29/01/2026

نقاشات الذكاء الصناعي في مرحلة جديدة

 توجهات الذكاء الصناعي وتحدياته كانت محورا بارزا في نقاشات "المنتدى الاقتصادي العالمي" ، خلافا للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده ، وفحواه ان سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ انشاء المنتدى الذي ينعقد سنويا في مدينة دافوس السويسرية ، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماما غير قليل ، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول ، فضلا عن رؤساء الشركات الكبرى ، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية ، من فم صناعها ، وليس نقلا عنهم.


يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا فان بروز الذكاء الصناعي على اجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة ، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم ، لا سيما بين رجال الاعمال والاكاديميين والمفكرين ، تتعامل معه كتحد جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الصناعي مسارات متنوعة ، فبعضها يركز على معنى ان تكون الآلة ذكية ، وإمكانية ان تتجاوز ذكاء البشر ، او حتى ان تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها ، الى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول او تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالعديد من الاعمال التي لا زالت تعتمد على الجهد البشري ، الفكري والبدني. إضافة بالطبع الى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن ان ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول ، واحتمال ان تستثمرها في اخضاع المجتمعات الأخرى.

ساهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب ، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع ان يشهدها العالم ، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الصناعي في تفاصيل حياتنا اليومية ، من التجارة الى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي ، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي ، تتجه النقاشات الأحدث الى مسائل أكثر عمقا ، ولا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم ، واتجاهات الثقافة.

تساهم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل ، بل الغاءها في حالات كثيرة ، مما يتيح وقتا أوسع لعمل الانسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة ، أي الآلة ، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته ، وبالتالي فهي تسهم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس. لتوضيح هذه المسألة ، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل اثر على اتجاهات العمل وقيمته ، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع ارباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس ، فقد زاد التعاملات التجارية ، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج ، لكنه – في الوقت نفسه - غير الى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم ، بل أثر أيضا على موضوعات العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الانسان على التحكم في حياته ، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه ، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي ان يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني ، كما لا ينبغي ان نقتصر على اظهار القلق او تخويف بعضنا البعض. نحن بحاجة الى تكرار التأكيد على المباديء الجوهرية التي تدور حولها حياة الانسان ، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك ان أبرز تلك المباديء واعلاها أهمية هي بقاء الانسان مسيطرا على مصيره ، ساعيا الى تعزيز كرامته ، محافظا على استقلال ارادته.

التأكيد على هذه المباديء ضروري جدا في عالم تديره الآلات ، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن بحاجة للتساؤل دائما عما اذا كنا نسعى للتطور المادي ، لأنه هدف بذاته ، او من أجل زيادة المال ، ام لأنه يخدم هدفا أعلى ، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني ، أي تعزيز كرامة الانسان وبقائه في مركز الوجود.

الخميس - 10 شَعبان 1447 هـ - 29 يناير 2026م             https://aawsat.com/node/5234924

مقالات ذات صلة

استمعوا لصوت التغيير
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي
تجربة تستحق التكرار
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الذكاء الصناعي وعالمه المجهول
عالم افتراضي يصنع العالم الواقعي
على اعتاب الثورة الصناعية الرابعة
العولمة فرصة ام فخ ؟
لماذا ينبغي ان نطمئن الى تطور الذكاء الصناعي؟
ما الذي يجعل الانترنت مخيفا للزعماء التقليديين ومحبوبا للشباب ؟
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
النقلة الحتمية : يوما ما ستنظر الى نفسك فتراها غير ما عرفت
هل تعرف "تصفير العداد"؟
هل يمثل الذكاء الصناعي تهديدا للهوية؟

هل يمكن للذكاء الصناعي ان يكون بديلا عن عقل البشر؟
إعادة تشكيل الحياة في عصر الانترنت ‏
غدا نتحرر من الخوف

22/01/2026

أهل الاتباع ومشكلة الابتداع

يبدو ان جدل العلاقة بين العقل والنص ، قد ذهب في مسارات تشتت الفكرة وتعيق رؤية الهدف. وأبرزها هو المسار الذي يصور الجدل كدعوة للتخلي عن النص ، بل هجر الدين كليا ، واعتماد العلم المحض في توجيه الحياة.

شهدت أوروبا دعوة كهذه في أوائل عصر النهضة ، وانتهت باقتناع غالبية الأوروبيين ، بأن العلم الحديث قادر على حل مشكلات العالم ، ولذا لم يعد ثمة حاجة للدين أو وظيفة منتجة ، خارج دور العبادة.

أما في العالم العربي ، فالأمر على عكس المثال الأوروبي. فالدعوات لاعادة الاعتبار للعقل والعلم ، ولا سيما دورهما في التشريع ، يستهدف معظمها احياء الروح الاصيلة للدين ، ويشارك فيها اصلاحيون يسعون لنهضة المجتمع ، ويرون ان قراءة جديدة للدين ، تحترم العلم والعقل ، أقرب الى روحه واكثر تعبيرا عن جوهره ، من المنهج المتوارث في مدارس العلوم الشرعية ، وهي اقرب استجابة لحاجات البشر في هذا الزمان.

من ضعف الرأي أن أتخيل أنا او غيري ، بان كل نقاش حول مكانة العقل ودوره في التشريع ، يستهدف إقصاء الدين او النص او الاستغناء عنهما. الواقع ان للدين دور في حياة البشر وللعلم دور آخر. وهما – من هذا المنظور – يشغلان مجالين مختلفين. لكنهما بمقتضى هذه الوظيفة ، يتداخلان في بعض الأدوار والنطاقات ، بل أستطيع القول انهما يعملان بالتناوب في نفس النطاق أحيانا. ومن ذلك على سبيل المثال ان العلم يتدخل في تفسير تعاليم الدين وقيمه ، ومن خلال هذا التفسير يشخص موضوعاته ويحدد تطبيقاته. كما ان الدين يتدخل في تحديد اخلاقيات البحث العلمي ، وقد يحجب تطبيقاته التي تعارض بشكل مباشر ، ما يريد إقامته او صونه من مصالح للإنسان والطبيعة. ان الجدل القائم حاليا حول الجوانب الأخلاقية في أبحاث الهندسة الجينية ، مثال على هذا.

يمكن للدين أن يلعب دورا واسعا وفعالا ، في توجيه الاخلاقيات والأعراف الناظمة لحياة البشر ، إذا استوعب التنوع الواسع جدا لهذه الحياة. الجدل القائم اليوم حول دور الدين ، ناتج – كما اعتقد – من الفجوة الواسعة بين "زمن" التعاليم الدينية وزمن العلم. تنتمي الشريحة الأعظم من تلك التعاليم ، الى أزمنة بعيدة في عمق التاريخ. ويأبى القائمون على التعليم والتشريع ، النظر في عامل الزمن كمتغير يؤثر جوهريا في موضوع الحكم ومفهومه ، رغم انهم يفاخرون بقبولهم لدخالة الزمان والمكان في تعيين الاحكام. نعلم ان هذه امنية وليست التزاما ، لأنهم في نهاية المطاف سيرجعون الى قول فقيه قديم او رواية قديمة ، قيلت في سياق مختلف ، لتخدم ظرفا قائما ، يختلف - بالضرورة – عن ظرف اليوم الذي سيتغير غدا أو بعد غد.

واقع الأمر ان هناك من يرفض الدين من حيث المبدأ. كما ان هناك من يرفض العلم من حيث المبدأ. رغم انك لن تجد من يقول صراحة انه يرفض الدين لأنه يدعو للخوف من الله ، او للتورع عن ظلم الناس او تدمير البيئة الطبيعية. كما لن تجد من يقول صراحة انه يرفض العلم ، لأنه يفتح للبشر طريق القوة والثروة والصحة والتقدم.

في اعتقادي ان الرافضين لدور العلم/العقل في التشريع ، يخشون من دوره الاوسع في الحياة الدينية.

بيان ذلك: ان هؤلاء اعتبروا العلم عامل تفكيك للقيم المستقرة ، لأنه يفتح الأذهان ويثير الأسئلة ويعزز الشكوك. وهم يرون ان الدين منهج استمرار على إرث الآباء والأجداد ، فهم يعرفون انفسهم كأهل "اتباع" لا أهل "ابتداع". والمقصود كما هو واضح التمييز بين الاستمرارية على الموروث او تطوير مناهج جديدة ، فكأن الدين خزانة الآباء او متحف القدماء.

أرى انه لا يمكن فهم الدين واستثمار طاقته الإيجابية العظيمة ، من دون العلم الذي يفتح آفاق الحياة ويكشف أسرارها. الحياة من دون العلم جامدة توشك ان تموت. طريق العلم يبدأ بالشك والسؤال ، وهذا هو السبب في المعضلة التي نجادلها اليوم.

الخميس - 03 شَعبان 1447 هـ - 22 يناير 2026 م

https://aawsat.com/node/5232374

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."

الاستدلال العقلي كاساس للفتوى
أصنام الحياة
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم
الـدين والمعـرفة الدينـية
رأي الفقيه ليس حكم الله
طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
عودة الى نقاش دور العقل في صناعة القيم
في رثاء د. طه جابر العلواني
كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه
العقل الاخباري
 الفكــرة وزمن الفكـرة

15/01/2026

عودة الى نقاش دور العقل في صناعة القيم

تعلمت منذ زمن بعيد ان نقد الأفكار هو الذي يهذبها وينضجها. اني اتبع مذهب الفيلسوف المعاصر كارل بوبر ، الذي رأى ان أي فكرة او نظرية علمية ، في أحسن أحوالها ، احتمال راجح بالقياس الى غيره. اعلان الفكرة تمهيد لكشف نواقصها ، وصولا الى استبدالها بما هو أكمل وأفضل. المعارف القديمة التي تركناها لم تكن خطأ ، بل كانت الخيار المتاح يوم ظهورها. ولولا إعلانها لما كشفنا نواقصها ، وتوصلنا الى بدائلها.

اردت بهذا التمهيد الإشادة بنقد اخي الأستاذ هاشم الشملة لمقالة الأسبوع الماضي ، الذي كان – للحق – دقيقا ومنهجيا ، ومفيدا لي. وقد عرض نقاطا عديدة تستحق التوقف. لكني مهتم أولا باستشكاله على الدعوة لاعتماد العقل في تشخيص معاني الأفعال وما تنطوي عليه من مصالح وقيم. هذه الدعوة عنصر جوهري في المقال المذكور ، سيما في فرضية أن علاقات الناس ليست مسألة دينية ، وأن مرجعها حكم العقل وليس النص.

يشكك الأستاذ الشملة في قدرة العقل على تشخيص المصلحة من دون تحيز ، مع علمنا بانه يتأثر بميول صاحبه المادية وانتماءاته الاجتماعية وخلفيته الثقافية واطاره الأيديولوجي وانشغالاته الآنية.

كما يخشى أن تنقلب التعددية القيمية الى نسبوية ، حيث لا يبقى فارق بين الحق والباطل إلا بالاستحسان الظرفي. سأترك هذه النقطة لمناسبة أخرى ، وأركز في هذه السطور على النقطة الأولى ، أي سلامة الاعتماد على حكم العقل. وهو اعتراض صحيح ومشروع. وللمناسبة فان جميع الذين عارضوا دخالة العقل في التشريع او في الحياة الدينية بشكل عام ، ذكروا هذا الاعتراض. وهو أبرز الأدلة التي رفعها الاخباريون في وجه المدرسة التي تقول بالاجتهاد في الشريعة. وقال اهل العرفان ان القيم الدينية غرضها توجيه الانسان في طريق الكمال ، لذا ينبغي ان تصدر عن كامل ، لا أن تصدر عن ناقص يسعى لتكميل نفسه.

وفي الجهة المقابلة ، فان كافة الذين دعوا الى اعلاء مكانة العقل ومحورية دوره في حياة الانسان ، أقروا بتلك النواقص والحدود ، وقالوا بوضوح ، انهم لا يرون العقل كاملا ولا معصوما من تأثير الانحيازات والشواغل الظرفية.

واضح اذن ان الجميع متفق على نقص العقل الإنساني. فكيف نجعله حكما وحاكما ومرجعا؟.

سبق ان اجبت على هذا السؤال. وسأوجز هنا ما قلت سابقا. سؤال العلاقة بين العقل والقيم/احكام الشريعة ينحل الى ثلاثة أسئلة ضمنية ، أولها: هل نتحدث عن عقل كامل ، بمعنى انه معصوم عن الخطأ ، ونعلم ان العصمة قصر على الرسول ، فهل هذا موضوع نقاشنا. ام نتحدث عن عقل البشر العادي الذي يتجه اليه التكليف والاختبار في الحياة؟.

السؤال الثاني: هل نرى ان طلب الخير هو الطبع الأولي للإنسان (الفطرة) ، ام ان فطرته فاسدة ونزوعه الأولي نحو الشر؟. فاذا قلنا بانه أميل الى الشر ، فلا حاجة أصلا للنقاش ، لأنه حتى لو أثبتنا قدرة العقل على انشاء القيم ، فسوف ينصرف الى ما هو طبع اولي فيه ، أي الشر والفساد. اما لو قلنا بان الانسان مفطور على الخير ، فانه لا خوف من اعتماد حكم العقل ، حتى لو أخطأ.

السؤال الثالث: القول بان العقل قادر على انشاء القيم والاحكام ، هل يعني ان هذه عملية ميكانيكية: يطلبها الانسان من عقله فيستجيب هذا وينشؤها ، ام انها تتبع تطور المعرفة ، فكلما ازدادت معرفة البشر بعالمهم ، ازدادت معها قدرتهم على انشاء الاحكام والقيم؟. هذه العلاقة تشير أيضا الى تفاعل جدلي بين الانسان والطبيعة ، يقود لتطور في حياته المادية ، فتتولد أسئلة جديدة ، تثير العقل كي يولد معاني جديدة ومعارف جديدة ، وبالتالي قيما جديدة. هنا يتضح دور الزمن الذي يثير الأسئلة فيحرك مسيرة المعرفة ، فيكشف قابلية متصاعدة للتعلم ، تمكن الخلف مما عجز عنه السلف.

في النقاش بقية ، سأعود اليها في قادم الأيام اذا وفق الله.

الخميس - 26 رَجب 1447 هـ - 15 يناير 2026 م

https://aawsat.com/node/5229910

مقالات ذات علاقة

"اخبرني من اثق به..."
الاستدلال العقلي كاساس للفتوى
أصنام الحياة
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
ثنائية الاتباع والابتداع
حين تكره الدنيا: طريق البشر من الخرافة الى العلم
دور الفقيه ، وجدلية العلم والحكم
الـدين والمعـرفة الدينـية
رأي الفقيه ليس حكم الله
طرائف التاريخ وأساطيره
عقل الاولين وعقل الاخرين
عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي
عن الدين والخرافة والخوف من مجادلة المسلمات
الفكــرة وزمن الفكـرة
في رثاء د. طه جابر 
العلواني
كهف الجماعة
مهابهاراتا.. أعظم ملحمة في تاريخ الانسان
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
هيمنة الاتجاه الاخباري على الفقه

العقل الاخباري

 

 

 

 

08/01/2026

أربعة مستويات للعلاقة مع المختلف

 بين الردود على مقال الاسبوع الماضي ، ركز اثنان على الجانب الديني للمسألة. وخلاصة راي الزميلين تتلخص في السؤال التالي: التسامح مع المختلفين دينيا وحتى الملحدين ، قد يكون صحيحا من الناحية العقلائية البحتة ، اي انه يتضمن – ظاهريا على الاقل - مصلحة عقلائية. لكن الشريعة تدعونا لتجنب العلاقة معهم ، بل حتى منافرتهم. فماذا نفعل في هذه الحالة: هل نترك الامر الشرعي وراء ظهورنا ، لدواعي المصلحة المادية؟.

ولتعزيز الموقف ، أرسل أحد الزميلين مقالة قديمة ، تطرح ما اسماه الكاتب بالتعايش ، كبديل عن التقارب الديني. وقال الزميل في تعليقه عليها ، ان الخيار الصحيح هو التزام اللطف واللين في معاملة المختلفين ، مع تذكيرهم باعتراضنا على دينهم وانكارنا لخياراتهم.

وأتذكر نقاشات عديدة في الموضوع ، في أوائل القرن الحالي ، تبلورت على ضوئها تلك الرؤية ، والتي اعتبرها اصحابها "تنازلا" كبيرا ينبغي تقديره. والحق انها كذلك ، إذا قايسناها بالرؤية الاكثر تشددا ، التي تدعو الى مقاطعة اتباع الاديان الاخرى ، بل وحتى الانكار على اصحاب المذاهب الاخرى في الاسلام. ويستدل المتشددون على رأيهم هذا بأن الاسلام قد ألغى ما قبله ، فلا يقبل أي دين غيره. ان تطور الاعلام والطباعة في العصر الحاضر ، لا يسمح لاحد بادعاء انه لم يسمع بالدعوة المحمدية ، فكل من في الأرض اطلع عليها من خلال الكتب والاعلام واللقاء مع المسلمين ، وبذلك بلغهم الحق وقامت عليهم الحجة ، فما عاد لهم حق في البقاء على طريقة غير الاسلام.

ويهمني هنا إيضاح نقطتين تتعلقان بالمسألة. اولاهما اني لا أرى العلاقة بين الناس ، مسألة عبادية كي يتعلق بها حكم ثابت. بل هي من الأمور الحياتية العادية ، التي يعمل فيها الانسان بمقتضى إملاءات العقل ووجهات المصلحة. وأما الاحكام التي وردت فيها ، فتتعلق بظرف خاص ، تجري فيه فقط ، ولا تجري في غيره. واغفال هذا القيد تكلف بلا ضرورة ، وتعسير على الخلق من دون داع حثيث. نحن نستفيد من النصوص التي تتحدث عن العلاقة مع المخالفين ، كمرجع علمي لا كنص ملزم. لأن هذه العلاقة جزء من شبكة التبادلات الاجتماعية السريعة التغير ، ولا يمكن ضبطها بحكم واحد ، وانما نتعامل مع كل تطبيق من تطبيقاتها من زاوية المصالح التي يحققها ، والقاعدة في احكام المعاملات ، انها تدور مع المصالح العقلائية الصريحة ، فما حقق مصلحة فهو مطلوب ، وما قاد الى مفسدة فهو مردود.

زبدة القول ان الجواب على سؤال الزميلين عن الأمر الشرعي ، هو ان ما نقلاه من احكام وما تستند اليه من نصوص ، خاصة بظرفها وليست عامة لكل زمان ومكان. ولذا لا يصح الاحتجاج بها في الظروف المتغيرة.

 النقطة الثانية تخص مستويات العلاقة بين المختلفين ، على مستوى الدين او المذهب ، او حتى على مستوى القومية والعرق والايديولوجيا السياسية والطبقة الاجتماعية ، وغيرها. ويذكر هنا أربعة مستويات إيجابية ، أدناها هو "السماح" للمختلف بالعيش وممارسة طقوسه. ثم يأتي "التعايش" ، أي تقبل العيش مع المختلفين بالنظر لضرورات الحياة: تحتاج للطبيب المسيحي فتتعايش معه. المستوى الثالث هو العلاقة القائمة على احترام خيارات الآخرين ، ومرجعه الاقرار الصريح بحرية الانسان وكرامته وحقه في اختيار طريقه الدنيوي والاخروي ، حتى لو كان باطلا في نظرنا.

اما المستوى الارفع فهو الايمان الداخلي بأن الحق متعدد ، او ان وجوهه متعددة متنوعة ، وان التنوع والتعدد سبب لاثراء الحياة المادية والأخلاقية ، لأنه يوفر تجارب مختلفة ومقاربات متنوعة ، ويعزز قدرة الانسان على النقد والمقارنة. أي انك تقر بحق الآخرين في مخالفتك ، لأن الاختلاف اصل في الحياة وسبب لاغنائها.

تأمل الآن في التجربة الواقعية للبشر: الذين قبلوا بالمستوى الرابع والذين اكتفوا بالمستوى الأول ، ايهما طور حياته وتجربته الروحية والمادية حتى بات مصدرا للمعرفة ، وأيهما بقي مستهلكا لمنتجات الفريق الأول. الدليل واضح كما اظن ، فهل تراه؟.

الشرق الأوسط الخميس - 19 رَجب 1447 هـ - 8 يناير 2026 م

 https://aawsat.com/node/5227470

مقالات ذات علاقة

ابعد من تماثيل بوذا
ان تكون مساويا لغير: معنى التسامح
بل التقارب قائم ومتواصل بين السنة والشيعة
تجريم الكراهية
التسامح وفتح المجال العام كعلاج للتطرف
التعايش أو التقارب.. طريق واحد
تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية
ثقافة الكراهية
 حقوق الانسان في المدرسة
سؤال التسامح الساذ: معنى التسامح
فرصة لتطبيق ما ندعو اليه
فلان المتشدد
في التسامح الحر والتسامح المشروط
في ان الخلاف هو الاصل وان الوحدة استثناء
في بغض الكافر
كن طائفيا او كن ما شئت .. لكن لا تضحي بوطنك
وجهات "الخطر" وقهر العامة

 

01/01/2026

قصة مكررة

نهاية العام الميلادي ، موعد ثابت للجدل حول جواز او عدم جواز الفرح بعيد الميلاد وراس السنة والتهنئة بهما. ويتبارى المتحدثون والخطباء ، بعضهم في بيان فوائد التهنئة ، وبعضهم في بيان الرأي المعاكس. ويستمر الجدل طيلة الأسبوع الأخير من كل عام ، ثم تأتي الشواغل فتأخذ المتابعين الى قضايا أخرى ، بانتظار نهاية العام الجديد وهكذا.

يبدو اننا نتجه لأن نكون أقل عصبية. ففي السنوات الأخيرة ، لم يعد ذلك الجدل ملتهبا ، كما كان قبل عقد من الزمن ، أو لعل نفوسنا قد تعبت من النزاع على الأمور الصغيرة ، فما عاد يشارك في الجدل السنوي سوى أقلية من الناس. وفي موازاة هذا سمعنا أصواتا مهمة ، تدعو لتجاوز هذا الجدل واحترام الأديان بشكل عام ، سواء تجسدت في ممارسات دينية ، او في اعراف ومناسبات اجتماعية. وفي هذا السياق تحدث فضيلة شيخ الازهر د. محمد الطيب وفضيلة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي د. محمد العيسى ، وكلاهما أنكر صراحة وجود أي دليل معتبر ، يعارض تهنئة غير المسلمين بالمناسبات الدينية والاجتماعية ، مثل عيد الميلاد وغيره.

أميل الى الظن بأننا سوف نتعلم التسامح في نهاية المطاف. لكني آمل ان لا يأتي بطريقة عسيرة او مؤلمة ، أي بعد ان نتحمل النتائج السيئة للتعصب الديني والسياسي. هذا ما حدث في أوروبا التي ذاقت ويلات الحروب باسم الدين والقومية والكرامة الوطنية ، حتى اقتنعت بأن شرط الحياة الكريمة ، هو التسامح والاقرار الصريح بحرية الاعتقاد ، والحق المتكافيء للجميع في اتخاذ ما يرونه مناسبا لقناعاتهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

يبدو مبدأ التسامح بسيطا على مستوى الجدل اللفظي. وأذكر ندوة حوارية عقدت في العراق ، قدم فيها أستاذ معروف مرافعة طويلة ، عن السعادة التي نعم بها غير المسلمين في المجتمعات المسلمة. وحين انتهى ، قدم واحد من الحاضرين مرافعة مضادة ، تظهر أن المواطنين غير المسلمين قد انخفضت نسبتهم من 7.5 بالمائة في منتصف القرن العشرين الى أقل من 1 بالمائة في الوقت الراهن. وتكرر هذا الأمر بنسب مقاربة في دول أخرى. وعقب متسائلا: إذا كانوا سعداء ، فلماذا غادروا ، وإذا كان السبب هو الميل العام عند المواطنين للهجرة ، فلماذا معدل الهجرة مضاعف بين غير المسلمين؟.

الواضح اننا نجيد تسطير المدائح في تساهلنا مع المختلفين عنا ، ونستدل على ذلك بقصص منتقاة من تاريخ يمتد مئات السنين. لكننا نتناسى عنصرين مهمين جدا ، يذكرهما عادة الطرف الآخر في القضية. العنصر الأول: في مقابل حالات الاحسان واللين ، ما هو عدد حالات الإساءة والخشونة؟. والعنصر الثاني ، وهو الأهم: هل ينطلق تسامحنا وليننا المفترض ، من إقرار بحق غير المسلم في اختيار دينه ، والممارسة الطبيعية لطقوسه وعاداته ، مثلما نفعل نحن إذا أقمنا في بلاد أخرى؟.

مبدأ التسامح لا يعني الملاينة والتساهل. التسامح هو الإقرار – على المستوى الفكري والقانوني - بحق كل فرد في اتباع المعتقد الذي يطمئن اليه ، والمبدأ أو طريقة العيش التي يختارها ، طالما التزم بالقانون الذي يكفل المساواة بين الجميع ، ولم يكن في عمله عدوانا على أحد. فما هي القواعد التي تنسجم مع هذا المبدأ في تراثنا وفي ثقافتنا العامة؟.

ان تكرار الجدل حول عيد الميلاد وجواز الاحتفاء به وتهنئة الجيران والأصدقاء فيه ، دليل واضح على ان التسامح الذي نمتدحه في أنفسنا وتاريخنا ، ليس تسامحا في الحقيقة ، بل هو أقرب الى الملاينة ، وهي – دون ريب – من مكارم الاخلاق ولوازم التعايش بين الناس ، لكنها لا تنطوي على الجزء الجوهري من المسألة ، أي الإقرار للآخرين بالحق الذي سبق ان أعطيته لنفسك: الحق في ان تؤمن كما تشاء وتعبد كما تشاء وتسعى للخلاص الاخروي في الطريق الذي تطمئن اليه ، دون جبر او مزاحمة.

الخميس - 12 رَجب 1447 هـ - 1 يناير 2026 م      https://aawsat.com/node/5225171

 مقالات ذات علاقة

25/12/2025

حقائق السياسة واساطيرها: الدولة العميقة

في أكتوبر 2017 نشرت على الانترنت قصة ، قيل انها مستمدة من وثائق سرية للحكومة الامريكية. فحواها ان وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون وشخصيات أخرى ، يتزعمون منظمة سرية ، تتحكم في مجاري المال والسياسة في الولايات المتحدة. وقع الكاتب منشوراته باسم كيو-انون= QAnon ، وادعى ان لديه رخصة أمنية ، تتيح له الاطلاع على وثائق سرية جدا. خلال بضعة أسابيع أمست منشورات كيو-انون مدارا لمئات القصص الواقعية والمتخيلة ، عن حوادث تنسب لجهات حكومية ، بينها عمليات مراقبة واستيلاء على أموال واعتداء على أشخاص ، تحت شعار المصلحة العليا للبلاد. لكن المستفيد الحقيقي – وفقا لادعاء الناشرين – هم أعضاء تلك المنظمة السرية ، الذين يراقبون جميع الناس ولا يراهم احد.

في منتصف 2020 أغلقت الدوائر الحكومية والشركات أبوابها ، بسبب وباء كورونا ، وبقي ملايين الأمريكيين في منازلهم ، دون أنيس سوى الإنترنت. شهدت هذه الفترة بروز مئات القصاصين الذين كرسوا وقتهم لتصنيف قصص لا تنتهي عن أهل السياسة والفن والمال ، وما يفعلونه في بيوتهم ومكاتبهم وحفلاتهم الفاخرة. كأن شهرزاد بعثت من جديد كي تعيد رواية "ألف ليلة وليلة" في ثوب عصري ، ليس لشخص بعينه ، بل لملايين الناس ، ليلا ونهارا.

القاسم المشترك بين قصص "ألف ليلة" الجديدة ، هو الإشارة الدائمة الى المجموعة الصغيرة التي تمسك خيوط اللعبة السياسية: تقرر من يكسب الانتخابات ومن يخيب ، من يحصل على البراءة في المحاكم ومن يدان ، من يربح في سوق الأسهم ومن يخسر.

منذ أوائل 2017 استعمل مؤيدو دونالد ترمب صفة "الدولة العميقة" في الإشارة الى معارضيه. وفي وقت لاحق ، في مارس 2023 ، قال ترمب لأنصاره في مدينة ويكو - تكساس ، بأنه – مثلهم – يؤمن بهذه القصة: "الدولة العميقة ستدمر أمريكا ان لم ندمرها نحن". وفي الشهور التالية ، استخدم هذا التعبير بكثافة في منشوراته الانتخابية ، كما نشر خططا محددة لتدمير "الدولة العميقة" اذا وصل البيت الابيض.

مصطلح "الدولة العميقة" ليس صناعة أمريكية ، فقد ظهر في تركيا ، كي يشير الى مخطط لحماية الجمهورية من انحراف محتمل عن الاتاتوركية. لكن الفكرة ذاتها ، تعود لمنتصف القرن العشرين وظهرت باسم "الحكومة الخفية" او "الحكومة البديلة".

لا اعلم ان كان دونالد ترامب مؤمنا حقا بالفكرة التي روجها كيو-انون. وهذا ليس بعيدا على أي حال. لكن لو تتبعت الخيوط الأولى لقصة كيو-انون بالتحديد ، لوجدتها محاولة لانشاء لعبة الكترونية ، تتيح فرصة لمئات الناس كي يتقمصوا أدوار شخصيات واقعية ، يختبرون من خلالها قدرتهم على ان يكونوا ابطالا خارقين ، او جنودا او جواسيس او رجال سياسة او نجوم سينما او زعماء عصابات او أعضاء في الكونغرس. الذي حصل ان اللعبة خرجت من يد مبدعها ، وأمست تحت سيطرة آخرين ، كما يقول آدم كورتيس ، وهو صانع أفلام وثائقية ، ثم اخذت في التوسع والانتشار ، وباتت جزء من قنوات الدعاية السياسية ، ولم يعد ممكنا ان تقول بضرس قاطع ، انها بقيت على حالها كمنظومة واحدة او باتت عدة منظومات ، تدعي نفس الاسم والسمات وطريقة العمل. وقد ادعى كثير من الناس ، انهم ساهموا في تأسيس "كيو-انون" لكن من يهتم؟.

اعتقد انه ثمة تداخل بين الواقعي والمتخيل. وهو ليس غريبا على الحياة السياسية المليئة بالغموض. في كل بلد ، بل وفي المنظمات التجارية والأحزاب وامثالها ، ثمة مجموعة ترى نفسها حارسة للنظام وأمينة على التقاليد التي تكفل استمراره. هذه المجموعة لا تدير المشهد من وراء الستار ، ولا تتدخل في تعيين او عزل الرؤساء ، لكنها – ببساطة – تراقب المشهد ، وتسعى لتصحيح المسار اذا انحرف السائرون. لعلكم تعرفتم على أمثال هؤلاء في جمعيات عمومية للشركات ، او في مؤتمرات حزبية او في الاكاديميا او لقاءات النخبة او غيرها. فكروا في المسألة وسوف تتعرفون على بعضهم.

الخميس - 05 رَجب 1447 هـ - 25 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5222955

 

مقالات ذات صلة

ابعد من فيلم الجني ومن لبسه
سر الاســرار
الجـن سيــد العالم
البلاد بوصفها "مسرح العرائس"
جزيرة وسط محيط الشر
حكومة العالم الخفية
الذات الجمعية وعقلية القطيع
طرائف الجدل حول الاصلاح
فتش عن الماسوني
المؤامرة والسياسة
هيروهيتو ام عصا موسى؟

العولمة فرصة ام فخ؟

قادة الغرب يقولون دمروا الاسلام ابيدوا اهله

نفوسنا المنقسمة بين عصرين

وهم الصراع بين الحضارات

اليوم التالي لزوال الغرب

وهم الصراع بين الحضارات

18/12/2025

من يصنع هويتك: انت أم الآخرون؟

توصل البروفسور يوناس فريسن ، بمعهد كاروليسكا في ستوكهلم ، الى أن اجسامنا تتغير كل يوم. ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريبا ، خلال فترة تتراوح من 7 الى 10 سنين. خلايا البشرة ، تتجدد كل أسبوعين تقريبًا. وخلايا الدم الحمراء ، تعيش أربعة أشهر. وخلايا الكبد تعيش ما بين 300 الى 500 يوم.

نحن لا نلحظ – على الأرجح – تغيرات اجسامنا. لأننا في الأساس لا نعرف الا القليل عن مئات الملايين من الخلايا ، التي تتألف منها اجسادنا. ولذا لا نلحظ فناء أي منها. لكننا نلاحظ بالتأكيد ان العالم الذي نعيش فيه ، يتغير باستمرار. كما تتغير معرفتنا بهذا العالم. تموت أشياء في ذاكرتنا ، وتحل محلها أشياء أخرى: الناس الذين نلتقيهم ، والتجارب التي نخوضها ، والمعارف التي نكسبها ، وساعات الحزن والفرح التي نمر بها.

  كثير ممن تأمل في مسألة الهوية ، بدأ من هذه النقطة على وجه التحديد ، من سؤال بسيط: أي سر وراء هذا الشعور العميق باستمرارية الهوية؟: نفسي التي عرفتها في الطفولة ، هي نفسي التي أعرفها اليوم ، وستظل معي حتى نهاية العمر. هذه إشارة أولى الى ان شخصيتي ، التي تتغير باستمرار في مسار الحياة ، تنطوي في الحقيقة على ماهية مزدوجة ، أي هويتين او مستويين من التعريف: الهوية الأولى التي تصاحبني منذ ان تعرفت للمرة الأولى على اسمي ولوني وجنسي وعائلتي ، وحتى نهاية حياتي. هذه العناصر تؤثر بعمق على نظرتي لنفسي ونظرة الاخرين لي. والهوية الثانية او المستوى الثاني ، الذي اكتسبته لاحقا من خلال التفاعل مع البشر الذي اتعرف عليهم ، والطبيعة المحيطة بي ، ومن تفكيري في ذاتي وفي عالمي او تفاعلي معه.

سؤال "من أنا" قد يشير الى الوجود المادي للشخص ، مثل كونه ذكرا او أنثى ، شابا صغيرا او شيخا كبيرا. لكن هذه الأوصاف ليست عظيمة الأهمية في ذاتها. انما ترتفع قيمتها أو تهبط ، تبعا لما تنطوي عليه من معان في رأي الناس الذين اتعامل معهم ، أي ما نسميه بالعرف العام. ومن هنا فنحن بحاجة لمعرفة المحيط الاجتماعي للشخص ، والقيم التي يلقيها على كل عنصر من مكونات هويته. على سبيل المثال ، نحتاج لمعرفة الموقف الاجتماعي من المرأة: في مجتمع مثل أفغانستان والعديد من المجتمعات الريفية التقليدية ، لن يسمح للمرأة بمعيشة معقولة خارج بيتها الخاص. اما في المانيا مثلا ، فيمكن لسيدة ان تصل الى منصب رئيس الدولة. هذا يشير الى معنى الفارق الجنسي في ثقافتين مختلفتين ، وما يتبعه من اختلاف جذري في نوع المعاملة للذكر والانثى في هذا البلد او ذاك. كذلك الحال لو كان الشخص ابيض البشرة في مجتمع غالب أعضائه من السود ، أو كان أسود البشرة في مجتمع أبيض. فارق اللون يترتب عليه فوارق في العلاقة بين الفرد والجماعة ، وبالتالي مكانة الفرد فيها وتوقعاته منها. وهذه العلاقة تسهم في تحديد فهم الانسان لنفسه وللمحيط الاجتماعي ، كما تسهم في تحديد الطريقة التي يستعملها الانسان في تقديم نفسه الى هذا المحيط.

يوضح المثال السابق دور (الآخرين) في تحديد القيم المؤثرة في تشكيل الهوية الشخصية. وسوف نتعرف تاليا على حقيقة ان مشاركة كل منا في تشكيل هويته ، مشروطة الى حد كبير بالحدود التي تفرضها البيئة الاجتماعية التي نتعامل معها. خذ مثلا العقيدة التي أدين بها ، واللغة التي أتحدثها ، والتي تؤثر بعمق في طريقة تفكيري واتجاهاته ، وكذا اللباس وطريقة العيش ونظام التعامل مع الناس ، أي مجموعة الأعراف والنظم التي تحدد لي ما يمكن فعله وما لا يمكن. فهذه كلها يستلهمها الفرد من الأشخاص المحيطين به. وبناء على فعل الفرد وانفعاله ، ورد فعل المحيط ، يتحدد موقع الفرد في النظام الاجتماعي والمعايير الناظمة لعلاقته مع الآخرين.

الشرق الأوسط. الخميس - 27 جمادى الآخرة 1447 هـ - 18 ديسمبر 2025  https://aawsat.com/node/5220662  

11/12/2025

بين هويتين .. مغلقة ومفتوحة

 صادفت هذا الاسبوع مقالين: أحدهما "الهوية الإسلامية والمؤامرة عليها" للدكتور ناصر دسوقي رمضان ، وقد نشر في 2009. اما الثاني فهو "الحق في الكرامة والهوية المغلقة" للدكتور عبد الجبار الرفاعي ، ونشر الأسبوع الماضي.

كلا المقالين يعالج مسألة مثيرة للجدل ، تنطوي في سؤال: هل يمثل الدين هوية خاصة لاتباعه ، تنفي الهويات الأخرى او تزاحمها ، ام انه ، على العكس: هوية مفتوحة ، تتفاعل مع غيرها ، او على الأقل تقبل مجاورتها والتداخل معها؟.

عبد الجبار الرفاعي

القائلون بأن الدين هوية متفردة ، يعتبرون السؤال ذاته دينيا. أي ان الهوية ، من حيث المبدأ ، موضوع ديني ، وينبغي ان يأتي تكييفه من داخل الدين. بناء على هذا فان الدين يضع نفسه وأتباعه في دائرة خاصة ، تفصلها حدود واضحة عن بقية الانتماءات ، بما فيها الانتماء العائلي والقبلي والمهني والسياسي والقانوني وغيره. هذه الحدود ليست مجرد اختلاف في الأفكار ، بل مخالفة في النظام الاجتماعي والتراتب وحتى نمط العيش.

أما التصور الثاني فيقود منطقيا الى الاستنتاج ، بان الدين - في ذاته - أداة تواصل او موضوع تواصل بين المختلفين. وفقا لهذه الرؤية فان الانتماء للدين ، يعني ان تصعد الجسر الذي يوصلك الى بقية الخلق ، بشرا ونباتا وحيوانا وجمادا ، من خلال استيعاب النظام الكوني الذي خلقه الله وسخره للإنسان ، والقيم العليا التي يقبلها كافة بني آدم ، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم او بلدانهم.

يركز الفريق الأول على "تمايز" المسلمين عن غيرهم. وهو يصرف هذا التمايز الى مختلف أطراف الحياة. لكنه - في التطبيق – يقصر اهتمامه على التمايز المظهري ، كما في اللباس واللغة والهيئة وأمثالها. وبناء على التمايز ، فانه يرجح الانقطاع او حتى المنازعة ، كمضمون للعلاقة مع المختلفين ، ولا سيما اتباع الأديان التي تبدو منافسة. وفي الوقت الراهن يمثل الصراع مع الغرب الثقافي والحضاري ، مادة أثيرة للنقاش والتعبئة عند أهل هذه الرؤية ، لكنه – لنفس السبب المذكور – صراع يدور حول الجوانب المظهرية ، وليس – على سبيل المثال – الاقتصاد والعلم والابتكار وحقوق الانسان وامثالها. كما ينظر للغرب باعتباره مسيحيا او يهوديا ، أي دينا منافسا ، وليس باعتباره حضارة مختلفة ، يمكن التفاعل معها او الاستفادة من تجربتها.

في المقابل يدعو الرفاعي لهوية منفتحة ، تسمح بمشاركة الاخرين ، بمن فيهم اتباع الأديان الأخرى ومن لا يتبع دينا على الاطلاق. ويرى ان النموذج الذي يعرضه القائلون بتفرد الهوية الدينية ، قد ساهم في تحويل الدين الى أيديولوجيا مغلقة ، أشبه بقلعة ، يتعارف الناس في داخلها ، وينكرون المختلفين الذين في خارجها.

تقديم الدين كهوية منفتحة ، وقادرة على التفاعل مع الهويات والأديان والايديولوجيات المخالفة ، يعني ان الجوانب المظهرية والشكلية ، أي تلك العناصر الحياتية التي تميز المسلمين عن غيرهم ، ليست جزء من جوهر الدين ، بل هي وعاء لحياة اتباعه ، يرتبط بظرفهم المعيشي فحسب.

هذا المفهوم مقبول من حيث المبدأ ، في الماضي والحاضر ، ونعرفه باسم تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد ، وقابلية الاحكام الشرعية للتشكل بحسب ضرورات الظرف الخاص للمكلفين. لكن هذه القاعدة ، أي تأثير الزمان والمكان ، لم تتحول الى قاعدة حاكمة ، بل بقيت هامشية في معظم العمل الفقهي المعاصر. وتظهر هامشيتها في جعل نصوص الكتاب والسنة ، متراسا لمنع التصرف في الاحكام التي لم تعد مناسبة لحاجات المسلمين وضرورات حياتهم المعاصرة. فكلما احتاج المسلمون الى حكم جديد ، بحثوا في منطوق النص وليس في حكم العقل كما يفترض.

اعتقد ان القول بالهوية المنفتحة ، يسنده أصل سابق للدين ، وهو اعتبار التعرف والتعارف وكسب المعرفة ، علة لخلق الناس مختلفين ، كما ورد في التنزيل الحكيم "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". فهل يمكن للدين ان يلغي علة من علل الخلق والتكوين الرباني؟.

الخميس - 20 جمادى الآخرة 1447 هـ - 11 ديسمبر 2025 م

https://aawsat.com/node/5218228

مقالات ذات صلة

أزمة هوية؟
اشكالية الهوية والتضاد الداخلي
 اعادة بناء القرية .. وسط المدينة
الاقليات والهوية : كيف تتحول عوامل التنوع الى خطوط انقسام في المجتمع الوطني
أن نفهم الآخرين كما هم لا كما نتصورهم
بين هويتين
تأملات في حدود الفردانية
تكون الهوية الفردية
جدل الهوية الفردية وتأزماتها
حزب الطائفة وحزب القبيلة
حول أزمة الهوية
حول الانقسام الاجتماعي
الخيار الحرج بين الهوية والتقدم
الدين والهوية ، خيار التواصل والافتراق
سجناء التاريخ
عن الهوية والمجتمع
فيديو : نادر كاظم وتوفيق السيف حول اشكالات الهوية
القبيلة والطائفة كجماعات متخيلة
كيف تولد الجماعة
الهوية المتأزمة


نقاشات الذكاء الصناعي في مرحلة جديدة

  توجهات الذكاء الصناعي وتحدياته كانت محورا بارزا في نقاشات "ا لمنتدى الاقتصادي العالمي" ، خلافا للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده ،...