ابدأ من مقال الصديق سلمان الجشي يوم السبت الماضي ، لاسيما تأكيده ان تطوير البيئة الاستثمارية للبلاد ، رهن بوضوح الرؤية المستقبلية للاقتصاد ، واستقرار السياسات ، وقابلية التنبؤ بالتحولات القانونية والاقتصادية. وموضع اهتمام الجشي هو الاستثمارات الكبيرة ، التي تعد فرس الرهان لتحسين الأداء الاقتصادي وتوليد الوظائف.
لا اظن أحدا يخالف هذا الرأي. لكني اريد وضع اصبعي في مكان آخر ، هو
الاستثمار الصغير ، ومنه مايسمى "ستارت اب". ويهمني التأكيد بأني لا
انظر للمشروعات المبهرجة والفخمة الأسماء. فالاستثمار الصغير يشمل كل عمل يكون
صاحبه هو العامل الرئيسي فيه ، وهو مصدر رزقه الأول. وبهذا فهو يضم ابسط الاعمال ،
من السباكة وبيع الخضار ونقل الركاب ، مرورا بالمقاولات الصغيرة ، وصولا للمشروعات
الأكثر تعقيدا. في كل هذه الحالات ، يبدأ المشروع بموظف واحد او اثنين ، ثم يتسع
بالتدريج. ليس مهما عدد الموظفين الذين يستقطبهم المشروع ، بل التدريب اليومي الذي
يتاح لصاحبه في كل معاملة.
قبل بضع سنوات تحدثت الصحافة المحلية عن شبان يعملون في أسواق الخضار والمطاعم
او يبيعون الشاي والقهوة ، وأمثال هذه الوظائف التي لم تعد محبوبة ، منذ الثورة
النفطية في الربع الأخير من القرن الماضي. ولمناسبة الحديث عن البطالة ، قرأنا
لبعض المتحدثين كلاما يحث الشباب على الاخذ بتلك المهن ، ان لم يجدوا ما هو افضل.
وعاب هؤلاء المتحدثون على شاب ينفق يومه جالسا في البيت ، لأنه لم يحصل على وظيفة
عالية.
لكن عامة الناس ، ولا سيما الشباب ، لاموا أولئك المتحدثين ، واتهموهم
بتفضيل العامل الوافد على المواطن ، وأمثال هذا الكلام. ولو طرحت اليوم رأيا
مماثلا ، فسوف تواجه نفس تلك الردود ، مع ان الوضع قد تغير بشكل ملموس ، ولله
الحمد ، حيث نجد آلافا من الشبان يعملون اليوم في أمثال هذه الوظائف ، بعضهم مالك
لها وبعضهم عامل فيها ، مما يشير الى ان المجتمع يتجاوز بالتدريج ، الثقافة
القديمة التي تحتقر العمل او تميز بين المواطن والوافد ، في نوعية الوظائف التي
تستحق الاعتبار.
-
حسنا .. ما الذي يدعوني
لتشجيع الشباب على هذه المهن؟.
الواقع ان ما يشغلني ليس مقدار الدخل المتحصل منها ، ولا الأعراف
الاجتماعية التي تصنف الاعمال الى رفيع ومتدن. الذي يشغلني هو الناتج الروحي
والثقافي لاتساع شريحة "العاملين لانفسهمself-employed ".
ومعروف في علم الاجتماع ، ان نسبة "العاملين لانفسهم" الى مجموع قوة
العمل ، مؤشر على الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ، وعمق تجربته الحياتية.
من حيث المساهمة الاقتصادية ، خذ الولايات المتحدة الامريكية كمثال ، ففيها
شركات توظف مئات الالاف وتنافس دولا بأكملها في حجم الاعمال ، مثل اكسون وفورد
وجنرال الكتريك. مع هذا فهي لاتستغني عن الشركات الصغيرة ، حيث يقدر ان فيها نحو
30 مليون منشأة بموظف واحد ، تساهم بنحو 6.4
بالمائة من الناتج القومي الإجمالي للبلاد.
لكن الأهم في رايي ، هو ان اتساع شريحة "العاملين لانفسهم" ، او
العاملين لحسابهم الخاص ، كما تسمى أيضا ، تشير لتوجه المجتمع نحو إدارة نفسه ، وتطور
الخبرات العملية لأفراده. ومع الوقت ، سوف يتأهل للاستغناء عن استيراد الخبرات الإدارية
والتقنية. ونعلم ان المجتمعات المتقدمة في العلوم والصناعة ، بدأت طريقها مع
المغامرات الفردية ، لشبان أرادوا فعل شيئ مختلف ، ثم تطورت طموحاتهم فاصبحوا
كبارا جدا.
ان اردنا تنمية حقيقية لراس المال البشري ، فلنضع امامنا دائما سؤالين
محوريين:
الأول: هل نستطيع إعادة توجيه نظامنا التعليمي ، ليكون هدفه الدائم هو
تطوير كفاءة شبان يقيمون أعمالهم الخاصة ، بدل العمل كاجراء لدى آخرين؟.
الثاني: هل نستطيع إزالة كافة الأنظمة والإجراءات وقواعد العمل والكلف ،
التي تبطيء تحرك الشباب نحو انشاء أعمالهم الخاصة؟.
بلوغ هذه الغاية مهم جدا لتوليد الوظائف. لكن الأهم مساهمته في نضج المجتمع
وارتقاء خبراته.
الشرق الأوسط الخميس - 17 مُحرَّم 1448 هـ - 2 يوليو 2026 م
https://aawsat.com/node/5291062




