21/05/2026

لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب

هذه مراجعة للجدل الذي أثاره اعلان جامعة الرياض للفنون ، اعتماد الإنكليزية لغة تدريس. وشارك في الجدل عدد من أبرز المثقفين وأهل الرأي والفن في المملكة العربية السعودية.

لقد أوضحت في مقالات سابقة انني مؤيد لتعريب التعليم العالي. واعني تحديدا مجالات العلوم والطب والهندسة ، فضلا عن العلوم الإنسانية. وقد أوضحت مبررات رأيي بما يغني عن الإعادة.

سأخصص هذه الكتابة لتوضيح الأسئلة التي يدور حولها النقاش الجديد. طمعا في تعميق النقاش.

البداية فرضية فحواها ان الابداع الفني يولد من غوص الفنان في التجربة الحياتية لبيئته الاجتماعية ، واكتشاف كيفية انعكاس الظرف الطبيعي على تفكير البشر وتطلعاتهم وعلاقاتهم الداخلية.

تتحول تلك الأفكار الى صور متخيلة ورموز ، يعيد الفنان رسمها في صورة مشهد ، كما يفعل الشاعر حين يعيد انتاج حادثة او فكرة في صورة قصيدة ، توصل المعنى من دون ان تغرق في تفاصيل ما حدث فعلا.

الفن – بهذا المعنى – انعكاس لحقيقة الحياة ، مختصر في المساحة ، لكنه مكثف في الترميز ، مغرق في التخييل ، دون ان يفارق دائرة المعنى المراد ايصاله للمتلقي.

الذين عارضوا تدريس الفنون بلغة اجنبية ، يحتجون بأن إعادة انتاج الفكرة والمعنى في قوالب فنية إبداعية ، عملية فكرية معقدة ، مشروطة بتعمق المبدع في ثقافة المكان ، وانغماسه في تفاصيله. ونعلم ان الثقافة تتاثر بعمق ، بأوعية التعبير عن المعاني ، والاحاسيس التي ترافق التجربة الثقافية ، قبل ان تأخذ شكلها النهائي كمفهوم او عرف او قيمة مستقرة. وعاء التعبير ، أي اللغة ، يشكل اطارا للمعنى والتجربة ، فيضع حدودا على بعض عناصرها ويطلق البعض الآخر بعيدا عن المركز.

التعبير الفني سلسلة طويلة ، منطلقها تجربة الحياة ، ثم التأمل في تفاصيلها ومعانيها ، ثم تحويلها الى مشاهد متخيلة ورموز ذات دلالات قوية ، ثم عرضها على الناس كقناة تفاعلية تصل المتلقي بالمشهد وما وراءه من تجربة. هذه السلسلة الطويلة عبارة عن تأملات متداخلة ، تشكل اللغة جزء محوريا فيها. حين يفكر الانسان ، فان ذهنه يلاحق الخط الدلالي الذي تنشئه اللغة او تسمح به. ومن هنا قيل ان الابداع بلغة اجنبية عسير جدا ، الا لشخص ذائب في ثقافتها. يتجلى هذا  العسر في مرحلة التصنيع ، لحظة استيعاب التجربة وتكوين المعنى والرمز ، حيث يتأمل المبدع في صور جرى تثبيتها في نماذج لغوية ، وليس تجريدات قائمة بذاتها. لذا يصعب على الأجنبي استيعاب المعاني العميقة ، التي ترتبط بها تلك الصور والرموز ، او انتاج معان جديدة بالاعتماد عليها.

أما من يؤيد اعتماد اللغات الأجنبية ، فيحتج بان الفنون الحديثة ، تطورت في الاطار المعرفي  الغربي ، ولم يساهم فيها العرب الا عرضيا. من الرواية الى الأداء والتصوير او التشكيل وطريقة التعبير عن المعنى ، كلها نشأت في ذلك الاطار. ولذا فالمكتبة التي يحتاجها دارس الفن ، مكتبة إنكليزية.

تعزيزا لهذا الرأي ، أقترح الفصل بين مستويين من الحرف الفنية: الأداء الفني ، والابداع الفني. انظر للممثلين او الرسامين المبدعين او الشعراء والروائيين المشهورين: لن تجد الا عددا قليلا جدا في كل بلد. اما الذين يؤدون الاعمال الفنية ، سواء الممثلين او الرسامين او كتاب الروايات او منتجي ومخرجي الدراما ، فهم بالمئات. في مصر مثلا يعمل عدة آلاف في المجالات الفنية المختلفة ، لكنك لا تسمع الا بعشرين او ثلاثين مبدعا. كذلك  الحال في سوريا والخليج والعراق ، بل حتى البلدان العريقة في هذه المجالات ، حيث لا تشكل الأسماء البارزة سوى واحد او اثنين بالمائة من العاملين في الحقل الفني.

ليس مهمة جامعة الفنون أن "تصنع" مبدعين ، بل ممارسين. اما المبدع فموهبته سابقة للجامعة ، ودور الجامعة هو تعميق معرفته وصقل خبراته وتحديد المدرسة التي يقتفي اثرها. هذا تماما ما يحصل في كليات الطب والهندسة ، التي لا تخرج علماء ، بل ممارسين ، يبذل بعضهم جهودا إضافية حتى يبلغ المستوى  الرفيع المتمثل في نقد العلم وإنتاج العلم.

من هنا لا ينبغي ان نفكر في الجامعة كمكان لصنع العلماء بل لصنع طواقم الاعمال الفنية ، التي ستكون بمثابة البيئة او البحر الذي يحتاجه المبدعون كي يحولوا تطلعاتهم الى منتجات ابداعية.

الشرق الأوسط الخميس - 04 ذو الحِجّة 1447 هـ - 21 مايو 2026 م     https://aawsat.com/node/5275541

 

مقالات ذات صلة

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
حول البيئة المحفزة للابتكار
التمكين من خلال التعليم
صناعة الشخصية الملتبسة
شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
هل تختار مدرسة اجنبية؟
تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
حاضنات الابداع
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
التخلي عن التلقين ليس سهلا
 

14/05/2026

التحيز الطبيعي والتحيز المصنوع

زرت هذا الأسبوع مجلسا لأحد الأصدقاء ، فوجدت الحضور مشغولين بالنقاش عن صعوبة الحصول على وظائف في هذه الأيام ، وسمعت بعضهم يلقي باللوم على كثرة العمال الوافدين واحتكارهم لمهن بعينها. وهذا حديث بات معتادا ، في المجالس وفي منصات التواصل الاجتماعي وغيرها.  

ويبدو ان هذا الإحساس (الذي لا أراه صادقا ولا دقيقا) قد بات مشكلة عالمية: في شمال باكستان يشكون من مزاحمة العاملين الأفغان ، وفي الهند يشكون من مزاحمة البنغال ، وفي تركيا يتحدثون عن مزاحمة السوريين ، وفي مصر عن العمال السودانيين ، وفي لبنان عن الفلسطينيين. أما في الولايات المتحدة وأوروبا ، فقد بات موضوع الهجرة محركا لتيار سياسي يتصاعد يوما بعد يوم ، ونعلم ان احدث انعكاساته قد أصابت حزب العمال البريطاني الحاكم ، الذي خسر في الانتخابات البلدية الأخيرة 1200 مقعدا لصالح تيار يعادي المهاجرين. 

قلت للحاضرين أني لا أرى شحا في الوظائف ، على النحو الذي يذكرونه. لكني أردت الحديث عن موضوع التحيز ، وخصوصا النظر الى العاملين الأجانب ، كسبب في بطالة الشباب حديثي التخرج. فقاطعني أحد الحاضرين قائلا ان مجتمعنا ليس فيه تحيز ، لأن الدين يحرمه. 

انكارنا وجود التحيز هنا او هناك ، لا يعني انه غير موجود. ومن يدعي ان انكار الدين للتحيز ، يعني بالضرورة ان المسلم بريء منه ، فهو واهم. اصرارنا على وجود التحيز او على انكاره سيان.. لا هذا مفيد ولا ذاك. المفيد في رأيي هو تحليل ظاهرة التحيز التي نراها أمامنا ، وليس التحيزات التي تحصل في أماكن أخرى من العالم. يجب ان نفهم أسبابها المباشرة والعناصر التي تعززها او تثبطها ، ومستوى تأثيرها المادي او الروحي على العلاقات  الاجتماعية 

ان لم يكن هذا التحيز مؤثرا ، فهو في أسوأ الحالات مجرد وجهة نظر غير مقبولة. يمكننا ان نرفضها ، لكن ليس ثمة داع حثيث لاتخاذ موقف اكثر تشددا. أما لو تبين انه يؤثر جديا على معايش الناس وعلاقاتهم ، أو على الامن والسلام الاجتماعي ، فعلى العقلاء السعي لمنع استشرائه وتفاقم ضرره. 

يمكن من حيث المبدأ تمييز ثلاثة أنواع من التحيز ، أولهما طبيعي ، وقد يكون ضروريا ، والثاني تحيز الازمات ، أما الثالث فهو اصطناعي مقصود ، وهو الأكثر خطورة. 

يرتبط التحيز الطبيعي بمرحلة بناء الهوية الاجتماعية او الوطنية ، حيث تبالغ المجتمعات عن قصد في تمجيد ذاتها وتاريخها وانجازاتها ، من أجل ترسيخ الرابطة التي تشد أبناء المجتمع الى بعضهم ، وصولا الى تكوين المجتمع الواحد او الأمة الواحدة. يتخد هذا التحيز اتجاه توضيح الحدود بين هذه الجهة وتلك ، بالتركيز على الفوارق الإيجابية ، أي الميزات الإضافية التي يتمتع بها هذا الفريق 

ويرتبط النوع الثاني من التحيز بالازمات التي تدفع الناس للبحث عن كبش فداء لاخفاقاتهم ، حتى لو لم يكونوا مقصرين في حق انفسهم او مسؤولين عن ذلك الإخفاق. يظهر هذا في أزمات مثل قلة الاعمال او انخفاض الرواتب ، كما يظهر في الحروب والمشكلات السياسية. ويذكر القراء العادة المشهورة عند السياسيين ، الذين يلقون مسؤولية اخفاقهم على مؤامرات "الخارج".  

أخيرا نصل للتحيز الذي يجري تصنيعه وتعميمه بواسطة فريق اجتماعي ، بقصد وتصميم مسبق ، لخدمة أغراض سياسية او غير سياسية. وقد تعرفت المجتمعات العربية على هذا النوع في أواخر القرن العشرين ، حين بدأت جماعات سياسية تشن حملات تخويف من الغزو الغربي ، وكان الهدف الوحيد هو اضعاف منافسيهم المحليين والانفراد بالتمثيل السياسي للمجتمع. 

زبدة القول اننا بحاجة لتحليل المواقف التي نعتقد انها تعبر عن ظاهرة تحيز ، نحن بحاجة لفهمها ، وفرز ما يشير الى وضع طبيعي غير ضار ، وما يرتبط بأزمة ، قد تتحول سريعا من فورة مشاعر طبيعية الى صدام اجتماعي ، وأخيرا ما هو مخط لسحب المجتمع في اتجاه سياسي بعينه.  

الشرق الاوسط الخميس - 27 ذو القِعدة 1447 هـ - 14 مايو 2026 م  https://aawsat.com/node/5272973 

مقالات ذات علاقة 

 

 

 

 

لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب

هذه مراجعة للجدل الذي أثاره اعلان جامعة الرياض للفنون ، اعتماد الإنكليزية لغة تدريس. و شارك في الجدل عدد من أبرز المثقفين وأهل الرأي والفن ...