27/08/2026

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة (11-أغسطس) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص في تفاقم اعتماد الباحثين والطلبة ، على منصات الذكاء الصناعي في كتابة ابحاثهم ، بدل الاتكال على جهدهم ا لخاص. هذا السلوك جعل من العسير التمييز بين الاذكياء الجادين ، وبين الاغبياء الذين لا يبذلون جهدا ، ولا يؤمنون بقيمة البحث العلمي. خلاصة ما يدعو اليه الغذامي في ذلك المقال ، هو اختبار الطريق الذي يسلكه الباحث في بحثه ، بدل الانشغال بالنتائج التي توصل اليها ، حتى لو انتهى بحثه بنتائج لا ترضي توقعاتنا.

د. عبد الله الغذامي

ويقول الغذامي ان الثقافة العامة في مجتمعنا تميل للاحتفاء بالنتائج ، بغض النظر عن الطريق الذي أدى اليها. واظن ان معظمنا يعرف هذه الحقيقة. الأمهات خصوصا ، يبذلن جهدا فائقا في مساعدة أطفالهن على حل الواجبات المدرسية والمذاكرة معهم ، كي يضمنوا علامات عالية في الاختبار. وهن يعلمن أيضا عن الأموال الكثيرة ، التي تصرف على الدكاكين المتخصصة في تصميم وطباعة الملصقات والوسائل التعليمية التي تطلبها المدرسة من التلاميذ. هذه الطرق تعطيهم علامات عالية تبرر الاحتفال. لكن هل تعطينا باحثا جيدا ، مستعدا ليسهر ليله في علاج مسألة غامضة ، او اختبار تقنية جديدة؟.

ثم قرأت مقال الأستاذ سلمان الجشي بصحيفة عكاظ (23-أغسطس) والذي قدم فيه تصورا عن معنى ان يكون البلد متقدما. وقد وجدت فيه اثارة مهمة ، تأخذ رؤية الغذامي الى مساحة أوسع ، اعني تطبيق الفكرة على المسار الحياتي او التنموي لمجتمع بأكمله.

من تمام الفائدة الإشارة الى ان عالم سياسة امريكي معروف ، هو روبرت دال (1915-2014) كان قد تبنى مفهوما مقاربا ، هو التحليل الاجرائي Procedural Analysis   الذي جعله أساسا لنظرية متكاملة ، في فحص وتقييم كفاءة المجتمع السياسي. وينطلق البروفسور دال من فرضية ان الصورة النهائية لأي مجتمع سياسي ، قد تكون خداعة ، لأنها تحجب عن اعيننا المراحل السابقة لظهور الناتج في الشكل الذي شاهدناه. بدلا من هذا يقترح الرجل عددا من المعايير الرئيسية ، التي ينبغي التحقق من وجودها ، في الطريق الذي يسلكه المجتمع ، خلال سيره نحو غايات التنمية السياسية. ويرى ان الوفاء بتلك المعايير شرط للتحقق من قيمة العمل ، حتى لو لم يبلغ النتائج المرجوة.

نحن إذن أمام رؤيتين:   

رؤية سائدة تهتم بجودة الناتج ، سواء كان بحثا علميا او منتجا صناعيا او زراعيا ، او برنامج عمل أو مشروعا اجتماعيا.  

رؤية تهتم بالطريق الذي أوصلنا لتلك النتيجة ، حتى لو خالفت توقعاتنا.

دعني اطبق هذا المنهج على موضوع التنمية الصناعية ، الذي تعرض له مقال الجشي. خذ مثلا البتروكيمياويات وهي أعلى منتجاتنا قيمة. يبلغ عمر هذه الصناعة أربعة عقود تقريبا. ونجاحها محل اعتزاز وفخر للمملكة وأهلها. نعلم انها بدأت بالاعتماد على تقنيات مستوردة ، وخبراء وبرامج تشغيل أجنبية. فهل لا زالت كذلك ، ام اننا نوفر تلك الحاجات بالاعتماد على الموارد الوطنية. واذا كان الشريك الأجنبي لازال حاضرا ، فكم هي نسبة الاعتماد عليه. بعبارة أخرى: لو انحلت الشركة التي اشترينا منها معدات المصنع وتقنياته ، فهل نستطيع تسييره بالاعتماد على الموارد المحلية؟. هذا السؤال وارد بالنسبة لمصانع الأجهزة المنزلية وقطع غيار المركبات أيضا.

ان تحولنا الى اقتصاد صناعي يتطلب امتلاك دورة التصنيع الكاملة ، او معظم اجزائها ، وليس فقط الأرض والمدخلات وراس المال. يجب ان نسأل قادة الصناعة في بلادنا: ما هي درجة انكشاف القطاع الصناعي على الخارج ، أي ما هي درجة اعتماده الحرجة على التقنيات والمكائن والخبرات الأجنبية. هذا تطبيق واحد للفكرة السابقة وفحواها ان العبرة بالطريق الذي اوصلنا الى النتيجة وليس النتيجة ذاتها ، حتى لو جرت عادتنا على الاحتفاء بالنتائج فحسب.

الشرق الأوسط الخميس - 14 ربيع الأول 1448 هـ - 27 أغسطس 2026   https://aawsat.com/node/5311573

مقالات ذات صلة

كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي
نافذة على فلسفة كارل بوبر
حول القراءة الايديولوجية للدين
نافذة على مفهوم "البراغماتية"
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟

20/08/2026

حول "العقار" الذي يمرض ولا يموت!

 قرأت قبل مدة ، كتاب "الثقافات وقيم التقدم" الذي حرره لورانس هاريزون وصمويل هنتنجتون. أراد المحرران الإجابة على سؤال حرج في نقاشات التنمية: هل للثقافة العامة دور مؤثر ، في إنجاح او إعاقة مشروعات التحديث الاقتصادي والاجتماعي؟.

كانت نظرية التنمية الكلاسيكية تتبنى اتجاها معاكسا ، خلاصته أن الثقافات التقليدية ، لن تصمد أمام تيار التحديث  القادم على متن قطار التنمية الاقتصادية. لكن تجارب التنمية في العديد من المجتمعات غير الصناعية ، أظهرت ان هذه الرؤية لم تكن صائبة تماما ، على رغم القبول الإجمالي بأن الحراك الاقتصادي يؤدي  قطعا لتحولات ثقافية واجتماعية.

بعبارة أخرى ، فان أي ثقافة موروثة لن تنجو من التغيير ، اذا بدأ الاقتصاد الوطني في التحول. لكن هذا لا يجيب على السؤال الجدي: هل ستنجح التنمية المستدامة ، اذا تعرضت لتحدي الثقافة العامة التقليدية؟. بات هذا السؤال اكثر إلحاحا في السنوات الأخيرة ، لا سيما بعد اخفاق العديد من التجارب التنموية ، جزئيا او كليا.

بين المساهمين في الكتاب "ماريانو جروندونا". وهو صحفي وباحث من الارجنتين. ولفت نظري تحليله لمفهوم "الثروة" في نوعين من المجتمعات: المجتمعات التي تسودها ثقافة تعارض التغيير ، والمجتمعات التي تسودها ثقافة ترحب بالتغيير.

يقول "جروندونا" ان النوع الأول من المجتمعات ، ينظر للأصول المادية المتوفرة بالفعل ، كتجسيد حقيقي للثروة. اما النوع الثاني ، فيرى ان الثروة الحقيقية ، هي تلك التي لم توجد بعد. وكتطبيق لهذه الرؤية ، فان المجتمعات التقليدية تنظر للارض وما تجود به وما يرتبط بها ، كجوهر للثروة. هذا الفهم شائع جدا في الاقتصادات الزراعية. وحتى لو تحولت للاقتصاد الحديث ، ستبقى الأرض والمتاجرة بها ، رمزا اعلى للثراء. المجتمع التقليدي يؤمن حقا بمقولة ان "العقار يمرض لكنه لا يموت". ولعل كثيرا منا قد سمع هذه العبارة او مثيلها. وهي تعبير عن ربط الثقافة التقليدية بين  العقار والثروة.

اما المجتمعات المتقدمة ، فهي ترى الثروة الحقيقية كامنة في الابتكارات الواعدة ، ولا سيما تلك التي تحول المعرفة الى ثروة مادية. أي ما نسميه اقتصاد المعرفة. سواء كانت أبحاثا واعمالا إبداعية ، او كانت تقنيات تحول المادة الميتة الى منتج مفيد ، مثل كل الأجهزة التي نستعملها اليوم.

بشكل عام فان المجتمعات المقاومة للتغيير ، تنظر لما جربه اسلافها كمخزن للقيم. بينما المجتمعات التي تؤمن بالتغيير ، تفكر دائما في ابداع أشياء لم يجر تجربتها من قبل.

دعنا الآن ننظر في تطبيق واقعي لهذه الرؤية في عالمنا المعاصر. لقد أجريت بحثا عن اغنى 20 شخصا في العالم ، في ثلاث سنوات ، هي 1976 ، 2000 ، 2024. خلال هذه السنوات كلها ظهر شخصان فقط ، صنعا ثروتهما من العقارات. اما البقية ، في جميع الفترات ، فالفضل في ثرواتهم يرجع للصناعة والمعلوماتية والخدمات التقنية والهندسية. بلغت ثروة هؤلاء 406.5 مليار دولار في 2000 ، تضاعفت الى 2.37 ترليون في 2024. ربما يسأل احد القراء عن نصيب العرب من هذه الثروات ، والجواب انه لا يوجد أي عربي على قائمة ال 20 الاغنى خلال كل تلك الفترات. لان اغنياء العرب يؤمنون بمقولة ان "العقار يمرض ولا يموت" ولذا ركزوا استثمارهم على الأرض وتفريعاتها. بينما ذهب الآخرون بالثروة الحقيقية ، التي تأتي من طرق أبواب الغيب وكشف حجابه ، بسلطان العلم والبحث في الأنفس والآفاق ، وتسخير الطبيعة.

اني اسوق هذا الحديث طمعا في اقناع أصدقائي الشباب ، للنظر حقا في مصادر الثروة الحديثة. ولا سيما المعارف القابلة للتحويل الى ثروات. تاريخ الانسان المعاصر ، يشهد ان المعارف الجديدة والابتكارات المستندة الى العلم ، هي الصانع الأعظم للثروات والنجاح ، حتى لو أصر الكهول أمثالي على ان العقار هو الرمز الحقيقي للثروة. انه مجرد وهم ، وما أكثر أوهامنا التي ينبغي للأجيال الجديدة ان تلقيها في البحر أو تذروها في الريح.

الشرق الأوسط الخميس - 07 ربيع الأول 1448 هـ - 20 أغسطس 2026 م

https://aawsat.com/node/5308998

مقالات ذات علاقة

06/08/2026

الوجه الآخر للكارثة

 ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخلاصها من تلك الكارثة. لقد انقضى 36 عاما على هذا الحادث ، لكن ذكراه هذا العام تأتي مختلفة بعض الشيء ، فهي تجري في أجواء حرب ، طال شرارها معظم الدول التي تضررت – مباشرة او غير مباشرة – من الحرب الأولى.

حرائق آبار البترول الكويتي خلال الاجتياح

احتمل ان مرور زمن طويل نسبيا على أي حدث ، ينسي الناس تبعاته. كما ان شريحة واسعة من الجمهور النشط حاليا ، أي جمهور الشباب ، لم يعاصره ، ولذا فقد تكون ذكرياته منقولة وليست تجربة فعلية. مع هذا فالمؤكد اننا لا نستغني عن التوقف بين حين وآخر ، كي نسأل أنفسنا: هل أخذنا ما يكفي من  الدروس؟.

الدكتور محمد الرميحي والأستاذ عبد الرحمن الراشد ، تحدثا صراحة او ضمنيا عن حاجة لمراجعة ما فعلناه بعد الاجتياح. لا أشعر بالقلق من احتمال أن تتكرر تلك الكارثة. لقد تغير العالم على نحو يجعل احتمالا كهذا مستبعدا جدا. مع ذلك فعلينا ان نعمل بجد ، لجعل هذا الاحتمال ممتنعا ، وأن نستثمره كدافع لتعزيز البناء الداخلي لمجتمعاتنا ، كي نعالج أمراضنا الأخرى. الحروب والكوارث ، مثل الانتصارات الكبرى والنجاحات الاستثنائية ، يمكن ان تتحول الى محركات للنهوض العلمي والاقتصادي ، إذا استثمرت في هذا الاتجاه.

لقد بات أمرا مسلما ان الحرب التي يكرهها الجميع ويخشاها الجميع ، يمكن ان تكون محركا فعالا لاختراقات تكنولوجية. ويذكر جوناثان ستريكلاند ، وهو كاتب متابع لتطور التقنية ، عشرات من الاختراقات العلمية الكبرى التي ترجع في المقام الأول لضغط الحاجة العسكرية ، لا سيما في حقبة الحرب الباردة (1944-1990) ثم تحولت للاستعمال المدني. نعرف مثلا ان الطائرات النفاثة طورت أولا كأدوات قتال ، ومثلها نظام تحديد المواقع الجغرافية GPS وأنظمة الاتصالات اللاسلكية كالهاتف الجوال ، وكذا الانترنت والأجهزة الموجهة عن بعد كالروبوت والطائرات المسيرة والسيارات ذاتية القيادة ، وتقنيات الليزر وطب الطوارئ ، والذكاء الصناعي وتقنيات المعادن الفائقة ، والأغذية العالية التركيز ، والمئات من التطبيقات التي نعتمد عليها في حياتنا اليوم. ولعل بعض القراء يعلمون ان أوكرانيا طورت خلال حربها الراهنة مع روسيا ، نظاما فعالا لمقاومة الطائرات المسيرة ، فضلا عن أنواع من المسيرات الحربية التي لم تعرفها قبل ذلك. لاحقا ، بعد انتهاء الحرب ستتحول هذه المنظومات للتطبيقات المدنية ، او تكون قاطرة لصناعات تقنية جديدة.

حسنا.. لا نحتاج لخوض الحروب كي نتطور. كما ان قيامها يأتي بمشكلات كثيرة. لكن ما ادعو إليه هو استثمار الفرصة. واظنها قائمة ، بالنظر للتوتر في الجوار الإقليمي. الامر ببساطة على النحو التالي: نفترض ان حريقا شب في دكانك. فقد تصرف عمرك في الركض وراء شركة التأمين لتعويضك ، أو ربما تفكر في عدد المحلات التي يمكن ان تحترق ، وما إذا كانت تهديك فرصة لتجارة المواد المقاومة للحريق ، او معدات الإطفاء والتدريب على السلامة ، أو ربما تطوير معدات وأجهزة لتقليل آثار الحريق. هذه كلها فرص ظهرت من العدم ، لأن أزمة صغيرة قد اندلعت ، وهي حريق الدكان.

ليس لدي أفكار جاهزة. لكنني أدعو لاستثمار أجواء الحرب الحالية في دعوة الناس للتفكير. ان طرح المسألة للنقاش العام ، سوف يحرك أذهان الكثير من الشباب لابتكار أشياء جديدة. ولعل بعضهم لديه شيء ما ، لكنه لم يجد الفضاء المناسب لطرحه على المعنيين.

أرى شبابنا من طلاب المدارس الثانوية والجامعات ، يشاركون بحماس في المنافسات العلمية الدولية ، ويحصلون على جوائز. فماذا لو فكرنا في منافسة على المستوى الوطني او الإقليمي ، ليس لنيل جائزة ، بل للمساهمة في تطوير العلم والتقنية ، والاسهام في النهضة الكبرى التي تطمح اليها مجتمعاتنا كلها. الجائزة لن تكون كأسا من الكريستال ، بل دخولا الى دائرة أصحاب الملايين ، من رواد الاعمال وصناع النهضة. فهل سنرى مبادرة كهذه؟.

الشرق الأوسط الخميس - 22 صفَر 1448 هـ - 6 أغسطس 2026 م   https://aawsat.com/node/5303913

مقالات ذات صلة

لا تقتلوا أفكاركم الجديدة
درس الكارثة: نظام عربي للاستحابة العاجلة
مخيم اليرموك
مسارات للتفكير في تحولات العالم بعد الوباء
"الفرج بعد الشدة"

 

 

30/07/2026

خربوا هواتفكم .. خربوا سياراتكم!

كثير من الناس تابعوا خبر الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة. ولكل سببه. بعضهم نظر للموضوع من زاوية سياسية ، وبعضهم اعتبره مفخرة للبلد ، وثالث نظر الى جانبه التجاري. بالنسبة لي فان الجانب الأكثر أهمية هو "كسر الحاجز التقني".

دعني أبدأ بهذه القصة التي مضى عليها أربعة عقود تقريبا. وخلاصتها ان احد تجارنا كان يملك مصنعا لتجميع الباصات الصفراء المعروفة. ثم اكتشف انه يستطيع استيراد الباص بكلفة اقل ، فقرر اغلاق المصنع. وحين سألته صحيفة عن ذلك ، قال بلسان فصيح ان بعض الشعوب قدرها ان تبرز في التجارة ، وبعضها في الزراعة ، وأخرى  في الصناعة. ونحن شعب قدر الله له ان ينجح في التجارة. بعد ذلك بعشرين عاما ، استمعت لرجل اعمال بارز في الاحساء ، وهو يتحدث عما أسماه "جميل صنع الله" وهو تقسيم الناس الى تاجر وعالم وحاكم وصانع ، هكذا ولدوا وهكذا سيعيشون ، وبه تنتظم الحياة.

أتوقع ان بعض الأعزاء سيضحك في سره على هذا المنطق. وبالمناسبة فهو لم يأت من فراغ ، فقد تبناه المعلم الأول ارسطو حين تحدث في "كتاب السياسة" عن نظام المدينة الفاضلة ، وتبناه استاذه افلاطون في "الجمهورية". وهو يرجع لقناعة شاعت في الماضي ، فحواها ان الصفات السلوكية تنتقل بالوراثة ، وان الأعراق تتمايز في قابلياتها الذهنية كما تتمايز أجسامها. ولعل قراء ابن خلدون يذكرون قوله ان العرب أهل حرب وغزو ، فما حلوا بلدا إلا وأسرع اليها الخراب ، لأنهم غير قادرين على البناء والصناعات.  

لتخفيف وقع هذه الاقوال ، قد يمكنني تأويلها بأن المقصود ليس التباين الجيني ، بل تباين البيئات التي يتربى فيها مختلف الناس. وقد أشار ابن خلدون وغيره الى تأثير الطقس على الميول الذهنية والسلوكية ، وهو يسمح بالقول بان أصحاب تلك الآراء لم يغفلوا دور البيئة والتربية. لكن هذا تأويل كما أسلفت ، والا فان القول بالوراثة كان شائعا في تلك الأزمان.  

نعلم اليوم ان هذه الآراء أقرب الى "السوالف" او العلم الزائف ، بحسب تعبير الفيلسوف كارل بوبر. خلق الله الناس جميعا بعقول متساوية ، فهم يتمايزون في افعالهم وافكارهم وتطلعاتهم ، بحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية التي عاشوا وسطها. مع هذا فكل انسان لديه عقل قادر على انتزاعه من بيئته وجماعته ، والانتقال به الى نقيضها لو شاء.

العلم والصناعة من ثمار العقول. ونحن قادرون عليها مثلما قدر غيرنا. وغاية مانحتاجه هو:

١) الايمان العميق والعملي بأننا لا نقل عن غيرنا.

٢) إزالة العوائق التي تعرقل المؤمنين بقدرتهم.

3)اختيار نقطة الانطلاق.

أعتقد أن معظمنا يعرف العوائق ، او يعرف بعضها. لذا سأكتفي بالاشارة لعائق واحد ، اسميته "هيبة التقنية".

"هيبة التقنية" ببساطة ، هي توهم انني لا استطيع تفكيك الهاتف الجوال وإعادة تركيبه ، او تفكيك محرك السيارة وإعادة تركيبه ، او تفكيك مكيف الهواء وإعادة تركيبه. المسألة حقا بهذه البساطة. نحن نهاب هذه الأجهزة الصغيرة. لأننا نخشى الفشل او لعلنا نتوهم ان هذا الجهاز يحوي شيئا يفوق عقولنا.

ولذا فان نقطة الانطلاق هي كسر هذه الأوهام ، ليس بفتح محلات لاصلاح الهاتف او السيارة ، بل إعطاء الهاتف لابنائنا الذين في المرحلة الابتدائية او المتوسطة ، وتشجيعهم على تخريبه وإعادة إصلاحه. ثم إعطاء الولد الذي في المرحلة الثانوية سيارة مستعملة ، واخباره بانه سيكون مالكها اذا فكك المحرك وأعاد تركيبه. شجعوا الشباب على تفكيك الأجهزة التي بايديهم ، حتى لو انتهى الامر بتخريبها وخسارتها. ربما تخسر جهازا ، لكنك تربح عبقريا لا يهاب التقنية.

انا مهتم بالبرنامج النووي السعودي ، لا لسبب سوى هذا: سيعمل فيه عدد من شبابنا ، وسيشعرون وسنشعر معهم اننا قادرون على تكرار ما فعله غيرنا. اذا كان احد يستطيع فعل شيء ، فنحن نستطيع أيضا ، لأن عقولنا ليست اقل من غيرنا.

الشرق الأوسط الخميس - 16 صفَر 1448 هـ - 30 يوليو 2026 م     https://aawsat.com/node/5301495

مقالات ذات علاقة

اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حاضنات الابداع
حول البيئة المحفزة للابتكار
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

23/07/2026

اخبار الحمقى والمغفلين

 لو رأيت خبرا عنوانه "عائلة خليجية تتعرض للضرب في إسطنبول" فثمة احتمال بنسبة 70 بالمائة ، ان تقرأ القصة الكاملة مع التعليقات عليها ، حتى لو بلغت مئة تعليق. دعنا نقول ان هذا النوع من الاخبار ، يثير اهتمام 70 بالمائة من قراء الانترنت ومشاهدي مقاطع الفيديو القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وسوف تجد النسبة نفسها في المجالس والملتقيات العائلية.

اكثر الاخبار اثارة لاهتمام القراء والمستمعين ، هي التي تنتهي بتشويه سمعة الناس ، أفرادا او جماعات. وهي تبدأ عادة بحادثة صغيرة ، مثل جدال في مطعم ، انتهى بطرد الزبون ، او حتى مضاربة بين عدة أشخاص ، لكنها تنقل مع زيادة وافرة في البهارات المثيرة للمشاعر ، فتعرض كموقف عام لأهل ذلك البلد ، ضد بلد الضحية. وتنتهي القصة عادة بدعوة الناس لمقاطعة البلد الأول وكراهية أهله.

هذا ليس مثالا من وحي الخيال ، بل حدث مرات عديدة. وفي كل مرة ، كان الضحية شخصا واحدا او عددا قليلا من الأشخاص ، لكن جرى تصوير الحدث كموقف لشعب كامل ضد شعب كامل.

يؤسفني القول ان الاعلام الشعبي مليء بهذا النوع من القصص ، الذي يوهم المتلقين بأن العالم غابة ، يجول فيه الجلادون والحرامية والغشاشون والفاسدون والمتحرشون. وهي قصص نعلم ان صحيحها ليس سوى نسبة ضئيلة من مجموع ما ينقل. وجميعها ليس سوى نقطة صغيرة في نهر الحياة  اليومية المليء بالأحداث الطيبة وأعمال الخير.

حسنا.. اليس الشر هو الغالب في عالم اليوم؟

هذا – للأسف – هو الانطباع الذي ورثناه ، حتى بات من المسلمات. ويجري تدعيمه بروايات تفسر بما يخدم تلك الفكرة ، مثل الأثر المروي " إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء الظن رجل برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ثم أحسن الظن رجل برجل فقد غرر" والمقصود القول بان الزمان فاسد. وكذا الشعر المنسوب للامام الشافعي:

 لا يكن ظنك إلا سيئاً
إن سوء الظن من أقوى الفطن
ما رمى الإنسان في مخمصةٍ
غير حسن الظن والقول الحسن

وتعرض هذه الاقوال وأمثالها على نحو يوهم المتلقي ، بان الله سبحانه قد خلق العالم على هذه الشاكلة الشريرة ، أو أن الشيطان قد تحول فعليا الى حاكم لخلق الله جميعا.

-         ما المشكلة في هذا التوجه والتوجيه؟.

مفهوم "راس المال الاجتماعي" هو على الأرجح أحدث الوافدين الى بحوث الاقتصاد ، ولا سيما التنمية المحلية. ورغم ان المفهوم يعود الى أوائل القرن العشرين ، الا ان الاهتمام به يرجع الى أواخر هذا القرن فحسب.  ويقول علماء الاجتماع ، ان التحولات الاقتصادية تؤدي لاختلالات عميقة ، في القيم التي يرجع اليها الناس عادة ، لتنظيم علاقاتهم الداخلية وحل اختلافاتهم. المهمة الرئيسية لهذه القيم ، هي صون الثقة  المتبادلة بين أعضاء المجتمع. الثقة تعني ببساطة تلك القناعة العميقة التي يحملها كل شخص ، بان تعامله مع الآخرين سينتج مصلحة مشتركة ، وان هؤلاء يتعاملون معه بإخلاص ، ولا يعتزمون سرقته او الغدر به او افشاله. ولهذا يتعاقد الناس مع اشخاص لا يعرفونهم ، ويدفعون اليهم الأموال قبل استلام البضائع ، او يسلمونهم البضائع قبل استلام قيمتها. هذا القدر من الثقة المتبادلة ، هو الذي يسهل التعاملات الرسمية والتجارية والشخصية ، التي يحتاجها الناس كي يطوروا معيشتهم. هذا ببساطة هو جوهر راس المال الاجتماعي.

تلك القصص التي ذكرناها سابقا خطرة على المجتمع ، لانها تهدم رأس المال الاجتماعي. ان روايتها وإعادة نشرها ، امر في غاية السوء ، فهي تزرع الخوف والريبة في نفوس الناس ، وتضعف الثقة المتبادلة فيما بينهم ، فتمسي تعاملاتهم عسيرة او محفوفة بالشك. ولا أشك  انها من مصاديق "إشاعة الفاحشة" التي نهى عنها القرآن الكريم.

أكتب هذا بغرض تنبيه العقلاء في بلادنا وغيرها ، لتجنب الانشغال بقراءة تلك القصص التي هي اقرب الى اخبار الحمقى والمغفلين ، فضلا عن إعادة نقلها ، لانها – للحق – هدم للرابطة الاجتماعية وقطع لسبل الرزق.

الشرق الأوسط الخميس - 09 صفَر 1448 هـ - 23 يوليو 2026 م  

  https://aawsat.com/node/5299148/

16/07/2026

التعليم الصالح لهذا الزمان

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص ، وتحويل الخيال الى واقع. الفرص التي نريد صناعتها ، ليست موجودة فعلا. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجودا أيضا ،  في العالم المادي ، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي لا زال في رحم الغيب.. الأشياء التي نتخيلها ، لكنا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة.

التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب ، ان القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة ، وان قيمته كانسان رهن بانشغال ذهنه كليا ، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال الى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاجه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر ، ويلقي به في المستقبل المجهول ، ويناديه: ان أردت النجاة فاصنع شيئا لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم ، بسيط جدا وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. اما نظيره المتقدم فهو يفكرفي مستقبل لا نعرفه ولم نره. انه يحفر في الحاضر ، كي يستنبط شيئا مختلفا عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها. لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها ان كل جديد ، ينبغي ان ينغرس أساسه في الموروث ، فيكون امتدادا لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم ، تعزز الاقتناع به وتحول من امر محتمل الى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري ، الذي رأى ان المشكلة الكبرى في الثقافة العربية ، هي كون العقل العربي قياسيا. بمعنى انه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة ، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق ، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري ان الهيمنة المطلقة لمنهج القياس ، ليست حدثا عابرا او سقطة ظرفية ، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقا للجابري فان مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي ، تراجعي وليس تقدميا ، فهو يجعل الكمال في الماضي ، ويعتبره أصيلا او رمزا للاصالة ، ثم يضفي على وصف الاصالة وما يتصف بها ، قيما تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينا للتشبه بالاصل (أي الماضي). وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة ، تميل حركة الفكر الى اتجاه دائري ملتصق بالمركز ، أي الماضي ، بدل ان تكون حركة خطية متصاعدة ، ومتجهة الى المستقبل.

-           حسنا ، كيف نحرر الاذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

-           وكيف نزرع في الاذهان عادة النقد ، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء ، سواء كانت غريبة او كانت عادية مألوفة ، وسواء كانت مفتوحة للنقد او كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟.

يبدو لي ان السير في الطريق ليس سهلا مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات ، من دون ان نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إني اطرح هذه الفكرة على القراء ، وأنا واثق ان بعضهم لديه أفكار ، تسد الثغرات التي تشير اليها هذه السطور. ان عرض الأفكار على الناس ، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلا في جعل البحث العلمي بديلا عن الامتحانات السنوية في المدارس ، او دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع او وراءه ، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقا لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية ان يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم ، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين ، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. او ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب ، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع ، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم ، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين ، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون ان ينفعلوا او يستاءوا. هذه ستدربهم أيضا على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين  البراقة ، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي ، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول ان التعليم المتقدم هو الذي يقتلع  الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فان التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة الى  الماضي ، حتى يحوله الى نسخة عن أسلافه.

الشرق الأوسط الخميس - 01 صفَر 1448 هـ - 16 يوليو 2026 م    https://aawsat.com/node/5296527

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

09/07/2026

نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

 دعنا نؤكد مرة بعد مرة ان المجتمعات العربية ، تحتاج قطعا لتوفير ما يكفي من  الوظائف للشباب الذين انهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضا ان توليد وظائف حقيقية ، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج ، وليس مجرد توفر أموال إضافية ، أو مباني نملأها بكل من يحتاج لوظيفة.

قصر بنغالور

بعبارة أخرى ، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية او وهمية ، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها ، ويستلمون رواتبها منها. وهذا ممكن دائما طالما توفر المال. اما الطريقة الثانية فهي التنمية الشاملة والمستدامة ، أي زيادة حجم الاقتصاد ، ولاسيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيما اقتصادية ، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد انتاجي واقتصاد خدمي ، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية ، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر ، دون إضافة ملموسة.

ان ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال ، يرجع في المقام الأول الى صناعتها الضخمة ، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم ، فتضيف قوة جديدة الى دورتها الاقتصادية ، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات ، حين سعت الحكومة لخلق وظائف ، بعضها وهمي ، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين الى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي ، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة ، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة ، ليس لحل مشكلة التوظيف ، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول ، حيث بات الناتج القومي الاجمالي للهند هو الأسرع نموا بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول ارقام  رسمية ان مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني ، تحتضن 14,000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار . ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا ، التي تقع فيها بنغالور ان هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في انجاز وظائف عالية القيمة ، وفيها حاليا 875 مركزا لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع ان ترتفع قيمة هذا القطاع الى 110 مليار دولار خلال السنوات الأربع القادمة.

-         حسنا ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين ، بذلت الحكومات العربية جهودا جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام ، أي كون هدفه الأول اعداد موظفين لسوق العمل. تخرج الجامعات العربية عشرات الالاف من الشباب سنويا. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين ، لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل اذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني ، مع انها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل ، ليخدم هدفا واحدا ، هو اعداد الطالب ليقيم عمله الخاص ، وليس العمل موظفا عند غيره. ويجب التركيز على الاعمال الإنتاجية ، من الزراعة الى الصناعات البسيطة ، الى تطوير الحلول الرقمية للاعمال ، وصولا الى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيليا. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط ، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم اكثر تقدما وتعقيدا ، كي يهيئ ابناءنا لحياة اكثر تعقيدا وتقدما ، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها او استهلاكها؟.

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب ، للتطلع الى الآفاق البعيدة والمغامرة ، والحساب الدقيق للعواقب ، ونقد الواقع ، والتمرد على المألوف ، وإدارة الحياة والاعمال. هذا خير من انفاق الوقت في علوم مفيدة ، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

الشرق الأوسط الخميس - 24 مُحرَّم 1448 هـ - 9 يوليو 2026 م  https://aawsat.com/node/5293877

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة ( 11-أغسطس ) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص ...