في المجادلات العادية ، يبدو أكثر الناس مقتنعين
بأن "اقتصاد
السوق" نموذج أمثل للتنمية وتحسين الأداء الاقتصادي والمالي للبلد ككل.
لكن هذه القناعة سرعان ما تنحسر حين تطل الأزمات الاقتصادية برأسها المخيف.
ليف يرمييف - مصمم سيارة فولغا - جاز
تطبيق هذا النموذج بالتمام والكمال ، ليس ممكنا في
رأيي ، ضمن الظروف التي نعرفها في عالم اليوم. لو أردنا تطبيق النموذج الصافي
لاقتصاد السوق ، فسوف تنحسر وظيفة الدولة إلى حماية الحدود وردع الجريمة. وهو دور
قارنه فرديناند لاسال
، السياسي الالماني ، بوظيفة "الحارس الليلي".
وقد عرض هذا الوصف في سياق السخرية من التيار الليبرالي. لكن فيلسوفا أمريكيا
معاصرا هو روبرت
نوزيك ، دافع عنه بقوة ، واعتبره النموذج الأمثل ان أردنا صيانة الحريات
الفردية ، وازدهار شخصية المواطن.
المقارنة بين النموذج الليبرالي ونقيضه الاشتراكي
، ستنتهي غالبا لصالح الأول. احتفاء النموذج الليبرالي بالمبادرات الفردية
وتكريمها ومكافأة أصحابها ، هو احد الاسرار الكبرى وراء التقدم العلمي والتقني للمجتمعات
الغربية ، وما رافقها من ثراء وازدهار معيشي. بينما يكافح الناس في ظل النموذج
الاشتراكي أشد الكفاح ، كي يضمنوا مستوى بسيطا من العيش ، يؤمن الضروريات
فحسب. قارن مثلا بين مكاسب هنري
فورد ، مصمم سيارة فورد الامريكية ، ونظيره ليف يريمييف مصمم سيارة فولغا السوفيتية: يعد فورد
واحدا من أغنى رجال العالم. ولازال اسمه علما بارزا ، وتراثه المادي ضخما حتى
اليوم ، وقد كتب عن سيرته واعماله عشرات المقالات والكتب. في المقابل عاش المصمم
السوفيتي حياة عادية كموظف حكومي ، ولم يكتب عنه ، ولم يحصل على أي مكسب سوى
شهادات تقدير. ونحن لا نعرف اليوم عنه أي شيء ، فهو لا يعد شخصية عامة او رجلا
مشهورا ، رغم تاثيره العميق في الصناعة السوفيتية. ولو ذهبت الى الصناعة العسكرية
لتسأل عن مصمم طائرة
الميغ المقاتلة ، وهي فخر الصناعة العسكرية السوفيتية ، فلن تجد الحال مختلفا.
اسأل عن مصمميها وصانعيها الأوائل ، ماذا جرى لهم وما هي مكاسبهم؟.. سترى انهم
عاشوا وماتوا من اجل الحكومة ، ولم يحصلوا هم ولا عائلاتهم على مكاسب ، تحفز من
خلفهم على سلوك طريق الصناعة والاختراع.
أي مقارنة بين
النموذجين ، على مستوى العائد المادي ، وعلى مستوى الحريات الفردية ، والمشاركة
السياسية ، ستنتهي لصالح الاقتصاد الحر ، دون أدنى شك.
مع ذلك فثمة كثير
من الناس العاديين ، فضلا عن العلماء والسياسيين وقادة الرأي ، يشعرون بقلق من
هيمنة هذا النموذج. وقد عرضت في الأسبوع الماضي
رؤية المفكر المجري – النمساوي كارل بولانيي ، الذي قدم مجادلة قوية ضد اقتصاد السوق ،
مع أنه لم يطالب باحلال النموذج الاشتراكي بدلا عنه.
وهنا يظهر الفارق بين معارضي اقتصاد السوق على أرضية ماركسية ، ومن يعارضه
على أرضية مجتمعية communitarianism، وهي تيار يتبنى خطا وسطا بين الاشتراكية
والليبرالية. يطالب دعاة هذا النموذج بدور أوسع للدولة في إدارة الثروات العامة ،
لكن من دون تقييد للحريات الفردية او تدخل في خيارات المواطنين. كما يدعون الى
اخراج مجموعة من النشاطات الحياتية الأساسية (التي يتعامل معها اقتصاد السوق ،
كسلع تجارية) من دائرة التعامل التجاري ، واهمها الأرض والتعليم والصحة وكفالة
العاجزين عن إدارة انفسهم.
أعتقد ان تطبيق
النموذج الصافي لاقتصاد السوق ، كما يدعو روبرت نوزيك مثلا ، لن يحول السلطة الى
المواطنين ، كما يفترض ، بل سيحولها الى السوق وقادتها ، وهؤلاء سيحكمون المجتمع
من خلال التحكم في مسارات العرض والطلب على السلع والوظائف وراس المال.
لا أظن أحدا يرغب
في هذا ، كما لن يرغب احد في النموذج الاشتراكي الصافي ، حيث الملكية الفردية ضيقة
او شبه معدومة. لهذا يبدو ان الطريق الثالث ، الذي يجمع بين الضمان والحرية ، هو
الخيار المعقول. وهذه قصة أخرى نعود اليها في قادم الأيام.
الشرق الأوسط الخميس - 28 شوّال
1447 هـ - 16 أبريل 2026 م https://aawsat.com/node/5262852
مقالات ذات علاقة
الاساس
النظري لدور الامة في الدولة
التفكير الامني في قضايا الوحدة الوطنية
الحرية ، دراسة في المفهوم والاشكاليات
دفاع عن السوق
"غير" الحرة
دولة الاكثرية وهوية الاقلية
سجالات الدين
والتغيير في المجتمع السعودي (كتاب)
السلطة
باعتبارها وكالة عن المجتمع
شراكة التراب وجدل المذاهب
شراكة التراب كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
شراكة التراب وعدالة النظام الاجتماعي
الشراكة في الوطن كارضية لحقوق المواطن
الطريق الى مجتمع
عادل
العدالة
، رضا الناس ، وسيادة القانون
العدالة
السياسية ، الامس واليوم
العدل
فوق الهوية
ما
الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟
مفهوم الحق
ومصادره
مكانة العامة في
التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي
من التوحيد القسري الى التنوع في اطار الوحدة
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ
العقد الاجتماعي
الوطن ، الهوية الوطنية ، والمواطنة: تفصيح للاشكاليات
وطن الكتب القديمة
الوطن شراكة في المغانم والمغارم



