توجهات الذكاء الصناعي وتحدياته كانت محورا بارزا في نقاشات "المنتدى الاقتصادي العالمي" ، خلافا للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده ، وفحواه ان سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.
ومنذ انشاء المنتدى الذي ينعقد سنويا في مدينة دافوس السويسرية ، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماما غير قليل ، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول ، فضلا عن رؤساء الشركات الكبرى ، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية ، من فم صناعها ، وليس نقلا عنهم.
يتأثر الاتجاه العام للمنتدى
بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا فان بروز الذكاء الصناعي على اجندة
المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة ، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم ، لا
سيما بين رجال الاعمال والاكاديميين والمفكرين ، تتعامل معه كتحد جدي لنظم
الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.
تتخذ نقاشات الذكاء الصناعي مسارات
متنوعة ، فبعضها يركز على معنى ان تكون الآلة ذكية ، وإمكانية ان تتجاوز ذكاء
البشر ، او حتى ان تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها ، الى قوة مستقلة عنهم. وثمة
نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول او تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالعديد
من الاعمال التي لا زالت تعتمد على الجهد البشري ، الفكري والبدني. إضافة بالطبع
الى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن ان ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء
في عدد قليل من الدول ، واحتمال ان تستثمرها في اخضاع المجتمعات الأخرى.
ساهمت تلك النقاشات في تشكيل
فهم متقارب ، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع ان يشهدها العالم ، في ظل
النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الصناعي في تفاصيل حياتنا اليومية ، من التجارة
الى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي ، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي ، تتجه
النقاشات الأحدث الى مسائل أكثر عمقا ، ولا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على
أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم ، واتجاهات الثقافة.
تساهم الأنظمة الفائقة
الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل ، بل الغاءها في حالات كثيرة ، مما يتيح
وقتا أوسع لعمل الانسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة ،
أي الآلة ، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته ، وبالتالي فهي تسهم بعمق أكبر في
إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس. لتوضيح هذه المسألة ، انظر
كيف أن دخول السيارة في سوق العمل اثر على اتجاهات العمل وقيمته ، وعلاقة العاملين
مع بعضهم ومع ارباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات
بين الناس ، فقد زاد التعاملات التجارية ، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة
والعمل والناتج ، لكنه – في الوقت نفسه - غير الى حد كبير مضمون وكيفية علاقة
الناس ببعضهم ، بل أثر أيضا على موضوعات العلاقة بين الناس.
هذا النوع من التأثير
يثير أسئلة جدية حول قدرة الانسان على التحكم في حياته ، بما فيها القيم الناظمة
لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه ، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا
ينبغي ان يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني ، كما لا ينبغي ان نقتصر على
اظهار القلق او تخويف بعضنا البعض. نحن بحاجة الى تكرار التأكيد على المباديء
الجوهرية التي تدور حولها حياة الانسان ، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك
ان أبرز تلك المباديء واعلاها أهمية هي بقاء الانسان مسيطرا على مصيره ، ساعيا الى
تعزيز كرامته ، محافظا على استقلال ارادته.
التأكيد على هذه
المباديء ضروري جدا في عالم تديره الآلات ، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته.
نحن بحاجة للتساؤل دائما عما اذا كنا نسعى للتطور المادي ، لأنه هدف بذاته ، او من
أجل زيادة المال ، ام لأنه يخدم هدفا أعلى ، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني ، أي
تعزيز كرامة الانسان وبقائه في مركز الوجود.
الخميس - 10
شَعبان 1447 هـ - 29 يناير 2026م https://aawsat.com/node/5234924
مقالات ذات
صلة







