17/09/2026

الرؤية النسبية صالحة للتحليل.. ولكن..!

 مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق ، انها تؤول - منطقيا - الى العدمية. والنسبية ، كما ذكرت في مقال سابق ، هي المذهب القائل بأنه لا توجد قيم واخلاقيات او معارف متعالية ، أي ثابتة عبر الزمان والمكان. وفقا لهذه الرؤية فان قيما مثل العدل والحرية والاخوة والاحسان والنظام ، لها مفهوم خاص بكل جماعة او بلد او زمن او دين ، فلا تعد معيارا عاما يلزم الجميع. والسبب في ذلك انها منتجات بشرية ، تتأثر بما يحمله المنتجون من معارف وتجارب ، وما يعتقدونه من قيم وقواعد عيش.

لو أخذنا هذه الرؤية الى نهاياتها المنطقية ، فسوف توصلنا لاستحالة وصف الأفعال بالحسن او القبح ، أو العدل والظلم. لأن ما تعتبره ظالما ، قد يعد في زمن آخر ، او مجتمع آخر ، فعلا عاديا. وما تعتبره حسنا قد يراه الآخرون قبيحا. وهكذا تتحول القيم والمفاهيم الرفيعة ، الى مجرد آراء أو اعراف محلية ، لا أكثر.

ربما يرى بعض القراء هذا الموقف طبيعيا. لأننا نعرف أفعالا كثيرة عدها الاقدمون عادية ، بينما نراها اليوم ظالمة وقبيحة ، مثل تجارة البشر ، والاخذ بالثأر ، والغارات على المدن والاقاليم الخارجة عن سلطتنا.. وأمثال ذلك.

لكن دعنا نتذكر أيضا أن البشرية لا تستغني عن القيم المتعالية. وكمثال ، فان اتفاق أمم العالم المعاصر على المنظومة المسماة بالقانون الدولي ، هو الذي جعل حياة البشر آمنة ، ووفر الحماية للاجيال الحالية والقادمة من القتل والعذاب. ومنها مثلا المواثيق الدولية التي تنظم سلوك الجيوش في الحرب ، والتي تحرم الإبادة وتدمير الموارد الضرورية للحياة ، وقتل الاسرى والجرحى والمدنيين ، وكذا مواثيق حقوق الانسان ، ومثلها اتفاقيات التجارة الدولية ، واتفاقات المحافظة على المناخ والبيئة. فهذه وأشباهها ، عقدت وأقيمت على القاعدة الفلسفية ، القائلة بأن هناك مجموعة من القيم العليا لا بد ان يتوافق عليها البشر ، ومنها العدل وصيانة الحياة الإنسانية ، واحترام الحقوق الأساسية لكافة الناس ، وشراكة البشر في موارد الكرة الارضية.. الخ. هذه القيم باتت – مع اتفاق الأمم عليها - مسلمات حقيقية قائمة بذاتها ، وهي كونية ، بمعنى انها عابرة للازمان والثقافات والجغرافيا ، يلتزم بها الجميع ويحترمها الجميع.

ومنذ قديم الزمان ، تنبه الفلاسفة الى مشكلة القول بالنسبية الأخلاقية. فذهب أرسطو الى ان الاخلاق والقيم العليا قائمة خارج الوعي ، وان كل انسان يتلقاها مثلما يتلقاها غيره. وان لها صورة واحدة صحيحة  في كل الأزمان ، وكل صورة أخرى هي دعوى كاذبة. وبعبارة أخرى ، فان على الانسان ان يأخذ بما هو متعارف من الفضائل فيطبقها على نفسه وحياته ، وليس متوقعا ان يسعى لتعديلها او استبدالها ، بل حتى مساءلتها أو مجادلتها او التشكيك في صوابها ، لأنها متعالية على الوقائع وآراء الناس.

والتفت الفلاسفة المسلمون الى تلك المشكلة أيضا. لكنهم وجدوا ان القول بعدم وقوع القيم والأخلاق في نطاق اختيار الانسان ، يفتقر الى دليل قوي قادر على حمل مؤونتها الثقيلة. فذهبوا – كما ذكر الشيخ محمد رضا المظفر – الى ان أيا من هذه القيم ، ليس من نوع البديهيات التي تحمل دليلها في ذاتها ، ولا هو مما يمكن اثباته بدليل قبل انشائه ، بل هي من نوع الاجماعات الممتدة ، أي تلك التي اتفق الناس على صحتها وضرورتها ، في مختلف الازمان والامكنة ، وقبلوها على هذا النحو ، حتى لو لم يكن لديهم دليل عليها ، سابق لوجودها وظهور نتائجها. وانما اجمعوا عليها بعدما اكتشفوا ضرورتها لسلامة الانسان وصون كرامته.

هذا إذن الموقف المقابل للنسبية ، التي لا شك في سلامتها من حيث الأساس ومن حيث التحليل. لكن يصعب جدا اعتبارها منهجا وحيدا لتحديد قيمة الاخلاقيات والمفاهيم ، سيما ما تعارف البشر على كونه مجردا متعاليا.

الشرق الأوسط الخميس - 06 ربيع الثاني 1448 هـ - 17 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5319256

مقالات ذات صلة:

اخبرني من اثق به

تأملات في حدود الفردانية
العقل العملي
العقل المساير والعقل المتمرد
عن العالم المحبوب
مجتمع العقلاء
 مغامرات العقل وتحرر الانسان - كلمة في تكريم الاستاذ ابراهيم البليهي
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
تكون الهوية الفردية
حول الانقسام الاجتماعي
حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها
العقل المؤقت
كهف الجماعة
لماذا تنحاز للرأي السائد بين قومك؟
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي

10/09/2026

عقلك المحافظ وعقلك المتمرد

يبدو ان استشهادي بآراء ميشيل فوكو في مقال الأسبوع الماضي ، قد أخذ الفكرة نحو منحى النقد الموجه لهذا الفيلسوف ، لا سيما القول بان تنظيره يؤول في نهاية المطاف الى رؤية عدمية ، وفي احسن الأحوال نسبية مغالية.

ميشيل فوكو  (1926 - 1984)

وكلا الرؤيتين موضع نقد عند الأخلاقيين. أما العدمية فهي (بتبسيط شديد) تنفي كل الثوابت. فليس ثمة معرفة يقينية ، ولا معنى مطابقا لموضوعه ، ولا حقيقة قائمة بذاتها ، ولا قيمة يمكن الاستناد اليها كمعيار قطعي. ومن هنا فما نظنه غاية او فضيلة أخلاقية ، هي مجرد اعتبارات صنعناها. فاذا تخلينا عنها ، انتهى وزالت قيمتها.  كأنها موضات الملابس وموديلات السيارات ، التي لها قيمة طالما اقبل عليها الناس ، فاذا تركوها بعد زمن ، ذهبت للهامش. وعليه فلا يوجد فعل صائب وفعل خطأ ، لأنه لا يوجد معيار قطعي نعتمده في التمييز بين هذا وذاك. خلاصة الرؤية العدمية إذن ، انه لا شيء يستحق الاهتمام ، ولا شيء يستحق الغضب.

اما النسبية فهي لا تنفي الثوابت ولا القيم العليا ، بل تعاملها كثوابت محلية. أي أنه لاتوجد قيمة كونية اسمها العدل او الحرية او الاخوة او الاحسان او النظام. بل لكل جماعة او بلد او زمن او دين ، مفهوم خاص للعدل ، قد يشبه مفهومه عند الجماعات الأخرى والازمنة الأخرى أو يخالفها. وكذا معاني الأفعال والصواب والخطأ.. الخ. وهذا يخالف ما تعارفت عليه مختلف الثقافات ، من وجود مجموعة محددة من القيم المجردة ، متعالية على كل الثقافات وعابرة للازمان ، وهي علامة ضرورية لتعريف الوجود الإنساني وتمييزه عن بقية المخلوقات. ان قيما مثل العدل والإحسان والكرم والتكافل والحرية والنظام ، ليست مشروطة بزمن بعينه او دين اوجماعة او حضارة بعينها. بل هي صحيحة دائما وضرورية دائما ، ولولاها لفقدت الحياة الإنسانية ابرز معانيها.

ويقول دارسو فلسفة ميشيل فوكو ، انه لم ينكر عالمية القيم ، ولا يصح وصفه بالنسبية فضلا عن العدمية. لكنه أراد توجيه الأنظار الى الأهمية الكبرى لتاريخ المعرفة ، وخيوط التجربة التاريخية التي تسهم في تشكيل الواقع ، حتى لو لم نلتفت لتأثيرها ، في الوقت المناسب. كما أراد توجيه الباحثين للتحول الجوهري في طبيعة السلطة الحديثة ، التي ما عادت تمارس العنف العاري على طريقة الدولة القديمة ، بل استبدلته بتنظيم المجتمع وتوزيع الأدوار وتقسيم العمل ، على نحو يرضي الغالبية ، لكنه في الوقت نفسه ، يقلص استقلاليتهم ، ويحول المجتمع الى ما يشبه ماكنة انتاج كبيرة ، يعمل كل جزء فيها بطريقة ميكانيكية او شبه ميكانيكية ، من دون ان يتوقف أحدنا يوما ليسأل: هل هذه هي الحياة التي أردت ان أعيشها حقا؟.

وأرى ان فوكو قد أصاب في رؤيته لتاريخ المعرفة ، وتحول المفاهيم وانتقالها من حقل دلالي الى آخر ، وتأثير الظروف الحياتية على فهم المجتمعات لذاتها ، والمعاني المرتبطة بأفعالها. لكن لعله بالغ في التقليل من دور "العقل المنشيء" حسب تعبير اندريه لالاند (1876-1963) او العقل النظري بتسمية الفلسفة القديمة. وفقا لرؤية لالاند ، الفيلسوف الفرنسي المعاصر ، يقوم "العقل المنشيء" بدور المراقب والناقد لمحتويات الذاكرة ، أي ما استقر في ذهن الانسان وبات قاعدة للتفكير.

في كل عقل انساني ثمة جانب "مالنشيء" يبتكر الحلول الإبداعية ويحرر الانسان من أسر القناعات القديمة والمسلمات الاجتماعية. لولا هذا العقل المتمرد ، لما وجدت فكرة جديدة ، وما وجد ابداع يخالف السائد. ويشهد تاريخ البشرية ان الانسان لم يتوقف يوما عن التغيير والابداع. وهذا بذاته دليل على ان العقل الذي صنعته التجربة التاريخية والمحيط الاجتماعي (وفق تصوير فوكو) ليس قدرا ولا هو صورة نهائية. فهو رغم قوته ورسوخه ، لا يستطيع مجابهة العقل الآخر (المنشيء).

السؤال اذن ، ليس ما اذا كانت رؤية فوكو صائبة ام خاطئة ، بل ما اذا كان الانسان يسمح لعقله المنشيء بالقيام بدوره المفترض ام لا.

الشرق الأوسط الخميس - 29 ربيع الأول 1448 هـ - 10 سبتمبر 2026 م

https://aawsat.com/node/5316618

مقالات ذات صلة:

اسطورة العقل الصريح والنقل الصحيح
اصلاح العقل الجمعي
اناني وناقص .. لكنه خلق الله
الانشغال بالعلم والانشغال بالجن
تبجيل العلم مجرد دعوى
تعقيب على استاذنا البليهي
تعريف مختلف للوعي/ تحييد صنم القبيلة
الثقافة كصنعة حكومية
الحكم اعتمادا على العقول الناقصة
الرزية العظمى
العقل الاخباري
عقل الصبيان
العقل المؤقت
العقل العملي
العقل المساير والعقل المتمرد
العقل في المرحلة الأوروبية
عودة الى نقاش الدور التشريعي للعقل
كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي"
لماذا يرفضون دور العقل؟
ما رايك في ماء زمزم؟
مشكلة الثقافة الدولتية
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
من العقل الجمعي الى الجهل الجمعي
من تقليد الى تقليد ، عقل معماري وعقل هدام
هل العقل كاف لانتاج القيم والاحكام؟
هل جربت صنم الكهف؟
اليد الخفية التي تدير العالم

03/09/2026

حكم الآلات

 في 2002 اقترح ديفيد بلانكيت ، وزير الداخلية البريطاني السابق ، مشروع قانون يلزم المواطنين بحمل بطاقة تعريف شخصية ، تتضمن أسماءهم وصورهم وعنوان سكنهم. وبريطانيا واحدة من 11 دولة لا تلزم مواطنيها بحمل هوية تعريف داخل البلاد. وقال الوزير يومئذ ان القانون ليس ضرورة أمنية فحسب ، فهو يرمي في الاساس الى توفير قاعدة بيانات موثوقة ، للتخطيط الاجتماعي والاقتصادي. اثار المشروع جدلا عنيفا في وقته ، وقد اقره البرلمان في 2006 بعدما أجريت عليه تعديلات جوهرية. لكن الاعتراض عليه تواصل ، حتى تراجعت عنه الحكومة وقررت الغاءه في 2010.

ان السبب الرئيس للمعارضة الواسعة لذلك القانون ، هو خشية الناس من تسلط مديري قواعد المعلومات ، على تفاصيل حياتهم. جرى هذا الجدل عندما كان انتشار الانترنت محدودا نوعا ما. ولا شك ان ذلك القلق بات اكثر مصداقية في هذه الأيام. فالشركات التي تملك شبكات الانترنت أو تدير منصات التواصل الاجتماعي ، فضلا عن الحكومات ، تعرف بدقة تفاصيل حياة كل منا ، اصدقاءه ، وضعه الصحي والمعيشي ، هواياته ونوعية الملابس التي يشتريها ، والبلدان التي يسافر اليها والكتب التي يقرأها ، والعشرات من التفاصيل التي لا تخطر على بالك. ولذا قيل ان الحروب القادمة ، ستدار من وراء الشاشات ، وليس على متن الدبابات والطائرات. ولعل بعض القراء يذكرون الجدل الذي أثاره قرار الحكومة الأمريكية حظر منصة التواصل الاجتماعي "تيك توك" في 2020 ، بعدما ظهرت معلومات تدعي ان شريحة معتبرة من جنود الجيش الأمريكي وموظفي الحكومة وعائلاتهم ، تستعمل التطبيق الذي تديره شركة صينية ، وان هذا جعل الجيش مكشوفا للمخابرات الصينية. ان اهتمام الحكومة الامريكية بهذا التطبيق ، ينبع من فهمها لقدرة منصات التواصل ، على اختراق تفاصيل الحياة الشخصية لمستخدميها ومن حولهم ، حتى لو حاولوا التكتم.

عند هذه النقطة ، لعل بعض القراء قد بدأ يتساءل: هل نتحدث عن رؤية ميشيل فوكو (1926-1984) لمكانة الانسان في العالم الحديث؟.

الواقع انني قد سألت نفسي هذا السؤال أيضا ، بعدما قرأت تصريحا لرئيس ميكروسوفت السابق بيل غيتس في الأسبوع الماضي ، يحذر فيه من خطر وشيك يتمثل في الذكاء الصناعي المنفلت. ولفت نظري في تصريحه نقطتان: تحذيره من انجذاب الأطفال بشكل تام لمنصات الذكاء الصناعي وماتوفره من بيانات ، وإمكانية استخدامه من جانب جهات غير موثوقة ، وربما إجرامية ، للسيطرة على الآخرين والتحكم في حياتهم او ابتزازهم.

تدور رؤية ميشيل فوكو حول علاقة المعرفة بالسلطة ، وتأثير أنواع المعارف التي يتلقاها الفرد خلال تجربته الحياتية ، على توجهاته وخياراته. وهو يرى ان القوى المهيمنة في عالم اليوم ، ليست مهتمة بالعقاب والتحكم الخشن في الأفراد ، بل هي تمارس واقعيا التحكم اللين ، الذي يساهم فيه الافراد بمحض اختيارهم ، بل ربما يراه بعضهم شيئا محببا ، رغم انه ينتهي بجعل خياراتهم واراداتهم ، في ايدي أشخاص آخرين. الم يبد جان جاك روسو عجبه من انسان هذا العصر "الذي مشى برجليه الى سجن القانون"؟.

القوى المهيمنة تسيطر على حياة الافراد من خلال التنظيم المتقن للمجتمع ، التنظيم الذي يحدد موقع كل فرد في النظام الاجتماعي والاقتصادي ، ويلقنه ما يكفي من المعارف لجعل هذا التموضع مريحا ومقبولا .

الانسان المعاصر – وفقا لهذا التقدير - مجرد رقم في السجلات الضخمة المخزونة في أنظمة الكمبيوتر ، وليس زيدا او احمد او عبد الله. وماذا يهمهم من اسمك او اسم ابيك ، فانت مجرد مستهلك لبعض السلع او منتج لسلع أخرى ، المهم هو ما تفعله وليس وجودك بذاته. المهم ان تتقبل المكان الذي جرى تحديده كموضع مناسب لك ، وان تراه نعمة لا ينبغي انكارها او التفكير في بدائلها.

الا يبدو أننا نعيش في ظل حكومة الآلات ، او قريبا منها؟

الشرق الأوسط الخميس - 21 ربيع الأول 1448 هـ - 3 سبتمبر 2026 م   https://aawsat.com/node/5314095

 

 

 

 

 

 

27/08/2026

مراجعة لرؤيتين في العلم والعمل

الرؤية التي عرضها د. عبد الله الغذامي في هذه الصحيفة (11-أغسطس) شغلت ذهني جدا. اقترح الغذامي طريقة للتعامل مع مشكل يتفاقم بسرعة ، ويتلخص في تفاقم اعتماد الباحثين والطلبة ، على منصات الذكاء الصناعي في كتابة ابحاثهم ، بدل الاتكال على جهدهم ا لخاص. هذا السلوك جعل من العسير التمييز بين الاذكياء الجادين ، وبين الاغبياء الذين لا يبذلون جهدا ، ولا يؤمنون بقيمة البحث العلمي. خلاصة ما يدعو اليه الغذامي في ذلك المقال ، هو اختبار الطريق الذي يسلكه الباحث في بحثه ، بدل الانشغال بالنتائج التي توصل اليها ، حتى لو انتهى بحثه بنتائج لا ترضي توقعاتنا.

د. عبد الله الغذامي

ويقول الغذامي ان الثقافة العامة في مجتمعنا تميل للاحتفاء بالنتائج ، بغض النظر عن الطريق الذي أدى اليها. واظن ان معظمنا يعرف هذه الحقيقة. الأمهات خصوصا ، يبذلن جهدا فائقا في مساعدة أطفالهن على حل الواجبات المدرسية والمذاكرة معهم ، كي يضمنوا علامات عالية في الاختبار. وهن يعلمن أيضا عن الأموال الكثيرة ، التي تصرف على الدكاكين المتخصصة في تصميم وطباعة الملصقات والوسائل التعليمية التي تطلبها المدرسة من التلاميذ. هذه الطرق تعطيهم علامات عالية تبرر الاحتفال. لكن هل تعطينا باحثا جيدا ، مستعدا ليسهر ليله في علاج مسألة غامضة ، او اختبار تقنية جديدة؟.

ثم قرأت مقال الأستاذ سلمان الجشي بصحيفة عكاظ (23-أغسطس) والذي قدم فيه تصورا عن معنى ان يكون البلد متقدما. وقد وجدت فيه اثارة مهمة ، تأخذ رؤية الغذامي الى مساحة أوسع ، اعني تطبيق الفكرة على المسار الحياتي او التنموي لمجتمع بأكمله.

من تمام الفائدة الإشارة الى ان عالم سياسة امريكي معروف ، هو روبرت دال (1915-2014) كان قد تبنى مفهوما مقاربا ، هو التحليل الاجرائي Procedural Analysis   الذي جعله أساسا لنظرية متكاملة ، في فحص وتقييم كفاءة المجتمع السياسي. وينطلق البروفسور دال من فرضية ان الصورة النهائية لأي مجتمع سياسي ، قد تكون خداعة ، لأنها تحجب عن اعيننا المراحل السابقة لظهور الناتج في الشكل الذي شاهدناه. بدلا من هذا يقترح الرجل عددا من المعايير الرئيسية ، التي ينبغي التحقق من وجودها ، في الطريق الذي يسلكه المجتمع ، خلال سيره نحو غايات التنمية السياسية. ويرى ان الوفاء بتلك المعايير شرط للتحقق من قيمة العمل ، حتى لو لم يبلغ النتائج المرجوة.

نحن إذن أمام رؤيتين:   

رؤية سائدة تهتم بجودة الناتج ، سواء كان بحثا علميا او منتجا صناعيا او زراعيا ، او برنامج عمل أو مشروعا اجتماعيا.  

رؤية تهتم بالطريق الذي أوصلنا لتلك النتيجة ، حتى لو خالفت توقعاتنا.

دعني اطبق هذا المنهج على موضوع التنمية الصناعية ، الذي تعرض له مقال الجشي. خذ مثلا البتروكيمياويات وهي أعلى منتجاتنا قيمة. يبلغ عمر هذه الصناعة أربعة عقود تقريبا. ونجاحها محل اعتزاز وفخر للمملكة وأهلها. نعلم انها بدأت بالاعتماد على تقنيات مستوردة ، وخبراء وبرامج تشغيل أجنبية. فهل لا زالت كذلك ، ام اننا نوفر تلك الحاجات بالاعتماد على الموارد الوطنية. واذا كان الشريك الأجنبي لازال حاضرا ، فكم هي نسبة الاعتماد عليه. بعبارة أخرى: لو انحلت الشركة التي اشترينا منها معدات المصنع وتقنياته ، فهل نستطيع تسييره بالاعتماد على الموارد المحلية؟. هذا السؤال وارد بالنسبة لمصانع الأجهزة المنزلية وقطع غيار المركبات أيضا.

ان تحولنا الى اقتصاد صناعي يتطلب امتلاك دورة التصنيع الكاملة ، او معظم اجزائها ، وليس فقط الأرض والمدخلات وراس المال. يجب ان نسأل قادة الصناعة في بلادنا: ما هي درجة انكشاف القطاع الصناعي على الخارج ، أي ما هي درجة اعتماده الحرجة على التقنيات والمكائن والخبرات الأجنبية. هذا تطبيق واحد للفكرة السابقة وفحواها ان العبرة بالطريق الذي اوصلنا الى النتيجة وليس النتيجة ذاتها ، حتى لو جرت عادتنا على الاحتفاء بالنتائج فحسب.

الشرق الأوسط الخميس - 14 ربيع الأول 1448 هـ - 27 أغسطس 2026   https://aawsat.com/node/5311573

مقالات ذات صلة

كتاب اخر يستحق القراءة : كارل بوبر "منطق البحث العلمي
نافذة على فلسفة كارل بوبر
حول القراءة الايديولوجية للدين
نافذة على مفهوم "البراغماتية"
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟

20/08/2026

حول "العقار" الذي يمرض ولا يموت!

 قرأت قبل مدة ، كتاب "الثقافات وقيم التقدم" الذي حرره لورانس هاريزون وصمويل هنتنجتون. أراد المحرران الإجابة على سؤال حرج في نقاشات التنمية: هل للثقافة العامة دور مؤثر ، في إنجاح او إعاقة مشروعات التحديث الاقتصادي والاجتماعي؟.

كانت نظرية التنمية الكلاسيكية تتبنى اتجاها معاكسا ، خلاصته أن الثقافات التقليدية ، لن تصمد أمام تيار التحديث  القادم على متن قطار التنمية الاقتصادية. لكن تجارب التنمية في العديد من المجتمعات غير الصناعية ، أظهرت ان هذه الرؤية لم تكن صائبة تماما ، على رغم القبول الإجمالي بأن الحراك الاقتصادي يؤدي  قطعا لتحولات ثقافية واجتماعية.

بعبارة أخرى ، فان أي ثقافة موروثة لن تنجو من التغيير ، اذا بدأ الاقتصاد الوطني في التحول. لكن هذا لا يجيب على السؤال الجدي: هل ستنجح التنمية المستدامة ، اذا تعرضت لتحدي الثقافة العامة التقليدية؟. بات هذا السؤال اكثر إلحاحا في السنوات الأخيرة ، لا سيما بعد اخفاق العديد من التجارب التنموية ، جزئيا او كليا.

بين المساهمين في الكتاب "ماريانو جروندونا". وهو صحفي وباحث من الارجنتين. ولفت نظري تحليله لمفهوم "الثروة" في نوعين من المجتمعات: المجتمعات التي تسودها ثقافة تعارض التغيير ، والمجتمعات التي تسودها ثقافة ترحب بالتغيير.

يقول "جروندونا" ان النوع الأول من المجتمعات ، ينظر للأصول المادية المتوفرة بالفعل ، كتجسيد حقيقي للثروة. اما النوع الثاني ، فيرى ان الثروة الحقيقية ، هي تلك التي لم توجد بعد. وكتطبيق لهذه الرؤية ، فان المجتمعات التقليدية تنظر للارض وما تجود به وما يرتبط بها ، كجوهر للثروة. هذا الفهم شائع جدا في الاقتصادات الزراعية. وحتى لو تحولت للاقتصاد الحديث ، ستبقى الأرض والمتاجرة بها ، رمزا اعلى للثراء. المجتمع التقليدي يؤمن حقا بمقولة ان "العقار يمرض لكنه لا يموت". ولعل كثيرا منا قد سمع هذه العبارة او مثيلها. وهي تعبير عن ربط الثقافة التقليدية بين  العقار والثروة.

اما المجتمعات المتقدمة ، فهي ترى الثروة الحقيقية كامنة في الابتكارات الواعدة ، ولا سيما تلك التي تحول المعرفة الى ثروة مادية. أي ما نسميه اقتصاد المعرفة. سواء كانت أبحاثا واعمالا إبداعية ، او كانت تقنيات تحول المادة الميتة الى منتج مفيد ، مثل كل الأجهزة التي نستعملها اليوم.

بشكل عام فان المجتمعات المقاومة للتغيير ، تنظر لما جربه اسلافها كمخزن للقيم. بينما المجتمعات التي تؤمن بالتغيير ، تفكر دائما في ابداع أشياء لم يجر تجربتها من قبل.

دعنا الآن ننظر في تطبيق واقعي لهذه الرؤية في عالمنا المعاصر. لقد أجريت بحثا عن اغنى 20 شخصا في العالم ، في ثلاث سنوات ، هي 1976 ، 2000 ، 2024. خلال هذه السنوات كلها ظهر شخصان فقط ، صنعا ثروتهما من العقارات. اما البقية ، في جميع الفترات ، فالفضل في ثرواتهم يرجع للصناعة والمعلوماتية والخدمات التقنية والهندسية. بلغت ثروة هؤلاء 406.5 مليار دولار في 2000 ، تضاعفت الى 2.37 ترليون في 2024. ربما يسأل احد القراء عن نصيب العرب من هذه الثروات ، والجواب انه لا يوجد أي عربي على قائمة ال 20 الاغنى خلال كل تلك الفترات. لان اغنياء العرب يؤمنون بمقولة ان "العقار يمرض ولا يموت" ولذا ركزوا استثمارهم على الأرض وتفريعاتها. بينما ذهب الآخرون بالثروة الحقيقية ، التي تأتي من طرق أبواب الغيب وكشف حجابه ، بسلطان العلم والبحث في الأنفس والآفاق ، وتسخير الطبيعة.

اني اسوق هذا الحديث طمعا في اقناع أصدقائي الشباب ، للنظر حقا في مصادر الثروة الحديثة. ولا سيما المعارف القابلة للتحويل الى ثروات. تاريخ الانسان المعاصر ، يشهد ان المعارف الجديدة والابتكارات المستندة الى العلم ، هي الصانع الأعظم للثروات والنجاح ، حتى لو أصر الكهول أمثالي على ان العقار هو الرمز الحقيقي للثروة. انه مجرد وهم ، وما أكثر أوهامنا التي ينبغي للأجيال الجديدة ان تلقيها في البحر أو تذروها في الريح.

الشرق الأوسط الخميس - 07 ربيع الأول 1448 هـ - 20 أغسطس 2026 م

https://aawsat.com/node/5308998

مقالات ذات علاقة

06/08/2026

الوجه الآخر للكارثة

 ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخلاصها من تلك الكارثة. لقد انقضى 36 عاما على هذا الحادث ، لكن ذكراه هذا العام تأتي مختلفة بعض الشيء ، فهي تجري في أجواء حرب ، طال شرارها معظم الدول التي تضررت – مباشرة او غير مباشرة – من الحرب الأولى.

حرائق آبار البترول الكويتي خلال الاجتياح

احتمل ان مرور زمن طويل نسبيا على أي حدث ، ينسي الناس تبعاته. كما ان شريحة واسعة من الجمهور النشط حاليا ، أي جمهور الشباب ، لم يعاصره ، ولذا فقد تكون ذكرياته منقولة وليست تجربة فعلية. مع هذا فالمؤكد اننا لا نستغني عن التوقف بين حين وآخر ، كي نسأل أنفسنا: هل أخذنا ما يكفي من  الدروس؟.

الدكتور محمد الرميحي والأستاذ عبد الرحمن الراشد ، تحدثا صراحة او ضمنيا عن حاجة لمراجعة ما فعلناه بعد الاجتياح. لا أشعر بالقلق من احتمال أن تتكرر تلك الكارثة. لقد تغير العالم على نحو يجعل احتمالا كهذا مستبعدا جدا. مع ذلك فعلينا ان نعمل بجد ، لجعل هذا الاحتمال ممتنعا ، وأن نستثمره كدافع لتعزيز البناء الداخلي لمجتمعاتنا ، كي نعالج أمراضنا الأخرى. الحروب والكوارث ، مثل الانتصارات الكبرى والنجاحات الاستثنائية ، يمكن ان تتحول الى محركات للنهوض العلمي والاقتصادي ، إذا استثمرت في هذا الاتجاه.

لقد بات أمرا مسلما ان الحرب التي يكرهها الجميع ويخشاها الجميع ، يمكن ان تكون محركا فعالا لاختراقات تكنولوجية. ويذكر جوناثان ستريكلاند ، وهو كاتب متابع لتطور التقنية ، عشرات من الاختراقات العلمية الكبرى التي ترجع في المقام الأول لضغط الحاجة العسكرية ، لا سيما في حقبة الحرب الباردة (1944-1990) ثم تحولت للاستعمال المدني. نعرف مثلا ان الطائرات النفاثة طورت أولا كأدوات قتال ، ومثلها نظام تحديد المواقع الجغرافية GPS وأنظمة الاتصالات اللاسلكية كالهاتف الجوال ، وكذا الانترنت والأجهزة الموجهة عن بعد كالروبوت والطائرات المسيرة والسيارات ذاتية القيادة ، وتقنيات الليزر وطب الطوارئ ، والذكاء الصناعي وتقنيات المعادن الفائقة ، والأغذية العالية التركيز ، والمئات من التطبيقات التي نعتمد عليها في حياتنا اليوم. ولعل بعض القراء يعلمون ان أوكرانيا طورت خلال حربها الراهنة مع روسيا ، نظاما فعالا لمقاومة الطائرات المسيرة ، فضلا عن أنواع من المسيرات الحربية التي لم تعرفها قبل ذلك. لاحقا ، بعد انتهاء الحرب ستتحول هذه المنظومات للتطبيقات المدنية ، او تكون قاطرة لصناعات تقنية جديدة.

حسنا.. لا نحتاج لخوض الحروب كي نتطور. كما ان قيامها يأتي بمشكلات كثيرة. لكن ما ادعو إليه هو استثمار الفرصة. واظنها قائمة ، بالنظر للتوتر في الجوار الإقليمي. الامر ببساطة على النحو التالي: نفترض ان حريقا شب في دكانك. فقد تصرف عمرك في الركض وراء شركة التأمين لتعويضك ، أو ربما تفكر في عدد المحلات التي يمكن ان تحترق ، وما إذا كانت تهديك فرصة لتجارة المواد المقاومة للحريق ، او معدات الإطفاء والتدريب على السلامة ، أو ربما تطوير معدات وأجهزة لتقليل آثار الحريق. هذه كلها فرص ظهرت من العدم ، لأن أزمة صغيرة قد اندلعت ، وهي حريق الدكان.

ليس لدي أفكار جاهزة. لكنني أدعو لاستثمار أجواء الحرب الحالية في دعوة الناس للتفكير. ان طرح المسألة للنقاش العام ، سوف يحرك أذهان الكثير من الشباب لابتكار أشياء جديدة. ولعل بعضهم لديه شيء ما ، لكنه لم يجد الفضاء المناسب لطرحه على المعنيين.

أرى شبابنا من طلاب المدارس الثانوية والجامعات ، يشاركون بحماس في المنافسات العلمية الدولية ، ويحصلون على جوائز. فماذا لو فكرنا في منافسة على المستوى الوطني او الإقليمي ، ليس لنيل جائزة ، بل للمساهمة في تطوير العلم والتقنية ، والاسهام في النهضة الكبرى التي تطمح اليها مجتمعاتنا كلها. الجائزة لن تكون كأسا من الكريستال ، بل دخولا الى دائرة أصحاب الملايين ، من رواد الاعمال وصناع النهضة. فهل سنرى مبادرة كهذه؟.

الشرق الأوسط الخميس - 22 صفَر 1448 هـ - 6 أغسطس 2026 م   https://aawsat.com/node/5303913

مقالات ذات صلة

لا تقتلوا أفكاركم الجديدة
درس الكارثة: نظام عربي للاستحابة العاجلة
مخيم اليرموك
مسارات للتفكير في تحولات العالم بعد الوباء
"الفرج بعد الشدة"

 

 

30/07/2026

خربوا هواتفكم .. خربوا سياراتكم!

كثير من الناس تابعوا خبر الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة. ولكل سببه. بعضهم نظر للموضوع من زاوية سياسية ، وبعضهم اعتبره مفخرة للبلد ، وثالث نظر الى جانبه التجاري. بالنسبة لي فان الجانب الأكثر أهمية هو "كسر الحاجز التقني".

دعني أبدأ بهذه القصة التي مضى عليها أربعة عقود تقريبا. وخلاصتها ان احد تجارنا كان يملك مصنعا لتجميع الباصات الصفراء المعروفة. ثم اكتشف انه يستطيع استيراد الباص بكلفة اقل ، فقرر اغلاق المصنع. وحين سألته صحيفة عن ذلك ، قال بلسان فصيح ان بعض الشعوب قدرها ان تبرز في التجارة ، وبعضها في الزراعة ، وأخرى  في الصناعة. ونحن شعب قدر الله له ان ينجح في التجارة. بعد ذلك بعشرين عاما ، استمعت لرجل اعمال بارز في الاحساء ، وهو يتحدث عما أسماه "جميل صنع الله" وهو تقسيم الناس الى تاجر وعالم وحاكم وصانع ، هكذا ولدوا وهكذا سيعيشون ، وبه تنتظم الحياة.

أتوقع ان بعض الأعزاء سيضحك في سره على هذا المنطق. وبالمناسبة فهو لم يأت من فراغ ، فقد تبناه المعلم الأول ارسطو حين تحدث في "كتاب السياسة" عن نظام المدينة الفاضلة ، وتبناه استاذه افلاطون في "الجمهورية". وهو يرجع لقناعة شاعت في الماضي ، فحواها ان الصفات السلوكية تنتقل بالوراثة ، وان الأعراق تتمايز في قابلياتها الذهنية كما تتمايز أجسامها. ولعل قراء ابن خلدون يذكرون قوله ان العرب أهل حرب وغزو ، فما حلوا بلدا إلا وأسرع اليها الخراب ، لأنهم غير قادرين على البناء والصناعات.  

لتخفيف وقع هذه الاقوال ، قد يمكنني تأويلها بأن المقصود ليس التباين الجيني ، بل تباين البيئات التي يتربى فيها مختلف الناس. وقد أشار ابن خلدون وغيره الى تأثير الطقس على الميول الذهنية والسلوكية ، وهو يسمح بالقول بان أصحاب تلك الآراء لم يغفلوا دور البيئة والتربية. لكن هذا تأويل كما أسلفت ، والا فان القول بالوراثة كان شائعا في تلك الأزمان.  

نعلم اليوم ان هذه الآراء أقرب الى "السوالف" او العلم الزائف ، بحسب تعبير الفيلسوف كارل بوبر. خلق الله الناس جميعا بعقول متساوية ، فهم يتمايزون في افعالهم وافكارهم وتطلعاتهم ، بحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية التي عاشوا وسطها. مع هذا فكل انسان لديه عقل قادر على انتزاعه من بيئته وجماعته ، والانتقال به الى نقيضها لو شاء.

العلم والصناعة من ثمار العقول. ونحن قادرون عليها مثلما قدر غيرنا. وغاية مانحتاجه هو:

١) الايمان العميق والعملي بأننا لا نقل عن غيرنا.

٢) إزالة العوائق التي تعرقل المؤمنين بقدرتهم.

3)اختيار نقطة الانطلاق.

أعتقد أن معظمنا يعرف العوائق ، او يعرف بعضها. لذا سأكتفي بالاشارة لعائق واحد ، اسميته "هيبة التقنية".

"هيبة التقنية" ببساطة ، هي توهم انني لا استطيع تفكيك الهاتف الجوال وإعادة تركيبه ، او تفكيك محرك السيارة وإعادة تركيبه ، او تفكيك مكيف الهواء وإعادة تركيبه. المسألة حقا بهذه البساطة. نحن نهاب هذه الأجهزة الصغيرة. لأننا نخشى الفشل او لعلنا نتوهم ان هذا الجهاز يحوي شيئا يفوق عقولنا.

ولذا فان نقطة الانطلاق هي كسر هذه الأوهام ، ليس بفتح محلات لاصلاح الهاتف او السيارة ، بل إعطاء الهاتف لابنائنا الذين في المرحلة الابتدائية او المتوسطة ، وتشجيعهم على تخريبه وإعادة إصلاحه. ثم إعطاء الولد الذي في المرحلة الثانوية سيارة مستعملة ، واخباره بانه سيكون مالكها اذا فكك المحرك وأعاد تركيبه. شجعوا الشباب على تفكيك الأجهزة التي بايديهم ، حتى لو انتهى الامر بتخريبها وخسارتها. ربما تخسر جهازا ، لكنك تربح عبقريا لا يهاب التقنية.

انا مهتم بالبرنامج النووي السعودي ، لا لسبب سوى هذا: سيعمل فيه عدد من شبابنا ، وسيشعرون وسنشعر معهم اننا قادرون على تكرار ما فعله غيرنا. اذا كان احد يستطيع فعل شيء ، فنحن نستطيع أيضا ، لأن عقولنا ليست اقل من غيرنا.

الشرق الأوسط الخميس - 16 صفَر 1448 هـ - 30 يوليو 2026 م     https://aawsat.com/node/5301495

مقالات ذات علاقة

اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
حاضنات الابداع
حول البيئة المحفزة للابتكار
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

23/07/2026

اخبار الحمقى والمغفلين

 لو رأيت خبرا عنوانه "عائلة خليجية تتعرض للضرب في إسطنبول" فثمة احتمال بنسبة 70 بالمائة ، ان تقرأ القصة الكاملة مع التعليقات عليها ، حتى لو بلغت مئة تعليق. دعنا نقول ان هذا النوع من الاخبار ، يثير اهتمام 70 بالمائة من قراء الانترنت ومشاهدي مقاطع الفيديو القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وسوف تجد النسبة نفسها في المجالس والملتقيات العائلية.

اكثر الاخبار اثارة لاهتمام القراء والمستمعين ، هي التي تنتهي بتشويه سمعة الناس ، أفرادا او جماعات. وهي تبدأ عادة بحادثة صغيرة ، مثل جدال في مطعم ، انتهى بطرد الزبون ، او حتى مضاربة بين عدة أشخاص ، لكنها تنقل مع زيادة وافرة في البهارات المثيرة للمشاعر ، فتعرض كموقف عام لأهل ذلك البلد ، ضد بلد الضحية. وتنتهي القصة عادة بدعوة الناس لمقاطعة البلد الأول وكراهية أهله.

هذا ليس مثالا من وحي الخيال ، بل حدث مرات عديدة. وفي كل مرة ، كان الضحية شخصا واحدا او عددا قليلا من الأشخاص ، لكن جرى تصوير الحدث كموقف لشعب كامل ضد شعب كامل.

يؤسفني القول ان الاعلام الشعبي مليء بهذا النوع من القصص ، الذي يوهم المتلقين بأن العالم غابة ، يجول فيه الجلادون والحرامية والغشاشون والفاسدون والمتحرشون. وهي قصص نعلم ان صحيحها ليس سوى نسبة ضئيلة من مجموع ما ينقل. وجميعها ليس سوى نقطة صغيرة في نهر الحياة  اليومية المليء بالأحداث الطيبة وأعمال الخير.

حسنا.. اليس الشر هو الغالب في عالم اليوم؟

هذا – للأسف – هو الانطباع الذي ورثناه ، حتى بات من المسلمات. ويجري تدعيمه بروايات تفسر بما يخدم تلك الفكرة ، مثل الأثر المروي " إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء الظن رجل برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ثم أحسن الظن رجل برجل فقد غرر" والمقصود القول بان الزمان فاسد. وكذا الشعر المنسوب للامام الشافعي:

 لا يكن ظنك إلا سيئاً
إن سوء الظن من أقوى الفطن
ما رمى الإنسان في مخمصةٍ
غير حسن الظن والقول الحسن

وتعرض هذه الاقوال وأمثالها على نحو يوهم المتلقي ، بان الله سبحانه قد خلق العالم على هذه الشاكلة الشريرة ، أو أن الشيطان قد تحول فعليا الى حاكم لخلق الله جميعا.

-         ما المشكلة في هذا التوجه والتوجيه؟.

مفهوم "راس المال الاجتماعي" هو على الأرجح أحدث الوافدين الى بحوث الاقتصاد ، ولا سيما التنمية المحلية. ورغم ان المفهوم يعود الى أوائل القرن العشرين ، الا ان الاهتمام به يرجع الى أواخر هذا القرن فحسب.  ويقول علماء الاجتماع ، ان التحولات الاقتصادية تؤدي لاختلالات عميقة ، في القيم التي يرجع اليها الناس عادة ، لتنظيم علاقاتهم الداخلية وحل اختلافاتهم. المهمة الرئيسية لهذه القيم ، هي صون الثقة  المتبادلة بين أعضاء المجتمع. الثقة تعني ببساطة تلك القناعة العميقة التي يحملها كل شخص ، بان تعامله مع الآخرين سينتج مصلحة مشتركة ، وان هؤلاء يتعاملون معه بإخلاص ، ولا يعتزمون سرقته او الغدر به او افشاله. ولهذا يتعاقد الناس مع اشخاص لا يعرفونهم ، ويدفعون اليهم الأموال قبل استلام البضائع ، او يسلمونهم البضائع قبل استلام قيمتها. هذا القدر من الثقة المتبادلة ، هو الذي يسهل التعاملات الرسمية والتجارية والشخصية ، التي يحتاجها الناس كي يطوروا معيشتهم. هذا ببساطة هو جوهر راس المال الاجتماعي.

تلك القصص التي ذكرناها سابقا خطرة على المجتمع ، لانها تهدم رأس المال الاجتماعي. ان روايتها وإعادة نشرها ، امر في غاية السوء ، فهي تزرع الخوف والريبة في نفوس الناس ، وتضعف الثقة المتبادلة فيما بينهم ، فتمسي تعاملاتهم عسيرة او محفوفة بالشك. ولا أشك  انها من مصاديق "إشاعة الفاحشة" التي نهى عنها القرآن الكريم.

أكتب هذا بغرض تنبيه العقلاء في بلادنا وغيرها ، لتجنب الانشغال بقراءة تلك القصص التي هي اقرب الى اخبار الحمقى والمغفلين ، فضلا عن إعادة نقلها ، لانها – للحق – هدم للرابطة الاجتماعية وقطع لسبل الرزق.

الشرق الأوسط الخميس - 09 صفَر 1448 هـ - 23 يوليو 2026 م  

  https://aawsat.com/node/5299148/

الرؤية النسبية صالحة للتحليل.. ولكن..!

  مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق ، انها تؤول - منطقيا - الى العدمية . والنسبية ، كما ذكرت في مقال سابق ، هي المذهب القائل بأنه...