01/10/2026

التنمية المستدامة.. تأملات في المفهوم

مفهوم "التنمية المستدامة" حديث الظهور في أدبيات التنمية واقتصادياتها. وكان استخدامه - حتى وقت قريب – محدودا في دراسات البيئة. ويبدو لي ان بروزه الأولي جاء ردا على ما يعتقد انه تغول للقطاع الصناعي ، أدى ، بين نتائج أخرى ، الى تقليص القطاع الزراعي ، لا سيما  الزراعة التقليدية والغابات ومصائد الأسماك ، وأضر بالبيئة ونمط العيش في المجتمعات التقليدية. ولذا ركز معظم الداعين للتنمية المستدامة ، في تعريفاتهم الأولية لها ، على صيانة الموارد الطبيعية والنظام البيئي.

وخلال الثلاثين عاما الماضية ، انضم "المناخ العالمي" الى قائمة الأهداف التي تحظى باهتمام دعاة التنمية المستدامة. ولعل اكثر التعريفات شيوعا في الوقت الراهن هو الذي اختارته "اللجنة العالمية للبيئة والتنمية" في تقريرها التأسيسي "مستقبلنا المشترك" ، وفحواه أن التنمية المستدامة هي تلك التي تلبي حاجات أهل الحاضر ، دون الاضرار بالموارد الطبيعية التي تحتاجها الأجيال المقبلة. وينطوي هذا التعريف على مفهومين أساسيين: مفهوم الحاجات ، سيما "الحــاجــات الأساسية لفقراء العالم ، والـتـي يـنـبـغـي أن تـعـطـى الأولوية". ومفهوم القيود التي تفرضها العلاقة الحرجة بين الاستعمال المكثف للتكنولوجـيـا ومتطلبات التجارة ، من جهة ، وبين الموارد المتوفرة فعليا في البيئة الطبيعية ، من جهة ثانية.

لا تخلو التعريفات السابقة من نقاط ضعف ، خاصة فيما يتعلق بالقيود على التقنية ودور الانسان في تحقيق الاستدامة. ولذا سأقترح تعريفا يتلافى نقاط الضعف المذكورة ، حيث يصف النظام المستدام بانه ذلك النظام القادر على إعادة انتاج مقوماته الأساسية ، والاستمرار إلى أجل غير مسمى. إذن فالنظام المستدام ينبغي ان يتسم بالتوازن ، وذلك بالجمع بين :

أ‌)        رعاية حاجات البيئة (أي الموارد الطبيعية ، بتقييد التصرفات المفسدة). و

ب‌) السوق (أي توليد فائض قيمة مناسب للارتقاء بالمعيشة) لتلافي تحويل المحافظة على الموارد الطبيعية الى سبب لافقار السكان. و

ت‌) الجماعة (أي كونه منسجما مع القيم المجتمعية الخاصة بالرفاه والحياة الفاضلة). و

ث‌) توسيع الموارد (أي المراهنة على البحث العلمي في استنباط موارد جديدة وزيادة إنتاجية الموارد الحالية. هذا يجعل التقنية عنصرا حيويا في منظومة الاستدامة ، لكن ليس في تحديد معاييرها واغراضها النهائية).

وبناء عليه فان التنمية المستدامة هي المشروع الذي يستهدف إقامة نظام اقتصادي – معيشي مستدام ، من خلال تحقيق غايتين متعاضدتين:

الأولى:  علاج العوامل التي تعيق او تبطيء التطور الاقتصادي والاجتماعي.

الثانية: انشاء نظام اقتصادي/اجتماعي قادر على تجديد مقوماته والعناصر الضرورية لحياته. وهذا ما نسميه على وجه التحديد "التقدم". ان التنمية الشاملة تستهدف بالتأكيد انشاء المحرك الاجتماعي للتقدم في مجالاته المختلفة.

اعتقد ان العامل الأشد إعاقة للتطور الاجتماعي والاقتصادي ، هو "توهم" العجز عن التقدم. وأقول انه توهم لأننا ننظر الى الحالات والافعال والمعارف كمسائل مقارنة. اننا نتساءل أولا: هل هذا الفعل ممكن ام مستحيل ، ثم ننظر هل فعله احد في العالم ام لا. وبناء عليه نقرر انه ممكن او غير ممكن. حينما نتحدث عن التقدم ، فاننا نستحضر في أذهاننا النماذج المتعارفة في العالم القديم والحديث. فنقول ان مجتمعنا قادر على ان يفعل أي شيء قدر عليه الآخرون ، بما فيه أرقى الصناعات وأدقها واعمق العلوم واوسعها. هذا الايمان تمهيد ضروري للسؤال التالي: اذا كان انسان مثلنا ، في أمريكا مثلا ، استطاع ان يصنع الطائرة ، فما هو  الذي توفر له ولم يتوفر عندنا كي نفعل ما فعل؟.

بعبارة أخرى فان سؤال التنمية يجب ان يبدأ  من ثلاث فرضيات: اولاهما: اننا نستطيع ان نتقدم ، لأن غيرنا استطاع. الثانية: ان هناك معوقات اعاقتنا او أبطأت حركتنا ، وان واجبنا يتلخص في تشخيصها ثم ازالتها. الثالثة: ان هذا السؤال لا يتعلق بالهوية او الايمان ، فلا نبحث له عن جواب ميتافيزيقي ، بل يتعلق بالإنسان والبيئة والثقافة (القيم الاجتماعية) فيجب ان نبحث عن علاجه في هذه الحقول.

الشرق الأوسط الخميس - 20 ربيع الثاني 1448 هـ - 1 أكتوبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5324549

مقالات ذات علاقة

"عجلة التنمية" المتعثرة 
ارامكو واخواتها : الشفافية الضرورية في قطاع الاعمال
تصور جديد للتنمية الاقتصادية
التنمية على الطريقة الصينية : حريات اجتماعية من دون سياسة
الثقافة المعوقة للنهضة
حول "العقار" الذي يمرض ولا يموت!
حول برنامج التحول الوطني
خطباء وعلماء وحدادون
الخيار الحرج بين الهوية والتقدم
ظرف الرفاهية واختصار الكلفة السياسية للاصلاح
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
 العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
 العلاقة الاشكالية بين السوق والسياسة
العولمة فرصة ام فخ ؟
قرش الخليج الابيض
كي نتحول الى دولة صناعية
كي نتخلص من البطالة
متى تملك بيتك؟
المجتمع السري
مجتمع المعرفة لازال هدفا ضروريا
معالجة الفقر على الطريقة الصينية
من دولة الغلبة الىمجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
نحو نماذج محلية للتنمية
النموذج الصيني في التنمية
هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟
مناقشات حول تجربة الصين ، نقاط القوة ونقاط الضعف فيها
 

24/09/2026

مجادلة حول الانسان

في أكتوبر 1971 أقامت جامعة آيندهوفن الهولندية ، مناظرة بين اثنين من أكثر المفكرين إثارة للجدل يومئذ: نعوم شومسكي وميشيل فوكو. وأدارها الفيلسوف الهولندي فونز إلدرز. وقيل يومئذ انها كانت بين أهم اللحظات الفكرية في القرن العشرين.

نعوم شومسكي 

طرحت في المناظرة قضايا عديدة ، في فلسفة العلم والطبيعة البشرية ومفاهيم السلطة والعدالة والأخلاق. ونعلم ان كلا الرجلين ، فوكو وشومسكي ، ينتميان لاتجاه اليسار الداعي للتغيير ، لكنهما في الوقت نفسه ، يقفان على طرفي نقيض تقريبا ، في الموقف من قضايا أساسية في الفلسفة والأخلاق. ولذا قيل ان المناظرة منحت فوكو فرصة نادرة ، لطرح آرائه الأكثر إثارة للجدل ، بطريقة مقنعة وقريبة من الاذهان ، وقدمته خصوصا لجمهور المهتمين بالفلسفة وعلم الاجتماع خارج فرنسا.

والراجح ان الجدل السابق حول آرائه ، هو الذي جعل المناظرة مثيرة للاهتمام ، سيما وان الطرف الثاني ، شومسكي ، معروف أيضا بثقافته الموسوعية وصلابته في النقاش الفكري.

كانت مسألتا الأخلاق والمعارف الانسانية الأساسية ، هما الجانب الذي استحوذ على الجانب الأكبر من اهتمام المتابعين. فالمعروف ان فوكو يميل للتشاؤم إزاء علاقة الانسان بعالمه. ويبدأ هذا بدعوى أثارت جدلا واسعا منذ ظهورها في 1966 ، وخلاصتها ان "انسان العصر الراهن هو اختراع حديث".

مراد فوكو بطبيعة الحال ليس الانسان بشكل عام ، بل الانسان بالمفهوم الذي نتداوله الآن: الانسان الذي هو محور الحق والفكر والايديولوجيا والسياسة والاقتصاد والعلم ، الانسان الذي ينظر اليه كسيد للكون وهدف لكل حركة او اختلاف او اتفاق فيه. لم يعرف العالم هذا المفهوم قبل القرن التاسع عشر. لكن الذي تغير ليس موقع الفرد بالنسبة للجماعة. فالجماعة لازالت – حسب رؤية فوكو – تسير الفرد وتصوغ شخصيته ، من خلال الثقافة واللغة وتقسيم الأدوار وصناعة المعاني ووسائل الإنتاج وطريقة تظهير السلطة والنفوذ. الذي تغير في هذه المعادلة هو فهم الانسان لنفسه ، ثم ترتب عليه تغير اتجاه المعرفة والقيم.

بناء على رؤية فوكو ، يمكن القول ان الانسان اقرب الى نسخة مكررة ، يشكلها المجتمع ومنظومة السلطة التي ينطوي عليها. وحين ينهض بنفسه فسوف يكون تجسيدا للانساق التي تشكلت حولها وعلى أساسها الجماعة ، وليس الشخص الذي يصنع ذاته وأقداره او يؤثر بعمق في محيطه.  ينطبق هذا على انسان ما قبل القرن 19 والانسان المعاصر. لكن هذا التاريخ كان نقطة فاصلة بين مفهومين مختلفين تماما.

خلافا لهذا الموقف ، رأى شومسكي ان فوكو أخطأ أولا في تعريفه لطبيعة الانسان ، حين قرر انه يأتي الى هذا العالم صفحة بيضاء ، لا يعرف شيئا على الاطلاق. ومنذ اللحظة الأولى يتولى المجتمع صياغته وتشكيله. رأى شومسكي ان الانسان يخرج من رحم أمه مزودا ببنية عقلية ، تمكنه من الفهم المتدرج لعالمه ، والتفاعل معه. كما تمكنه من اكتساب أدوات التواصل مع البشر الآخرين ، ولا سيما اللغة والحدس الذي يمكنه من ادراك المعاني المتولدة عن الأفعال. يستطيع الانسان في تلك المرحلة المبكرة تلمس الحرية ، بل وممارستها حيثما اتيحت الفرصة. هذه البنية هي التي مكنتنا من فهم العالم الذي نحن فيه ، واكتشاف بدائله ، وتغيير ما يمكننا تغييره. لولا قابلية استيعاب الواقع وبدائله ، ولولا قابلية التغيير عند الانسان ، لبقي العالم على صورته التي عرفها أقدم أسلاف البشر.

ومن هنا فان الحديث عن تغيير العالم نحو صورة أفضل مما ورثناه ، ليس شكلا من اشكال التوهم الآيديولوجي ، كما رأى فوكو ، بل هو دعوة للإنسان كي يكتشف جوهره الخلاق ويحرر طاقاته المبدعة. عندها سيعيد صياغة عالمه ، على النحو الذي يحقق غاياته في تلك اللحظة. هذا خلق جديد وليس مجرد تأكيد لرؤية الاسلاف ، كما يفهم من رؤية ميشيل فوكو. ولذا يمكن الادعاء بان الانسان ليس مجرد تكثيف لحقيقة الجماعة التي ينتمي اليها ، بل هو أقرب الى جسر بين عالمها وعالم جديد لا زال في رحم الغيب. هذا العالم الجديد يصنعه الأفراد ، لأنهم في الجوهر ذوات عارفة ومتحولة ، تتطلع دائما الى ما وراء المشهد.

الشرق الأوسط الخميس - 12 ربيع الثاني 1448 هـ - 24 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5321894

مقالات ذات صلة

"اخبرني من اثق به..."
 اصلاح العقل الجمعي 
الاموات الذين يعيشون في بيوتنا
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
  حكم الآلات 
العقل المساير والعقل المتمرد
عقلك المحافظ وعقلك المتمرد
ما رايك في ماء زمزم؟
هل جربت صنم الكهف؟

17/09/2026

الرؤية النسبية صالحة للتحليل.. ولكن..!

 مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق ، انها تؤول - منطقيا - الى العدمية. والنسبية ، كما ذكرت في مقال سابق ، هي المذهب القائل بأنه لا توجد قيم واخلاقيات او معارف متعالية ، أي ثابتة عبر الزمان والمكان. وفقا لهذه الرؤية فان قيما مثل العدل والحرية والاخوة والاحسان والنظام ، لها مفهوم خاص بكل جماعة او بلد او زمن او دين ، فلا تعد معيارا عاما يلزم الجميع. والسبب في ذلك انها منتجات بشرية ، تتأثر بما يحمله المنتجون من معارف وتجارب ، وما يعتقدونه من قيم وقواعد عيش.

لو أخذنا هذه الرؤية الى نهاياتها المنطقية ، فسوف توصلنا لاستحالة وصف الأفعال بالحسن او القبح ، أو العدل والظلم. لأن ما تعتبره ظالما ، قد يعد في زمن آخر ، او مجتمع آخر ، فعلا عاديا. وما تعتبره حسنا قد يراه الآخرون قبيحا. وهكذا تتحول القيم والمفاهيم الرفيعة ، الى مجرد آراء أو اعراف محلية ، لا أكثر.

ربما يرى بعض القراء هذا الموقف طبيعيا. لأننا نعرف أفعالا كثيرة عدها الاقدمون عادية ، بينما نراها اليوم ظالمة وقبيحة ، مثل تجارة البشر ، والاخذ بالثأر ، والغارات على المدن والاقاليم الخارجة عن سلطتنا.. وأمثال ذلك.

لكن دعنا نتذكر أيضا أن البشرية لا تستغني عن القيم المتعالية. وكمثال ، فان اتفاق أمم العالم المعاصر على المنظومة المسماة بالقانون الدولي ، هو الذي جعل حياة البشر آمنة ، ووفر الحماية للاجيال الحالية والقادمة من القتل والعذاب. ومنها مثلا المواثيق الدولية التي تنظم سلوك الجيوش في الحرب ، والتي تحرم الإبادة وتدمير الموارد الضرورية للحياة ، وقتل الاسرى والجرحى والمدنيين ، وكذا مواثيق حقوق الانسان ، ومثلها اتفاقيات التجارة الدولية ، واتفاقات المحافظة على المناخ والبيئة. فهذه وأشباهها ، عقدت وأقيمت على القاعدة الفلسفية ، القائلة بأن هناك مجموعة من القيم العليا لا بد ان يتوافق عليها البشر ، ومنها العدل وصيانة الحياة الإنسانية ، واحترام الحقوق الأساسية لكافة الناس ، وشراكة البشر في موارد الكرة الارضية.. الخ. هذه القيم باتت – مع اتفاق الأمم عليها - مسلمات حقيقية قائمة بذاتها ، وهي كونية ، بمعنى انها عابرة للازمان والثقافات والجغرافيا ، يلتزم بها الجميع ويحترمها الجميع.

ومنذ قديم الزمان ، تنبه الفلاسفة الى مشكلة القول بالنسبية الأخلاقية. فذهب أرسطو الى ان الاخلاق والقيم العليا قائمة خارج الوعي ، وان كل انسان يتلقاها مثلما يتلقاها غيره. وان لها صورة واحدة صحيحة  في كل الأزمان ، وكل صورة أخرى هي دعوى كاذبة. وبعبارة أخرى ، فان على الانسان ان يأخذ بما هو متعارف من الفضائل فيطبقها على نفسه وحياته ، وليس متوقعا ان يسعى لتعديلها او استبدالها ، بل حتى مساءلتها أو مجادلتها او التشكيك في صوابها ، لأنها متعالية على الوقائع وآراء الناس.

والتفت الفلاسفة المسلمون الى تلك المشكلة أيضا. لكنهم وجدوا ان القول بعدم وقوع القيم والأخلاق في نطاق اختيار الانسان ، يفتقر الى دليل قوي قادر على حمل مؤونتها الثقيلة. فذهبوا – كما ذكر الشيخ محمد رضا المظفر – الى ان أيا من هذه القيم ، ليس من نوع البديهيات التي تحمل دليلها في ذاتها ، ولا هو مما يمكن اثباته بدليل قبل انشائه ، بل هي من نوع الاجماعات الممتدة ، أي تلك التي اتفق الناس على صحتها وضرورتها ، في مختلف الازمان والامكنة ، وقبلوها على هذا النحو ، حتى لو لم يكن لديهم دليل عليها ، سابق لوجودها وظهور نتائجها. وانما اجمعوا عليها بعدما اكتشفوا ضرورتها لسلامة الانسان وصون كرامته.

هذا إذن الموقف المقابل للنسبية ، التي لا شك في سلامتها من حيث الأساس ومن حيث التحليل. لكن يصعب جدا اعتبارها منهجا وحيدا لتحديد قيمة الاخلاقيات والمفاهيم ، سيما ما تعارف البشر على كونه مجردا متعاليا.

الشرق الأوسط الخميس - 06 ربيع الثاني 1448 هـ - 17 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5319256

مقالات ذات صلة:

اخبرني من اثق به

تأملات في حدود الفردانية
العقل العملي
العقل المساير والعقل المتمرد
عن العالم المحبوب
مجتمع العقلاء
 مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
تكون الهوية الفردية
حول الانقسام الاجتماعي
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
العقل المؤقت
كهف الجماعة
لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي

10/09/2026

عقلك المحافظ وعقلك المتمرد

يبدو ان استشهادي بآراء ميشيل فوكو في مقال الأسبوع الماضي ، قد أخذ الفكرة نحو منحى النقد الموجه لهذا الفيلسوف ، لا سيما القول بان تنظيره يؤول في نهاية المطاف الى رؤية عدمية ، وفي احسن الأحوال نسبية مغالية.

ميشيل فوكو  (1926 - 1984)

وكلا الرؤيتين موضع نقد عند الأخلاقيين. أما العدمية فهي (بتبسيط شديد) تنفي كل الثوابت. فليس ثمة معرفة يقينية ، ولا معنى مطابقا لموضوعه ، ولا حقيقة قائمة بذاتها ، ولا قيمة يمكن الاستناد اليها كمعيار قطعي. ومن هنا فما نظنه غاية او فضيلة أخلاقية ، هي مجرد اعتبارات صنعناها. فاذا تخلينا عنها ، انتهى وزالت قيمتها.  كأنها موضات الملابس وموديلات السيارات ، التي لها قيمة طالما اقبل عليها الناس ، فاذا تركوها بعد زمن ، ذهبت للهامش. وعليه فلا يوجد فعل صائب وفعل خطأ ، لأنه لا يوجد معيار قطعي نعتمده في التمييز بين هذا وذاك. خلاصة الرؤية العدمية إذن ، انه لا شيء يستحق الاهتمام ، ولا شيء يستحق الغضب.

اما النسبية فهي لا تنفي الثوابت ولا القيم العليا ، بل تعاملها كثوابت محلية. أي أنه لاتوجد قيمة كونية اسمها العدل او الحرية او الاخوة او الاحسان او النظام. بل لكل جماعة او بلد او زمن او دين ، مفهوم خاص للعدل ، قد يشبه مفهومه عند الجماعات الأخرى والازمنة الأخرى أو يخالفها. وكذا معاني الأفعال والصواب والخطأ.. الخ. وهذا يخالف ما تعارفت عليه مختلف الثقافات ، من وجود مجموعة محددة من القيم المجردة ، متعالية على كل الثقافات وعابرة للازمان ، وهي علامة ضرورية لتعريف الوجود الإنساني وتمييزه عن بقية المخلوقات. ان قيما مثل العدل والإحسان والكرم والتكافل والحرية والنظام ، ليست مشروطة بزمن بعينه او دين اوجماعة او حضارة بعينها. بل هي صحيحة دائما وضرورية دائما ، ولولاها لفقدت الحياة الإنسانية ابرز معانيها.

ويقول دارسو فلسفة ميشيل فوكو ، انه لم ينكر عالمية القيم ، ولا يصح وصفه بالنسبية فضلا عن العدمية. لكنه أراد توجيه الأنظار الى الأهمية الكبرى لتاريخ المعرفة ، وخيوط التجربة التاريخية التي تسهم في تشكيل الواقع ، حتى لو لم نلتفت لتأثيرها ، في الوقت المناسب. كما أراد توجيه الباحثين للتحول الجوهري في طبيعة السلطة الحديثة ، التي ما عادت تمارس العنف العاري على طريقة الدولة القديمة ، بل استبدلته بتنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل ، على نحو يرضي الغالبية ، لكنه في الوقت نفسه ، يقلص استقلاليتهم ، ويحول المجتمع الى ما يشبه ماكنة انتاج كبيرة ، يعمل كل جزء فيها بطريقة ميكانيكية او شبه ميكانيكية ، من دون ان يتوقف أحدنا يوما ليسأل: هل هذه هي الحياة التي أردت ان أعيشها حقا؟.

وأرى ان فوكو قد أصاب في رؤيته لتاريخ المعرفة ، وتحول المفاهيم وانتقالها من حقل دلالي الى آخر ، وتأثير الظروف الحياتية على فهم المجتمعات لذاتها ، والمعاني المرتبطة بأفعالها. لكن لعله بالغ في التقليل من دور "العقل المنشيء" حسب تعبير اندريه لالاند (1876-1963) او العقل النظري بتسمية الفلسفة القديمة. وفقا لرؤية لالاند ، الفيلسوف الفرنسي المعاصر ، يقوم "العقل المنشيء" بدور المراقب والناقد لمحتويات الذاكرة ، أي ما استقر في ذهن الانسان وبات قاعدة للتفكير.

في كل عقل انساني ثمة جانب "مالنشيء" يبتكر الحلول الإبداعية ويحرر الانسان من أسر القناعات القديمة والمسلمات الاجتماعية. لولا هذا العقل المتمرد ، لما وجدت فكرة جديدة ، وما وجد ابداع يخالف السائد. ويشهد تاريخ البشرية ان الانسان لم يتوقف يوما عن التغيير والابداع. وهذا بذاته دليل على ان العقل الذي صنعته التجربة التاريخية والمحيط الاجتماعي (وفق تصوير فوكو) ليس قدرا ولا هو صورة نهائية. فهو رغم قوته ورسوخه ، لا يستطيع مجابهة العقل الآخر (المنشيء).

السؤال اذن ، ليس ما اذا كانت رؤية فوكو صائبة ام خاطئة ، بل ما اذا كان الانسان يسمح لعقله المنشيء بالقيام بدوره المفترض ام لا.

الشرق الأوسط الخميس - 29 ربيع الأول 1448 هـ - 10 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5316618

مقالات ذات صلة:

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
الانشغال بالعلم والانشغال بالجن
تبجيل العلم مجرد دعوى
تعقيب على استاذنا البليهي
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الحكم اعتمادا على العقول الناقصة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المؤقت
العقل العملي
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل في المرحلة الأوروبية
عودة الى نقاش الدور التشريعي للعقل
كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي"
لماذا يرفضون دور العقل؟
ما رايك في ماء زمزم؟
مشكلة الثقافة الدولتية
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

03/09/2026

حكم الآلات

 في 2002 اقترح ديفيد بلانكيت ، وزير الداخلية البريطاني السابق ، مشروع قانون يلزم المواطنين بحمل بطاقة تعريف شخصية ، تتضمن أسماءهم وصورهم وعنوان سكنهم. وبريطانيا واحدة من 11 دولة لا تلزم مواطنيها بحمل هوية تعريف داخل البلاد. وقال الوزير يومئذ ان القانون ليس ضرورة أمنية فحسب ، فهو يرمي في الاساس الى توفير قاعدة بيانات موثوقة ، للتخطيط الاجتماعي والاقتصادي. اثار المشروع جدلا عنيفا في وقته ، وقد اقره البرلمان في 2006 بعدما أجريت عليه تعديلات جوهرية. لكن الاعتراض عليه تواصل ، حتى تراجعت عنه الحكومة وقررت الغاءه في 2010.

ان السبب الرئيس للمعارضة الواسعة لذلك القانون ، هو خشية الناس من تسلط مديري قواعد المعلومات ، على تفاصيل حياتهم. جرى هذا الجدل عندما كان انتشار الانترنت محدودا نوعا ما. ولا شك ان ذلك القلق بات اكثر مصداقية في هذه الأيام. فالشركات التي تملك شبكات الانترنت أو تدير منصات التواصل الاجتماعي ، فضلا عن الحكومات ، تعرف بدقة تفاصيل حياة كل منا ، اصدقاءه ، وضعه الصحي والمعيشي ، هواياته ونوعية الملابس التي يشتريها ، والبلدان التي يسافر اليها والكتب التي يقرأها ، والعشرات من التفاصيل التي لا تخطر على بالك. ولذا قيل ان الحروب القادمة ، ستدار من وراء الشاشات ، وليس على متن الدبابات والطائرات. ولعل بعض القراء يذكرون الجدل الذي أثاره قرار الحكومة الأمريكية حظر منصة التواصل الاجتماعي "تيك توك" في 2020 ، بعدما ظهرت معلومات تدعي ان شريحة معتبرة من جنود الجيش الأمريكي وموظفي الحكومة وعائلاتهم ، تستعمل التطبيق الذي تديره شركة صينية ، وان هذا جعل الجيش مكشوفا للمخابرات الصينية. ان اهتمام الحكومة الامريكية بهذا التطبيق ، ينبع من فهمها لقدرة منصات التواصل ، على اختراق تفاصيل الحياة الشخصية لمستخدميها ومن حولهم ، حتى لو حاولوا التكتم.

عند هذه النقطة ، لعل بعض القراء قد بدأ يتساءل: هل نتحدث عن رؤية ميشيل فوكو (1926-1984) لمكانة الانسان في العالم الحديث؟.

الواقع انني قد سألت نفسي هذا السؤال أيضا ، بعدما قرأت تصريحا لرئيس ميكروسوفت السابق بيل غيتس في الأسبوع الماضي ، يحذر فيه من خطر وشيك يتمثل في الذكاء الصناعي المنفلت. ولفت نظري في تصريحه نقطتان: تحذيره من انجذاب الأطفال بشكل تام لمنصات الذكاء الصناعي وماتوفره من بيانات ، وإمكانية استخدامه من جانب جهات غير موثوقة ، وربما إجرامية ، للسيطرة على الآخرين والتحكم في حياتهم او ابتزازهم.

تدور رؤية ميشيل فوكو حول علاقة المعرفة بالسلطة ، وتأثير أنواع المعارف التي يتلقاها الفرد خلال تجربته الحياتية ، على توجهاته وخياراته. وهو يرى ان القوى المهيمنة في عالم اليوم ، ليست مهتمة بالعقاب والتحكم الخشن في الأفراد ، بل هي تمارس واقعيا التحكم اللين ، الذي يساهم فيه الافراد بمحض اختيارهم ، بل ربما يراه بعضهم شيئا محببا ، رغم انه ينتهي بجعل خياراتهم واراداتهم ، في ايدي أشخاص آخرين. الم يبد جان جاك روسو عجبه من انسان هذا العصر "الذي مشى برجليه الى سجن القانون"؟.

القوى المهيمنة تسيطر على حياة الافراد من خلال التنظيم المتقن للمجتمع ، التنظيم الذي يحدد موقع كل فرد في النظام الاجتماعي والاقتصادي ، ويلقنه ما يكفي من المعارف لجعل هذا التموضع مريحا ومقبولا .

الانسان المعاصر – وفقا لهذا التقدير - مجرد رقم في السجلات الضخمة المخزونة في أنظمة الكمبيوتر ، وليس زيدا او احمد او عبد الله. وماذا يهمهم من اسمك او اسم ابيك ، فانت مجرد مستهلك لبعض السلع او منتج لسلع أخرى ، المهم هو ما تفعله وليس وجودك بذاته. المهم ان تتقبل المكان الذي جرى تحديده كموضع مناسب لك ، وان تراه نعمة لا ينبغي انكارها او التفكير في بدائلها.

الا يبدو أننا نعيش في ظل حكومة الآلات ، او قريبا منها؟

الشرق الأوسط الخميس - 21 ربيع الأول 1448 هـ - 3 سبتمبر 2026 م   https://aawsat.com/node/5314095

 

 

 

 

 

 

27/08/2026

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة (11-أغسطس) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص في تفاقم اعتماد الباحثين والطلبة ، على منصات الذكاء الصناعي في كتابة ابحاثهم ، بدل الاتكال على جهدهم ا لخاص. هذا السلوك جعل من العسير التمييز بين الاذكياء الجادين ، وبين الاغبياء الذين لا يبذلون جهدا ، ولا يؤمنون بقيمة البحث العلمي. خلاصة ما يدعو اليه الغذامي في ذلك المقال ، هو اختبار الطريق الذي يسلكه الباحث في بحثه ، بدل الانشغال بالنتائج التي توصل اليها ، حتى لو انتهى بحثه بنتائج لا ترضي توقعاتنا.

د. عبد الله الغذامي

ويقول الغذامي ان الثقافة العامة في مجتمعنا تميل للاحتفاء بالنتائج ، بغض النظر عن الطريق الذي أدى اليها. واظن ان معظمنا يعرف هذه الحقيقة. الأمهات خصوصا ، يبذلن جهدا فائقا في مساعدة أطفالهن على حل الواجبات المدرسية والمذاكرة معهم ، كي يضمنوا علامات عالية في الاختبار. وهن يعلمن أيضا عن الأموال الكثيرة ، التي تصرف على الدكاكين المتخصصة في تصميم وطباعة الملصقات والوسائل التعليمية التي تطلبها المدرسة من التلاميذ. هذه الطرق تعطيهم علامات عالية تبرر الاحتفال. لكن هل تعطينا باحثا جيدا ، مستعدا ليسهر ليله في علاج مسألة غامضة ، او اختبار تقنية جديدة؟.

ثم قرأت مقال الأستاذ سلمان الجشي بصحيفة عكاظ (23-أغسطس) والذي قدم فيه تصورا عن معنى ان يكون البلد متقدما. وقد وجدت فيه اثارة مهمة ، تأخذ رؤية الغذامي الى مساحة أوسع ، اعني تطبيق الفكرة على المسار الحياتي او التنموي لمجتمع بأكمله.

من تمام الفائدة الإشارة الى ان عالم سياسة امريكي معروف ، هو روبرت دال (1915-2014) كان قد تبنى مفهوما مقاربا ، هو التحليل الاجرائي Procedural Analysis   الذي جعله أساسا لنظرية متكاملة ، في فحص وتقييم كفاءة المجتمع السياسي. وينطلق البروفسور دال من فرضية ان الصورة النهائية لأي مجتمع سياسي ، قد تكون خداعة ، لأنها تحجب عن اعيننا المراحل السابقة لظهور الناتج في الشكل الذي شاهدناه. بدلا من هذا يقترح الرجل عددا من المعايير الرئيسية ، التي ينبغي التحقق من وجودها ، في الطريق الذي يسلكه المجتمع ، خلال سيره نحو غايات التنمية السياسية. ويرى ان الوفاء بتلك المعايير شرط للتحقق من قيمة العمل ، حتى لو لم يبلغ النتائج المرجوة.

نحن إذن أمام رؤيتين:   

رؤية سائدة تهتم بجودة الناتج ، سواء كان بحثا علميا او منتجا صناعيا او زراعيا ، او برنامج عمل أو مشروعا اجتماعيا.  

رؤية تهتم بالطريق الذي أوصلنا لتلك النتيجة ، حتى لو خالفت توقعاتنا.

دعني اطبق هذا المنهج على موضوع التنمية الصناعية ، الذي تعرض له مقال الجشي. خذ مثلا البتروكيمياويات وهي أعلى منتجاتنا قيمة. يبلغ عمر هذه الصناعة أربعة عقود تقريبا. ونجاحها محل اعتزاز وفخر للمملكة وأهلها. نعلم انها بدأت بالاعتماد على تقنيات مستوردة ، وخبراء وبرامج تشغيل أجنبية. فهل لا زالت كذلك ، ام اننا نوفر تلك الحاجات بالاعتماد على الموارد الوطنية. واذا كان الشريك الأجنبي لازال حاضرا ، فكم هي نسبة الاعتماد عليه. بعبارة أخرى: لو انحلت الشركة التي اشترينا منها معدات المصنع وتقنياته ، فهل نستطيع تسييره بالاعتماد على الموارد المحلية؟. هذا السؤال وارد بالنسبة لمصانع الأجهزة المنزلية وقطع غيار المركبات أيضا.

ان تحولنا الى اقتصاد صناعي يتطلب امتلاك دورة التصنيع الكاملة ، او معظم اجزائها ، وليس فقط الأرض والمدخلات وراس المال. يجب ان نسأل قادة الصناعة في بلادنا: ما هي درجة انكشاف القطاع الصناعي على الخارج ، أي ما هي درجة اعتماده الحرجة على التقنيات والمكائن والخبرات الأجنبية. هذا تطبيق واحد للفكرة السابقة وفحواها ان العبرة بالطريق الذي اوصلنا الى النتيجة وليس النتيجة ذاتها ، حتى لو جرت عادتنا على الاحتفاء بالنتائج فحسب.

الشرق الأوسط الخميس - 14 ربيع الأول 1448 هـ - 27 أغسطس 2026   https://aawsat.com/node/5311573

مقالات ذات صلة

كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي
نافذة على فلسفة كارل بوبر
حول القراءة الايديولوجية للدين
نافذة على مفهوم "البراغماتية"
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟

20/08/2026

حول "العقار" الذي يمرض ولا يموت!

 قرأت قبل مدة ، كتاب "الثقافات وقيم التقدم" الذي حرره لورانس هاريزون وصمويل هنتنجتون. أراد المحرران الإجابة على سؤال حرج في نقاشات التنمية: هل للثقافة العامة دور مؤثر ، في إنجاح او إعاقة مشروعات التحديث الاقتصادي والاجتماعي؟.

كانت نظرية التنمية الكلاسيكية تتبنى اتجاها معاكسا ، خلاصته أن الثقافات التقليدية ، لن تصمد أمام تيار التحديث  القادم على متن قطار التنمية الاقتصادية. لكن تجارب التنمية في العديد من المجتمعات غير الصناعية ، أظهرت ان هذه الرؤية لم تكن صائبة تماما ، على رغم القبول الإجمالي بأن الحراك الاقتصادي يؤدي  قطعا لتحولات ثقافية واجتماعية.

بعبارة أخرى ، فان أي ثقافة موروثة لن تنجو من التغيير ، اذا بدأ الاقتصاد الوطني في التحول. لكن هذا لا يجيب على السؤال الجدي: هل ستنجح التنمية المستدامة ، اذا تعرضت لتحدي الثقافة العامة التقليدية؟. بات هذا السؤال اكثر إلحاحا في السنوات الأخيرة ، لا سيما بعد اخفاق العديد من التجارب التنموية ، جزئيا او كليا.

بين المساهمين في الكتاب "ماريانو جروندونا". وهو صحفي وباحث من الارجنتين. ولفت نظري تحليله لمفهوم "الثروة" في نوعين من المجتمعات: المجتمعات التي تسودها ثقافة تعارض التغيير ، والمجتمعات التي تسودها ثقافة ترحب بالتغيير.

يقول "جروندونا" ان النوع الأول من المجتمعات ، ينظر للأصول المادية المتوفرة بالفعل ، كتجسيد حقيقي للثروة. اما النوع الثاني ، فيرى ان الثروة الحقيقية ، هي تلك التي لم توجد بعد. وكتطبيق لهذه الرؤية ، فان المجتمعات التقليدية تنظر للارض وما تجود به وما يرتبط بها ، كجوهر للثروة. هذا الفهم شائع جدا في الاقتصادات الزراعية. وحتى لو تحولت للاقتصاد الحديث ، ستبقى الأرض والمتاجرة بها ، رمزا اعلى للثراء. المجتمع التقليدي يؤمن حقا بمقولة ان "العقار يمرض لكنه لا يموت". ولعل كثيرا منا قد سمع هذه العبارة او مثيلها. وهي تعبير عن ربط الثقافة التقليدية بين  العقار والثروة.

اما المجتمعات المتقدمة ، فهي ترى الثروة الحقيقية كامنة في الابتكارات الواعدة ، ولا سيما تلك التي تحول المعرفة الى ثروة مادية. أي ما نسميه اقتصاد المعرفة. سواء كانت أبحاثا واعمالا إبداعية ، او كانت تقنيات تحول المادة الميتة الى منتج مفيد ، مثل كل الأجهزة التي نستعملها اليوم.

بشكل عام فان المجتمعات المقاومة للتغيير ، تنظر لما جربه اسلافها كمخزن للقيم. بينما المجتمعات التي تؤمن بالتغيير ، تفكر دائما في ابداع أشياء لم يجر تجربتها من قبل.

دعنا الآن ننظر في تطبيق واقعي لهذه الرؤية في عالمنا المعاصر. لقد أجريت بحثا عن اغنى 20 شخصا في العالم ، في ثلاث سنوات ، هي 1976 ، 2000 ، 2024. خلال هذه السنوات كلها ظهر شخصان فقط ، صنعا ثروتهما من العقارات. اما البقية ، في جميع الفترات ، فالفضل في ثرواتهم يرجع للصناعة والمعلوماتية والخدمات التقنية والهندسية. بلغت ثروة هؤلاء 406.5 مليار دولار في 2000 ، تضاعفت الى 2.37 ترليون في 2024. ربما يسأل احد القراء عن نصيب العرب من هذه الثروات ، والجواب انه لا يوجد أي عربي على قائمة ال 20 الاغنى خلال كل تلك الفترات. لان اغنياء العرب يؤمنون بمقولة ان "العقار يمرض ولا يموت" ولذا ركزوا استثمارهم على الأرض وتفريعاتها. بينما ذهب الآخرون بالثروة الحقيقية ، التي تأتي من طرق أبواب الغيب وكشف حجابه ، بسلطان العلم والبحث في الأنفس والآفاق ، وتسخير الطبيعة.

اني اسوق هذا الحديث طمعا في اقناع أصدقائي الشباب ، للنظر حقا في مصادر الثروة الحديثة. ولا سيما المعارف القابلة للتحويل الى ثروات. تاريخ الانسان المعاصر ، يشهد ان المعارف الجديدة والابتكارات المستندة الى العلم ، هي الصانع الأعظم للثروات والنجاح ، حتى لو أصر الكهول أمثالي على ان العقار هو الرمز الحقيقي للثروة. انه مجرد وهم ، وما أكثر أوهامنا التي ينبغي للأجيال الجديدة ان تلقيها في البحر أو تذروها في الريح.

الشرق الأوسط الخميس - 07 ربيع الأول 1448 هـ - 20 أغسطس 2026 م

https://aawsat.com/node/5308998

مقالات ذات علاقة

06/08/2026

الوجه الآخر للكارثة

 ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخلاصها من تلك الكارثة. لقد انقضى 36 عاما على هذا الحادث ، لكن ذكراه هذا العام تأتي مختلفة بعض الشيء ، فهي تجري في أجواء حرب ، طال شرارها معظم الدول التي تضررت – مباشرة او غير مباشرة – من الحرب الأولى.

حرائق آبار البترول الكويتي خلال الاجتياح

احتمل ان مرور زمن طويل نسبيا على أي حدث ، ينسي الناس تبعاته. كما ان شريحة واسعة من الجمهور النشط حاليا ، أي جمهور الشباب ، لم يعاصره ، ولذا فقد تكون ذكرياته منقولة وليست تجربة فعلية. مع هذا فالمؤكد اننا لا نستغني عن التوقف بين حين وآخر ، كي نسأل أنفسنا: هل أخذنا ما يكفي من  الدروس؟.

الدكتور محمد الرميحي والأستاذ عبد الرحمن الراشد ، تحدثا صراحة او ضمنيا عن حاجة لمراجعة ما فعلناه بعد الاجتياح. لا أشعر بالقلق من احتمال أن تتكرر تلك الكارثة. لقد تغير العالم على نحو يجعل احتمالا كهذا مستبعدا جدا. مع ذلك فعلينا ان نعمل بجد ، لجعل هذا الاحتمال ممتنعا ، وأن نستثمره كدافع لتعزيز البناء الداخلي لمجتمعاتنا ، كي نعالج أمراضنا الأخرى. الحروب والكوارث ، مثل الانتصارات الكبرى والنجاحات الاستثنائية ، يمكن ان تتحول الى محركات للنهوض العلمي والاقتصادي ، إذا استثمرت في هذا الاتجاه.

لقد بات أمرا مسلما ان الحرب التي يكرهها الجميع ويخشاها الجميع ، يمكن ان تكون محركا فعالا لاختراقات تكنولوجية. ويذكر جوناثان ستريكلاند ، وهو كاتب متابع لتطور التقنية ، عشرات من الاختراقات العلمية الكبرى التي ترجع في المقام الأول لضغط الحاجة العسكرية ، لا سيما في حقبة الحرب الباردة (1944-1990) ثم تحولت للاستعمال المدني. نعرف مثلا ان الطائرات النفاثة طورت أولا كأدوات قتال ، ومثلها نظام تحديد المواقع الجغرافية GPS وأنظمة الاتصالات اللاسلكية كالهاتف الجوال ، وكذا الانترنت والأجهزة الموجهة عن بعد كالروبوت والطائرات المسيرة والسيارات ذاتية القيادة ، وتقنيات الليزر وطب الطوارئ ، والذكاء الصناعي وتقنيات المعادن الفائقة ، والأغذية العالية التركيز ، والمئات من التطبيقات التي نعتمد عليها في حياتنا اليوم. ولعل بعض القراء يعلمون ان أوكرانيا طورت خلال حربها الراهنة مع روسيا ، نظاما فعالا لمقاومة الطائرات المسيرة ، فضلا عن أنواع من المسيرات الحربية التي لم تعرفها قبل ذلك. لاحقا ، بعد انتهاء الحرب ستتحول هذه المنظومات للتطبيقات المدنية ، او تكون قاطرة لصناعات تقنية جديدة.

حسنا.. لا نحتاج لخوض الحروب كي نتطور. كما ان قيامها يأتي بمشكلات كثيرة. لكن ما ادعو إليه هو استثمار الفرصة. واظنها قائمة ، بالنظر للتوتر في الجوار الإقليمي. الامر ببساطة على النحو التالي: نفترض ان حريقا شب في دكانك. فقد تصرف عمرك في الركض وراء شركة التأمين لتعويضك ، أو ربما تفكر في عدد المحلات التي يمكن ان تحترق ، وما إذا كانت تهديك فرصة لتجارة المواد المقاومة للحريق ، او معدات الإطفاء والتدريب على السلامة ، أو ربما تطوير معدات وأجهزة لتقليل آثار الحريق. هذه كلها فرص ظهرت من العدم ، لأن أزمة صغيرة قد اندلعت ، وهي حريق الدكان.

ليس لدي أفكار جاهزة. لكنني أدعو لاستثمار أجواء الحرب الحالية في دعوة الناس للتفكير. ان طرح المسألة للنقاش العام ، سوف يحرك أذهان الكثير من الشباب لابتكار أشياء جديدة. ولعل بعضهم لديه شيء ما ، لكنه لم يجد الفضاء المناسب لطرحه على المعنيين.

أرى شبابنا من طلاب المدارس الثانوية والجامعات ، يشاركون بحماس في المنافسات العلمية الدولية ، ويحصلون على جوائز. فماذا لو فكرنا في منافسة على المستوى الوطني او الإقليمي ، ليس لنيل جائزة ، بل للمساهمة في تطوير العلم والتقنية ، والاسهام في النهضة الكبرى التي تطمح اليها مجتمعاتنا كلها. الجائزة لن تكون كأسا من الكريستال ، بل دخولا الى دائرة أصحاب الملايين ، من رواد الاعمال وصناع النهضة. فهل سنرى مبادرة كهذه؟.

الشرق الأوسط الخميس - 22 صفَر 1448 هـ - 6 أغسطس 2026 م   https://aawsat.com/node/5303913

مقالات ذات صلة

لا تقتلوا أفكاركم الجديدة
درس الكارثة: نظام عربي للاستحابة العاجلة
مخيم اليرموك
مسارات للتفكير في تحولات العالم بعد الوباء
"الفرج بعد الشدة"

 

 

التنمية المستدامة.. تأملات في المفهوم

مفهوم "التنمية المستدامة" حديث الظهور في أدبيات التنمية واقتصادياتها. وكان استخدامه - حتى وقت قريب – محدودا في دراسات البيئة. ويبد...