05/03/2026

العدل فوق الهوية

سألني قاريء عزيز: ما الداعي للمقارنة بين مفهوم "العدالة" في التراث العربي-الإسلامي ، ونظيره في الفلسفة المعاصرة. هل نريد القول ان المفهوم الأول أدنى مستوى او اضيق دائرة؟.

وقد اجبته بأن "العدل" قيمة عليا مجردة ، فهي سابقة للدين والقومية وكل انتماء آخر. ربما يدخل الدين تعديلات معينة على مفهوم العدل او تطبيقاته او حدوده ، لكن أصله يبقى مجردا ، فليس لدينا عدالة دينية وأخرى غير دينية ، او عدالة عربية وأخرى اعجمية.

وذكرت سابقا ان مفهوم العدل قائم على أرضية المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات. قد يتضمن تعديلا على المساواة ، بزيادة هنا او تنقيص هناك ، من دون التخلي تماما عن قاعدته الاصلية. ولذا لا نقول بان العدالة الأوروبية مثلا ، أعلى شأنا من العدالة الإسلامية. كما لا نقول بان العدالة الإسلامية ، اعلى شأنا من نظيرتها اليونانية او الرومانية او غيرها. انما هي تطبيقات مختلفة للعدالة ، تتناسب مع أعراف زمانها ، وما يفرضه الوضع الاجتماعي من الزامات ، كما تتلاءم مع توقعات الناس في هذا الاطار.

حسنا.. ما الذي يدعونا لهذا الكلام؟

الداعي لهذا الكلام هو ما أراه من ربط متكلف ، بين القيم العليا الإنسانية ، وبين مقتضيات الهوية والانتماء ، التي تلبس في غالب الأحيان عباءة الدين او الاعتزاز القومي او الوطني او غيرها.

نحتاج للتأكيد دائما على ان القيم العليا مجردة ، بمعنى انها في مكان مختلف عن النظم والايديولوجيات والانتماءات والعقائد. هذا التأكيد ضروري ، لأن تلك القيم شرط لكرامة الانسان وكمال انسانيته. وأهمها العدالة والحرية والمساواة والتضامن الإنساني والنظام. هذه القيم مبجلة ومدروسة جيدا منذ اقدم الأزمنة ، وقد عرفها الانسان كلوازم للعيش ، مستقلة عن الأديان والانتماءات القومية والقبلية وغيرها ، حتى قال بعض الاساتذة انها جزء من الفطرة ، بمعنى انها موجودة في ذهن الانسان عند ولادته. لكني لا أميل الى هذا الرأي .

ويعرف الذين درسوا الفلسفة اليونانية ، ان نقاشاتها ومعالجاتها لمفهوم العدالة والفعل العادل ، قد أثرت في الفكر الإنساني بعامة ، بما فيه الفكر الإسلامي. كذلك الحال بالنسبة للفلسفة الصينية والهندية ، ولاحقا الإسلامية التي أثر جميعها في الفلسفة الحديثة.  بعبارة أخرى فان مفهوم العدالة بذاته ، كان مطروحا للنقاش منذ زمن بعيد جدا ، وقد توسع مع الزمن وتكرار تجربة الانسان ومعارفه وتطلعاته. وبناء عليه نقول انه لا تصح نسبة القيمة المجردة الى دين او قومية او مذهب او غيره ، فهي تبقى مشتركا إنسانيا ، تقبله جميع الأديان بما هو ومن دون وصف. ولا نعرف دينا او أيديولوجيا او تيارا فكريا او سياسيا ، في قديم الزمان وحديثه ، يقول صراحة او ضمنيا انه يرفض العدالة او يعارض تطبيقها. مع انه قد يقترح نماذج تفرغها من مضمونها لو استطاع ، أو ربما يربطها بشروط خاصة مثل تقسيم الناس الى مستحقين للعدل وغير مستحقين. هذه الالتفافات دليل على انه لا يمكن رفض العدل او انكاره ، لأنه قيمة مستقرة في أوائل العقول كما يقولون.

زبدة القول اذن نقطتان: الاولى ان العدل قيمة عليا ، وان الالتزام بها والدعوة اليها ، علامة على اصطفاف الانسان في جانب الخير واهل الخير. الثانية: ان العدل في زماننا اوسع نطاقا واعمق تناولا لقضايا الانسان ، نظرا لاتساع حياة الانسان وتوقعاته. انسان اليوم يرفض أن يقتل البشر او يعذبوا او يهانوا ، مهما كان السبب ، لأن حياة الانسان وكرامته باتت مصونة في العرف الاجتماعي والقانون. اي ان ذلك الفعل يعد الآن ظلما حتى لو اتى فاعله بتبرير. بينما يخبرنا التاريخ ان فعلا كهذا جرى تكرارا ، واعتبره اهل ذلك الزمان فعلا عاديا. ومثله المتاجرة بالبشر والسخرة ، وامثالها. فهذا مؤشر على ان مفهوم العدالة وتطبيقاتها تتطور بين زمن وآخر ، كانعكاس لتطور المعرفة والعلاقات في المجتمع البشري.  

الشرق الأوسط الخميس - 16 رَمضان 1447 هـ - 5 مارس 2026 م https://aawsat.com/node/5247678

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة السياسية ، الامس واليوم

العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
 معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

26/02/2026

العدالة السياسية ، الامس واليوم

التراث العربي مليء بالحديث عن العدالة. لكن مفهومها القديم يختلف قليلا عن نظيره السائد في عالم اليوم. يتلخص مفهوم العدالة التراثي في امرين: عدالة القاضي في اصدار الاحكام ، وعدالة الحاكم في المساواة بين افراد الرعية. والحق ان الرسالة الضمنية في كل من هذين المسارين ، تمثل جوهر فكرة العدالة ، أي سيادة القانون والمساواة.

لم يعد العالم بسيطا كما كان الحال في الماضي. لا القاضي يصدر حكمه بناء على كلام الخصمين ، ولا رئيس البلد يديرها من ديوانه ، كما يقولون ، بل بواسطة جهاز الدولة الذي تعاظم حجمه وتضخم ، حتى اصبح اكبر منظمة منفردة في أي بلد. بعبارة أخرى ، فان كلا الجهازين ، القضاء والحكم ، ما عادا قائمين بشخص القاضي او الحاكم ، بل يعتمدان على منظومة القضاء ومنظومة الدولة بأسرها. ومن هنا فان سلامة النظام القانوني وطريقة ممارسة السلطة او تنفيذ السياسات والاحكام ، هي محور مفهوم العدالة في العصر الحديث ، وليس شخص القاضي او الحاكم. ويطلق على هذا عنوان عام هو "العدالة الإجرائية" ويعنى به توافق الإجراءات الإدارية مع معايير العدالة.

هذا يثير – بطبيعة الحال – سؤالا مشروعا عن مفهوم العدالة المقصود هنا. السؤال ضروري ، لأن العدالة قد تفهم على أنحاء مختلفة عند الفلاسفة وعند عامة الناس. وقد أشرت في مقال الأسبوع الماضي الى "العدالة التوزيعية" باعتبارها جوهر عمل الدولة وغايتها الكبرى. وسوف اشرح بايجاز المقصود بهذا العنوان. لكن قبل ذلك يهمني الإشارة الى 3 عوامل ، في غاية الأهمية عند النقاش في موضوع العدالة ، ولاسيما في الاطار السياسي والاجتماعي:

العامل الأول هو ان القيام بالعدل في المعنى المتعارف اليوم ، مشروط بوجود نظام اجتماعي متوازن ، ونظام اداري قادر على تنفيذ التزاماته ، اي "مجتمع حسن التنظيم" حسب تسمية جون رولز.

العامل الثاني هو توفر مستوى معقول من مصادر العيش ، يكفي جميع السكان.

اما العامل الثالث فهو السلام الاجتماعي ، بمعنى كون الوضع في البلاد طبيعيا ، من سيادة القانون ، الى عدم كون البلاد في حالة غزو خارجي او حرب أهلية ، او كارثة طبيعية او مجاعة او انهيار اقتصادي. فحين يكون الوضع متدهورا ، لأي سبب من هذه الأسباب ، فان إقامة العدل ستكون على المحك ولن تكتمل ابدا.

حين تتوفر هذه العوامل (وهي متوفرة فعلا في معظم البلدان) يمكن إقامة العدل ، بمعنى وضع القوانين واللوائح والسياسات التي تحول النظام العام الى نظام عادل.

قلت ان مفهوم العدالة ليس واحدا عند جميع الناس. لكن كافة المفاهيم دون استثناء تنطلق من قاعدة المساواة بين الناس ، ثم تزيد شيئا أو تنقص شيئا ، كي تلبي مطالب موازية ذات قيمة ، او تحقق قيما في نفس المستوى ، مثل قيمة التكافل ، التي تعني مساعدة الشرائح العاجزة عن تدبير نفسها ، ولو بزيادة حصتها عما يحصل عليه الآخرون ، كما نفعل حين يمرض أحدنا ، فيحصل على علاج مكلف جدا ، لا يحصل عليه الأصحاء ، ومع ذلك لا يعارضون هذا التمييز.  كذلك الحال بالنسبة للأطفال ، الذين ننفق عليهم اكثر مما ننفق على البالغين الذين يعملون وينفعون البلاد فعلا. لأننا نعلم ان استمرار الحياة في المجتمع ، رهن بمنح الأطفال معاملة تمييزية ، حتى يشتد عودهم فينفقون على غيرهم ، كما فعلنا معهم.

تنطلق العدالة اذن من قاعدة المساواة ، وهي تعديل عليها وليست بديلا عنها.

- حسنا ما الذي نتساوى فيه؟. الجواب: هو توزيع الإمكانات المادية (الثروة) وفتح الباب للجميع للوصول الى الوظائف والمعلومات والمكانة الاجتماعية. هذا لا يعني توزيع المال على الناس ، بل جعل النظام الاجتماعي والاقتصادي مفتوحا ومولدا للفرص. هذه هي العتبة التي يعبرها جميع الناس ، ثم يجتهدون ويتنافسون ، فينال بعضهم كثيرا وينال غيرهم قليلا. وهذا هو التحقق المنطقي لمفهوم العدالة التوزيعية.

الشرق الأوسط الخميس - 09 رَمضان 1447 هـ - 26 فبراير 2026 م

 https://aawsat.com/node/5244927

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
 معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

 

19/02/2026

ما الذي تريد حقا.. الحرية ام رغيف العيش؟

كثيرا ما أصادف أشخاصا يطالبون الحكومة بأن تهيء لهم كل شيء يحتاجونه ، حتى اللباس والسيارة والوظيفة وغيرها. ولعل القراء الأعزاء يذكرون ان عددا معتبرا من اشقائنا الكويتيين ، بمن فيهم نواب في البرلمان ، طالبوا حكومتهم في سنوات سابقة ، بسداد الديون المترتبة عليهم للبنوك. ولقيت صديقا قديما اشترى للتو سيارة مرسيدس جديدة بالاقساط ، فأخبرني انه كان ينوي تأخير الأقساط ، أملا في موافقة الحكومة على سداد الديون. لكنه سأل احد المشايخ فأخبره بأن هذا الفعل حرام ، وانه لا يجوز له الاحتفاظ بالسيارة او استعمالها ، ان لم يكن عازما على سداد أقساطها ، وفق الجدول الذي التزم به للبائع.

Nanny state
بطبيعة الحال فهذا المطلب لا يخص العرب او الخليجيين وحدهم. فثمة مجتمعات كثيرة تتمنى هذا او تمارسه فعلا ، ليس بالضرورة في السيارات وقروض البنوك ، بل في أشياء أخرى كثيرة. مع ان هذا الاتجاه تقلص كثيرا في العقدين الأخيرين. احتمل ان كل الناس يحبون الفكرة. انا شخصيا أتمنى ان اقترض كما أشاء ، ثم يسدد احدهم ديوني. لكني اعلم انه غير واقعي ولا يحصل في العالم الذي نعرفه ، حتى الان على الأقل. وقد جرى التعارف على هذا النموذج باسم "الدولة الحاضنة Nanny-sate" وهو مصطلح ساخر اطلقه في 1965 الوزير البريطاني ايان ماكلويد ، في سياق دعوته لتقليص التدخل الحكومي في حياة الناس وخياراتهم ، والتي تقتضي - بطبيعة الحال - تقليص الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة. أراد ماكلويد القول: الحكومة ليست مربيتك ولا هي جدتك ، فلا تطالبها بما ينبغي ان تفعله انت لنفسك.

وعلى العكس تماما من هذا الاتجاه ، ثمة من يرى ان لا دور للدولة سوى حفظ الأمن ، الدفاع عن البلد ، وتمثيله في الخارج. ويطلق على هذا النموذج اسم "دولة الحارس الليلي" وله حضور واسع في نقاشات الفلسفة السياسية. لكن هذا مثل سابقه ، لا يحصل في العالم الواقعي.

ثمة أشياء كثيرة لا يمكن إنجازها دون تدخل الدولة. ولو لم تفعل فستفقد مبرر وجودها ، حتى لو كان الناس مؤيدين لنموذج الحارس الليلي. تخيل مثلا ان تعيش في مدينة ليس فيها بلدية ، وليس فيها إدارة تشق الطرق او تزرع الحدائق ، او تنظم التعليم العام. وأذكر ان بعض الناس جادلوا مسؤولا رفيعا حول مستوى الخدمات التي تقدمها دائرته ، فأجابهم بأن الحكومة ليست جمعية خيرية كي تنفذ لهم ما يطلبون. وقد التقيت الرجل بعدما ترك الخدمة ، وذكر هذه القصة ، فسألته ، ان لم تكن الحكومة جمعية خيرية ، فهل هي شركة تجارية؟. واخبرته ان كلاما مثل الذي قاله ، يمكن ان يضعف رضا الناس ويثبط رغبتهم في التعاون مع الإدارة الرسمية. وهذا من أسوأ ما يواجه المخططين والمديرين في عملهم.

يختلف الناس في تطلعاتهم ، فهناك من يذهب للاتجاه الأول ، وهناك من يختار الثاني. لكن حين يدخلون في نقاش موضوعي ، فسوف يميل كل منهم لتعديل موقفه باتجاه خيار متوسط ، بين الدولة التدخلية او المربية وبين الحارس الليلي. ونعلم ان نموذج الدولة السائد في عالم اليوم ، اقرب الى الأول او نموذج مخفف منه. وبالنسبة للعالم الثالث خصوصا ، فان ظروف التطور تتطلب دورا موسعا للدولة ، كي تضمن توزيعا عادلا للموارد العامة.

وأميل للظن بان السؤال عن تدخل الدولة وعدمه ، وعن مقدار الخدمات العامة الواجب تقديمها من طرف الدولة ، هذا السؤال يتناول في المقام الأول مفهوم "العدالة التوزيعية" الذي يتبناه كل منا ، فالذين يرون ان جوهر العدالة هو تعدد الخيارات وحرية الاختيار ، سيفضلون دولة لا تتدخل في حياتهم ، حتى لو قلت خدماتها. والذين يرون ان العدالة قرينة الرفاه المعيشي ، سيختارون الطريق الآخر ، ولو تقلصت حرياتهم. ولا بد ان فكرة كهذه قد اختمرت في ذهنك الآن ، فأيهما خيارك الأول؟.

الشرق الأوسط الخميس - 02 رَمضان 1447 هـ - 19 فبراير 2026 م   https://aawsat.com/node/5242407

مقالات ذات علاقة

تمكين المجتمع .. الخطوة الاولى
التنمية على الطريقة الصينية : حريات اجتماعية من دون سياسة
"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية
عدالة ارسطو التي ربما نستحقها
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العدالة كوصف للنظام السياسي
الغول
الليبرالية في نسخة جديدة: رؤية جون رولز
مجتمع العقلاء
معالجة الفقر على الطريقة الصينية
مفهوم العدالة الاجتماعية
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
نحن مدينون لليسار المكافح
هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟

 

12/02/2026

السؤال: هل تنفع الخطب؟

ذكرت في الأسبوع الماضي ان الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند ، رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقيم الجمهورية: الحرية والمساواة والاخاء. فعلق احد الزملاء قائلا: "معنى هذا ان الإرهاب علاجه الخطب...". وكدت ان أرد قائلا: نعم ، فهذا ما اعتقده فعلا ، لكني ترددت ثم فضلت السكوت ، خشية ان يفهم خارج السياق المقصود.

ثم سألت نفسي: هل يمكن - حقا - للخطب ان تعالج ظاهرة خطيرة كظاهرة الإرهاب؟. وسألت نفسي أيضا.. لماذا لا يتحدث المحللون والمفكرون عن الخطابة كأداة في السياسة ، هل يشكون في جدواها ، ام يخشون ان يفعلوا ذلك فيزدهر سوق الكلام ، ويتحول السياسيون الى فن القول بدل احسان الفعل؟.

حسنا.. لم يكن غرضي الحديث عن الظواهر العنيفة ، نظير الإرهاب او الجريمة ومعالجتها ، بل عن علاقة الدولة بالمجتمع ، وأريد التركيز على ضرورة ان تكون هذه العلاقة منفتحة وإيجابية وصريحة. هذه هي العوامل التي – في رأيي - تحرم أرباب العنف ، سواء كان سياسيا او اجتماعيا ، من البيئة الداعمة له او المتساهلة معه.

أميل الى الظن بان الميول الإرهابية ، تتبلور في المجتمعات التي اعتادت التساهل مع الممارسات العنيفة ، نظير الدعوة لأخذ الثأر في حالات القتل او في حالات إهانة العرض والشرف. وهي ممارسات معروفة في المجتمعات التي تسودها الروح العشائرية كما نعرف. وأذكر قصة شهدت بعض تفاصيلها ، خلاصتها ان عائلة كبيرة في قرية شمال باكستان ، حاصرت عائلة أخرى ، وهددت باقتحام بيتها ، وقتل من فيه ، ان لم يأت ابنهم ويتزوج بنت العائلة الأولى. أما السبب فهو ان هذا الابن تحدث مع البنت ، ووعدها بالزواج ، لكنه سافر للعمل في الخليج. فلما عرف اهل البنت ، اعتبروا ان شرفهم قد أهين ، وان الإهانة لا يغسلها الا الدم. وقد اضطر الشاب فعلا لترك عمله ، والزواج دون تحضير ، حفاظا على حياة أهله. واخبرني ان حوادث مماثلة قد جرت في قريتهم سابقا ، وقتل فيها نساء ورجال ، لنفس الأسباب.

ان مجتمعا كهذا يمثل بيئة مناسبة لتبلور الإرهاب ، أي العنف الذي تحركه دوافع أيديولوجية. إن العنف بمختلف اشكاله ليس من الطبائع الاصيلة في البشر ، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة او فترة النضج ، ويظهر على شكل عقائد نظير "من لم يكن ذئبا اكلته الذئاب" ، ونظير "ما حك جلدك غير ظفرك" وغيرها من المعتقدات التي تنفي قيمة "راس المال الاجتماعي" الذي يدعم الفرد عند الحاجة ، كما تنفي قيمة القانون ، وكونه سيدا وملجأ للضعفاء والمظلومين.

مجتمع كهذا ، يكون في الغالب منغلقا – ثقافيا – على نفسه ، يتعامل مع الغير بارتياب ، ويشعر على الدوام انه مهدد في معيشته او هويته.

اذا ظهر العنف في المجتمع ، سياسيا او اجتماعيا او جنائيا ، فان الرد الفوري هو "إطفاء الحريق" كما قال لي احد قادة الأمن في بلادنا ، في مناسبة قديمة. لكن العلاج الطويل الأمد ، يكمن في اقناع هذه الجماعة بكسر جدار العزلة الثقافية من حولها ، والانفتاح على المحيط الاوسع. هذا لا يستوى بالكلام ، بل بفتح الأبواب امامهم ، والاستماع اليهم ومناقشتهم في مطالبهم ، كي يقتنعوا بأنهم يمكن ان يتمتعوا بالمساواة التامة مع بقية المواطنين ، اذا كانوا متواصلين فعلا معهم ومع الإدارة الرسمية ، ثم اثبات ان القانون أداة فعالة في الحصول على حقوقهم ، وانه خير من ممارسة العنف او البكاء على الاطلال.

ينبغي لرجال الدولة ان يتحدثوا للناس ، ليس فقط عن بطولاتهم ونجاحاتهم ، بل – في المقام الأول – عما يريدون فعله ، والصعوبات التي يواجهونها ، والدعم الشعبي الذي يتطلعون اليه.

سيكون المجتمع معارضا للعنف ، رافضا لأربابه ودعاته ، اذا آمن بأن الحكومة حكومته وليست حكومة الآخرين التي تتحكم في أقداره.

الخميس - 24 شَعبان 1447 هـ - 12 فبراير 2026 م

https://aawsat.com/node/5239910

مقالات ذات صلة

الاثم الاصلي 
 اصلاح العقل الجمعي
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
اناني وناقص .. لكنه خلق الله 
الانسان الذئب؟....
بقية من رواية قديمة الازمان الفاسدة والناس الفاسدون 
بين العقل الجمعي وسلوك القطيع
ثقافة المجتمع.. كيف تحفز النمو الاقتصادي او تعيقه
الثقافة المعوقة للنهضة
الحق في ارتكاب الخطأ 
رأس المال الاجتماعي
صناعة الكآبة
صورتان عن الانسان والقانون 
في معنى الردع وعلاقته بالطبع الاولى للبشر 
القانون للصالحين من عباد الله 
كيف تقبلنا فكرة الانسان الذئب؟ 
كيف تكون رجعيا.. دليل مختصر
لو كان الانسان ذئبا لما تحضر 

05/02/2026

الأجانب والحكومة الوطنية

هذه عودة لقصة قديمة ، بطلها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا اولاند. بدايتها هجمات إرهابية في باريس في 7 يناير 2015 ، اسفرت عن مقتل 17 شخصا. كان الرئيس وقتئذ قد خسر شعبيته تماما. وقالت استطلاعات رأي انه يحظى بتأييد 17% فقط من الفرنسيين. وكان اخفاق الحكومة في معالجة مشكلة الهجرة ، سببا رئيسيا وراء شعور الرأي العام بعدم كفاءة الحكم.

توقع المراقبون ان تقضي هذه الحادثة على ما تبقى من شرعية الرئيس ، فيضطر لاقالة الحكومة ، او توجيه الشرطة لشن عمليات واسعة (حتى لو بدت انتقامية) ضد مناطق المهاجرين ، كي يظهر امام الجمهور في لباس القائد الحاسم ، فيبدد الاعتقاد السائد بأن حكومته مترهلة او عاجزة عن إدارة البلد.

لم يحصل هذا ولا ذاك. توجه هولاند الى الفرنسيين مستنهضا ما نسميه "روح الجماعة" ، أي الشعور العميق بالتضامن بين المواطنين ، فركز خطابه على ما أسماه "قيم الجمهورية" أي الحرية والمساواة والاخاء. وكان هذا خير رد على دعوة اليمين المتطرف لتحويل المناسبة الى حملة شعبية ضد المهاجرين. بعدها بأسبوع ، شهدت باريس تظاهرة حضرها مليونان من الفرنسيين ، يتقدمهم هولاند مع 50 من قادة الدول وكبار السياسيين ، حضروا للتأكيد على ان احتواء العدوان يتم بتعزيز التضامن الداخلي والاعتزاز بالذات الوطنية ، وليس تصدير الأزمة أو تعليقها على مشاجب الآخرين.

وخلال العشرين عاما الماضية ، تعرضت فرنسا لأزمات اقتصادية وسياسية ، واجهتها بتأكيد التضامن واحترام الذات الجمعية. وقد نجحت حتى الآن في احتواء معظمها.

-         ما الداعي للتذكير بقصة قديمة؟.

إذا كنت من متابعي أحوال السياسة في هذه الأيام ، فلابد انك لاحظت ديباجة مكررة ، وهي اتهام الخارج بالتسبب في أزمات الداخل. من ذلك مثلا ان الجيش الباكستاني نفذ عمليات في بلوشستان قتل فيها 170 شخصا ، ردا على تحرك انفصالي قال الجيش ان الهند وراءه. وعلى الجانب الشرقي ، قام الجيش البورمي بتهجير مئات الآلاف من المسلمين الى بنغلادش ، مدعيا ان قوى خارجية تحركهم ضد الحكم المركزي. والى الغرب قليلا ، في ايران ، اتهمت الحكومة دولا اجنبية عديدة بتحريك تظاهرات ضخمة جدا ، أوقعت 3000 قتيل وفق ارقام رسمية. والى الشرق أيضا تتهم السلطة الفلسطينية حركة حماس بتنفيذ اجندات اجنبية في حربها مع إسرائيل. والحال نفس الحال في السودان واثيوبيا وارتيريا وليبيا ، وغيرهم. نعرف طبعا ان الأعلى صوتا بين الجميع ، هو الرئيس ترمب الذي يصرح يوميا بان الدول الأجنبية تسرق وظائف الأمريكيين وأموالهم.

لا أحد في عالمنا يصدق تماما ما يقال. يعلم الناس ان هذه الأقطار فيها مشكلات اقتصادية وسياسية ، تجعل الناس غير راضين عن أوضاعهم. تستطيع الحكومات معالجة الازمات واستعادة رضا الجمهور عنها ، في بعض الأحيان. لكن الأمر لا يكون طيبا في جميع الأحوال. فاذا شعر الناس بان حكومتهم تتجاهل مشكلاتهم ، او تستبدل العلاجات المؤقتة الضرورية ، بشعارات وكلام عن العلاجات الطويلة الأمد. عندئذ سيفقد الناس ثقتهم في وعود الحكومة ، مهما بدت معقولة. الأسوأ من هذا ان يتجاهل السياسيون جوهر المشكل وأسبابه ، ويلقون غسيلهم على حبال الخارج ، فيتهمون هذه الدولة او تلك بالتسبب في أزماتهم ، ثم يقنعون انفسهم بأن الحل في الخارج ، فاذا توقف عن اثارة المشاكل ، سيعود كل شيء لطبيعته.

التدخل الخارجي محتمل جدا. لكن السؤال: هل كان الأجنبي سينجح في تأزيم وضعك ، لو لم تكن عناصر الأزمة وأسبابها متوفرة بالفعل؟.

الواقع ان الأجنبي عاجز في معظم الأحيان عن اختلاق أزمة ، مهما امتلك من أدوات تأثير. لكنه قادر على "استثمار" أزمات موجودة بالفعل ، او عناصر أزمة كامنة في النظام الاجتماعي. استثمار الأزمة يختلف عن خلقها. وعلى من يشكو تدخل الأجانب ان يسائل نفسه: لماذا لم يعالج أسباب الازمة ، قبل ان يستثمرها الأجنبي. هل يعقل ان يكون الأجنبي اقدر من الدولة الوطنية على التعامل مع مكونات نظامها الاجتماعي؟.

الخميس - 17 شَعبان 1447 هـ - 5 فبراير 2026 م

https://aawsat.com/node/5237397

مقالات ذات صلة

ابعد من فيلم الجني ومن لبسه
البلاد بوصفها "مسرح العرائس"
تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم
جزيرة وسط محيط الشر
الحر كة الا سلامية ، الغرب والسيا سة ( 2 من 3 )
حكومة العالم الخفية
فتش عن الماسونية!
فكرة التقدم باختصار
المؤامرة والسياسة
هيروهيتو ام عصا موسى؟

29/01/2026

نقاشات الذكاء الصناعي في مرحلة جديدة

 توجهات الذكاء الصناعي وتحدياته كانت محورا بارزا في نقاشات "المنتدى الاقتصادي العالمي" ، خلافا للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده ، وفحواه ان سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ انشاء المنتدى الذي ينعقد سنويا في مدينة دافوس السويسرية ، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماما غير قليل ، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول ، فضلا عن رؤساء الشركات الكبرى ، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية ، من فم صناعها ، وليس نقلا عنهم.


يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا فان بروز الذكاء الصناعي على اجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة ، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم ، لا سيما بين رجال الاعمال والاكاديميين والمفكرين ، تتعامل معه كتحد جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الصناعي مسارات متنوعة ، فبعضها يركز على معنى ان تكون الآلة ذكية ، وإمكانية ان تتجاوز ذكاء البشر ، او حتى ان تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها ، الى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول او تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالعديد من الاعمال التي لا زالت تعتمد على الجهد البشري ، الفكري والبدني. إضافة بالطبع الى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن ان ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول ، واحتمال ان تستثمرها في اخضاع المجتمعات الأخرى.

ساهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب ، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع ان يشهدها العالم ، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الصناعي في تفاصيل حياتنا اليومية ، من التجارة الى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي ، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي ، تتجه النقاشات الأحدث الى مسائل أكثر عمقا ، ولا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم ، واتجاهات الثقافة.

تساهم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل ، بل الغاءها في حالات كثيرة ، مما يتيح وقتا أوسع لعمل الانسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة ، أي الآلة ، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته ، وبالتالي فهي تسهم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس. لتوضيح هذه المسألة ، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل اثر على اتجاهات العمل وقيمته ، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع ارباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس ، فقد زاد التعاملات التجارية ، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج ، لكنه – في الوقت نفسه - غير الى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم ، بل أثر أيضا على موضوعات العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الانسان على التحكم في حياته ، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه ، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي ان يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني ، كما لا ينبغي ان نقتصر على اظهار القلق او تخويف بعضنا البعض. نحن بحاجة الى تكرار التأكيد على المباديء الجوهرية التي تدور حولها حياة الانسان ، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك ان أبرز تلك المباديء واعلاها أهمية هي بقاء الانسان مسيطرا على مصيره ، ساعيا الى تعزيز كرامته ، محافظا على استقلال ارادته.

التأكيد على هذه المباديء ضروري جدا في عالم تديره الآلات ، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن بحاجة للتساؤل دائما عما اذا كنا نسعى للتطور المادي ، لأنه هدف بذاته ، او من أجل زيادة المال ، ام لأنه يخدم هدفا أعلى ، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني ، أي تعزيز كرامة الانسان وبقائه في مركز الوجود.

الخميس - 10 شَعبان 1447 هـ - 29 يناير 2026م             https://aawsat.com/node/5234924

مقالات ذات صلة

استمعوا لصوت التغيير
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي
تجربة تستحق التكرار
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الذكاء الصناعي وعالمه المجهول
عالم افتراضي يصنع العالم الواقعي
على اعتاب الثورة الصناعية الرابعة
العولمة فرصة ام فخ ؟
لماذا ينبغي ان نطمئن الى تطور الذكاء الصناعي؟
ما الذي يجعل الانترنت مخيفا للزعماء التقليديين ومحبوبا للشباب ؟
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
النقلة الحتمية : يوما ما ستنظر الى نفسك فتراها غير ما عرفت
هل تعرف "تصفير العداد"؟
هل يمثل الذكاء الصناعي تهديدا للهوية؟

هل يمكن للذكاء الصناعي ان يكون بديلا عن عقل البشر؟
إعادة تشكيل الحياة في عصر الانترنت ‏
غدا نتحرر من الخوف

22/01/2026

أهل الاتباع ومشكلة الابتداع

يبدو ان جدل العلاقة بين العقل والنص ، قد ذهب في مسارات تشتت الفكرة وتعيق رؤية الهدف. وأبرزها هو المسار الذي يصور الجدل كدعوة للتخلي عن النص ، بل هجر الدين كليا ، واعتماد العلم المحض في توجيه الحياة.

شهدت أوروبا دعوة كهذه في أوائل عصر النهضة ، وانتهت باقتناع غالبية الأوروبيين ، بأن العلم الحديث قادر على حل مشكلات العالم ، ولذا لم يعد ثمة حاجة للدين أو وظيفة منتجة ، خارج دور العبادة.

أما في العالم العربي ، فالأمر على عكس المثال الأوروبي. فالدعوات لاعادة الاعتبار للعقل والعلم ، ولا سيما دورهما في التشريع ، يستهدف معظمها احياء الروح الاصيلة للدين ، ويشارك فيها اصلاحيون يسعون لنهضة المجتمع ، ويرون ان قراءة جديدة للدين ، تحترم العلم والعقل ، أقرب الى روحه واكثر تعبيرا عن جوهره ، من المنهج المتوارث في مدارس العلوم الشرعية ، وهي اقرب استجابة لحاجات البشر في هذا الزمان.

من ضعف الرأي أن أتخيل أنا او غيري ، بان كل نقاش حول مكانة العقل ودوره في التشريع ، يستهدف إقصاء الدين او النص او الاستغناء عنهما. الواقع ان للدين دور في حياة البشر وللعلم دور آخر. وهما – من هذا المنظور – يشغلان مجالين مختلفين. لكنهما بمقتضى هذه الوظيفة ، يتداخلان في بعض الأدوار والنطاقات ، بل أستطيع القول انهما يعملان بالتناوب في نفس النطاق أحيانا. ومن ذلك على سبيل المثال ان العلم يتدخل في تفسير تعاليم الدين وقيمه ، ومن خلال هذا التفسير يشخص موضوعاته ويحدد تطبيقاته. كما ان الدين يتدخل في تحديد اخلاقيات البحث العلمي ، وقد يحجب تطبيقاته التي تعارض بشكل مباشر ، ما يريد إقامته او صونه من مصالح للإنسان والطبيعة. ان الجدل القائم حاليا حول الجوانب الأخلاقية في أبحاث الهندسة الجينية ، مثال على هذا.

يمكن للدين أن يلعب دورا واسعا وفعالا ، في توجيه الاخلاقيات والأعراف الناظمة لحياة البشر ، إذا استوعب التنوع الواسع جدا لهذه الحياة. الجدل القائم اليوم حول دور الدين ، ناتج – كما اعتقد – من الفجوة الواسعة بين "زمن" التعاليم الدينية وزمن العلم. تنتمي الشريحة الأعظم من تلك التعاليم ، الى أزمنة بعيدة في عمق التاريخ. ويأبى القائمون على التعليم والتشريع ، النظر في عامل الزمن كمتغير يؤثر جوهريا في موضوع الحكم ومفهومه ، رغم انهم يفاخرون بقبولهم لدخالة الزمان والمكان في تعيين الاحكام. نعلم ان هذه امنية وليست التزاما ، لأنهم في نهاية المطاف سيرجعون الى قول فقيه قديم او رواية قديمة ، قيلت في سياق مختلف ، لتخدم ظرفا قائما ، يختلف - بالضرورة – عن ظرف اليوم الذي سيتغير غدا أو بعد غد.

واقع الأمر ان هناك من يرفض الدين من حيث المبدأ. كما ان هناك من يرفض العلم من حيث المبدأ. رغم انك لن تجد من يقول صراحة انه يرفض الدين لأنه يدعو للخوف من الله ، او للتورع عن ظلم الناس او تدمير البيئة الطبيعية. كما لن تجد من يقول صراحة انه يرفض العلم ، لأنه يفتح للبشر طريق القوة والثروة والصحة والتقدم.

في اعتقادي ان الرافضين لدور العلم/العقل في التشريع ، يخشون من دوره الاوسع في الحياة الدينية.

بيان ذلك: ان هؤلاء اعتبروا العلم عامل تفكيك للقيم المستقرة ، لأنه يفتح الأذهان ويثير الأسئلة ويعزز الشكوك. وهم يرون ان الدين منهج استمرار على إرث الآباء والأجداد ، فهم يعرفون انفسهم كأهل "اتباع" لا أهل "ابتداع". والمقصود كما هو واضح التمييز بين الاستمرارية على الموروث او تطوير مناهج جديدة ، فكأن الدين خزانة الآباء او متحف القدماء.

أرى انه لا يمكن فهم الدين واستثمار طاقته الإيجابية العظيمة ، من دون العلم الذي يفتح آفاق الحياة ويكشف أسرارها. الحياة من دون العلم جامدة توشك ان تموت. طريق العلم يبدأ بالشك والسؤال ، وهذا هو السبب في المعضلة التي نجادلها اليوم.

الخميس - 03 شَعبان 1447 هـ - 22 يناير 2026 م

https://aawsat.com/node/5232374

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."

الاستدلال العقلي كاساس للفتوى
أصنام الحياة
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم
الـدين والمعـرفة الدينـية
رأي الفقيه ليس حكم الله
طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
عودة الى نقاش دور العقل في صناعة القيم
في رثاء د. طه جابر العلواني
كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه
العقل الاخباري
 الفكــرة وزمن الفكـرة

15/01/2026

عودة الى نقاش دور العقل في صناعة القيم

تعلمت منذ زمن بعيد ان نقد الأفكار هو الذي يهذبها وينضجها. اني اتبع مذهب الفيلسوف المعاصر كارل بوبر ، الذي رأى ان أي فكرة او نظرية علمية ، في أحسن أحوالها ، احتمال راجح بالقياس الى غيره. اعلان الفكرة تمهيد لكشف نواقصها ، وصولا الى استبدالها بما هو أكمل وأفضل. المعارف القديمة التي تركناها لم تكن خطأ ، بل كانت الخيار المتاح يوم ظهورها. ولولا إعلانها لما كشفنا نواقصها ، وتوصلنا الى بدائلها.

اردت بهذا التمهيد الإشادة بنقد اخي الأستاذ هاشم الشملة لمقالة الأسبوع الماضي ، الذي كان – للحق – دقيقا ومنهجيا ، ومفيدا لي. وقد عرض نقاطا عديدة تستحق التوقف. لكني مهتم أولا باستشكاله على الدعوة لاعتماد العقل في تشخيص معاني الأفعال وما تنطوي عليه من مصالح وقيم. هذه الدعوة عنصر جوهري في المقال المذكور ، سيما في فرضية أن علاقات الناس ليست مسألة دينية ، وأن مرجعها حكم العقل وليس النص.

يشكك الأستاذ الشملة في قدرة العقل على تشخيص المصلحة من دون تحيز ، مع علمنا بانه يتأثر بميول صاحبه المادية وانتماءاته الاجتماعية وخلفيته الثقافية واطاره الأيديولوجي وانشغالاته الآنية.

كما يخشى أن تنقلب التعددية القيمية الى نسبوية ، حيث لا يبقى فارق بين الحق والباطل إلا بالاستحسان الظرفي. سأترك هذه النقطة لمناسبة أخرى ، وأركز في هذه السطور على النقطة الأولى ، أي سلامة الاعتماد على حكم العقل. وهو اعتراض صحيح ومشروع. وللمناسبة فان جميع الذين عارضوا دخالة العقل في التشريع او في الحياة الدينية بشكل عام ، ذكروا هذا الاعتراض. وهو أبرز الأدلة التي رفعها الاخباريون في وجه المدرسة التي تقول بالاجتهاد في الشريعة. وقال اهل العرفان ان القيم الدينية غرضها توجيه الانسان في طريق الكمال ، لذا ينبغي ان تصدر عن كامل ، لا أن تصدر عن ناقص يسعى لتكميل نفسه.

وفي الجهة المقابلة ، فان كافة الذين دعوا الى اعلاء مكانة العقل ومحورية دوره في حياة الانسان ، أقروا بتلك النواقص والحدود ، وقالوا بوضوح ، انهم لا يرون العقل كاملا ولا معصوما من تأثير الانحيازات والشواغل الظرفية.

واضح اذن ان الجميع متفق على نقص العقل الإنساني. فكيف نجعله حكما وحاكما ومرجعا؟.

سبق ان اجبت على هذا السؤال. وسأوجز هنا ما قلت سابقا. سؤال العلاقة بين العقل والقيم/احكام الشريعة ينحل الى ثلاثة أسئلة ضمنية ، أولها: هل نتحدث عن عقل كامل ، بمعنى انه معصوم عن الخطأ ، ونعلم ان العصمة قصر على الرسول ، فهل هذا موضوع نقاشنا. ام نتحدث عن عقل البشر العادي الذي يتجه اليه التكليف والاختبار في الحياة؟.

السؤال الثاني: هل نرى ان طلب الخير هو الطبع الأولي للإنسان (الفطرة) ، ام ان فطرته فاسدة ونزوعه الأولي نحو الشر؟. فاذا قلنا بانه أميل الى الشر ، فلا حاجة أصلا للنقاش ، لأنه حتى لو أثبتنا قدرة العقل على انشاء القيم ، فسوف ينصرف الى ما هو طبع اولي فيه ، أي الشر والفساد. اما لو قلنا بان الانسان مفطور على الخير ، فانه لا خوف من اعتماد حكم العقل ، حتى لو أخطأ.

السؤال الثالث: القول بان العقل قادر على انشاء القيم والاحكام ، هل يعني ان هذه عملية ميكانيكية: يطلبها الانسان من عقله فيستجيب هذا وينشؤها ، ام انها تتبع تطور المعرفة ، فكلما ازدادت معرفة البشر بعالمهم ، ازدادت معها قدرتهم على انشاء الاحكام والقيم؟. هذه العلاقة تشير أيضا الى تفاعل جدلي بين الانسان والطبيعة ، يقود لتطور في حياته المادية ، فتتولد أسئلة جديدة ، تثير العقل كي يولد معاني جديدة ومعارف جديدة ، وبالتالي قيما جديدة. هنا يتضح دور الزمن الذي يثير الأسئلة فيحرك مسيرة المعرفة ، فيكشف قابلية متصاعدة للتعلم ، تمكن الخلف مما عجز عنه السلف.

في النقاش بقية ، سأعود اليها في قادم الأيام اذا وفق الله.

الخميس - 26 رَجب 1447 هـ - 15 يناير 2026 م

https://aawsat.com/node/5229910

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."
الاستدلال العقلي كاساس للفتوى
أصنام الحياة
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم
الـدين والمعـرفة الدينـية
رأي الفقيه ليس حكم الله
طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
الفكــرة وزمن الفكـرة
في رثاء د. طه جابر 
العلواني
كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه

العقل الاخباري

 

 

 

 

العدل فوق الهوية

سألني قاريء عزيز: ما الداعي للمقارنة بين مفهوم " العدالة" في التراث العربي-الإسلامي ، ونظيره في الفلسفة المعاصرة. هل نريد القول ان...