسية لكل من المعسكرين الرئيسيين اللذين يتنافسان على السلطة في الجمهورية الاسلامية . وكان الغرض حينئذ هو تحديد نقاط الخلاف الرئيسية بين الفريقين وارضيتها النظرية. غني عن القول ان وجود الايديولوجيا السياسية بذاته ليس امرا مهما في عالم السياسة . انما تكتسب الايديولوجيا اهميتها اذا نجحت في التحول الى حركة سياسية قادرة على التاثير في السلطة والمجتمع واحداث التغيير الذي تنادي به او تتبناه .
من ناحية اخرى فان بلوغ الديمقراطية يتوقف الى حد كبير على تحول مبادئها من فكرة يحلم بها حفنة من الرواد الى مطلب شعبي . وهنا على وجه التحديد يكمن دور الاحزاب والجماعات السياسية التي – بفعل نشاطها الجمعي - تتحول الافكار العامة والاجمالية الى قضايا محددة تستقطب اهتمام الجمهور العام او شريحة معتبرة منه . بكلمة اخرى ، فان تبلور الروح الديمقراطية في المجتمع رهن باندماج مبادئها الكبرى في الثقافة الاجتماعية  ، وتفاعلها مع الجوانب المختلفة من حياة المجتمع وهمومه اليومية ، وبالتالي تطورها من فكرة او طموح مثالي الى رمز لتطلع المجتمع نحو مستقبل افضل . وتقوم الاحزاب بدور هام في هذا الجانب ، اذ تعمل على اعادة تفسير الهموم اليومية باعتبارها تجليات للحاجة الى تطوير النظام السياسي . ومن هذه الزاوية فان الاحزاب الديمقراطية هي – بصورة او باخرى – مصادر للثقافة السياسية الجديدة التي يحتاجها المجتمع ، بمثل ما هي ادوات لتنظيم وتوجيه الضغط الاجتماعي على الحكومة . ان دراسة التحول الديمقراطي لمجتمع ما ، يتطلب بالضرورة دراسة توزيع قواه السياسية ، ولا سيما تلك المتشكلة في تنظيمات حزبية او مجموعات مصالح ، اذ انها الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما اذا كان حراكه العفوي او المخطط ينطوي على قابلية معتبرة لانتاج تغيير ملموس ام لا .

يناقش هذا الفصل التركيب الحزبي للسياسة الايرانية والانعكاسات التي يخلفها التنافس الحزبي على النظام السياسي . ويبدأ الفصل بمقدمة نظرية موجزة عن دور الاحزاب وموقعها الاجتماعي . ثم يقدم عرضا عن الحزب الجمهوري الاسلامي الذي يعتبر الاب الشرعي لمعظم المجموعات السياسية الرئيسية في ايران اليوم ، قبل ان يدخل في صلب الموضوع . نشير هنا الى ان الفصل يقتصر على دراسة المجموعات الرئيسية في المعسكرين الاصلاحي والمحافظ ، ويخص ثلاثا منها بنقاش اكثر تفصيلا : "تحالف آبادگران" الذي يمثل الصيغة الاولية للجيل الجديد من الاحزاب السياسية المحافظة ، والتي يعتقد الباحث انها سوف تقود التيار المحافظ في المستقبل المنظور. "كارگزاران سازندگي" ، الذي يمثل التيار الليبرالي – البراغماتي والنخبة التكنوقراطية . واخيرا جبهه مشاركت ، التي تعبر عن الطبقة الوسطى الحديثة ، وتحمل توجهات ليبرالية شبه علمانية.
ويجادل الفصل بانه على الرغم مما يعانيه النظام السياسي- الاجتماعي الايراني من اعراض التخلف المألوفة في المجتمعات النامية ، فانه ينطوي في الوقت عينه على فرص جيدة للتطور السياسي . مسيرة الاصلاح التي بدأت في اوائل التسعينات ، رغم تباطؤها وتعرقلها ، تكشف عن حقيقة ان المجموعات السياسية المنظمة تستطيع ان تلعب دورا حاسما في تحويل الراي العام الى عامل مؤثر في انفتاح النظام السياسي وصياغته من جديد.
من المؤسف ان العمل الحزبي في ايران لم يحظ باهتمام كبير بين الباحثين الاجانب ، قياسا الى العدد الكبير جدا من الدراسات الذي اهتم بمختلف الشؤون الايرانية ، ولا سيما منذ بداية الثمانينات . ولعل السبب وراء قلة الاهتمام هذه ، يرجع الى حقيقة ان الحياة الحزبية لم تتخذ شكلا محددا الا في السنوات الاخيرة ، وتحديدا في اواخر التسعينات من القرن العشرين . ويمكن القول اجمالا ان معظم الدراسات والتحليلات المتعلقة بالاحزاب الايرانية التي نشرت خارج ايران ،  قد جاءت في سياق دراسة الاصلاح السياسي . اما في ايران ذاتها فقد شهدت السنوات الخمس الاخيرة اهتماما اوسع بهذا الموضوع .
ثمة نقطتان يجدر الاشارة اليهما هنا :
 الاولى : ان البحث في الاحزاب الايرانية قد تطور على يد كتاب اصلاحيين . ويبدو ان اغفال المحافظين لهذا الجانب هو نتاج لقلة اهتمامهم بالدراسات الاجتماعية ككل. او ربما بسبب قناعة بان تعدد الاحزاب السياسية لا يشير الى تفاوت مهم او جذري داخل التيار الديني الواسع . وحسب تعبير ناطق نوري ، الرئيس السابق للبرلمان ، فان الصراع بين الاحزاب السياسية يعبر في حقيقة الامر عن "اذواق مختلفة" وليس ايديولوجيات مختلفة[1]. استثناء من هذا ، فقد نشرت اخيرا بضع دراسات من جانب المحافظين تتسم عموما بكونها سجالية ، وتستهدف اساسا التاكيد على مخالفة الاحزاب الاصلاحية للتيار الديني العام ولا سيما ولاية الفقيه . وتعتبر هذه الدراسات تبني الاصلاحيين للديمقراطية الليبرالية دليلا على خروجهم عن الخط السياسي الديني[2].
الثانية : جميع الكتاب الذين تناولوا الموضوع يصنفون الاحزاب الايرانية الى يمين ويسار . وقد شاع اخيرا تصنيفها الى اصلاحية ومحافظة ، الا ان التصنيف الجديد لم يأخذ موضع سابقه بصورة كاملة . من المفهوم ان الصراع السياسي كان نتيجة للخلاف على الاستراتيجيات الاقتصادية للحكومة[3] ، مما يجعل التصنيف الاول طبيعيا . لكن استمراره على رغم ان الاقتصاد لم يعد موضوعا للصراع كما كان الامر سابقا ، يمثل على اي حال نقطة جديرة بالتأمل . لا بد من الاشارة هنا الى ان كثيرا من الباحثين خارج ايران ينظر الى الجناح اليساري باعتباره متشددا او راديكاليا واليمين معتدلا (انظر مثلا   (Menashri, 2001, Baktiari 1996, Tachau, 1994. لكن منذ منتصف التسعينات تبادل الفريقان هذه النسب ، فاصبح ينظر الى اليمين كمتشدد واليسار كمعتدل . وهذا يرجع في ظني الى السلوك السياسي الفعلي لكل من المعسكرين وليس الاساس الايديولوجي الذي ينطلقان منه . ولا ارى هذا الارجاع سليما من الناحية العلمية ، ذلك ان كل جماعة سياسية يمكن ان تتخذ مواقف يعتبرها البعض متشددة او معتدلة في وقت ما ، كلا لمبرراته الخاصة التي لا يمكن تعميمها .

 دور الجماعات السياسية :

يشير ازدهار النشاط الحزبي الى تحرر المجتمع من حالة السلبية والخنوع الى حالة الحركية والنشاط . ويظهر العمل الجماعي المنظم حين تتوصل فئة من اعضاء المجتمع الى اتفاق حول هوية خاصة تجمع بين افرادها وتميزهم عن المجتمع العام. تدور الهوية الجديدة عادة حول منظومة محددة من المطالب او المصالح . ثم تتمايز هذه التجمعات الى احزاب سياسية او منظمات حرفية او مجموعات مصالح ، طبقا لنوعية المطالب التي تتفق عليها والطريق الذي تتوسل به لبلوغها . في هذا الاطار فان الاحزاب السياسية تتشكل لمعالجة ذلك النوع من المشكلات او المطالبات الذي يتطلب تغييرا في السلطة ، او في سياساتها الكبرى. وبهذا الوصف فان الاحزاب هي وسيلة لبلوغ اهداف سياسية ولا سيما من خلال تغيير في الحكومة. لكن حتى لو لم تنجح الاحزاب في الوصول الى السلطة ، فان عملها يعتبر ضروريا لتحسين المناخ السياسي للبلاد . فالضغط الذي تمارسه على اجهزة الدولة ورجالها يساعد كثيرا في كبح اتجاه الدولة للاستبداد سواء من خلال اجهزة الضبط القهري "الشرطة والامن" او من خلال تحكم البيروقراطية في مصائر الناس ومصالحهم [4].
رغم تشكيك بعض النخب السياسية في ملاءمة العمل الحزبي لمجتمعات العالم الثالث ، الا انه من المقطوع به تقريبا ان التحول الديمقراطي لا يمكن ان ينتج مفاعيله من دون وجود احزاب نشطة . فمن خلال العمل الجمعي المنظم يتطور التطلع الى المشاركة في الحياة العامة من رغبة فردية او طموحات متناثرة عند بعض الافراد الى حركة متواصلة ، قادرة في نهاية المطاف على انتاج خطاب سياسي فعال يتنافس على السلطة . وتعمل الاحزاب على تسريع التحول الديمقراطي من خلال تاطيرها للراي العام وانضاجه واشراك الجمهور العام ، لا سيما الفئات المهمشة ، في العملية السياسية [5]. وينظر اتباع نظرية النخبة الى الحزب السياسي باعتباره (الوسيط الابرز لتدريب النخبة السياسية وتمثيلها)[6]. لكن على اي حال ، فانه لا ينبغي اغفال حقيقة ان قدرة الحزب السياسي على الوفاء بهذه المهام تتوقف على الظروف الخاصة بالمجتمع الذي ينشط فيه الحزب ، ولا سيما توفر اطار قانوني يسمح بالنشاط السياسي الاهلي ، وقبول النخبة الحاكمة بتبادل السلطة ، اضافة بالطبع الى الثقافة السياسية للمجتمع .

الخلفية الاجتماعية للجماعات السياسية

سؤال "كيف تعبر المنظمات السياسية عن قاعدتها الاجتماعية" كان موردا لاهتمام العديد من الباحثين الايرانيين . ويبدو ان مرجع هذا الاهتمام هو الخلاف الطويل الامد على العوامل الرئيسية الكامنة وراء الاصطفاف الاجتماعي ، اي السبب الذي يدعو الافراد للانتماء الى شريحة اجتماعية او مجموعة مرجعية معينة. ثمة رأي يميل الى تقسيم النظام الاجتماعي على اساس طبقي ، بينما يميل آخر الى التشديد على الثقافة كعامل حاسم وراء تمايز الفئات الاجتماعية عن بعضها ، ويرى فريق ثالث ان الموقف من الدولة ، ولا سيما درجة تدخلها في المجال الخاص ، هو العامل الرئيس وراء الانقسام الاجتماعي.
يمثل الراي الاول امتدادا للنظرية الاقتصادية في السلوك السياسي . تصور هذه النظرية المجتمع كتركيب منظومي من ثلاث طبقات ، عليا ووسطى ودنيا ، لكل منها هوية مميزة وشريحة من الهموم والخيارات ، مختلفة عن الاخريين. في هذا الاطار ، ينظر الى الاحزاب وتنافسها كتعبير سياسي عن المصالح المتعارضة للطبقات الثلاث ، فالحزب يقوم لتمثيل الطبقة التي ينتمي اليها اعضاؤه والدفاع عن مصالحها ، وبالتالي فان المائز الرئيسي بين الاحزاب هو هويتها الطبقية[7].
لم يلق هذا الراي قبولا بين اكثرية الباحثين الايرانيين الذين ينكرون وجود هويات طبقية واضحة الملامح في ايران [8] . ويرى بيران ان ملاك الاراضي التقليديين وتجار البازار هم المجموعة الوحيدة التي تنطوي على امكانية للتحول الى طبقة ذات هوية واضحة ووظيفة سياسية متمايزة [9] . لكن هذا التحول لم يتحقق بسبب انعدام النظام القانوني الذي يحمي الملكية الخاصة ، الامر الذي حمل هذه المجموعة على القبول بالبقاء في ظل الدولة طمعا في حمايتها ، بدلا من السعي الى تشكيل هويتها الجمعية الخاصة [10].
يميل الراي الثاني الى القول بان هوية الفرد تتشكل من خلال تفاعله مع الافراد الاخرين في بيئته الاجتماعية . وبالتالي فان همومه وخياراته السياسية هي تمثلات للقيم والتوجهات السائدة ضمن المجموعة المرجعية القائمة في بيئته الاجتماعية[11]. ويعتقد حسين بشيريه ان الصراع الاجتماعي والسياسي في تاريخ ايران الحديث هو – في الغالب – نتاج لانقسام ثقافي حول الحداثة . منذ اواخر القرن التاسع عشر انقسم المجتمع الايراني الى شريحتين كبيرتين ، تكافح الاولى للحفاظ على التقاليد ونمط المعيشة المحلي ، بينما تسعى الثانية لترسيخ الثقافة وانماط العيش الحديثة على حساب الاولى. ولكل من الشريحتين منظومة مصالح ، واهتمامات ، ونظام علاقات ، تتمايز عن الاخرى . ويذهب هذا التفسير الى ان الانتماء الثقافي الى الحداثة او التقاليد هو المائز الرئيس بين الاحزاب الايرانية [12].
ينسب الراي الثالث التمايز بين الاحزاب الى موقفها من تدخل الدولة في الحياة الشخصية لافراد المجتمع ، اي الامور التي تعتبر من الناحية التقنية على الاقل خارج وظائف الدولة الاساسية . بناء على هذا التقسيم فان الاحزاب يمكن ان تكون شمولية تسعى وراء دولة شديدة التحكم او ليبرالية تريد قصر تدخل الدولة على اضيق نطاق ممكن من الوظائف ، وتحرير المجال الخاص تماما من التدخل الحكومي . في العادة فان النوع الاول من الاحزاب يصنف ضمن قائمة اليسار ، بينما يصنف الثاني ضمن اليمين .
يتفق معظم الباحثين الايرانيين على انه لا يمكن العثور بين الاحزاب النشطة في السياسة الايرانية القائمة على حزب واحد يمكن ان ينطبق عليه احد التصنيفات السابقة بصورة كاملة ودقيقة . لكن ليس من الانصاف ايضا القول بان جميع تلك التصنيفات غير قابلة للتطبيق . في حقيقة الامر ، فانه من الاصوب اتخاذ مقاربة تجميعية ترمي الى ايضاح خطوط التفارق الاساسية دون ان تهمل عوامل التمييز الثانوية . في غالب الاحيان فان المجموعات السياسية تتفارق في عامل وتلتقي في عوامل اخرى ، وعليه فمن الافضل اعتبار تلك التصنيفات نسبية لا مطلقة [13] .
منذ وصول الاصلاحيين الى السلطة في 1997 فالميل الغالب هو الى تصنيف المجموعات السياسية بين اصلاحي ومحافظ . في المعسكر المحافظ يمثل "حزب مؤتلفه اسلامي" و "روحانيت مبارز تهران" الطبقة العليا التقليدية. ويعارض الحزبان تدخل الدولة في السوق ، بينما يؤيدان تدخلا واسعا في مختلف مجالات الحياة الاخرى ، بما فيها السلوك الشخصي للمواطنين. تتمثل الطبقة الوسطى المحافظة في "ائتلاف آبادگران ايران اسلامي = ائتلاف الاعمار" الذي يحمل اراء مماثلة لسابقيه ، لكن بدرجة اقل تشددا . وتنادي هذه المجموعة باقتصاد يقوم على العدالة في توزيع الموارد ، الامر الذي يعني بالضرورة درجة اعلى من التدخل الحكومي في السوق. وتصنف الاحزاب الثلاثة ضمن اليمين.
في المعسكر الاصلاحي ، يمثل "حزب كارگزاران سازندگي = كوادر البناء" الطبقة العليا الحديثة. ويدعو الحزب الى دولة صغيرة الحجم قليلة التدخل في الاقتصاد وسائر المجالات الحياتية الاخرى. لكنه يشدد على دور الدولة في احتمال المخاطرة التي ينطوي عليها تحديث الاقتصاد. ويصنف الحزب ضمن يمين الوسط. اما منظمة مجاهدين انقلاب ، ومجمع روحانيون مبارز فيصنفان عادة ضمن اليسار التقليدي ، ويشدد كلاهما على العدالة في توزيع الموارد وتدخل الدولة لضمانه ، كما يدافعان عن مصالح الطبقات الدنيا . فيما يتعلق بالثقافة والسياسة ، فانهما يميلان الى درجة متوسطة من التدخل الحكومي. الى جانب الاحزاب الثلاثة ، يمثل حزب مشاركت ايران اسلامي الطبقة الوسطى الحديثة ، ويدعو الى سياسات ليبرالية في مختلف الجوانب . ويصنف ضمن يسار الوسط.

المشهد الحزبي في ايران

في وقت سابق وصف ميناشري المشهد السياسي الايراني بالسيولة والتغير المتواصل في المواقف والتحالفات[14]. وهو وصف صحيح الى حد ما . لكن يبدو ان الامور قد تغيرت خلال السنوات الاخيرة ، سيما منذ اواخر التسعينات، حيث تبدو المواقف اكثر وضوحا وقابلية للفرز، والتحالفات اكثر ثباتا. ويرجع هذا التطور في ظني الى تضاؤل اهمية المكون الديني في هوية الاحزاب لصالح المكونات الاخرى ، مثل نوعية السلطة ، الحقوق الدستورية ، الاقتصاد .. الخ. اضافة الى انتهاء الحقبة الثورية وبداية حقبة السياسة العادية ، او ما يوصف بالمرحلة الثرميدورية. ويمكن القول اجمالا ان الموقف من الديمقراطية والحقوق الدستورية للمواطنين هو ابرز عوامل التمايز بين الاحزاب الايرانية خلال العقد الاول من القرن الجديد.
مرت الاحزاب الايرانية خلال العهد الجمهوري بثلاث مراحل : مرحلة الانفلاش العشوائي في السنوات الثلاث الاولى ، ثم مرحلة ترسيخ النظام  التي استمرت حتى 1991، واخيرا المرحلة اللاحقة لذلك العام حتى اليوم. طبقا لتاجيك فقد شهدت المرحلة الاولى ظهور ما يزيد عن ثمانين مجموعة تمثل مختلف الشرائح الاجتماعية[15] . ويعكس هذا الرقم الكبير نسبيا تعدد المصالح والاهتمامات التي حصلت على فرصة للتعبير عن نفسها خلال الثورة الاسلامية وبعدها [16]. من المفهوم بطبيعة الحال ان معظم تلك المجموعات كان هزيلا من حيث الايديولوجيا ومن حيث التنظيم ، اضافة الى الاجندة السياسية. ولهذا فانه من العسير وضع تصنيف مناسب للاغلبية الساحقة من المجموعات السياسية التي ظهرت في تلك الحقبة. مع مرور الزمن فقد تلاشى الكثير من تلك الجماعات او اندمج وظهرت عوضا عنها مجموعات اقل لكنها اكثر قوة ومتانة وبالتالي اكثر قابلية للتحديد والوصف والتصنيف.
 اضافة الى المجموعات الدينية ، فقد كان ثمة احزاب علمانية او شبه علمانية قوية ، يرجع وجود بعضها الى ما قبل الثورة الاسلامية ، ولا زالت نشطة حتى اليوم داخل ايران او خارجها . سوف يتركز البحث هنا على الاحزاب الدينية الرئيسية ، نظرا لان الدراسة تدور حول تطور الفكر السياسي في الاطار الديني الشيعي .
ظهر اول تجمع ديني سياسي كبير في اطار ما سمي بـ "خط الامام" ، وهو تحالف عريض جمع مؤيدي الاجندة السياسية لآية الله الخميني . فيما عدا مجموعات صغيرة متفرقة ، فقد كانت اليد العليا في "خط الامام"  لثلاثة احزاب رئيسية : الحزب الجمهوري الاسلامي ، منظمة مجاهدين انقلاب ، وجمعية علماء الدين المناضلين في طهران . ضم كل من الاحزاب الثلاثة جناحا يمينيا واخر يساريا . لكن اليد العليا في الحزب الاول كانت من نصيب الاتجاه البراغماتي بقيادة رئيس الحزب محمد حسين بهشتي ، بينما كانت الهيمنة في مجاهدين انقلاب لليسار الذي يقوده بهزاد نبوي . وسيطر الخط اليميني على الحزب الثالث وتزعمه امينه العام محمد رضا مهدوي كني. بطبيعة الحال فان العمل الحزبي في ايران اليوم مختلف تمام الاختلاف عما كان عليه في اوائل الثمانينات ، لكن لا بد من الاشارة الى ان عددا كبيرا من الشخصيات الفاعلة في الاحزاب الحالية بدأ مسارها السياسي وبلورت خبرتها في اطار الاحزاب الثلاثة المذكورة.

الحزب الجمهوري الاسلامي

طبقا للرئيس السابق هاشمي رفسنجاني فقد ولدت فكرة الحزب في الشهور القليلة التي سبقت انتصار الثورة الاسلامية ، لكن اية الله الخميني أخر موافقته على تلك الفكرة الى ما بعد الانتصار. كان الغرض من تاسيس الحزب هو جمع وتنظيم القوى الدينية ضد منافسيها ، لا سيما الليبراليين ، اليسار الماركسي ، ومنظمة مجاهدين خلق [17]. وطبقا لبهشتي ، فقد اريد من الحزب ان يكون الذراع السياسية للروحانيين[18]. وفي نفس السياق اعتبر كامروا ، الاستاذ بجامعة كاليفورنيا ، تاسيس الحزب الجمهوري علامة على ميل الروحانيين الى تحويل الحماس الشعبي الذي تفجر خلال الثورة الى قاعدة راسخة ومنظمة لتاييد المشروع السياسي الديني[19]. بحسب البرنامج المعلن للحزب ، فان ابرز اهدافه تتضمن (اعادة صياغة للمجتمع على نحو يجعل القيم والاوامر والقوانين الدينية المعيار الحاكم على كل العلاقات الاجتماعية)[20].
رغم سيطرة الحزب على الحياة السياسية منذ تاسيسه في 1979 حتى حله في 1987، الا انه افتقر دائما الى التماسك وحسن التنظيم والادارة المركزية القوية . ولعل افضل ما يوصف به انه كان تحالفا ضم شخصيات فاعلة ومنظمات صغيرة يجمعها قاسم مشترك هو القبول باية الله الخميني كزعيم وطني وتاريخي وحيد. ومن هذا المنظور فقد كان الحزب بمثابة نموذج مصغر عن التيار الديني بكل اتجاهاته الفكرية وانشغالاته السياسية ، وخلفياته الاجتماعية. ويقول رئيسه محمد حسين بهشتي ان الحزب قد عانى من عيوب كثيرة ، ابرزها افتقاره الى ايديولوجيا متكاملة ، تنظيم متقن ، ضعف اجراءات تجنيد الاعضاء ، وضعف الانضباط الداخلي . وقد توسع الحزب بصورة شبه عشوائية ، الامر الذي جعل تنظيماته ، حتى في المراكز العليا مفتوحة امام محاولات التسلل من جانب معارضيه . ويبدو ان عناصر الضعف هذه كانت هي السبب في القضاء على الحزب ، حتى قبل اعلان حله رسميا في يونيو 1981 ، تلقى الحزب ضربة موجعة حين انفجرت قنبلة زرعها عنصر متسلل من اعضاء منظمة مجاهدي خلق فوق قاعة يجتمع فيها عدد من كبار زعماء البلاد ، فاودت على الفور بحياة 72 من الحاضرين ، بينهم رئيس الحزب وعدد من قادته . وبعدها باسابيع قليلة نفذت المنظمة هجوما مماثلا راح ضحيته رئيسا الجمهورية والوزراء وكلاهما من قادة الحزب. وقد ادت الحادثتان الى تصديع بنيان الحزب ، لكنهما – في الوقت نفسه – جعلتاه اكثر تصميما على تعزيز بنية الدولة والقبض على ازمة الامور ، ولو على حساب اخلاء الساحة السياسية من جميع منافسيه . في الحقيقة فان تلك الاحداث كانت بمثابة طلقة الاشارة لبرنامج واسع النطاق جرى تنفيذه بين عامي 1981-1983 بهدف خلق نخبة سياسية جديدة ، تتكون بصورة خاصة من التيار الديني المؤمن بولاية الفقيه ، والدور المحوري لرجال الدين في النظام السياسي الجديد[21].
 لكن من سخرية القدر ، فان نجاح هذا البرنامج شكل بداية النهاية للحزب . فبعد اخلاء الساحة السياسية من اي منافس جدي ، تراجعت الحماسة وقوة الدفع بين اعضاء الحزب ، وبالتدريج فقد الحزب مبرر وجوده الرئيسي – كما يقول رفسنجاني – وفقد اعضاؤه الرغبة في مواصلة النشاط الحزبي[22]. واخيرا قرر قادته انهاء وجوده استجابة لنصيحة اية الله الخميني. على اي حال ، فان الخميني لم يكن سعيدا بهيمنة الحزب على الحياة السياسية . ويبدو ان هذا الموقف كان نتيجة للممانعة التي ابداها الكثير من الروحانيين ، سيما من الشريحة العليا ، الذين شعروا بان محاولة الحزب للاستثار بالسلطة والنفوذ في المجتمع في آن واحد قد أساء الى دورهم . ومن المحتمل ان هذا الانقسام قد شكل في نظر الخميني تهديدا لوحدة التيار الديني في تلك المرحلة التاسيسية [23].
   كما اشرنا سابقا فقد ضم الحزب بين صفوفه ثلاثة اجنحة متمايزة : جناح يميني تقليدي ، وجناح اليسار الديني ، اضافة الى الجناح البراغماتي. وتمثلت هذه الاجنحة بنصيب مناسب في السلطة التنفيذية والبرلمان والمؤسسات الثورية . لكن العلاقة بينها لم تكن على الاطلاق صافية . فمنذ بداية الامر ، في اكتوبر 1981 ، صوت البرلمان لصالح المرشح اليساري لرئاسة الوزراء مير حسين موسوي ، ضد مرشح رئيس الجمهورية ، ذي الميول اليمينية [24]. وفي اغسطس 1983 استقال اثنان من الوزراء المحسوبين على جناح اليمين ، احتجاجا على ميل الحكومة لاتخاذ استراتيجية اقتصادية تتسم بالمركزية والتدخل في السوق. الطريف في الامر ان الرئيس ورئيس الحكومة والوزارء المستقيلين ، كانوا جميعا اعضاء قياديين في الحزب الجمهوري. 
مع نهاية الحرب مع العراق ، في اغسطس 1988 ، خففت الحكومة من القيود التي سبق فرضها على النشاط السياسي والاجتماعي المستقل . وكان ابرز الخطوات التي اتخذت في هذا الاطار هو اعادة العمل بقانون الاحزاب الذي بقي مجمدا منذ تشريعه في 1981[25]. لكن المسرح السياسي بقي راكدا بصورة عامة حتى وفاة الخميني في يونيو 1989. والواضح ان غياب مؤسس النظام قد ازاح عقبة كبيرة من طريق العمل الحزبي ، تمثلت في اعتبار الاحزاب – وبشكل عام النشاط العام المستقل عن الدولة – مضرة بالوحدة الوطنية او وحدة التيار الديني على الاقل. بعد شهر من وفاة الخميني حصلت اربع تنظيمات على الترخيص الرسمي ضمن قانون الاحزاب . ينتسب ثلاث من بين المجموعات الاربع الى تيار اليسار الديني ، وهي جمعية نساء الجمهورية الاسلامية التي ترأسها زهراء مصطفوي ، بنت اية الله الخميني ، ومجمع روحانيون مبارز ، وحزب فدائيان اسلام[26].
شهد العمل السياسي المستقل ازدهارا ملحوظا بعد انتخاب هاشمي رفسنجاني رئيسا للجمهورية . ففي اطار استراتيجيته المعروفة بــ "سياست تعديل" اقرت الحكومة بالتعددية السياسية والثقافية ووعدت بتخفيف القيود المفروضة على التنافس السياسي . وشهدت السنوات التالية ظهور العديد من التنظيمات السياسية ، التي لعب بعضها دورا فعالا في اعادة صياغة المشهد السياسي وترك علامات بارزة على صورة النظام  الاسلامي . اشرنا في بداية الفصل الى ما جرت عليه العادة من تصنيف الاحزاب اليمينية الى يمين ويسار ، لكن منذ الانتخابات الرئاسية لعام 1997 ، فان الميل الغالب هو الى تصنيف تلك الاحزاب ضمن واحد من معسكرين : محافظ أو اصلاحي.

معسكر المحافظين

نشأ التيار المحافظ ضمن المجتمع الديني التقليدي واستهدف التعبير عن تطلعاته لدولة دينية قائمة على ارضية المذهب الشيعي الامامي بصيغته السائدة[27].  وتألف في جوهره من تحالف بين الحوزة العلمية الدينية وتجار "البازار" ، السوق التقليدية في طهران ومدن ايران الكبرى[28]. وكان تحالف الفريقين قد مثل قوة المعارضة الاكبر للنظام الملكي السابق . لكن على رغم هذا التحالف القوي والتاريخي ، فان العلاقة بين الطرفين بقيت ، حتى قيام الثورة الاسلامية على الاقل ، غير محددة المعالم ومن دون جهاز تنظيمي واضح يمثل مصالحهما السياسية . من المرجح ان "انجمن حجتيه = جمعية الحجتيه"  كانت اول تنظيم للقوى الدينية يعمل على المستوى الوطني ، رغم انها اختارت تكريس نفسها للعمل الثقافي والديني ، بعيدا عن السياسة بالمعنى الفني . تأسست انجمن حجتيه في 1957 من اجل مقاومة المذهب البهائي الذي كان يتوسع يومذاك[29]. والتزمت الجمعية بالتشيع في صيغته التقليدية ، بما فيها الاعتقاد باعتزال السياسة حتى  ظهور الامام المهدي المنتظر [30]. وبسبب تحريمها للتدخل في السياسة ، فقد خلت علاقة الجمعية مع الخميني وتلاميذه من الود ، لا سيما خلال العقد السابق للثورة الاسلامية . وفي الحقيقة فان هذا الموقف قد عاد عليها بقدر من التسامح من جانب الاجهزة الامنية للنظام البهلوي من جانب ، لكن بالعداء من جانب الثوريين ومعارضي النظام من جانب ثان. وكان قيام الثورة صدمة مدمرة للجمعية وعقائدها وقادتها ، ففي حمأة الحماس الثوري تخلى عنها معظم اعضائها وانضموا الى صفوف الثائرين . وفشلت محاولات زعيمها الشيخ محمود حلبي للمصالحة مع الخميني ، ربما بسبب ارتياب الاخير في نوايا الجمعية وعلاقاتها مع بعض رجال النظام السابق[31]. في نهاية المطاف قررت الجمعية حل نفسها في يوليو 1983 بعدما انتقدها الخميني علانية[32] . وقد انضم معظم اعضائها الى الحكومة والتنظيمات المحافظة[33]. ويعتقد على نطاق واسع ان الجمعية ما زالت تمارس نشاطا غير علني في الوقت الحاضر ، رغم وفاة مؤسسها وزعيمها [34]. وكان اية الله خزعلي ، وهو من الشخصيات البارزة بين المحافظين التقليديين ، ومن الذين سبق ان حاولوا مصالحة زعيم الجمعية مع الخميني ، قد اشار ضمنيا الى استمرارية العمل السري للجمعية  ، لكن ضمن نطاق محدود حسب تعبيره[35] .
وقد اثارت العلاقة المحتملة بين المعسكر المحافظ وجمعية الحجتية اهتماما واسعا بين الباحثين الايرانيين ، لا سيما في اوائل الثمانينات ، ووصف بعضهم المجموعة النيابية المحافظة في البرلمان بجناح الحجتية [36]. لكن هذه النسبة المحددة لم تعد رائجة اليوم ، ومن المؤكد ان الساحة السياسية الايرانية ، بمعسكريها قد تجاوزت الحجتية ، ولم يعد لدى الاخيرة ما يغري بالتمسك بها ، سواء على المستوى الايديولوجي – الثقافي او المستوى التنظيمي - العملي. وعلى اي حال فان اهمية انجمن حجتيه لا ترجع الى فعاليتها المباشرة ، بل الى الثقافة التي اسستها والتي ساهمت الى حد كبير في صياغة التفكير السياسي للتيار الديني ، ولا سيما مفهومه الخاص للتشيع الخالص . ومن المؤكد ان مباديء الانجمن قد اثرت بعمق في المعسكر المحافظ ، وهو تأثير يمكن استجلاؤه من خلال تحليل استهدافات التيار المحافظ السياسية والقيم التي يروج لها ، ونظرته الى النظام الاجتماعي ، بالمقارنة مع تلك التي نادى بها التيار الثوري قبل الثورة وبعدها ، ومن بين ابرزها :
** الالتزام المتشدد بالتشيع التقليدي ، الذي يتجلى احيانا في صيغة تشدد مذهبي معاد للمذاهب الاسلامية الاخرى ، وتشدد مماثل ضد تيار الاصلاح الديني في التشيع نفسه.
 **الايمان العميق بنظرية المؤامرة واتخاذها اداة رئيسية لفهم وتحليل العلاقة مع العالم الخارجي ، والشعور المبالغ فيه بالتهديد . وهو ما يفسر التركيز المفرط في المعسكر المحافظ على السياسات الحمائية .
 **الميل الى ممارسة سلطة اوتوقراطية على المجتمع ككل لضمان التزامه بالسلوك السليم والاخلاقيات الفاضلة . مقارنة باغفال شبه تامم لحقوق الافراد المدنية والحريات العامة . ويتجلى هذا الميل خصوصا في السياسات المتشددة في قضايا مثل اللباس والمظهر الشخصي ، وفي الاعمال ذات الطبيعة الترفيهية .
في اعتقادي ان كثيرا من السياسات المتشددة التي تتخذها الحكومة الايرانية ، سيما في المجال الثقافي والاجتماعي ، كذلك السياسات المتعلقة بالاقليات الاثنية والنساء، لا يمكن ان تفهم من دون اختبار جذورها الراسخة في نموذج التدين الذي روجت له انجمن حجتيه . ولا اظنني مبالغا في القول بان قيم الانجمن والمثاليات التي دافعت عنها لا تزال حية من خلال العشرات من اعضائها السابقين الذين وجدوا طريقهم الى المراكز القيادية والمؤثرة في المعسكر المحافظ ، اضافة الى المؤسسات المختلفة ومراكز التاثير وصناعة القرار في المجتمع والدولة .
يتألف المعسكر المحافظ من نحو خمسة عشر حزبا ومنظمة حرفية [37]، ابرزها جمعية رجال الدين المناضلين في طهران ، حزب مؤتلفه اسلامي ، وائتلاف التنمية ، الحديث الولادة .

جامعه روحانيت مبارز تهران

تأسست جامعه روحانيت "جمعية رجال الدين المناضلين في طهران" في السنة السابقة لانتصار الثورة الاسلامية بغية توحيد النشاط السياسي للروحانيين تحت مظلة اية الله الخميني . ولعبت الجمعية دورا حاسما في تعبئة الجمهور الايراني وتحولت خلال وقت قصير الى محور استقطاب رئيسي للقوى الثورية[38] . واتسعت عضوية الجماعة بعد انتصار الثورة ، رغم ان القرار الحاسم بقي في يد عدد صغير من كبار الروحانيين المؤسسين. رغم دورها المحوري في الحياة العامة ، الا ان الجماعة لا تعتبر نفسها حزبا سياسيا ، وهي لم تسع للحصول على الترخيص الرسمي ضمن قانون الاحزاب ، كما انها لا تملك منبرا رسميا "صحيفة او نشرة .." ينطق باسمها[39]. عند تأسيسها ، ضمت جامعه روحانيت بين صفوفها جناحا يمينيا واخر يساريا . لكن منذ 1984 اصبح جناح اليمين التقليدي اكثر تمايزا حين اصدر اربعة من قادته البارزين صحيفة "رسالت" اليومية التي اصبحت من ثم المنبر الرئيسي لهذا التيار . وفي 1988 اصبحت الجمعية يمينية خالصة بعدما انشق عنها الجناح اليساري ليؤسس جمعيته الخاصة. ترتبط جامعه روحانيت عضويا بجمعية مدرسي الحوزة العلمية في قم "جامعه مدرسين حوزه علميه قم" . وتشترك الجمعيتان في القيم الاساسية والتطلعات اضافة الى عدد من الاعضاء البارزين. و تحظى الاخيرة بما يشبه اعترافا رسميا بها من جانب الدولة كهيئة عليا في الحوزة العلمية ، وثمة اعتقاد شائع بان الاولى تمثل الواجهة السياسية للثانية . طبقا لهاشمي رفسنجاني الرئيس الاسبق والعضو البارز في جامعه روحانيت ، فان معظم المواقف السياسية لجامعة روحانيت ، كانت تتخذ بالتنسيق الكامل مع جمعية المدرسين . كذلك الامر بالنسبة لاختيار مرشحي الجمعية في الانتخابات[40] .
وتدعو جامعه روحانيت الى اقتصاد حر ، لكنها تميل الى التشدد في الشؤون الاجتماعية والثقافية وتدعو الى استخدام قوة الدولة ومؤسساتها لفرض انضباط ثقافي وسلوكي. وطالما عبرت عن القلق من انتشار الميول الليبرالية في المجتمع ولا سيما خلال التسعينات . وحسب السيد رضا تقوي ، المتحدث باسمها فان :
الحراك الثقافي في البلاد فقد توازنه ، وهو يتارجح بين افراط وتفريط ، واذا لم نعالج هذه العلة ، فقد نواجه في المستقبل نتائج مؤسفة . البعض لا يتفهم مباديء الحياة الاجتماعية وواقعياتها ، او لا يشعر بضرورة الالتزام بقواعدها ، ولهذا فهو يدعو لحرية مطلقة ، من دون اي ضابط او قانون ، بل حتى من دون احترام حرية الاخرين وحقوقهم.
ثمة ادلة على انهيارات ثقافية في البلاد سببها حضور ونشاط بعض المثقفين المتغربين والخائنين ، اضافة الى الغزو الثقافي للعدو الذي – لاسباب مختلفة – ترك تاثيرا في بعض القطاعات[41].
بين 1992 و1997 كان لجامعه روحانيت وحلفائها اليد العليا في البرلمان ومؤسسات الدولة . لكنها هزمت على يد منافسيها اليساريين "لاحقا الاصلاحيين"  في الانتخابات الرئاسية ثم البلدية والبرلمانية في الاعوام 1997 ، 1999 ، 2000 على التوالي . ومنذئذ فالواضح ان الجماعة قد فقدت تماما حماسها للصراع وطاقتها ، فخلال الانتخابات الرئاسية لعام 2002 امتنعت عن ترشيح او دعم اي من المرشحين . وفي الانتخابات المحلية لعام 2003 ، والانتخابات التشريعية لعام 2004 لم تكن الجمعية محسوبة كقوة مهمة كما كان الحال في الثمانينات والتسعينات ، فقد تخلت عن دورها للجيل الجديد من السياسيين المحافظين . وفي الحقيقة فان الشعور السائد في الساحة السياسية الايرانية يميل الى اعتبار "جامعه روحانيت" تاريخا يوشك على الافول . ولعل ابرز اسباب هذا التدهور هو عجزها عن تجديد نفسها . كما ان شيخوخة قادتها ، وميل بعضهم للتفرغ للدراسة والعمل الديني والثقافي ، قد افرغها عمليا من قوة الحركة ، في الوقت الذي لم تظهر اهتماما يذكر باستقطاب الجيل الجديد من الروحانيين او تطوير خطابها السياسي ، على الوجه الذي يكفل لها الاستمرار في بيئة سياسية سريعة التغير.

حزب مؤتلفه اسلامي

ينظر عدد من المحللين الى حزب مؤتلفه كدينامو التيار المحافظ التقليدي[42]. تشكل الحزب من تحالف بين جمعيات دينية تتولى النشاط الاجتماعي والثقافي في الاسواق التقليدية "البازار" في كل من طهران واصفهان . وظهر اولا باسم "جمعيت مؤتلفه" بعد انتفاضة خرداد لعام 1963 التي مثلت اول ظهور للخميني كزعيم معارض[43]. وتالف قوام الجمعية يومذاك من تجار وحرفيين صغار أو متوسطين . وخلال السنوات التالية ، تعرض الكثير من اعضائها للاعتقال وجمد نشاطها السياسي . لكن اعضاء اخرين واصلوا نشاطهم في المجال الثقافي والخيري بالتعاون مع رجال الدين. ومع تفجر الثورة الاسلامية عاد اولئك الاعضاء الى العمل السياسي واقاموا خلايا عمل مؤثرة، لا سيما في سوق طهران واصفهان ، وهذا ما يفسر ارتباط الحزب بالسوق [44]. بعد انتصار الثورة انضمت الجمعية الى الحزب الجمهوري الاسلامي حتى انحلاله في 1987 حيث عادت الى العمل كمنظمة مستقلة . حافظت الجمعية على دور مؤثر في السياسة الايرانية وبين 1981 و 1997 حصل خمسة من قادتها على مناصب وزارية ، وحصل آخرون على مقاعد في البرلمان ، وعضوية مجلس تشخيص مصلحة النظام . كما ان عددا من المؤسسات الكبرى بقيت لزمن طويل تحت ادارة اعضاء من الجمعية ، من بينها الجامعة المفتوحة ، وكميته امداد امام ، اضخم الجمعيات الخيرية في البلاد ، بنياد مستضعفان ، وغرفة التجارة والصناعة الايرانية [45]. وجود قادة الحزب ضمن الطبقة السياسية العليا انعكس على مكانة اعضائه في السوق ، حيث نمت مصالحهم واصبح عدد ملحوظ منهم ضمن كبار رجال الاعمال على المستوى الوطني.
بسبب هيمنة كبار التجار على قيادته ، فقد كان حزب مؤتلفه على الدوام شديد الحساسية ازاء السياسات الحكومية المتعلقة بالسوق . في 1983 مثلا ، تخلى اثنان من اعضائه عن مناصبهم الوزارية احتجاجا على تبني الحكومة لخطة التنمية الخمسية الاولى التي تحمل صبغة يسارية فاقعة. وفي العموم فقد كان الحزب معارضا عنيدا لسياسات التخطيط المركزي التي تبنتها الحكومة بعد الثورة [46]. ويبدو هذا التوجه متوافقا مع ميول الاصلاحيين الى تحرير السوق ، ولا سيما دعوتهم الى تعديل المادة الدستورية 44 والمواد الاخرى التي تقيد القطاع الخاص او تعطي للدولة افضلية في المجالات ذات الطبيعة التجارية . على الجانب السياسي فان الحزب يؤيد بقوة نظرية ولاية الفقيه ولا سيما تفسيرها التقليدي ، باعتبارها المعيار الاساس لشرعية النظام . ولهذا السبب فان الحزب يميل الى قصر تعامله على الجماعات التي تؤيد تلك النظرية بصورة كاملة ومطلقة. ويطلق الحزب على هذا النوع من الجماعات صفة "خودي = الاهل" مقارنة بالجماعات التي لديها تحفظات على ولاية الفقيه ، والتي يصنفها كـ "غير خودي=الغرباء" . وعلى ضوء هذا التصنيف فان الحزب يحصر قبوله بفكرة التعددية السياسية ضمن النطاق الاول ، اما غيرهم فلا ينبغي ان يسمح له بالمشاركة في القرار[47] . على الصعيد الثقافي فان الحزب يرفض فكرة التعددية الدينية ، ويرى عباسبور ، عضو اللجنة المركزية للحزب ان :

التعددية الدينية ، سواء في اطار الاسلام او خارجه لا تتوافق مع مباديء الاسلام المحمدي الاصيل . يتوجب على القائلين بهذه الافكار ان يرجعوا الى خبراء الشريعة الحقيقيين [الفقهاء] ، والا فان الشعب سينظر اليهم كمبتدعين في الدين. اي مفهوم اعوج هذا الذي يدعو اليه اولئك بكل جرأة حين يقولون بانه لا التشيع حق [مطلق] ولا التسنن حق [مطلق][48].
من الواضح ان مؤتلفه قد فقد جاذبيته منذ وقت طويل نسبيا [49]. ففي الانتخابات التشريعية لعام 1996 خسر ثلاثة من قادته البارزين مقاعدهم ، على رغم نجاح المعسكر المحافظ في كسب اكثرية البرلمان . وتكررت الخسارة في الانتخابات التالية . اما في انتخابات 2004 التشريعية فان حلفاء مؤتلفه اصروا على حذف اسم رئيس الحزب ونائبه من قائمة المرشحين المحافظين خشية خسارة المقعدين ، في اشارة الى السقوط المريع لشعبية الحزب ونفوذه السياسي[50]. وخلال مؤتمره السنوي لعام 2004 دعا ناطق نوري ، رئيس البرلمان السابق واحد ابرز حلفاء الحزب ، في خطاب افتتاحي ، القادة الكبار في السن الى فسح المجال امام جيل اكثر شبابا ، كما دعا الى الاخذ بالاساليب الحديثة في العمل الحزبي ، كطريق لا مفر منه للاحتفاظ بمكانته في الميدان السياسي[51].
يمثل تحالف الحزب مع الروحانيين استمرارا لتقليد قديم من الاعتماد المتبادل بين البازار والمؤسسة الدينية. والحقيقة ان هذا الاعتماد كان عنصرا هاما في احتفاظ الروحانيين باستقلاليتهم المالية – وبالتالي الاجتماعية والسياسية – عن الدولة طوال التاريخ الايراني . وقد استمر هذا التقليد حتى بعد قيام الجمهورية الاسلامية ، اذ على الرغم من تولي عدد كبير من الروحانيين مناصب رفيعة في الحكومة ، الا انهم يفضلون بشكل عام المحافظة على استقلال نشاطاتهم الثقافية والدينية ، وبالتالي استقلال مصادرهم المالية . ويتجلى هذا بصورة اكثر وضوحا في حالة مراجع التقليد وكبار تلاميذهم وممثليهم المحليين الذين فضلوا عدم الانخراط في العمل الحكومي . وتمثل هذه الحالة واحدة من النقاط التي لا تخلو من طرافة في السلوك السياسي لرجال الدين الشيعة ، فاعترافهم بشرعية الدولة لا ينطوي على تسليم لها او اعتماد عليها ، لا سيما في الجانب المالي .
يؤمن حزب المؤتلفه دعما ثابتا للنشاطات الاجتماعية والثقافية للروحانيين ، اضافة الى الاعمال الخيرية بشكل عام . ولقادة الحزب اليد العليا في "كميته امداد" اكبر جمعية خيرية في البلاد ، وهم يمولون المئات من المدارس الدينية والمساجد ، والبرامج الثقافية التطوعية ، وغيرها . لكن المفارقة ان الحزب لم ينجح كثيرا في تحويل هذه الاعمال الجليلة الى رصيد سياسي يستثمره في الانتخابات العامة لانجاح مرشحيه او دعم اجندته السياسية.  في الحقيقة فان اعتماد الحزب على الروحانيين قد ساعده حتى الان على تامين موقع فاعل في النظام ، لا سيما في المؤسسات الخاضعة لاشراف الولي الفقيه . لكن مع فشل الحزب في تطوير آلية عمل مستقلة ، فان مستقبله يبدو محاطا بالكثير من الشكوك ، خاصة مع اضطرار عدد من مؤسسيه وقادته التاريخيين الى اعتزال العمل العام خلال السنوات القليلة القادمة بسبب تقدمهم في السن.  نشير ايضا الى خروج حليفه الاساسي ، جامعه روحانيت مبارز ، من الساحة السياسية ، وعدم اهتمام "تحالف التنمية " الذي ظهر حديثا كممثل للجيل الجديد من المحافظين ، باقامة علاقات متينة معه ، فهذه وتلك تقدم اشارات عن المصير الذي ينتظر الحزب في المرحلة القادمة .

ائتلاف آبادگران ايران اسلامي

رغم حداثة عهده بالعمل السياسي ، فقد كان متوقعا فوز "ائتلاف آبادگران = تحالف تنمية ايران" بالاكثرية في الانتخابات التشريعية لعام 2004. ويرجع الفضل في هذا النجاح الباهر الى قرار مجلس صيانة الدستور ، وهو الهيئة العليا المشرفة على الانتخابات ، بحرمان حزب الاغلبية في البرلمان السابق وحلفائه الاصلاحيين من المشاركة في المنافسة الانتخابية. ظهر ائتلاف التنمية للمرة الاولى عشية انتخابات 2003 البلدية ، وحقق نجاحا فاجأ الكثيرين ، ونجح خصوصا في ازاحة الاصلاحيين من مجلس العاصمة طهران ، وهو فوز اعتبر مؤشرا على التغير الحاصل في موازين القوى في البلاد ككل. من الناحية الاحصائية البحتة فقد حصل الاصلاحيون على اكثرية المجالس البلدية في الاقاليم [52]. لكنهم فشلوا في المدن الكبرى التي يكتسي التصويت فيها صبغة سياسية .
حصل الائتلاف على مقاعد مجلس العاصمة الثلاثين ، وكان قد خاض الانتخابات بقائمة تضم اسماء غير معروفة. فيما عدا اثنين من الاعضاء الجدد ، مهدي شمران وعباس شيباني ، فان البقية جميعا كانوا مجهولين في الساحة السياسية  ، وينطبق الامر نفسه على عمدة العاصمة الجديد محمود احمدي نجاد[53]  "الذي انتخب في يونيو 2005 رئيسا للجمهورية".
 ثمة تفسيرات متعددة لصعود تحالف التنمية "آبادكران" ، لعل ابرزها هو ذلك الذي يربطه بالتحول البنيوي داخل المعسكر المحافظ . هذا التحول هو احد انعكاسات التغيير في البنية الاجتماعية للبلاد بشكل عام ، وهو من جهة اخرى انعكاس لتغير البيئة السياسية خلال حكم الاصلاحيين بشكل خاص. اثار الانتصار الساحق للاصلاحيين في انتخابات 1997 موجة من التذمر داخل المعسكر المحافظ ازاء خطابه السياسي وعلاقاته الداخلية ، ولا سيما هيمنة الشخصيات التقليدية وكبار السن . وبلغ التذمر ذروته بعد الصدام بين الشرطة وطلبة جامعة طهران في يوليو 1999[54].  كانت هذه الحوادث صدمة مؤلمة للنظام ، فقد جرت العادة على اعتبار موقف الطلبة الجامعيين بمثابة بارومتر لاتجاهات الراي العام في البلاد ككل . كانت المظاهرات الطلابية اشارة الى تآكل التاييد الذي تمتعت به القيادة الدينية للنظام في الوسط الطلابي . ورغم اجماع المحافظين على ادانة الطلبة الذين شاركوا في تلك الحوادث ، الا ان قطاع الشباب في التيار المحافظ وجد فيها اشارة الى فشل القادة التقليديين في استيعاب التحديات الجديدة التي افرزها تغير البيئة السياسية في البلاد . جاءت تلك الحوادث بعد اربعة اشهر فقط من هزيمة المحافظين في الانتخابات المحلية التي عقدت في فبراير من العام نفسه . وتلتها هزيمة مماثلة في فبراير 2000 حين اكتسح الاصلاحيون اغلبية مقاعد البرلمان الجديد. وقد اضافت هذه الهزائم زيتا على نار التذمر المتفاقم بين الجيل الجديد من المحافظين الذين شددوا مطالبتهم للقادة المسنين بالتنحي واعادة صياغة خطاب سياسي اكثر مقبولية من الجمهور ولا سيما الاجيال الجديدة . ويعتقد ان فشل المحافظين في انتخابات 2000 قد ادى عمليا الى انهاء الوجود الفاعل للقيادة شبه الرسمية للتيار ، والمعروفة بـ "ائتلاف خط امام ورهبري=خط الامام والقائد" وهو مجلس يضم كبار شخصيات التيار ورؤساء المنظمات الحليفة. وربما كانت الاشارة الاولى الى تفكك هذا التحالف هو قرار اية الله مهدوي كني ، رئيس جامعه روحانيت مبارز ، باعتزال العمل السياسي ، رغم ان هذا القرار برر حينها بتقدمه في السن وتدهور صحته.
انتقلت قيادة التيار المحافظ الى مجلس جديد تحت اسم "ائتلاف نيروهاي انقلاب = قوى الثورة" ، اعطى دورا اكبر للجيل الجديد من البيروقراطيين والاكاديميين على حساب كبار الروحانيين وزعماء الاحزاب التقليدية مثل مؤتلفه . ترأس المجلس الجديد حجة الاسلام علي اكبر ناطق نوري ، المستشار الخاص لمرشد الجمهورية ، وعين مديرا له محمد رضا باهنر ، رئيس الجمعية الاسلامية للمهندسين.
ولد نوري في 1943 وتلقى تعليمه الديني في حوزة قم العلمية . وفي الثمانينات عمل رئيسا لمنظمة جهاد البناء ، ثم وزيرا للداخلية (1981-1985) ورئيسا للبرلمان (1992-2000) ثم اختير عضوا في مجلس تشخيص مصلحة النظام ، ويعرف كرجل دين متوسط المستوى ، ذي ميول براغماتية ، وعلى علاقة متينة بالبازار.  اما باهنر فهو من مواليد 1953 ، وخدم في عدد من المناصب المتوسطة ، من بينها عضوية البرلمان ومجمع تشخيص مصلحة النظام ، الا انه بقي غالبا في ظل القادة الاخرين ، حتى توليه ادارة المجلس التنسيقي للمحافظين ، ثم وصوله الى البرلمان نائبا للرئيس ورئيسا لجناح الاكثرية النيابية.
خلال السنوات الاخيرة كان نوري احد ابرز المطالبين بالتغيير في داخل المعسكر المحافظ ، واستثمر خطابه الافتتاحي لمؤتمر حزب المؤتلفه في فبراير 2004 لتوجيه نقد مباشر للحزب ومطالبة صريحة لقادته بفسح المجال امام الشباب لتولي المناصب القيادية ، وتبني طرق العمل الحديثة في التنظيم الحزبي بدل الاساليب التقليدية والتمحور حول الاشخاص[55] . جرى تكرار هذه المطالب على لسان محمد جواد لاريجاني ، المنظر الابرز بين المحافظين ، الذي نادى بمنح الشباب دورا اكبر باعتباره ضرورة لتجديد النظام السياسي [56]. وقد تركت هذه الدعوات تأثيرا قويا على التيار بالنظر لكونها تحاكي مطالب متصاعدة في داخله، سيما بين مؤيديه من الشباب والفاعلين في الوسط الشعبي.  ولا نبالغ في القول بان الشهور الاخيرة من عام 2003 ، وهي الفترة التي جرى خلالها الاعداد للانتخابات النيابية في العام التالي ، كانت فاصلة ، اذ شهدت ابرز تجسيدات التحول داخل المعسكر المحافظ . اي ابعاد الطبقة القديمة القائدة وتصعيد طبقة جديدة معظمها من الشباب . في هذا الصدد فان حسين صفار هرندي ، الناشط السياسي في جماعة انصار حزب الله ورئيس التحرير التنفيذي لصحيفة كيهان "عين لاحقا وزيرا للثقافة" ينظر الى هذا التحول باعتباره نهاية سعيدة للعلاقة الصعبة بين قادة المعسكر المحافظ وانصاره:
الحدث الهام الذي شهدناه هذا العام هو ان رفاقنا استعادوا الثقة بانفسهم وعقولهم ونجحوا في التخلص من هيمنة تلك المجموعة من الشخصيات المحترمة والجليلة . كنا مضطرين فيما مضى الى بذل جهود كبيرة لاقناع هذه الشخصيات قبل الاقدام على اي عمل ، فقد كان لهم تاثير كبير في معسكرنا. بسبب ميلنا الى احترام كبار السن وذوي السبق تخلت قوى حزب الله عن ارائها لصالح اراء اولئك في احيان كثيرة . اليوم توصلنا الى شيء آخر: اذا كان علينا ان نطيع احدا ما، فطاعتنا ستكون لشخص واحد فقط وهو ولي الامر. [...] مفهوم الولاية في الاصل هو ان تطيع وليا واحدا لا مجموعة اولياء. وللاسف فقد كنا حتى وقت قريب اسرى لطاعة عدد من الاولياء .
عشية هذه الانتخابات فهمنا ان علينا تحرير انفسنا من قيود ذلك التفكير الذي يفرض علينا الخضوع للاشخاص لمجرد انهم بارزون وذوو اسماء لامعة . هذه الرؤية الجديدة تنطوي على كسر للقوالب والعلاقات الجامدة ، وهي تدعونا للتوقف عن الانبهار بالاسماء ، والبحث – بدلا من ذلك - عن الكفاءات المجهولة في اوساطنا. الى متى يتوجب على الثورة ان تبقى في جلدها الاول وقالبها القديم . لماذا لا نكسر هذا القالب . حتى وقت قريب ، كنا نلهث وراء منقذ لهذه البلاد ، ولم تكن عيوننا لترى غير عشرة اسماء ، وكان خيارنا الوحيد هو تاييد هؤلاء ودعمهم . اليوم وصل الامر الى القول بان كبارنا – الذين لا زالوا بطبيعة الحال محل اجلالنا واحترامنا ودعائنا – لم يعودوا مناسبين لهذه المرحلة . سوف نحترمهم ، ونضعهم في المكان المناسب كي يفكروا لمستقبل النظام .. لكننا نقول لهم : لم تعودوا قادرين على قيادتنا او تقدم صفوفنا او تحديد اتجاه حركتنا[57].
تأسس ائتلاف التنمية "ابادكران" ضمن "تحالف قوى الثورة" الذي يتزعمه نوري وباهنر ، وكان الغرض منه هو تجسيد المسار السياسي الجديد للمعسكر المحافظ . وبدا في اول الامر ان القوة الفاعلة في الائتلاف هي "جمعيت ايثارگران انقلاب اسلامي = جمعية فدائيي الثورة الاسلامية" اضافة الى جمعية المهندسين المسلمين التي يرأسها باهنر. تأسست جمعيت ايثارگران في 1996 لتمثيل مصالح قدامى المحاربين في الحرب العراقية - الايرانية ، ولا سيما اعضاء الحرس الثوري وقوات التعبئة الشعبية "البسيج" [58]. وبقيت الجمعية مجهولة الى حد كبير حتى اختيار محمود احمدي نجاد ، العضو القيادي فيها ، عمدة للعاصمة طهران في 2003. حتى هذا الوقت كان الانطباع العام يميل الى اعتبارها لاعبا ثانويا في الساحة السياسية . فنشاطها محصور الى حد كبير في الاحياء الجنوبية من العاصمة[59]. وهي مناطق يسكنها في الغالب مهاجرون من اصول فقيرة. وتنشط الجمعية في الوسط المحافظ وتتبنى اراء هذا التيار ، لكن نائب رئيسها ، علي دارابي ، يشدد على اصولها الحداثية كعامل تمييز اساسي بينها وبين المجموعات ذات الميول التقليدية في المعسكر المحافظ ، سيما مؤتلفه وروحانيت مبارز وجمعية مدرسي الحوزة العلمية في قم [60].
تنظر جمعية ايثاركران الى مشكلات البلاد الراهنة باعتبارها ثمرة لعجز في الادارة ، وهي تلقي باللوم على (السياسات غير الناضجة والاداريين غير الاكفاء). وقد وضع المؤتمر الثاني للجمعية اجندة من خمسة عشر بندا لحل ازمات البلاد ، ركز تسعة منها على الادارة الحكومية[61]. طبقا لاحمدي نجاد فان حل تلك الازمات يكمن في تولي القوى المؤمنة لمقاليد الامور في الدولة : (لقد شهدنا بالفعل تيار الفشل والهدم يتموج في كل موقع عمل هجرته قوى حزب الله)[62]. وترى الجمعية ان النظام الاسلامي لا يواجه ازمة شرعية ولا نقصا في الايديولوجيا السياسية ، ولهذا فهي تعتبر الدعوة الى احتذاء النموذج الليبرالي سخافة وعبثا:
نظرية ولاية الفقيه تمثل نهجا جديدا في الفلسفة السياسية والاساس المفهومي للحاكمية. […] مع انهيار الاشتراكية ، يجد العالم نفسه امام خيار بين [نموذجي] الديمقراطية الليبرالية والثورة الاسلامية. الخطاب الليبرالي يتهاوى بسبب عجزه عن فتح افق جديد للانسانية وفشله في تجديد ارضيته الفلسفية والفكرية. ولهذا فليس من المبالغة الادعاء بان خطاب الثورة الاسلامية يغزو عقول وقلوب البشر المعاصرين ، حتى لو لم يشعروا بذلك[63].
ويشيد رئيس الجمعية حسين فدايي بما اثمر عنه الحكم الاصلاحي من تطوير للبيئة السياسية حيث (اصبح الفضاء الاجتماعي اكثر انفتاحا ، واتسع دور الصحافة والاحزاب السياسية ، كما تطورت الخبرة السياسية للمجتمع) ، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن ريبة في جدوى برنامج الاصلاح الاقتصادي الذي بشر به رفسنجاني وكذلك برنامج الاصلاح السياسي الذي بشر به خاتمي . كما يعبر عن شكوك في مفاهيم الاصلاح والمجتمع المدني مشبها اياها بحجاب يخفي الفوضى ، ويشدد على ان الدعوة الى الحريات في تلك الحقبة قد ترافق مع شيوع الهرج والمرج. ويعبر فدايي عن قلقه خصوصا من عودة من يصفهم بقوى الثورة المضادة الى واجهة الحياة العامة تحت مظلة المعسكر الاصلاحي وشعاراته [64]. وطبقا لما يقوله زعماء الجماعة فانها تسعى للتعاون مع من تصفه بالجناح الديني في التيار الاصلاحي ، ولا سيما روحانيون مبارز ، لكنها ترفض التعاون مع حزب مشاركت الذي تعتبره علمانيا ومضادا للثورة[65]. بكلمة اخرى فان قادة الجماعة يفكرون في عقد يجمع "الافكار الجيدة" للاصلاحيين مع "الاشخاص الجيدين" في التيار المحافظ ، من اجل تاسيس القوة الحقيقية التي ستصنع مستقبل ايران[66].
لعل من المبكر الحكم على برامج ووعود الجيل الجديد من المحافظين ، كما يعبر عنها من جانب ابادگران . لكن من المفيد الاشارة الى ان تلك الدعاوى تنطوي على قدر من الاعتدال بالقياس الى اسلافهم من المحافظين التقليديين . ويشدد ائتلاف ابادگران على هويته كـ "فريق عمل" وليس حزبا سياسيا او واجهة لايديولوجيا سياسية محددة [67]. وقد عبر بعض زعمائه عن احترام للانفتاح السياسي الذي سعى اليه الاصلاحيون . لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بالقلق ازاء شيوع ما يعتبرونه تراجعا في الالتزام بمعايير السلوك الديني . وحسب تعبير حداد عادل ، رئيس البرلمان الجديد ، فان ائتلافه (لا يسعى لاعادة عقارب ساعة الاصلاح الى الوراء ، بل سيصحح موضع تلك العقارب فحسب)[68]. فيما يتعلق بالاقتصاد ، فان ابادكران تؤيد الاستمرار في سياسة الاصلاح الاقتصادي مع بعض التعديلات التي ، حسب تصريح احمد توكلي ، الاقتصادي الابرز في الائتلاف ، تستهدف على وجه الخصوص تعزيز دور الطبقة الوسطى وقدراتها[69].
يرجع محمد قوجاني السبب في تمايز الجيل الجديد من المحافظين عن سلفه الى اختلاف خلفيتهما الاجتماعية ومصادر قوتهما . ويرى ان تحالف العنصرين الرئيسيين في الجناح التقليدي للمحافظين ، اي جامعه روحانيت مبارز وحزب مؤتلفه ، هو امتداد لتحالف تاريخي قام على وحدة المصالح بين كبار الملاك وكبار الروحانيين[70]. يستمد كلا الطرفين نفوذه السياسي من نظام مصالح يقع خارج اطار الدولة ، لكنه يسعى لاستثمار قوة الدولة لضمان وتعزيز تلك المصالح[71]. في المقابل فان الجيل الجديد من المحافظين كما يتمثل في ائتلاف التنمية "ابادگران" يتكون بالدرجة الرئيسية من صغار البرجوازيين الذين حصلوا على مكاسبهم الفعلية من خلال عملهم في الجهاز الحكومي ، وبالتالي فان مصدر قوتهم يكمن في الدولة نفسها وليس في الملكية او الثروة او حتى النفوذ الاجتماعي ، كما هو الحال في الجناح التقليدي.  من زاوية اخرى فان هذا الفريق ، الذي حصل معظم اعضائه على تعليم جامعي حديث ، لا ينظر الى الروحانيين كطبقة مميزة او نخبة سياسية بل كمجموعة حرفية "professional group"  يرتبط دورها بالعمل الذي يؤديه اعضاؤها وليس باشخاصهم [72]. في حقيقة الامر فان جيل المحافظين الجديد يعبر عن ضيق لا يقل عن ذلك الذي عبر عنه الاصلاحيون ازاء الانخراط المكثف للروحانيين في العمل الحكومي ، رغم انهم يعبرون عن هذه المشاعر بصورة اقل صراحة وتحديدا من نظرائهم الاصلاحيين. ولهذا فلم يكن من المدهش ان ينتخب البرلمان الجديد الذي يسيطر عليه ائتلاف التنمية رئيسا له من غير الروحانيين ، منهيا بذلك تقليدا استمر منذ قيام الجمهورية الاسلامية . وقد اثارت هذه الخطوة انزعاج جمعية مدرسي الحوزة العلمية في قم ، الذين كانوا يأملون في احتفاظ الروحانيين بهذا المنصب[73].  وتكرر الامر في انتخابات الرئاسة حيث لم يدعم هذا الجناح اي مرشح روحاني ، فاتحا الباب امام انهاء احتكار منصب رئاسة الجمهورية من قبل الروحانيين ، الذي استمر طيلة الاربعة وعشرين عاما السابقة .
يتفق ائتلاف التنمية مع اجنحة التيار المحافظ الاخرى في التشديد على الاساس الديني لشرعية الحكم . لكنه يقدم هذا المفهوم بتصوير مختلف . مقارنة بالجناح التقليدي الذي يعتبر وجود الفقيه على راس النظام معيارا لاسلاميته ، فان الائتلاف يربط الهوية الدينية للدولة بسعيها لتحقيق الاهداف الدينية لاسيما العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للموارد[74]. ويكشف تركيز الائتلاف على العدالة الاجتماعية عن اهتمام خاص بالاقتصاد كمجال اساسي لتحقيق العدالة ، خلافا للجناح التقليدي الذي يركز جل اهتمامه على المسائل الثقافية. في هذا الاطار فان حداد عادل ، رئيس البرلمان يشير الى ان القضايا ذات الطبيعة الثقافية مثل الحجاب لا تتمتع باولوية ضمن اهتمامات البرلمان الجديد ، كما انها لا تحتل اهتماما كبيرا في المجتمع[75]. القضايا التي تتمتع باولوية – حسب راي نائبه محمد رضا باهنر – هي تلك التي تؤثر مباشرة في معيشة الناس مثل البطالة ، انخفاض الدخل الفردي ، اضافة الى الفساد الاداري . ويذهب باهنر الى مدى ابعد ، فيقر بسلامة المباديء التي قامت عليها السياسات الاقتصادية للاصلاحيين : (نشترك مع الاصلاحيين الدينيين [اي روحانيون مبارز] في القول بان الاصلاح الاقتصادي ينبغي ان يجري في اطار برنامج متكامل لزيادة الناتج الوطني ، التوزيع العادل للدخول ، المساواة ، وتعزيز سيادة القانون)[76].
اخذا بعين الاعتبار تركيز الائتلاف على العدالة الاجتماعية من جهة ، وعدم اهتمامه بالاصلاح السياسي من جهة ثانية ، فقد يكون ممكنا تصنيفه كتيار براغماتي ذي ميول دولتية وبيروقراطية. وربما لهذا السبب مال بعض المحللين الى اعتبار صعوده السياسي مؤشرا على توجه لاعادة توحيد السلطة وتعزيز محوريتها في الحياة العامة ، بعد الحقبة الاصلاحية التي شهدت تفاقما في قوة المجتمع الاهلي وظهور ما يمكن اعتباره ثنائية في السلطة بين البرلمان والحكومة التي يسيطر عليهما الاصلاحيون من جهة ، ومؤسسات الدولة الخاضعة لاشراف مرشد الجمهورية من جهة اخرى[77]. جدير بالذكر ان ذلك الاتجاه البراغماتي المتوازي مع التاكيد على محورية الدولة ، هو ايضا السمة الغالبة على شخصية مرشد الثورة اية الله خامنئي.

 معسكر الاصلاحيين

يتمثل تيار اليسار الاسلامي التقليدي في ثلاثة مجموعات رئيسية هي "سازمان مجاهدين انقلاب اسلامي = منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية" و "مجمع روحانيون مبارز ايران = مجمع رجال الدين المناضلين" واتحاد طلبة الجامعات المعروف بـ "دفتر تحكيم وحدت = مكتب تعزيز الوحدة" . ظهر هذا التيار في اوائل السبعينات من القرن العشرين في ظل ازدهار التوجهات اليسارية بين الطبقة المتعلمة الايرانية [78].  حينئذ كانت المعارضة السياسية للنظام البهلوي تتمثل بالدرجة الاولى في "حزب توده = الشعب" الشيوعي ، في الوقت الذي كان التيار الاسلامي بشكل عام خاملا ، كما هو الحال في المرجعية الدينية والحوزة العلمية ، او كان متاثرا بالاتجاهات الاشتراكية كما كان الحال في "منظمة مجاهدين خلق ايران" ذات الميول العسكرية . وتمتع اليسار الاسلامي بشعبية عريضة خلال العقد الاول من عمر الجمهورية الاسلامية ، الامر الذي مكنه من المحافظة على اغلبية مريحة في البرلمان حتى العام 1992. لكن منذ صعود اية الله خامنئي الى منصب ولاية الفقيه في 1989 ، تعرض التيار الى ضغوط شديدة شملت ابعاد معظم رموزه من المناصب السياسية الرئيسية التي كانوا يحتلونها ، لا سيما تلك التي تخضع لاشراف مرشد الجمهورية [79].  وتضمنت حملة المحافظين على ذلك التيار - طبقا لموسوي لاري وزير الداخلية السابق والعضو في مجمع روحانيون – اشكالا من الترهيب والتشويه كان الغرض منها اجباره على الانكماش او تبرير اقصائه من الحياة السياسية[80]. وزاد الامر سوءا حينما مني التيار اليساري بهزيمة مذلة في الانتخابات النيابية لعام 1992، مما اضطره الى الانكفاء سياسيا واجتماعيا .
في هذه الظروف الصعبة ، توجه تيار اليسار الاسلامي لاعادة نظر شاملة في خطابه السياسي ومتبنياته الايديولوجية . ومن خلال هذا التوجه ، اعاد التيار صياغة نفسه في اطار حركة اصلاحية تسعى لاقرار الديمقراطية والحريات المدنية في اطار النظام الاسلامي . من المؤكد ان بروز هذا التوجه كان انعكاسا للتغيير الكبير على المستوى الدولي والمحلي في آن واحد .  ادى انتهاء الحرب مع العراق في 1988 ، ووفاة اية الله الخميني في العام التالي الى تراجع ملموس للميول الثورية اليسارية في المجتمع الايراني . كما ان سقوط الاتحاد السوفيتي في العام 1991 عزز مصداقية الخطاب الليبرالي والديمقراطي ، وكان له انعكاس واضح في المجتمع الايراني. وكما اشرنا في الفصل الخامس ، فقد انبثق الخطاب الاصلاحي من وسط اليسار الديني وتحول من دعوة نخبوية الى حركة جماهيرية بالاعتماد على الصحافة المستقلة التي استثمرت سياسات الرئيس رفسنجاني الانفتاحية .
يتألف المعسكر الاصلاحي من ثمانية عشر تنظيما رئيسيا ، سوف يتركز النقاش هنا على الاربعة الابرز منها ، والتي تمثل اتجاهات متمايزة ضمن التيار الاصلاحي العام .

حزب كارگزاران سازندگي "كوادر البناء"

كان تأسيس حزب كاركزاران في يناير 1996 بمثابة اعلان عن انشقاق التيار التكنوقراطي عن المعسكر المحافظ . وكشف نجاحه المدهش في ايصال مرشحيه الى البرلمان في الانتخابات التي عقدت في ابريل من العام نفسه ، عن التغيير العميق في الذي خلفته سياسات رفسنجاني على الراي العام في حقبة ما بعد الحرب . بعد الانتخابات التشريعية لعام 1984 ساد اعتقاد في الوسط السياسي الايراني بان دعم "جامعه روحانيت مبارز" يمثل طريقا مضمونا الى البرلمان. وقد اعتادت الجمعية تشكيل قوائم يتمثل فيها التيار الديني بجميع تنوعاته . لكنها خرجت عن هذا التقليد عشية انتخابات 1996 حين قررت اقصاء انصار رفسنجاني من قوائمها بسبب ما قيل عن توجهاتهم الليبرالية . وطبقا لشادلو وآخرين فان هذا القرار اتخذ بضغط من قادة حزب مؤتلفه الذين هددوا بحجب دعمهم المالي عن الحملة الانتخابية للمحافظين اذا شارك فيها التكنوقراط المؤيدون لرفسنجاني . وتساهم مؤتلفه عادة بالجزء الاكبر من ميزانية الحملات الانتخابية للمعسكر المحافظ[81]. ردا على ذلك ، اعلن ستة عشر من انصار رفسنجاني تاسيس هذا الحزب كمقدمة لخوض الانتخابات على قوائم منافسة لقوائم المحافظين بالتحالف مع تيار اليسار. وكانت النتيجة مدهشة للطرفين ، فقد حصل الحزب وحلفاؤه على 41 مقعدا[82] ، رغم احتفاظ المحافظين التقليديين بالاكثرية "نحو 170 مقعدا" [83]. ولد هذا النجاح انطباعا عاما بان الجو السياسي يوشك على التغير بصورة حاسمة ، وان تاثير الروحانيين كمجموعة مرجعية لم يعد بنفس القوة المعهودة . من جهة اخرى فقد ادت تلك المعركة الى انقطاع حبال الود بين مجموعة رفسنجاني والمعسكر المحافظ واتصالها بدلا من ذلك باليسار الذي كان لا يزال على حاشية المسرح. ولعل الجناح اليساري كان اكثر المتأثرين بتلك النتائج ، فقد كشفت عن المصداقية والجاذبية التي تتمتع بها الطروحات الليبرالية ولا سيما التركيز على التعددية وحرية المبادرة.
يكشف صعود كاركزاران عن التعارض الحتمي بين الدولة والثورة ، كعالمين متمايزين في القيم والاغراض والمتطلبات ومنظومات العمل ومناهجه . مثل هذا التعارض كان واضحا منذ الايام الاولى للثورة . وقد حاولت الحكومة المؤقتة التي ترأسها مهدي بازركان بعد الثورة مباشرة ، استيعاب منظومات العمل الثورية في اطارات الدولة . لكن تلك المحاولة احفقت ، لانها جاءت في الوقت الخطأ وربما من جانب الاشخاص الخطأ. حسب تحليل برزين ، فان رفض المنظومات الثورية القوية يومذاك الانضواء تحت عباءة الدولة هو تجسيد لبغض القوى الثورية للبيروقراطية الدولتية . طبقا لهذا التحليل فقد نظر اليسار الى البيروقراطية الحكومية كمنظومة ذات طبيعة محافظة وتفتقر الى الاحساس بهموم الشعب وانشغالاته ، بينما كان الاتجاه الديني التقليدي يخشى من الميل الطبيعي للدولة لتمديد هيمنتها على النشاطات الثقافية والاجتماعية[84].
خلافا للاتجاه العام في الكثير من الثورات ، فان الدولة لم تبتلع المؤسسات الثورية ، بل حدث العكس . بعد عقد من انتصار الثورة الاسلامية اصبح معظم مؤسسات الدولة والقطاع الاقتصادي العام تحت سيطرة الثوريين. لكن هذا لم يخفف من قدرة الدولة على هضم التغيير ، اذ سرعان ما نجحت الدولة في امتصاص اولئك الثوريين وتغيير ثقافتهم فتحولوا من نشطاء ثوريين الى بيروقراطيين. ولعل صعود رفسنجاني الى رئاسة الجمهورية بعد سنة واحدة من انتهاء الحرب مع العراق ، كان الخط الفاصل بين المرحلة الثورية والمرحلة البيروقراطية . فقد اعتمد الرئيس الجديد بشكل كبير على التكنوقراط والاداريين المحترفين كما عمل على الغاء الازدواجية التي كانت قائمة بين المؤسسات الثورية  والبيروقراطية التقليدية. في هذا السياق جرى ادماج الحرس الثوري في وزارة الدفاع ، واللجان الثورية في الشرطة ، وجهاد البناء في وزارة الزراعة ، وبصورة عامة فقد اتجهت الدولة الى الغاء الخطوط التي كانت فيما مضى تفرق بين مؤسساتها والمؤسسات التي ولدت من رحم الثورة. ويعد هذا مثالا اخر على قدرة البيروقراطية على تبريد حمى الثورة وتسكين امواجها من خلال استيعاب رجال الثورة ومنظوماتها مهما كان الامر عسيرا.
وعلى اي حال فلم يكن الامر بالصعوبة التي ربما تخيلها الايرانيون في سنوات الثورة الاولى ، بل ان معظم المتقدمين من رجال الثورة وجدوا في البيروقراطية الحكومية عالما من الفرص جديرا بالاكتشاف. فمن خلال مشاركتهم في العمل الحكومي ، تلمس البيروقراطيون الجدد الفارق بين البلاغة اللفظية في الكلام عن الاهداف السياسية ، وبين امتلاك الوسائل والموارد الضرورية لتحقيق تلك الاهداف. ومن المؤكد ان تلك المشاركة قد اثمرت عن تعزيز الثقافة العقلانية والبراغماتية على حساب الثقافة المثالية والحماسية المعتادة في الظروف الثورية . بكلمة اخرى فانه يمكن اعتبار صعود كاركزاران رمزا لانخفاض الزخم الثوري وظهور جماعة مرجعية جديدة تتمثل في التكنوقراط والمحترفين[85].
منذ قيامه بقي كاركزاران حزبا نخبويا ، فاعضاؤه ينتمون جميعا الى الشريحة المتوسطة والعليا من المحترفين والاداريين[86] ، ولهذا ايضا فقد بقي حزبا صغيرا من حيث القوة البشرية والانتشار الجغرافي. بسبب خلفيته البيروقراطية ، اكتسب الحزب عددا من السمات المميزة ، من بينها ميوله البراغماتية ، وتركيزه على الدور السياسي للتكنوقراط ومحورية الدولة في التنمية [87]. من ناحية اخرى فان تبني الحزب لفكرة التنمية الاقتصادية ، ومواقفه المعتدلة في المسائل مورد الجدل على الصعيد الثقافي والسياسي ، قد اكسبته تعاطف الطبقة الوسطى المدينية. لكن الحزب لم يحول هذا التعاطف الى قوة منظمة ، لانه ببساطة لم يكن مهتما بالتوسع في العضوية. طبقا لحسين مرعشي ، نائب رئيس الحزب فان (الحزب اكثر اهتماما بالعضوية النوعية منه بالكمية ، ولهذا فهو يركز على استقطاب النخبة)[88]. يصدر هذا التوجه عن قناعة بان النخبة بمجموعها تمثل الماكنة الحقيقية للتغيير في البلاد كما يقول رئيس الحزب غلام حسين كرباسجي:
الحزب السياسي اداة فعالة لتوليد الاجماع بين النخبة الوطنية [...] . هذا الاجماع هو الارضية الاكثر قبولا للتنمية والوسيلة الانجح لاستيعاب ومواجهة التحديات التي تجابه الامن الوطني [...]. اذا فشلنا في جمع النخبة الوطنية كي تتعاون على وضع استراتيجية طويلة الامد وتحظى بالاجماع ، فان النظام السياسي-الاجتماعي سوف يتدهور ، ويصبح سقوطه احتمالا قائما [89].
ويعتبر الحزب نفسه رائدا لفكرة التنمية في الجمهورية الاسلامية[90] . وينظر اليها كتحول شامل ترتبط كل من جوانبه الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وتتفاعل فيما بينها كي تحقق هدفا واحدا هو زيادة الفاعلية والانتاجية العامة للبلاد . وينظر الى ازدهار الاقتصاد وتحسن مستوى المعيشة كمقدمة لا بد منها لتحقيق تنمية سياسية مستقرة . هذا الاهتمام الخاص بالتنمية الاقتصادية عاد على الحزب بثقة القطاعات الاقتصادية الحديثة وشريحة كبيرة من الطبقة الوسطى . لكنه عاد عليه من جانب آخر بغضب حزب مؤتلفه المحافظ الذي اعتاد تقديم نفسه كممثل وحيد للسوق والقطاع الاقتصادي في البلاد . كما تسبب في خلافات بينه وبين حلفائه الاصلاحيين الذين يضعون التنمية السياسية على راس اولوياتهم ، ويعتبرونها حجر الرحى في مسيرة تطور البلاد . وحسب محمد رفسنجاني ، العضو في لجنة الحزب المركزية ، فان
 شعار التنمية السياسية والثقافية الذي ينادي به السيد خاتمي [رئيس الجمهورية] لن يحقق اي ثمرة ولن يصل بنا الى اي مكان. [...]  ايران بلد غني بالموارد الطبيعية ، مما يحتم وضع التنمية الاقتصادية على راس اولوياتها . ولهذا السبب يضع حزبنا هذا الهدف في مقابل هدف التنمية السياسية[91].
خلال فترته الرئاسية الاولى (1988-1992) ضمن رفسنجاني تاييد المحافظين التقليديين لسياساته الاقتصادية التي صيغت بالتوافق مع اقتراحات صندوق النقد الدولي . لكن هذا التاييد سرعان ما تراجع في الفترة الثانية (1993-1997) بسبب اتجاهه لتعزيز دور القطاع الصناعي الحديث ، بدرجة تجعل منه عماد النشاط الاقتصادي في البلاد على حساب قطاع التجارة التقليدي ، الذي يمثل المصدر الرئيس لقوة المحافظين ، ومحور اهتمامهم [92]. في الحقيقة فان عددا من المحللين يعتبر حزب كاركزاران ممثلا للطبقة العليا الحديثة ، مقارنة بحزب مؤتلفه الذي يمثل الطبقة العليا التقليدية[93].
يدعو الحزب الى دولة قوية وفعالة ، ويقع نموذج الدولة الذي يتطلع اليه في منتصف المسافة بين نموذجي حكم الاقلية الحكيمة والحكومة التمثيلية. ويرى ان افضل الحكومات هي تلك التي يديرها التكنوقراط والمحترفون الذين يتمتعون بثقة الشعب ودعمه[94]. بشكل عام فان الحزب يفضل حكم التكنوقراط على حكم السياسيين ، ويصف حسين مرعشي اعضاء حزبه كتكنوقراط مسلمين ويشدد على ان التكنوقراطية هي جزء من جوهر الحزب[95].
التكوين النخبوي للحزب ، رهانه على الدور القيادي للتكنوقراط ، وتقديمه للتنمية الاقتصادية على السياسية ، تثير جميعا بعض الاشكالات لجهة التزامه بمعايير النموذج الديمقراطي . طبقا لسنتينو فان التكنوقراطية كمنهج سياسي هي – في صورتها الاكثر شيوعا - فرع من نظرية النخبة . ويدور سؤالها الرئيس حول ما اذا كان من الاصلح لبلد معين ان يسلم ازمة اموره واجهزة حكومته الادارية والاقتصادية و السياسة الى اقلية من التقنيين لتسييرها[96]. ورغم ان معظم النقاشات حول العلاقة بين النموذجين التكنوقراطي والديمقراطي ترجع الى العصور الحديثة ، الا ان الميل الى حكومة التقنيين يرجع الى تراث الفلسفة اليونانية القديمة . وفي القرن التاسع عشر دعا مفكرون مثل اوغست كونت (1798-1857) وسانت سيمون (1760-1825) الى فصل الادارة المباشرة للدولة عن السلطة السياسية "سلطة الملك" وربطها بدلا من ذلك بالانتاج ، وارجاع الحق في اتخاذ القرار وتنفيذه الى الفئة التي تملك ادوات الانتاج ، اي التقنيين واصحاب المعرفة[97]. صادفت الفكرة قبولا اكبر في ثلاثينات القرن العشرين بعدما راجت فرضية ان التقدم الاقتصادي والصناعي مدين لتقدم التكنولوجيا والعلوم.
لكن نظرية الحكم التكنوقراطي واجهت ايضا الكثير من النقد لما قيل من تهوينها من شأن الانسان وتعامل التكنوقراطيين مع المواطنين الاخرين بصورة نفعية ، كما لو كانوا أداوات انتاج وليس كهدف نهائي للسياسة [98]. يفترق النموذجان التكنوقراطي والديمقراطي في الفلسفة التي يقوم على ارضيتها كل منهما . فالحكم التكنوقراطي يقوم على مبدأ ان جوهر السلطة السياسية هو ادارة البشر والاشياء على النحو الامثل ، بينما يقوم النموذج الديمقراطي على مبدأ ان جوهر السلطة هو تمثيل مصالح المواطنين وتوجهاتهم [99].
لم يكن تركيز كاركزاران على الكفاءة التقنية للاداريين مريحا للمعسكر المحافظ الذي اعتبر دائما ان الالتزام الديني والكفاءة السلوكية والخلقية هي المعيار الاول في اختيار اداريي الدولة ، قبل الكفاءة التقنية[100]. كما رأى المحافظون في سياسات الحزب الاقتصادية ميلا عن قيم الثورة الاسلامية ، فالحزب – كما راى محمد رضا باهنر – (يقدم العقلانية والخبرة الادارية على التدين والولاء الديني ، بينما يشدد الاخرون [المحافظون] بصورة متوازية على النمو الاقتصادي ، العدالة ، محورية القيم ، وصيانة النظام في آن واحد) [101]. ويرد عطاء الله مهاجراني ، الوزير السابق والعضو القيادي في الحزب بان تركيز الحزب على التقنية يعني :
ايكال كل حقل من حقول العمل الى افضل الخبراء فيه . هذا لا يؤدي بالضرورة الى تعارض بين التقنية والتدين . صحيح ان من يريد اقامة الحكومة على اساس المباديء الدينية سوف يعتبر المعايير الدينية ذات اولوية ، لكنه لن يغفل بالضرورة معيار الكفاءة التقنية . التكنوقراطيون ليسوا بذاتهم ضد القيم ، فغاية ما يفعلونه هو تقديم اعتبارات الكفاءة التقنية على نظيرتها الدينية[102]
ينظر حزب كاركزاران الى المؤسسة الدينية كحليف طبيعي وضروري للدولة . لكنه - خلافا لموقف الروحانيين - يفضل ان تنضوي الاولى تحت مظلة الثانية وليس العكس[103].  على صعيد آخر فان الحزب لا يبدي اهتماما يذكر بالنقاشات النظرية حول الدين والاصلاح الديني . ويتخذ موقفا براغماتيا ازاء تطبيق الاحكام الدينية . ويشدد على ربط  التطبيق بتشخيص المصالح العقلانية الكامنة في تلك الاحكام بدل الاكتفاء بمظهرها القدسي. وتقدم تجربة رفسنجاني كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام مثالا جيدا على الطريقة التي يفضلها في التفاعل بين الدين والحكومة . ويتمثل الدور الاساسي للمجمع في ترجيح راي البرلمان او الحكومة او مجلس صيانة الدستور حينما يعترض الاخير على تناسب القوانين المقترحة من جانب الفريقين الاولين مع الاحكام الشرعية . والمعيار الذي يتخذه المجمع هو تشخيص وزن المصالح العقلائية الكامنة في راي كل من الفرقاء الثلاثة والفصل على اساسها. موقف الحزب من ولاية الفقيه هو الاخر مثال على منهجه البراغماتي ، حيث يقول كرباسجي (نحن نقبل ولاية الفقيه في اطار حاكمية الشعب [...]. الفقيه هو القائد الذي اختارته اغلبية الشعب وليس معينا من قبل الله . سلطة الفقيه قائمة على ارضية الدستور . في الحقيقة فان قبولنا بسلطة الفقيه هو فرع عن التزامنا بالدستور)[104].
سبق الاشارة الى اعتدال الحزب ازاء الجدالات الثقافية والاجتماعية ، ونزيد هنا ان الحزب يصدر في هذا الموقف عن ميول ليبرالية بين اعضائه الذين يقترحون اجندة عنوانها "التساهل والتسامح" . وقد تكلف الحزب من وراء هذه السياسات ثمنا غاليا ، فقد عزل رئيسه غلام حسين كرباسجي من منصب عمدة العاصمة في 1998 وحكم عليه بالسجن خمس سنوات والحرمان من العمل الحكومي عشر سنوات [105]. أما مهاجراني الذي كرس اثنين من كتبه للدفاع عن اجندة الحزب الليبرالية [106]، فقد عزل من منصبه كوزير للثقافة عام 2000. وخلال العام 2004 تعرض لحملة تشويه للسمعة استهدفت اقصاءه من المسرح السياسي في غمرة اشاعات عن تمهيدات يقوم بها الحزب لترشيحه لرئاسة الجمهورية خلفا للرئيس محمد خاتمي[107] .
ينشط حزب كاركزاران ضمن تحالف "الثاني من خرداد" الاصلاحي . وبعد ريادته للاصلاح الاقتصادي وفتحه الطريق امام الاصلاح السياسي في اوائل التسعينات ، فالواضح ان الحزب لم يستطع الاحتفاظ بالصدارة ضمن المعسكر الاصلاحي ، ربما لان الخطاب الاصلاحي – حسب مهاجراني – قد تقدم كثيرا وتجاوز المباديء التي اشتهر بها الحزب[108].
وثمة شعور يسود الوسط السياسي الايراني ، بان الغرض الوحيد لحزب كاركزاران هو خوض الانتخابات ، وليس له اي اجندة اخرى يمكن تطبيقها او الدعوة اليها خارج اطار الحكومة او البرلمان . ولهذا السبب ربما فان نشاط الحزب يقتصر على المواسم الانتخابية ، ثم يعود الى الصمت بعد انتهائها . ولعل اقتصار الحزب على عدد قليل جدا من الاعضاء وافتقاره الى بنية تنظيمية فعالة يفرض حدودا ضيقة لنشاطه السياسي . ولهذا السبب فقد يمكن القول ان نشاط الحزب – حتى في مواسم الانتخابات – مرهون بتحالفه مع احزاب اخرى تملك القوى البشرية والتنظيمية اللازمة لخوض معركة انتخابية رابحة. وهذا قد يفسر سلوكه المعتدل وبراغماتيته في التعامل مع القضايا المثيرة للجدل في الساحة ، وميله للاحتفاظ بمسافة مناسبة بينه وبين جميع القوى الاخرى بما فيها القوى الحليفة [109]. هذه السياسة تعتبر عند بعض المحللين نقطة قوة في الحزب ، فهي تحمل جميع الاحزاب الاخرى على الاعتقاد بان كاركزاران يمثل حليفا محتملا . لكن من ناحية ثانية فان هذا القدر من البراغماتية يعطي انطباعا بان الحزب هو حليف مؤقت ، يمكن التحالف معه على المدى القصير او لاغراض تكتيكية ، من دون تعويل على موقف ثابت او علاقة استراتيجية طويلة الامد[110].
نشير قبل اختتام هذه المناقشة الى العلاقة التي تربط حزب كاركزاران مع الرئيس الاسبق هاشمي رفسنجاني ، والذي يعتبره كثيرون الزعيم الفعلي او الاب الروحي للحزب ، رغم انه – من الناحية الشكلية على الاقل – ليس عضوا في قيادته . ولا ينكر اعضاء الحزب "العلاقة الخاصة" مع الرئيس السابق ، لكن مراقبين يشيرون الى ما هو اعمق من هذا القدر . فبين قائمة مؤسسي الحزب وقادته نجد عددا من عائلة الرئيس من بينهم اخوه محمد وابنته فائزة ، وصهره حسين مرعشي[111]. وتتألف لجنته المركزية من مساعدي الرئيس ووزرائه السابقين في الحكومة . ويقر مهاجراني بان الحزب يحترم اراء رفسنجاني لا سيما في القضايا الرئيسية لكنه لا يعتبره ابا روحيا [112]. جدير بالذكر انه على رغم المكانة الرفيعة التي يحتلها رفسنجاني في النظام ، فانه لم يستطع حماية قادة الحزب من هجمات المحافظين ، ولا افلح في تسهيل نفوذهم الى مؤسسات الدولة التي يسيطر عليها اولئك مثل القضاء والقوات المسلحة وما اليها.

مجاهدين انقلاب اسلامي

تأسست منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية في 1980 كثمرة لاندماج سبع مجموعات صغيرة . ويبدو ان الغرض من ذلك الاندماج كان مواجهة التحدي المتمثل يومئذ في منظمة مجاهدين خلق المسلحة التي عارضت النظام الجديد انطلاقا من رؤية اسلامية – ماركسية[113]. وخلال العقد الاول من عمر الجمهورية الاسلامية ، كان للمنظمة حضور قوي في مؤسسات الدولة ولا سيما في القوات المسلحة واجهزة الامن . كما احتل اعضاؤها مناصب وزارية واكاديمية ومقاعد برلمانية. وبشكل عام فقد كان ينظر للمنظمة كدينامو لتيار اليسار الاسلامي المهيمن على الحياة السياسية يومئذ ، الامر الذي جلب عليها عداوة التيار البراغماتي والمحافظ على السواء[114].
منذ 1982 عانت المنظمة من مصاعب تنظيمية وخلافات داخلية. وكانت نقطة البداية هي قرار اية الله الخميني بمنع العسكريين من عضوية الاحزاب ، الامر الذي اضطر عشرات من كوادرها البارزين للتخلي عنها . وفي العام التالي استقال ثلاثون من كوادرها الرئيسية في غمرة خلافات داخلية حول توجهاتها اليسارية  ، ولا سيما تمجيدها لفكر الدكتور علي شريعتي المناويء لسلطة رجال الدين. واخيرا فقد جرى حل المنظمة تبعا لرأي حجة الاسلام راستي كاشاني ، الذي كان قد عين من جانب الخميني للاشراف على نشاطاتها [115].  
 وفي العام 1991 استعادت المنظمة نشاطها على يد الجناح اليساري الذي كان على حاشية المسرح السياسي خلال هذه الفترة . وفي 1994 أصدرت صحيفة "عصر ما " نصف الشهرية التي سرعان ما احتلت مكانة مؤثرة بين نظيراتها [116]. واشتهرت الصحيفة بتحليلاتها المعمقة في القضايا التي ظلت خلال السنوات الماضية مكتومة او مهملة رغم اهميتها ، ومن بينها العلاقة بين الدين والدولة ، وبين الدين والمجتمع ، وتحولات الفكر السياسي الديني خلال العهد الجمهوري ، اضافة الى تحليل مكونات المشهد السياسي الايراني وتحديد الخلفية الاجتماعية والايديولوجية لكل من الجماعات المشاركة فيه ، وعلاقة ذلك بمواقفها السياسية الراهنة وتطلعاتها المستقبلية[117].  وقد مهدت تلك الصحيفة الطريق امام الموجة التالية من الكتابات التي عالجت مسائل مثل الديمقراطية والحريات المدنية ودور النخب الحديثة في صناعة السياسة وما الى ذلك.  وبسبب الجدل الذي اثارته ، فقد تعرضت الصحيفة للاغلاق على يد القضاء الذي يسيطر عليه المحافظون في مارس 2002. رغم قصر المدة التي شهدت انتشارها ، الا ان "عصر ما " قد حفرت لها مكانة بارزة في تاريخ الصحافة الايرانية خلال ربع القرن الاخير. ولا شك انها لعبت دورا حاسما في تطوير الخطاب الاصلاحي واشاعة الثقافة الديمقراطية ، وبالتالي تحويل القوة الاجتماعية التي اعتادت تاييد اليسار الاسلامي الى قوة اصلاحية .
رغم احتفاظها بطابعها اليساري فقد تخلت "مجاهدين انقلاب" عن معظم المباديء التي تبنتها في بداية الثمانينات . فهي تدعو اليوم الى اقتصاد السوق ، وهي تربط مشروعية النظام السياسي بتمثيله الصريح للراي العام وليس برئاسة الفقيه له . كما ان تفسيرها المتشدد للدين قد استبدل بآخر اكثر ليبرالية وقبولا بتعدد الاجتهادات والقراءات[118].
منذ اعادة تنظيمها في منتصف التسعينات تعرضت المنظمة لمعاملة قاسية من جانب المحافظين ، الذين وصموها بالعلمانية "وهي تساوي عندهم الخروج عن الاسلام" . وفي 2002 اصدرت جمعية مدرسي الحوزة العلمية في قم بيانا يعتبر المنظمة غير شرعية ويحذر المؤمنين من التعاون معها [119].  وصدر هذا البيان على خلفية محاضرة القاها هاشم اغاجري ، العضو القيادي في المنظمة ، انتقد فيها نمط التدين السائد والعلاقة السلبية بين مراجع الدين ومقلديهم . واثر المحاضرة اعتقل اغاجري وحكم عليه لاحقا بالاعدام بتهمة الردة والسخرية من العقائد الدينية[120].  
ساهمت المنظمة بفاعلية في صعود المعسكر الاصلاحي ، وشاركت في الحكومة والبرلمان "بعد انتخابات 2000" . ولعل هذه المشاركة هي التي حملت منافسيها المحافظين على اعتبارها القوة الحقيقية وراء الحركة الاصلاحية ، ولا سيما حزبها الرئيسي "جبهه مشاركت" ، خاصة وان عددا من قادة الحزب الاخير هم اعضاء سابقون في مجاهدين انقلاب [121].
لم تضم المنظمة بين اعضائها اي رجل دين [122]، ربما بسبب التوجهات المعارضة للروحانيين الشائعة بين التيار المتأثر بفكر شريعتي. وتماثل المنظمة حزب كاركزاران في تركيبتها النخبوية ، ولهذا ايضا فقد بقيت محصورة في عدد صغير من المفكرين والسياسيين[123]. كما تماثله في التشديد على محورية الاقتصاد الصناعي وتهتم خصوصا بقطاع الصناعة الميكانيكية والثقيلة ، كمقابل لهيمنة التجارة التقليدية[124]. فيما يتصل بعلاقة المجتمع والدولة فان معظم رؤى المنظمة تماثل تلك التي يتبناها حزب مشاركت كما سنعرض لاحقا . ومثل هذا الحزب ، منع اعضاء المنظمة من المشاركة في الانتخابات التشريعية لعام 2004 . ومنذئذ فهي تسعى للخروج من عباءتها النخبوية التقليدية وحجاب السرية الذي يحيط بنشاطاتها ، باتجاه التحول الى حزب جماهيري . وقد اعلن عن هذا التوجه في المؤتمر السابع للمنظمة - وهو بالمناسبة اول مؤتمر يعقد في العلن - في ابريل 2004[125].

مجمع روحانيون مبارز

يمثل مجمع رجال الدين المناضلين ، الجناح الروحاني ذي الميول اليسارية .  وقبل تاسيس الحزب كان هذا الجناح ينشط ضمن "جامعه روحانيت مبارز" . على الرغم من الخلافات التي ما كانت تهدأ الا لتعود من جديد بين الجناحين اليميني واليساري . ووصلت العلاقة بين الفريقين الى طريق مسدود قبيل الانتخابات النيابية لعام 1988 [126]. وطبقا لرفسنجاني فان دعم الخميني للمجمع جاء بتاثير ابنه ومساعده الخاص ، احمد ، الذي يعتقد انه كان الرئيس غير الرسمي للمجمع [127]. ويبدو ان المجمع كان الحزب الوحيد الذي حظي تاسيسه بموافقة علنية من جانب الخميني. وليس في الامر ما يثير الاستغراب فثمة بين مؤسسيه السبعة وعشرين، عشرة اعضاء في مكتب الخميني وستة اخرون من ممثليه الشخصيين.
مثل كاركزاران ، يفتقر مجمع روحانيون الى قوة بشرية كبيرة او بنية تنظيمية ، كالتي نجدها في الاحزاب الاعتيادية . كما انه يفتقر الى ايديولوجيا متميزة ، بل ويفتقر الى وحدة في الموقف من القضايا المختلفة . وقد كشف في البيان الختامي الذي صدر عن مؤتمره الاول (نوفمبر 2003) عن قلق عميق ازاء اتجاه المحافظين نحو الهيمنة الكاملة واقصاء القوى السياسية الاخرى ، وشدد على التزام المجمع بالاصلاح السياسي. لكن من ناحية اخرى فان الموقف ازاء عدد من القضايا الاخرى مثار الجدل كان في الغالب غامضا يفتقر الى التحديد[128]. وتكشف الاراء التي يعبر عنها اعضاء المجمع عن اختلاف كبير بينهم في التحليل وقراءة الاحداث ، هو ثمرة لافتقاره الى ايديولوجيا سياسية متينة ، تقوم عليها وحدة الموقف والتحليل لا سيما ازاء القضايا الكبرى او تلك التي تثير الجدل في الساحة[129]. ويتمتع المجمع – لا سيما رئيسه الحالي موسوي خوئينيها - بعلاقة متينة مع جمعيات الطلبة الجامعيين التي كانت عونا كبيرا له في المنافسات السياسية . لكن يبدو ان هذه العلاقة بدات تميل الى الوهن منذ العام 2002 ، بسبب تصاعد الخلافات في داخل الجسم الطلابي من جهة وتصاعد النزعة العلمانية من جهة ثانية ، وفشل الحكومة الاصلاحية في حماية الطلبة من عسف المحافظين من جهة ثالثة.
في العام 2004 منع مجلس صيانة الدستور عددا من مرشحى المجمع من خوض الانتخابات النيابية ، ومني الاخرون الذين دخلوها بالهزيمة ، بمن فيهم رئيس المجمع وقتئذ مهدي كروبي ، ومجيد انصاري العضو البارز ذو الميول البراغماتية. وقد القى الرجلان باللوم في هذا الفشل على انسحاب الاصلاحيين من ساحة الصراع . لكن يبدو لي ان السبب الرئيس يرجع الى عدم قابلية المجمع لكسب اي معركة بالاعتماد على قوته الخاصة. ولهذا فان انسحاب شركائه الاكثر شبابا ، قد تركه من دون غطاء تقريبا ومن دون قوة منظمة تخوض المعركة لصالحه[130].

حزب مشاركت ايران اسلامي

رغم عمره القصير نسبيا فقد كشف حزب المشاركة عن كفاءة عالية في حشد الجمهور وراء طروحاته وادارة معاركه السياسية . فبعد ستة اشهر من تاسيسه ، نجح الحزب في حصد اغلبية الاصوات في الانتخابات المحلية لعام 1999[131]. واعقبه بانتصار مماثل في الانتخابات النيابية في العام التالي ، الامر الذي اعطاه اليد العليا في البرلمان والحكومة[132] . ويصنف الحزب ضمن يسار الوسط ويتبنى النموذج الديمقراطي الليبرالي باعتباره المثال الارقى للسلطة السياسية . ويصنفه بعض المحللين الايرانيين ضمن اليسار الجديد ، ربما بسبب مزجه بين الاجندة الليبرالية والخلفية اليسارية لعدد من مؤسسيه.
 ولدت فكرة حزب المشاركة في "حلقة آيين" ، وهي مجموعة من المفكرين كانت منشغلة خلال الفترة من 1994-95 بالاعداد لاصدار مجلة فكرية جديدة ذات توجه ديني – ليبرالي. لكن بعد تسمية رئيس الحلقة محمد خاتمي مرشحا لليسار الديني واليمين الجديد "كاركزاران" للانتخابات الرئاسية الوشيكة ، فقد تحولت الحلقة الى ما يشبه مركز الحملة الانتخابية لخاتمي. بعد فوزه الباهر بالرئاسة في مايو 1997 ، اتجه اعضاء الحلقة الى تاسيس حزب سياسي يعمل على تطبيق اجندة الاصلاح السياسي التي حملت خاتمي الى الرئاسة[133]. وقع بيان تاسيس الحزب 110 من السياسيين والاكاديميين والاداريين . وفي هذه المرحلة المبكرة كان ينظر الى سعيد حجاريان باعتباره العقل المفكر للحزب[134]. بل ان كثيرا من الاصلاحيين يصفه بالمنظر الاول لحركة الاصلاح السياسي في ايران المعاصرة [135]. مثل كثير من قادة الحزب الاخرين ، كان حجاريان عضوا في منظمة مجاهدين انقلاب . ولا زال الحزبان قريبين من بعضهما الى درجة ان المحافظين يصفون مشاركت بانه مجرد واجهة لمجاهدين انقلاب ، او ان الاخيرة هي العقل المستخفي في الاول [136].
من المعتقد ان مشاركت هو الحزب الاكبر في ايران حاليا من حيث عدد الاعضاء والانتشار الجغرافي[137]. وقبل اغلاقها في يوليو 2002 على يد القضاء الذي يسيطر عليه المحافظون ، كانت "نوروز " الصحيفة شبه الرسمية للحزب واحدة من اكثر الصحف اليومية توزيعا[138]
وحسب المحلل الايراني علوي تبار ، فان الحزب يضم ثلاثة اجنحة رئيسية :
1-      اليسار الديني التقليدي الذي ترجع جذوره الى تحالف "خط الامام" الذي ظهر في السنوات الاولى من الثورة . وركز في العقد الثاني على المطالبة بمشاركة شعبية واسعة ومنافسة سياسية في اطار التيار الديني.
2-      يسار الوسط الذي ترجع جذوره الى تيار المفكرين الاسلاميين من دعاة الاصلاح الديني ، وهو يدعو الى ديمقراطية شبه علمانية .
3-      السياسيون المحترفون الذين يحملون ميولا براغماتية ليبرالية ، ويتبنون سلوكا دينيا معتدلا.
ويعتقد علوي تبار ان التيار الاخير هو الذي سيقرر اتجاه الحزب في المستقبل . واذا جرى الامر على هذا النحو فان حزب مشاركت سوف يتحول الى حزب سياسي محترف ، يتركز اهتمامه حول المنافسة على السلطة[139] .
ويظهر حتى الآن ان دعاوى الحزب تحظى بشعبية جيدة في الوسط الاجتماعي ولا سيما الاجيال الجديدة . كما كان لشعاره المحوري "ايران لكل الايرانيين" وقع قوي بين الشرائح الاجتماعية التي كانت تشعر بالتهميش في السنوات السابقة ، لا سيما الشباب والنساء.  ويذكر ان سيدتين من اعضاء الحزب قد شاركتا في حكومة خاتمي ، وهي المرة الاولى في العهد الجمهوري التي تصل النساء فيها الى الوزارة . ومن المؤكد ان تركيز الحزب على مشاركة جميع الايرانيين في السلطة والسياسة قد اقنع شرائح كثيرة بالمشاركة في الحياة السياسية بعد زمن من اهمالها او اعتزالها . وكشفت استقصاءات للراي العام عن استمرار شعبية الحزب رغم النكسات السياسية التي مني بها ، ولا سيما اغلاق جميع مطبوعاته وحرمانه من التواصل مع الجمهور من خلال القنوات الاخرى مثل الراديو والتلفزيون التي يسيطر عليها المحافظون.  وعلى سبيل المثال فان استطلاعا رسميا للراي اجري في يناير 2004 ، قبيل الانتخابات النيابية ، اظهر ان الحزب كان المرشح المفضل عند الناخبين ، على رغم عدم رضاهم عن اداء البرلمان المنصرف الذي كان للحزب فيه اكثرية المقاعد [140].
يمثل الاصلاح السياسي ابرز انشغالات حزب مشاركت ، فهو يعتقد ان الظرف السياسي – الاجتماعي للبلاد ، اضافة الى التحولات التي تطبع العالم منذ نهاية الحرب الباردة ، تتطلب اعادة نظر شاملة في الثقافة والمعادلات الاجتماعية ومعايير العمل المتبعة في الدولة الاسلامية[141]. ويرى الحزب ان الديمقراطية الليبرالية هي النموذج الامثل للحكم الصالح والقادر على استيعاب ومعالجة التحديات التي فرضها تغير البيئة السياسية للعالم ونظام العلاقات الدولية في العقد الاخير. وفي هذا الاطار فهو يشدد على مفاهيم مثل الحقوق الدستورية ، الحريات المدنية ، حاكمية الشعب كاساس للشرعية السياسية ، سيادة القانون ، الشفافية ، والمحاسبة . ويعتبر ترسيخ هذه المفاهيم وتطبيقها في الحياة السياسية الغرض الاسمى للحركة الاصلاحية[142]. ويرى الحزب ان ظهور هذه الحركة هو تعبير عن تحول الحراك الشعبي الذي ولد من رحم الثورة الاسلامية الى حراك عقلاني واقعي ، يتطور كنسق عمل سلمي في اطار الدستور والقانون الوطني. ويجادل محمد رضا خاتمي رئيس الحزب بان الحركة الاصلاحية تقدم البديل الواقعي عن الدعاوى المثالية غير القابلة للاشتغال في الواقع الايراني . وهي ايضا البديل الصحيح عن النموذج السلطوي – الشعبوي الذي يدعو اليه المحافظون . كما انها البديل المحلي القابل للحياة والتجذر عن التطلعات اليائسة للمجموعات العلمانية التي تراهن على تدخل من جانب القوى الاجنبية لفرض الديمقراطية في البلاد[143].
واجه الحزب – والحركة الاصلاحية بشكل عام – نكسات مؤلمة ، وفي العام 2003 كان الشعور العام بين الاصلاحيين يذهب الى ان المحافظين قد نجحوا تماما في سد كل الطرق امامهم . وقد انعكس هذا الشعور بقوة على مؤتمر الحزب الخامس الذي عقد هذا العام ، وتوقع بعض المحللين ان يتخذ المؤتمر اتجاها اكثر حدة . لكن البيان الختامي عاد الى التاكيد على المباديء السابقة ولا سيما مواصلة الصراع السياسي السلمي ضمن الحدود الذي يسمح بها الدستور وقوانين البلاد . ويبدو ان الحزب اراد من وراء هذا التأكيد تمييز نفسه عن مجموعات المعارضة التي تسعى لاسقاط النظام كليا ، وفي الوقت نفسه تمييز موقفه عن موقف اصدقائه وحلفائه الذين لا يرون اي امكانية للاصلاح الديمقراطي في ظل معادلات القوة السائدة[144].
ويعتقد الحزب ان الصلاحيات المطلقة لمرشد الجمهورية في غياب نظام متين للرقابة والمحاسبة ، تجعل اساءة استعمال السلطة امرا محتملا على الدوام [145]. وبناء على هذه الرؤية فقد اجتهد الحزب من خلال البرلمان والحكومة لاصلاح النظام القانوني ومعادلات القوة بما يتيح مجالا اوسع للمجتمع المدني ليمارس الرقابة على عمل الهيئات الحكومية . وبسبب هذه المساعي فقد شهدت الدورة البرلمانية السادسة (2000-2004) نزاعات متواصلة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور . وتشهد القائمة الطويلة لمشروعات القوانين البرلمانية التي رفضها مجلس الصيانة على ضخامة الجهد الذي بذله الاصلاحيون في ذلك السبيل ، كما تشهد – من ناحية اخرى - على تصميم المحافظين الشديد على تعطيل الحركة الاصلاحية مهما كان الثمن [146]. ورغم اعتقاد الحزب بان دستور الجمهورية الاسلامية ينطوي على عيوب اساسية ، الا ان هذه العيوب ليست سبب تعثر مسيرة الاصلاح السياسي. يقول رضا خاتمي بهذا الصدد :
نعتقد ان الدستور القائم ينطوي على اشكالات جدية من بينها افتقاره الى التعريف الدقيق لهيكلية النظام ، العلاقات بين اركانه ، منح صلاحيات من دون مسؤولية لهيئات غير منتخبة ، اضافة الى طريقة تشكيل هذه الهيئات [...]. لكننا – مع ذلك – لا نرى ان تقدم مسار الاصلاح متوقف على تغيير الدستور [...]. نعتقد ان المشكل الاساسي للبلاد هو غياب حاكمية القانون ، وليس غياب القانون نفسه او قصوره [...]. من هنا فان الوظيفة المحورية للحركة الاصلاحية هي فرض وترسيخ حاكمية القانون والزام الحاكمين بالخضوع له[147].
ويرى الحزب ان نجاح التحول الديمقراطي يتوقف على تغييرات هيكلية في النظام تؤدي الى تعديل توازن القوى بين المجتمع والدولة لصالح الاول . وفي هذا الاطار فقد شهد المؤتمر السابع للحزب ، وهو الاول بعد خروجه من السلطة ، اتجاها قويا الى التركيز على دور القوى الاهلية ، لا سيما الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني باعتبارها الوسيط الرئيس لتحويل الراي العام الى قوة سياسية مؤثرة[148].
يصنف الحزب نفسه ضمن تيار الاصلاح الديني . وهو يدعو الى دور واسع للدين في المجالين العام والخاص[149] ، لكنه يرفض تمديد القداسة التي يتمتع بها الدين الى الدولة . وهو يتعامل مع مؤسسات الدولة ذات الصبغة الدينية ، بما فيها ولاية الفقيه ومجلس صيانة الدستور على اساس قانوني بحت ، اي باعتبارها هيئات قانونية او سياسية لا هيئات دينية . من ناحية اخرى فان الحزب لا يرى الدين موضوعا لعمل الدولة او وظيفة من وظائفها ، ويدعو بدلا من ذلك الى الفصل بين المؤسسة الدينية ومؤسسة الدولة ، على نحو لا يتيح لاي من المؤسستين استخدام الثانية [150].
قبل اختتام هذا العرض نشير الى العلاقة الخاصة بين الرئيس خاتمي وحزب مشاركت ، والتي تشبه علاقة كاركزاران مع رفسنجاني من حيث احتوائها على جوانب تداخل وجوانب تخارج في الوقت نفسه ، الامر الذي حمل بعض المحللين على الظن بان خاتمي هو اشبه بالاب الروحي للحزب. من الناحية الرسمية فان خاتمي عضو في مجمع روحانيون وليس مشاركت ، لكن افكاره واجندته الانتخابية تحتل موضعا محوريا بين ادبيات وشعارات حزب مشاركت[151]. نضيف ايضا ما سبق الاشارة اليه من ان عددا ملحوظا من مؤسسي حزب مشاركت وقادته كانوا بين المنظمين الرئيسين لحملة خاتمي الانتخابية والمشاركين -لاحقا –  في حكومته. من المفيد على اي حال الاشارة الى عاملين يساعدان على الظن بان صناعة الراي – وبالتالي الموقف والقرار - داخل الحزب ، تتاثر بالمداولات الجماعية بدرجة اكبر من الكاريزما الشخصية لشخص واحد او مجموعة صغيرة من الاشخاص : العامل الاول : ضخامة الحجم العددي للحزب وانتشاره الجغرافي الامر الذي يتيح للمنظمات الحزبية لعب دور حاسم . وقد ظهر هذا بوضوح خلال المؤتمر السابع للحزب "يوليو 2004" [152]. العامل الثاني : يمتاز مشاركت على سائر الاحزاب الايرانية بانه يضم بين صفوفه عددا كبيرا نسبيا من المفكرين والمحترفين والسياسيين ، كما يمتاز بانفتاحه على المفكرين الذين همشوا من جانب التيار السياسي الرسمي ، والذين تظهر اراؤهم في مطبوعات الحزب واجتماعاته  ، الامر الذي يجعل تعدد الافكار والاراء سمة غالبة في منظماته[153].
ويعتقد كثير من المحللين ان الحزب قد خسر جانبا من شعبيته رغم انه حافظ على المركز الاول بين سائر الاحزاب ، ويرجع هذا الى فشله في مقاومة الضغوط الكبيرة للمحافظين التي أدت عمليا الى وأد الكثير من مشروعاته ، الامر الذي ولدت شعورا عند الناخبين بان الحزب – رغم افضليته على سواه – ربما لا يكون قادرا على تنفيذ      وعوده ، او انه قد انخرط في الصراع مع المحافظين بدرجة تجعله عاجزا عن العمل ، لا سيما على المستوى المحلي . ويعتقد بعض المحللين ان هذا الشعور ربما يفسر هزيمة مرشحي الحزب للمجالس البلدية في الانتخابات المحلية لعام 2003[154].

خلاصة

رغم وجود احزاب سياسية منذ الايام الاولى للثورة الاسلامية ، فان فاعليتها كوسيط للتنمية السياسية لم تظهر بشكل ملموس الا بعد تغير البيئة السياسية للبلاد في العقد الاخير من القرن المنصرم . ورغم نقاط ضعفها الكثيرة ، فان اقل ما يذكر للاحزاب الايرانية هو دورها في اعاقة تحول النظام الاسلامي الى نظام شمولي مطلق ، وهو ما يبدو ان اليسار الديني كان يسعى اليه في الثمانينات والمحافظون في التسعينات . وهذا يؤكد ان للاحزاب السياسية دور حاسم ، حتى في الظروف الصعبة ، في صيانة التعددية ، فضلا عن قابليتها لدعم التحول الديمقراطي حين تصبح الظروف مساعدة.
واظهر الفصل ان التنظيمين الذين يمثلان رجال الدين ، اي جامعه روحانيت مبارز تهران ومجمع روحانيون مبارز يواجهان انحدارا متزايدا في النفوذ السياسي ، كانعكاس – ربما – للانحدار العام في مكانة وتاثير الروحانيين في الحياة العامة .
في منتصف التسعينات وصف بعض المحللين العمل الحزبي في ايران بالميوعة والتقلب . لكن منذ اواخر التسعينات فان هذا الوصف لم يعد دقيقا . وقد ظهر في ثنايا الفصل ان تركيب كل من المعسكرين الرئيسين ، المحافظ والاصلاحي ، قد بقي ثابتا ومتينا الى حد كبير . كما ان المواقف الاساسية للاحزاب المشاركة في كل من الجانبين لم تتغير تقريبا طيلة العقد الاخير . ويبدو ان الحراك الذي حصل خلال السنوات الاخيرة على مستوى العلاقة بين الاحزب ، تركز على تصليب المواقف وتحديد التمايزات بين التنظيمات ، الامر الذي يحمل على الظن بان حالة الميوعة المشار اليها تتراجع بالتدريج ، مع تطور الممارسة السياسية . ونذكر خصوصا ان الصراع العنيف بين المعسكرين المحافظ والاصلاحي ، ولا سيما القمع المنظم من جانب المعسكر الاول ضد منافسه قد ادى عمليا الى بلورة الهوية السياسية والايديولوجية و خطوط التمايز بين الاثنين ، كما لم تكن في اي وقت سابق .
معظم الفرضيات القائلة بميوعة الساحة السياسية الايرانية تستند الى تبدل التحالفات والمواقف خلال المواسم الانتخابية . في الحقيقة فان الجزء الاعظم من النشاط الحزبي في هذا البلد يدور حول الانتخابات . وكما اشار بختياري فقد كان مجلس الشورى مركز الحراك السياسي واصطفافات النخبة وصراعاتها : (منذ بداية العهد الجمهوري ، اصبح حجم التمثيل البرلماني مؤشرا رئيسيا على قوة اي جناح سياسي وشعبيته)[155]  . وقد ظهر في ثنايا الفصل ان اربعة من الاحزاب الثمانية التي عرضت في المناقشة ، قد تاسست قبيل انتخابات عامة . كما ان الاخرى مالت الى الضعف بعد وقت قصير من خسارتها للانتخابات .
من المفهوم ان الوصول الى السلطة يمثل محور النشاط الحزبي في اي بلد ، وان الحزب السياسي يعرف كفريق (يسعى الى السيطرة على اجهزة الدولة من خلال انتخابات قانونية)[156]. لكن فيما يتعلق بالاحزاب الايرانية فان المشكلة تكمن في انشغالها الزائد بالانتخابات على حساب سائر النشاطات السياسية وغير السياسية المفترض ان يقوم بها الحزب في غير المواسم الانتخابية. بكلمة اخرى فان هذا الانشغال يحمل على الاعتقاد بانه لولا الانتخابات لما كان هناك حزب سياسي او نشاط حزبي . وهذا يمثل نقطة ضعف في عملية التحول الديمقراطي ودور الاحزاب في التنمية السياسية للبلاد. تحتاج الديمقراطية كي تنضج وتترسخ الى المعارضة الفاعلة بقدر ما تحتاج الى الحكومة الفاعلة . وهذا يتطلب ان تواصل الاحزاب نشاطها على المستوى الاهلي في كل الاوقات لا ان يقتصر عملها على مواسم الانتخابات. ويبدو ان هذه الفكرة بدأت تلقى رواجا في الفترة الاخيرة . وخلال العام 2004 بالتحديد اعلن ثلاثة من الاحزاب ، هي مؤتلفه ومشاركت ومجاهدين انقلاب ، عن خطط للتوسع التنظيمي ، والتركيز على منظمات المجتمع المدني ، وهي اهتمامات تنتمي وظيفيا الى صنف المعارضة السياسية ، وتشير الى وعي مستجد لهذه الاحزاب بفائدة العمل بين الجمهور.
استقطب صعود تحالف التنمية "ابادگران" اهتماما قليلا فحسب من جانب الباحثين والمحللين خارج ايران . ويبدو ان هذا التطور قد وضع في اطار تغيير الوجوه والواجهات ، لا كاشارة على تغير الايديولوجيا السياسية في المعسكر المحافظ[157]. وقد سعيت في هذا الفصل لتفسير ذلك الحدث في اطار التغير البنيوي للمجتمع الايراني ، الذي انعكس بالضرورة على المعسكر المحافظ مثل غيره . لكن بالنسبة لهذا المعسكر خصوصا فان ذلك التطور ينطوي على اهمية خاصة ، تتمثل في انتقال السلطة الروحية – وتبعا السياسية – من كبار الروحانيين وبشكل عام الجيل التقليدي ، الى جيل جديد ينتمي الى الطبقة الوسطى الحديثة ويضم بالدرجة الاولى تكنوقراطيين ذوي ميول براغماتية ، الامر الذي يرجح احتمال تخفيف التشدد المشهود في المعسكر المحافظ ، وتصاعد الميل الى الانفتاح السياسي والاجتماعي . لكن لا ينبغي المبالغة في تصور انعكاسات فورية لهذا التطور على مستوى الاصلاح السياسي . من الافضل اذن ان ننتظر لنرى كيف سيتعامل المحافظون الجدد مع التحديات السياسية ، الداخلية والخارجية خلال السنتين القادمتين .




[1] Baktiari, Bahman, Parliamentary Politics in Revolutionary Iran: The Institutionalization of Factional Politics, (Gainesville, 1996), p. 221.
[2]  انظر مثلا : احزاب وتشكيلات سياسي ايران ، من اعداد مركز ابحاث حرس الثورة الاسلامية ، (قم ، د.ت.) . ن. إ. روجع في 16 اغسطس 2004 : www.tooba-ir.org/siyasi/ahzab/kargo/fehrest.htm
[3] Baktiari, op. cit., p. 84
[4] For a comparative account on the approaches to the role of bureaucracy, see Gerald Heeger, ‘Bureaucracy, political Parties, and Political Development’, World Politics, vol. 25, issue 4, (July 1973) pp. 600-07. 
[5] Blondel, Jean, Comparative Government, (New York,  1995), p. 133.
[6] Lester, Seligman, ‘Elite Recruitment and Political Development’, The Journal of Politics, vol. 26, issue 3 (Aug., 1964), 612-626, p. 618.
[7] Heath, Graaf, and Nieuwbeerta, ‘Class Mobility and Political Preferences’, American Journal of Sociology. vol. 100, no. 4. (Jan., 1995), 997-1027: p 999.
[8] علوي تبار : مقابلة مع بهار (16 يوليو 2000) . ن. إ. : www.netiran.com/Htdocs/Clippings/DPolitics/200716XXDP01.html
[9]  بيران ، برويز : " جنبش اجتماعى شهري" ، افتاب ، العدد 20 ، (اكتوبر 2002) ، صص 34-5
[10] Katouzian, Huma, ‘Problems of Democracy and Public Sphere in Modern Iran’, Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, vol. 18, no. 2, (1998) pp 31-6: 31.
[11] Heath, op. cit.
[12] بشيريه ، حسين : موانع توسعه سياسي در ايران ، (تهران 2001) ، ص 133
[13]  اطاعت ، جواد: "شكافهاي اجتماعي وگروه بندي سياسي در ايران" ، افتاب ، العدد 19، (سبتمبر 2002) ، ص 10
[14] Menasheri, David, Post-Revolution Politics in Iran, (London 2001), p. 49.
[15]  تاجيك ، محمد رضا : "احزاب: فروباشي هويت سنتى" ، بازتاب ، (5 يناير 2003) .
[16] Shah Alam, ‘Conservatives, Liberals and the Struggle over Iranian Politics’. Strategic Analysis, vol. 24, no. 3, (Jun., 2000).  www.ciaonet.org/olj/sa/sa_jun00als01.html.
[17]  سفيري ، مسعود : حقيقتها ومصلحتها ، (تهران 1999) ، ص 81 . وتكرر نفس التفسير على لسان اخرين من بينهم اسد الله بادامجيان ، الذي كان عضوا في لجنة الحزب المركزية . انظر : Shah Alam, op. cit.
[18] حيدري، محمد : "حزب جمهوري اسلامي : تشكل سياسي در روحانيت" ، ايران (24 يونيو 2002)
[19] Kamrava, Mehran, The Political History of Modern Iran, (Westport 1992), p. 87.
[20] Baktiari, op. cit., p. 55.
[21] Tachau, Frank, Political Parties of the Middle East and North Africa, (Westport 1994), p. 139.
[22] سفيري : المصدر السابق
[23] سفيري : المصدر نفسه ، ص 83
[24] For some details, see: Baktiari, op. cit., p. 80.
[25] Shah Alam, op. cit.
[26]  صحيفة خراسان ، (30 يوليو 2000) ، روجع في : www.netiran.com/Htdocs/Clippings/DPolitics/200730XXDP01.html
[27]  هجري، محسن: "مقدمه بر سنخ شناسي راست در ايران"، چشم انداز ايران، ع. 9 ، (يونيو 2001)، 59-66 ، ص 59
[28] ظريفي نيا ، حميد: كالبد شكافي جناحهاي سياسي ايران ،  (تهران 1999) ،  صص 97-8
[29] For some details on the Baha’i faith and community, see Martin, Douglas, ‘The Case of the Baha’i Minority in Iran’, The Baha’i World, (1992-3), pp. 247-271. e. edition: www.bahai.org/article-1-8-3-7.html.  Also Momen, Moojan, ‘The Baha'i Community of Iran: Patterns of Exile and Problems of Communication’, in Fathi, A., (ed.), Iranian Refugees and Exiles since Khomeini, (1991). e. edition, www.northill.demon.co.uk/relstud/Iran-patterns.htm
[30]  طاهر زاده ، احمد : "انجمن حجتيه در بستر زمان" ، چشم انداز ايران ، ع. 5 ، (مايو 2000).
[31]  طاهر زاده ، المصدر نفسه
[32] رضوي : "بازخواني   برونده انجمن حجتيه" ، همشهري ، (23 اكتوبر 2002)
[33]  توكل ، محمد : "بازار سنتي ايران در سه دوره" ، چشم انداز ايران ، ع. 16، (اكتوبر 2002) ، صص 34-45 ، ص 42
[34]  خيافي ، حسن : "سياستگريزي وترويج جدايي دين از سياست " ، جمهوري اسلامي ، (31 اكتوبر 2002)
[35] اية الله ابو القاسم خزعلي ، كيهان (2 ديسمبر 2002) ، ص 12
[36] Baktiari, op. cit., p. 81.
[37]  ادرج مرتجى اسماء اثني عشر مجموعة سياسية ومهنية ضمن المعسكر المحافظ . (انظر مرتجى ، حجت : جناحهاي سياسي در ايران امروز، (تهران 2000) ، ص 14 . وقد اضفت الى ذلك العدد المجموعات التي بقيت خارج الاطار التنظيمي للمعسكر رغم انها تتفق معه في الخلفية الايديولوجية والمواقف السياسية .
[38]  ظريفي نيا : مصدر سابق ، ص 89
[39] ظريفي نيا : المصدر نفسه ، صص 90-1
 [40] سفيري ، المصدر السابق ، ص 186
[41]  شادلو ، عباس : اطلاعاتى درباره احزاب وجناحهاي سياسي ايران امروز ، (تهران 1999) ، ص 62
[42] يزدي ، ابراهيم : سه جمهوري ،  (تهران 2001) ، ص 296
[43] شادلو ، المصدر السابق ، ص 157
[44] غلامي ، فتاح : "كالبد شكافي مؤتلفه -1" ، بازتاب (4 فبراير 2003)   www.baztab.com/index.asp?ID=2525&Subject=News
[45] شادلو : المصدر السابق ، ص 160
[46] شادلو : المصدر السابق ، ص 170
[47]  شادلو: المصدر السابق ، ص 167
[48]  شادلو: المصدر السابق ، 168
[49]غلامي ، فتاح : "كالبد شكافي مؤتلفه-2" ، بازتاب (8 فبراير 2003) www.baztab.com/index.asp?ID=2649&Subject=News
[50] دليري ، ج: "شكل گيري دو ائتلاف وچهار فراكسيون در مجلس هفتم" ، ابران (24 مايو 2004)
[51] ايسنا (8 فبراير 2004)
[52] Tajbakhsh, Kian, ‘The Fate of Local Democracy in the Islamic Republic’, Iran Analysis Quarterly,  vol. 1, issue 2, (Fall 2003), 5-8, p. 7.
[53]  ايران (25 فبراير 2004)
[54]  لبعض التفاصيل حول هذه الحادثة وردود الفعل الفورية عليها ، انظر: همشهري (11 يوليو 1999)
[55] روح ، م : "موتلفه حزب شد" ، شرق (10 يناير 2004)
[56]  لاريجاني ، محمد: "زهد سياسي" ، جام جم (6 سبتمبر 2004).
[57] صحيفة شرق (12 يونيو 2004)
[58] شادلو ، المصدر السابق ، ص 315
[59] شادلو ، المصدر السابق ، ص 314
 [60]  علي دارابي ، مقابلة مع ايسنا (2 يناير 2004)   
[61]  البيان الختامي لمؤتمر جمعية ايثاركران انقلاب اسلامي ، ايسنا (24 يناير 2004)
[62]  شرق (3 يناير 2004)
[63]  البيان الختامي ، المصدر السابق
[64]  شرق ، المصدر السابق
[65] تصريحات لمجتبى شاكري ، عضو اللجنة المركزية . جمهوري اسلامي (20 اكتوبر 2003)    
[66] مجتبى شاكري ، ايسنا (1 اكتوبر 2003)
[67]  باهنر ، محمد رضا ، مقابلة مع ايران ، (22 اغسطس 2004)
[68]  كيهان (25 فبراير 2004) ص 14
[69]  توكلي : مقابلة مع همشهري (7 سبتمبر 2004)
[70]  قوجاني ، محمد : بدرخونده وجبهاي جوان ، (تهران 2000) ، ص 115
[71] قوجاني ، محمد : "جناح راست" ، شرق (8 ابريل 2004)
[72]  قوجاني : المصدر نفسه
[73]  صحيفة جمهوري اسلامي (6 ابريل 2004)
[74]  رضايي : "تكنوكراتهاي محافظه كار" ، شرق (10 ابريل 2004)
[75] "ارايش گروه ها در انتخابات"  ، همشهري (18 فبراير 2004)
[76] كيهان (25 فبراير 2004) ، ص 14
[77] ابراهيمي ، نرگس : "بروجه يك دست شدن" ، شرق (18 ابريل 2004)
[78]  زيبا كلام ، صادق: مقدمه بر انقلاب اسلامي ، (تهران 1999) ، ص 262
[79] Baktiari, op. cit, p. 217
[80]  مرتجى : مصدر سابق ، ص 18
[81]  شادلو : مصدر سابق  ، ص 104
[82] Shah Alam, op. cit.
[83]  دليري ، جواد : "فرزندان عصر انقلاب واصلاحات در رقابتى تازه" ، ايران (11 يناير 2004).
[84]  برزين ، سعيد : جناحهاي سياسي در ايران ، (تهران 2000) ، ص 60
[85]  قوجاني ، محمد : يقه سفيدها ،  (تهران 2000) ، ص 86
[86]  شادلو: مصدر سابق  ، ص 110
[87]  برزين : مصدر سابق ، ص 59
[88] شادلو : مصدر سابق ، ص 110
[89] همشهري (3 سبتمبر 2000)
[90] شادلو : المصدر السابق ، ص 122
[91] لطيفى پاكده ، لطف على : احزاب و تشكيلات سياسى در ايران ، (قم ، د.ت) . ن.إ. روجع في 16 اغسطس 2004:
www.tooba-ir.org/siyasi/ahzab/kargo/fehrest.htm
[92] قوجاني : يقه سفيدها ، مرجع سابق ، ص 78
[93] قوجاني : المصدر نفسه ، ص 126
[94] برزين : المصدر السابق ، ص 58
[95] شادلو : المصدر السابق ، ص 110
[96] Centeno, Miguel, ‘The New Leviathan: The Dynamics and Limits of Technocracy’, Theory and Society, vol. 22, no. 3. (Jun., 1993), 307-335, p. 309.
[97] Carlisle, Robert, ‘The Birth of Technocracy: Science, Society, and Saint-Simonians’, Journal of the History of Ideas, vol. 35, no. 3. (Jul. - Sep., 1974), 445-464, p. 449.
[98] Centeno, op. cit.
[99] Centeno, ibid.
[100] انظر مثلا حديث اية الله خامنئي عشية انتخابات 1996 ، في سرجوئي وساداتيان : انتخابات مجلس بنجم در آينه مطبوعات ،  (تهران 1999) ، ص 259
[101] ظريفي نيا : مصدر سابق ، ص 102
[102] لطيفي : المصدر السابق
[103] برزين : المصدر السابق ، ص 59
[104]  شادلو : المصدر السابق ، ص 116
[105] BBC News, (Jan., 25, 2000). http://news.bbc.co.uk/2/hi/middle_east/618351.stm.
[106]  مهاجراني ، عطاء الله : حكايت همجنان باقيست ، (تهران 1999) و مهاجراني : استيضاح (تهران 1999)
[107] ايسنا (17 نوفمبر 2004)
[108] مهاجراني : مقابلة مع صحيفة ايران (3 يناير 2002)
[109]  قوجاني : يقه سفيدها ، ص 88
[110] على دارابي : تصريحات في مهر نيوز (9 فبراير 2004)
[111]  لمعلومات اضافية ، انظر قوجاني : بدر خونده ، ص 30
[112]  ايران (3 يونيو 2002)
[113]  محسن رضائي : تصريحات في كيهان (8 فبراير 2000)
[114]  حيدري ، م. : "انقلاب اسلامي در عصر ما" ، ايران (20 مايو 2002)
[115]  مرتجى : المصدر السابق ، ص. 22
[116]  حيدري : المصدر السابق
[117] حيدري : المصدر السابق
[118] شادلو : المصدر السابق ، صص 247-258
[119] ايسنا (9 يوليو 2002)
[120] نقض الحكم لاحقا بواسطة ديوان عالي كشور "المحكمة العليا" ،  وافرج عن اغاجري في مطلع 2005. يتوفر نص المحاضرة باللغة الانجليزية على موقعFaith    : http://ilrs.org/faith/aghajaritext.html
 [121] امير محبيان "كاتب محافظ بارز" ، رسالت ، (23 ديسمبر 2002) ، ص. 2
 [122] قوجاني: يقه سفيدها ، ص 109
[123] حيدري : المصدر السابق
[124]  مرتجى : المصدر السابق ، ص 108
[125]  رحيمي : "كونكره هفتم يا كنكره اول" ، شرق (1 مايو 2004)
[126] مرتجى : المصدر السابق ، ص 16
[127]  سفيري : المصدر السابق ، ص 84
[128] انظر البيان الختامي لمؤتمر الحزب . ايسنا (12 يناير 2004).
[129] انظر الخطابات التي القيت في المؤتمر الاول للحزب والتصريحات المتعلقة به . ايسنا (4-7 ديسمبر 2003)
[130] ابراهيمي ، ن. : "انها شركت كردند" ، شرق ، (17 فبراير 2004)
[131] Abdo, Geneive, ‘Electoral Politics in Iran’, Middle East Policy, vol. 6, no. (Jun., 4, 1999).  www.mepc.org/public_asp/journal_vol6/9906_abdo.asp
[132] في الانتخابات التشريعية لعام 2000 فاز حزب مشاركت بـ 80 مقعدا ، كاركزاران 15 مقعدا ، روحانيون مبارز 60 ، حزب همبستكي 30 ، مجموع المحافظين 50 ، من بين مجموع عدد المقاعد البالغة 290. ابراهيمي ، ز : "جناحبنديهاي سياسي مجلس ششم" همشهري ، (9 سبتمبر 2000)
   وطبقا لنعيمي بور رئيس المجموعة البرلمانية لحزب مشاركت فان مجموعته تتكون من 120 نائبا ، من بينهم 30 من اعضاء الحزب الملتزمين . نوروز (2 يونيو 2002) ، ص 7 .
[133]  جبهه مشاركت ايران اسلامي : بيانات ومواضع تا كنكره اول ، (تهران 2001) ، ص 222
[134]  اصلاحات در مشاركت" ، همشهري ، (22 اغسطس 2002)
[135] جلايي بور ، حميد : دولت بنهان ، (تهران 2000) ، ص 205
[136] تصريحات للكاتب المحافظ امير محبيان ، منقولة في جبهه مشاركت : المصدر السابق ، ص 194
[137] تقرير عن المؤتمر السنوي الثالث لحزب مشاركت . ايران (22 يوليو 2002)
[138] همشهري (27 يونيو 2002)
[139] علوي تبار ، عليرضا: "مشاركت ومجاهدين انقلاب دو هسته اصلي دوم خرداد" ، نوروز (11 يوليو 2002)
[140] الموقع الرسمي لمجلس صيانة الدستور (18 يناير 2004) www.irisn.com/akhbar/1382/13821029/13821029_irisn_00005.htm
[141]  انظر البرنامج الانتخابي للحزب لعام 2000 ، في جبهه مشاركت : المصدر السابق ، ص 229.
[142] جبهه مشاركت : المصدر السابق ، صص 222-8
[143] محمد رضا خاتمي : خطاب افتتاحي في المؤتمر العام الخامس لحزب مشاركت (16 اكتوبر 2003) . انظر نصه في  http://news.gooya.com/politics/archives/000487.php.  
[144]  البيان الختامي للمؤتمر العام الخامس لحزب مشاركت (17 اكتوبر 2003) . روجع في 8 يناير 2004 في www.ardekan.com/msh_bayaniejebhe.htm
[145] البيان الختامي ، المصدر السابق
[146]  لتفصيلات انظر قائمة اللوائح والقوانين التي اعادها مجلس الصيانة : نوروز (10، 11، 12، 13 ، 20 يونيو 2002) وتغطي القائمة اللوائح المرتجعة في العام الاول من عمل المجلس فقط.
[147]  محمد رضا خاتمي : "خطاب افتتاحي امام المؤتمر العام الخامس لحزب مشاركت"
 [148] "البيان الختامي للمؤتمر العام السابع لحزب مشاركت" ، امروز (4 اغسطس 2004) www.emrooz.ws:81/ShowItem.aspx?ID=4980&p=1.
[149]  جبهه مشاركت : المصدر السابق ، ص 222
[150]  محمد رضا خاتمي : "خطاب افتتاحي امام المؤتمر العام السابع لحزب مشاركت" ، ايسنا (23 يوليو 2004)
[151] جبهه مشاركت : المصدر السابق
[152] روح ، م: "موضع مشاركت درباره نامزدي موسوي" ، شرق (22 يوليو 2004)
[153] كيان ، عليرضا : "استاد وشاگردانش" همشهري (اصدار نوروز الخاص – 20 مارس 2003)
[154]  رضوي : "صف آرايي تازه" ، همشهري ( 12 مايو 2003)
[155] Baktiari, op. cit., p. 235.
[156] Schlesinger, J., op. cit., p. 374.

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...