16/07/2026

التعليم الصالح لهذا الزمان

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص ، وتحويل الخيال الى واقع. الفرص التي نريد صناعتها ، ليست موجودة فعلا. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجودا أيضا ،  في العالم المادي ، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي لا زال في رحم الغيب.. الأشياء التي نتخيلها ، لكنا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة.

التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب ، ان القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة ، وان قيمته كانسان رهن بانشغال ذهنه كليا ، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال الى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاجه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر ، ويلقي به في المستقبل المجهول ، ويناديه: ان أردت النجاة فاصنع شيئا لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم ، بسيط جدا وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. اما نظيره المتقدم فهو يفكرفي مستقبل لا نعرفه ولم نره. انه يحفر في الحاضر ، كي يستنبط شيئا مختلفا عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها. لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها ان كل جديد ، ينبغي ان ينغرس أساسه في الموروث ، فيكون امتدادا لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم ، تعزز الاقتناع به وتحول من امر محتمل الى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري ، الذي رأى ان المشكلة الكبرى في الثقافة العربية ، هي كون العقل العربي قياسيا. بمعنى انه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة ، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق ، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري ان الهيمنة المطلقة لمنهج القياس ، ليست حدثا عابرا او سقطة ظرفية ، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقا للجابري فان مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي ، تراجعي وليس تقدميا ، فهو يجعل الكمال في الماضي ، ويعتبره أصيلا او رمزا للاصالة ، ثم يضفي على وصف الاصالة وما يتصف بها ، قيما تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينا للتشبه بالاصل (أي الماضي). وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة ، تميل حركة الفكر الى اتجاه دائري ملتصق بالمركز ، أي الماضي ، بدل ان تكون حركة خطية متصاعدة ، ومتجهة الى المستقبل.

-           حسنا ، كيف نحرر الاذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

-           وكيف نزرع في الاذهان عادة النقد ، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء ، سواء كانت غريبة او كانت عادية مألوفة ، وسواء كانت مفتوحة للنقد او كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟.

يبدو لي ان السير في الطريق ليس سهلا مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات ، من دون ان نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إني اطرح هذه الفكرة على القراء ، وأنا واثق ان بعضهم لديه أفكار ، تسد الثغرات التي تشير اليها هذه السطور. ان عرض الأفكار على الناس ، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلا في جعل البحث العلمي بديلا عن الامتحانات السنوية في المدارس ، او دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع او وراءه ، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقا لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية ان يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم ، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين ، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. او ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب ، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع ، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم ، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين ، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون ان ينفعلوا او يستاءوا. هذه ستدربهم أيضا على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين  البراقة ، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي ، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول ان التعليم المتقدم هو الذي يقتلع  الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فان التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة الى  الماضي ، حتى يحوله الى نسخة عن أسلافه.

الشرق الأوسط الخميس - 01 صفَر 1448 هـ - 16 يوليو 2026 م    https://aawsat.com/node/5296527

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

09/07/2026

نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

 دعنا نؤكد مرة بعد مرة ان المجتمعات العربية ، تحتاج قطعا لتوفير ما يكفي من  الوظائف للشباب الذين انهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضا ان توليد وظائف حقيقية ، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج ، وليس مجرد توفر أموال إضافية ، أو مباني نملأها بكل من يحتاج لوظيفة.

قصر بنغالور

بعبارة أخرى ، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية او وهمية ، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها ، ويستلمون رواتبها منها. وهذا ممكن دائما طالما توفر المال. اما الطريقة الثانية فهي التنمية الشاملة والمستدامة ، أي زيادة حجم الاقتصاد ، ولاسيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيما اقتصادية ، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد انتاجي واقتصاد خدمي ، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية ، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر ، دون إضافة ملموسة.

ان ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال ، يرجع في المقام الأول الى صناعتها الضخمة ، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم ، فتضيف قوة جديدة الى دورتها الاقتصادية ، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات ، حين سعت الحكومة لخلق وظائف ، بعضها وهمي ، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين الى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي ، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة ، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة ، ليس لحل مشكلة التوظيف ، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول ، حيث بات الناتج القومي الاجمالي للهند هو الأسرع نموا بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول ارقام  رسمية ان مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني ، تحتضن 14,000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار . ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا ، التي تقع فيها بنغالور ان هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في انجاز وظائف عالية القيمة ، وفيها حاليا 875 مركزا لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع ان ترتفع قيمة هذا القطاع الى 110 مليار دولار خلال السنوات الأربع القادمة.

-         حسنا ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين ، بذلت الحكومات العربية جهودا جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام ، أي كون هدفه الأول اعداد موظفين لسوق العمل. تخرج الجامعات العربية عشرات الالاف من الشباب سنويا. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين ، لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل اذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني ، مع انها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل ، ليخدم هدفا واحدا ، هو اعداد الطالب ليقيم عمله الخاص ، وليس العمل موظفا عند غيره. ويجب التركيز على الاعمال الإنتاجية ، من الزراعة الى الصناعات البسيطة ، الى تطوير الحلول الرقمية للاعمال ، وصولا الى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيليا. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط ، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم اكثر تقدما وتعقيدا ، كي يهيئ ابناءنا لحياة اكثر تعقيدا وتقدما ، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها او استهلاكها؟.

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب ، للتطلع الى الآفاق البعيدة والمغامرة ، والحساب الدقيق للعواقب ، ونقد الواقع ، والتمرد على المألوف ، وإدارة الحياة والاعمال. هذا خير من انفاق الوقت في علوم مفيدة ، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

الشرق الأوسط الخميس - 24 مُحرَّم 1448 هـ - 9 يوليو 2026 م  https://aawsat.com/node/5293877

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

02/07/2026

هل تعمل اجيرا عند غيرك؟

ابدأ من مقال الصديق سلمان الجشي يوم السبت الماضي ، لاسيما تأكيده ان تطوير البيئة الاستثمارية للبلاد ، رهن بوضوح الرؤية المستقبلية للاقتصاد ، واستقرار السياسات ، وقابلية التنبؤ بالتحولات القانونية والاقتصادية. وموضع اهتمام الجشي هو الاستثمارات الكبيرة ، التي تعد فرس الرهان لتحسين الأداء الاقتصادي وتوليد الوظائف.

لا اظن أحدا يخالف هذا الرأي. لكني اريد وضع اصبعي في مكان آخر ، هو الاستثمار الصغير ، ومنه مايسمى "ستارت اب". ويهمني التأكيد بأني لا انظر للمشروعات المبهرجة والفخمة الأسماء. فالاستثمار الصغير يشمل كل عمل يكون صاحبه هو العامل الرئيسي فيه ، وهو مصدر رزقه الأول. وبهذا فهو يضم ابسط الاعمال ، من السباكة وبيع الخضار ونقل الركاب ، مرورا بالمقاولات الصغيرة ، وصولا للمشروعات الأكثر تعقيدا. في كل هذه الحالات ، يبدأ المشروع بموظف واحد او اثنين ، ثم يتسع بالتدريج. ليس مهما عدد الموظفين الذين يستقطبهم المشروع ، بل التدريب اليومي الذي يتاح لصاحبه في كل معاملة.

قبل بضع سنوات تحدثت الصحافة المحلية عن شبان يعملون في أسواق الخضار والمطاعم او يبيعون الشاي والقهوة ، وأمثال هذه الوظائف التي لم تعد محبوبة ، منذ الثورة النفطية في الربع الأخير من القرن الماضي. ولمناسبة الحديث عن البطالة ، قرأنا لبعض المتحدثين كلاما يحث الشباب على الاخذ بتلك المهن ، ان لم يجدوا ما هو افضل. وعاب هؤلاء المتحدثون على شاب ينفق يومه جالسا في البيت ، لأنه لم يحصل على وظيفة عالية.

لكن عامة الناس ، ولا سيما الشباب ، لاموا أولئك المتحدثين ، واتهموهم بتفضيل العامل الوافد على المواطن ، وأمثال هذا الكلام. ولو طرحت اليوم رأيا مماثلا ، فسوف تواجه نفس تلك الردود ، مع ان الوضع قد تغير بشكل ملموس ، ولله الحمد ، حيث نجد آلافا من الشبان يعملون اليوم في أمثال هذه الوظائف ، بعضهم مالك لها وبعضهم عامل فيها ، مما يشير الى ان المجتمع يتجاوز بالتدريج ، الثقافة القديمة التي تحتقر العمل او تميز بين المواطن والوافد ، في نوعية الوظائف التي تستحق الاعتبار.

-         حسنا .. ما الذي يدعوني لتشجيع الشباب على هذه المهن؟.

الواقع ان ما يشغلني ليس مقدار الدخل المتحصل منها ، ولا الأعراف الاجتماعية التي تصنف الاعمال الى رفيع ومتدن. الذي يشغلني هو الناتج الروحي والثقافي لاتساع شريحة "العاملين لانفسهمself-employed ". ومعروف في علم الاجتماع ، ان نسبة "العاملين لانفسهم" الى مجموع قوة العمل ، مؤشر على الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ، وعمق تجربته الحياتية.

من حيث المساهمة الاقتصادية ، خذ الولايات المتحدة الامريكية كمثال ، ففيها شركات توظف مئات الالاف وتنافس دولا بأكملها في حجم الاعمال ، مثل اكسون وفورد وجنرال الكتريك. مع هذا فهي لاتستغني عن الشركات الصغيرة ، حيث يقدر ان فيها نحو 30 مليون منشأة بموظف واحد ، تساهم بنحو  6.4 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي للبلاد.

لكن الأهم في رايي ، هو ان اتساع شريحة "العاملين لانفسهم" ، او العاملين لحسابهم الخاص ، كما تسمى أيضا ، تشير لتوجه المجتمع نحو إدارة نفسه ، وتطور الخبرات العملية لأفراده. ومع الوقت ، سوف يتأهل للاستغناء عن استيراد الخبرات الإدارية والتقنية. ونعلم ان المجتمعات المتقدمة في العلوم والصناعة ، بدأت طريقها مع المغامرات الفردية ، لشبان أرادوا فعل شيئ مختلف ، ثم تطورت طموحاتهم فاصبحوا كبارا جدا.

ان اردنا تنمية حقيقية لراس المال البشري ، فلنضع امامنا دائما سؤالين محوريين:

الأول: هل نستطيع إعادة توجيه نظامنا التعليمي ، ليكون هدفه الدائم هو تطوير كفاءة شبان يقيمون أعمالهم الخاصة ، بدل العمل كاجراء لدى آخرين؟.

الثاني: هل نستطيع إزالة كافة الأنظمة والإجراءات وقواعد العمل والكلف ، التي تبطيء تحرك الشباب نحو انشاء أعمالهم الخاصة؟.

بلوغ هذه الغاية مهم جدا لتوليد الوظائف. لكن الأهم مساهمته في نضج المجتمع وارتقاء خبراته.

الشرق الأوسط الخميس - 17 مُحرَّم 1448 هـ - 2 يوليو 2026 م   https://aawsat.com/node/5291062

25/06/2026

تصور جديد للتنمية الاقتصادية

في 1990 تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، مشروعا موسعا للارتقاء بمستوى المعيشة لكل سكان العالم. واتفقت الدول الأعضاء يومئذ ، على تكييف سياساتها الاقتصادية ، كي تنسجم مع مستهدفات المشروع. واطلق على منظومة الأهداف هذه اسم "مؤشر التنمية البشرية". تولى وضع هذا المؤشر اثنان من الخبراء المعروفين على مستوى العالم ، هم محبوب الحق ، من باكستان، وريتشارد جولي من سكوتلندا. ووضعت المؤشرات على ضوء نظرية الفيلسوف الهندي امارتيا سن.

مؤشرات  التنمية البشرية

ينظر الى اعلان هذا المشروع كتحول جوهري في مفهوم التنمية والتقدم ، لأنه غير طريقة التفكير في مشروعات التنمية. فبدلا من التركيز على المعايير الاقتصادية في قياس النتائج ، إنتقل الاهتمام الى تمكين الافراد من الاعتماد التام على انفسهم ، وتوسيع نطاق الخيارات المتاحة لهم ، ومدى استخدامهم لها في تحقيق تطلعاتهم الحياتية بأنفسهم.

بالنسبة لبعض الناس ، ربما الكثير منهم ، يبدو هذا الكلام نظريا مجردا. ولعلهم يقولون لانفسهم: في نهاية المطاف نحن نريد دخلا جيدا ، يوفر سكنا لائقا ورعاية صحية وتقاعدا مريحا. واذا كان الحال على هذا النحو ، فلماذا نطيل التفكير في الخيارات والمعايير والاستقلال؟. بل ان بعضهم يقول بضرس قاطع: اذا كان علي ان اختار بين المال والاستقلال الشخصي وسعة الخيارات المتاحة للمواطن ، فسوف اختار الأول بالتاكيد.

هذه - على أي حال - آراء مختلفة في الحياة. ثمة من يحسب قيمة الحياة وجودتها ، بمقدار ما يملك من أشياء. وثمة من يحسبها ، بمقدار ما يتاح له من فرص وخيارات ، أي بقدر ما يكون حرا في حياته. فاذا رأيت التصور الأول أقرب لقلبك ، فلا تهلك نفسك في اقناع الاخرين. واذا اقتنعوا بالرأي الثاني فلست مضطرا لتبرير مخالفتك لهم.

كانت نظرية  التنمية الكلاسيكية قد افترضت ان تحسن الحراك الاقتصادي ، سوف يلبي الحاجات الحياتية الرئيسية لعامة الناس ، فيحصلون على السعادة المنشودة. لكن امارتيا سن رأى ان توفر المال بذاته ، لا يؤدي للسعادة ، الا اذا ذهبنا مذهب البخلاء ، الذي يحققون اعلى درجات السعادة حين ينظرون للمال المتراكم في خزائنهم. لحسن الحظ فان البخلاء اقلية في العالم.

لو تأملنا قليلا في أحوال الناس ، لرأينا ان الثروة بذاتها لا تصنع السعادة ، وان كانت تعين على ذلك بكل تأكيد. ويذكر في هذا الصدد ، ان الخدم في قصور اباطرة الروس القدامى ، كانوا من اغنى الناس ، بل كانوا يملكون قرى بأكملها. ومع ذلك كانوا محرومين من ابسط خيارات الحياة ، مثل الخروج مع أبنائهم في رحلة قصيرة ، أو بيع شيء من املاكهم ، أو تزويج بناتهم وابنائهم ، الا باذن القيصر.  أي انهم كانوا – بصورة من الصور – عبيدا او شبه عبيد ، لكنهم أثرياء.

ويذكر في نفس السياق قصة أشخاص ثلاثة ، أولهم يتضور جوعا لأنه لا يملك طعاما ولا ثمن الطعام.  والثاني يصوم النهار كله لسبب ديني ، رغم امتلاكه الكثير من المال والطعام ، والثالث يملك اضعاف ثروة صاحبه ، لكنه ممنوع من الاكل بسبب مشكلاته الصحية. واضح ان الأول والثالث لا يملكون حرية الاختيار ، بخلاف الثاني. فاي الثلاثة هو الأكثر سعادة: الغني المريض ، ام الفقير المعدم ، ام الذي يصوم باختياره؟.

كيف اذن نحقق المعادلة الصعبة: توفر مستوى معقول من المعيشة + خيارات متسعة؟.

وفقا لامارتيا سن فان مشروعات التنمية ينبغي ان تستهدف غايتين ، اولاهما توفير قدر معقول من مصادر العيش ، التي تساعد عامة الناس على بلوغ المتوسط العام للمعيشة في بلدهم. ويتضمن هذا الغرض توفير الوظائف (او ممكنات الاعمال) والرعاية الصحية والتعليم والاتصالات. اما الغاية الثانية فهي تطوير البيئة القانونية والمؤسسية للبلاد ، كي تحمي وتسهل المبادرات الفردية ، وأبرز تمثلاتها هو تساوي الناس جميعا امام القانون ، وإمكانية الشكوى امام قضاء مستقل.

الشرق الأوسط الخميس - 10 مُحرَّم 1448 هـ - 25 يونيو 2026م   https://aawsat.com/node/5288208

مقالات ذات علاقة

ارامكو واخواتها : الشفافية الضرورية في قطاع الاعمال
التنمية على الطريقة الصينية : حريات اجتماعية من دون سياسة
ظرف الرفاهية واختصار الكلفة السياسية للاصلاح
العدالة الاجتماعية كهدف للتنمية
 العدالة الاجتماعية وتساوي الفرص
العلاقة الاشكالية بين السوق والسياسة
قرش الخليج الابيض
كي نتحول الى دولة صناعية
كي نتخلص من البطالة
متى تملك بيتك؟
المجتمع السري
معالجة الفقر على الطريقة الصينية
من دولة الغلبة الىمجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي
نحو نماذج محلية للتنمية
النموذج الصيني في التنمية
هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟
 
 
 

18/06/2026

صناع التقدم : العامة لا النخبة

اطروحات مالك بن نبي مهمة لمن ينظر للاختلال الثقافي ، كمعيق للنهوض العلمي والاقتصادي في المجتمعات العربية. تحدث مالك عن "الدروشة" التي حولت التراث من معرفة نشطة الى مخدر للروح. كما دعا لعقلنة الثقافة التي تحدد اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.

امارتيا سن

الانسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد ، كما أظن. وهو يستدعي سؤال ضروريا: طالما اتفق الناس على انهم ، كلا منهم ، نقطة الاشتباك ومحور الجدل ، فهل يعون أيضا ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟. واذا كانوا يستوعبون ابعاد هذا السؤال ، فهل يحاولون فعليا وضع اقدامهم على طريق التقدم ، أي هل يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟.

اريد هنا إيضاح نقطة ترد الى ذهني بين حين وآخر ، وخلاصتها ان العمل الفكري الهام لمالك بن نبي ، لم يتواصل على يد مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ ان المشروعات الفكرية التي تستهدف نفس الغاية ، أي التقدم ، ليست كثيرة او مترابطة ، بل يبدو كل منها مثل نخلة منفردة في صحراء ، يثير الاهتمام ، لكن يصعب التعرف على الخيوط التي تربطه بماقبله.

اعتقد اننا بحاجة لشيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر  "أمارتيا سن" الذي وقف أمام فرضيات "جون رولز" في نظريته الشهيرة حول العدالة ، ثم قال لنفسه: كل بلد ، حتى أكثرها فقرا ، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خال من الفرص. لماذا؟. لأن الفرص يخلقها الناس ، شرط ان لا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه بعيونهم ، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل ، او تركت الفعل الخلاق الإيجابي ، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك ، كي تعثر على زلة تحولها الى قصة. ولهذا السبب او لغيره ، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك او يخلقونها.

في أحاديثه الكثيرة حول الانسان صانع الحضارة ، اكتفى مالك بن نبي بالتأكيد على ما يمكن ان نصفه اليوم بالفردانية ، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف ان هذا شرط محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.

لكن مالكا لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور عند جميع الناس ، خاصة الأكثر حاجة للتقدم ، أي  الطبقات الفقيرة والمعدمة. بل استطيع القول ان تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة ، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه ان صناع الحضارة ، هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهريا مع الواقع القائم في عالم اليوم ، حيث ينظر لجمهور الناس كصناع للمدنية ومستفيدين منها.

أعود الى امارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين empowerment تجمع بين مفهومين: المعرفة والإرادة. وأرى  ان المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة. واقصد المعرفة العامة التي تجعل الانسان العادي مطلعا على العوالم البعيدة عن مداه الجغرافي والبصري ، فيتعرف – تبعا لذلك – على الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق ان حكومة الهند وزعت في سبعينات  القرن العشرين ، عشرات الالاف من أجهزة الراديو ، على العائلات الفقيرة في الأرياف ، كي تتعرف على الفرص المتاحة بعيدا عنها  ، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة.. الخ. تلك الخطوة على بساطتها حسنت بشكل ملموس شبكة الخدمات العامة في الريف ، وعجلت في ربطه بالاقتصاد الوطني ، فتحسنت معيشة الناس.

هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس ، ولاسيما اقلهم حظا. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة ، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي ان هذا اسرع طريق للتقدم. وللحديث بقية.

الشرق الأوسط الخميس - 03 مُحرَّم 1448 هـ - 18 يونيو 2026 م   https://aawsat.com/node/5285470

 مقالات ذات صلة

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم
الوحدة الاوربية "آية" من آيات الله
في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها
تفكيك التداخلات
كيف نتقدم.. سؤال المليون
التقدم اختيار.. ولكن
اختيار التقدم
المكنسة وما بعدها.. هل جربت صنع المكنسة؟
اصلاح العقل الجمعي
الهندسة الثقافية: تمهيد موجز
بعض التمثيل .. قد ينفع

دور الراي العام في التشريع
مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي

11/06/2026

الانسان ، التراب ، والوقت .. عودة لنقاش قديم

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الاركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة ، أي الانسان والتراب والوقت ، مع تعديل أراه ضروريا ، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.

المرحوم مالك بن نبي

اعلم ان بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الاهمية ، وان المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكني اجد أيضا أن غالبية أهل الرأي ، متفقون على ان مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. ان اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات ، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة ، بدل البلاغة وبديع الكلام ، دليل على ايمانهم بمحورية المعارف النظرية ، التي تشكل الأرضية والاطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.

اعتقد ان الجميع متفق على ضرورة النهضة ، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة ان النهضة ليست إجراءات او منظومة أعمال فقط ، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للاهداف الكبرى والوسيطة ، ومعايير للتحقق من سلامة العمل ، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا اليها.

اني اطمع ان يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة ، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة او تمنيات ، الى مسائل قابلة للنقاش العام ، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية لكافة الناس. ألاحظ مثلا ان رؤية السعودية 2030 التي تمثل – في ظني - أوسع مشروعات التحول الاقتصادي في الشرق الأوسط ، خلال الخمسين عاما الأخيرة ، لا تحظى بنقاش معمق ومستمر في الصحافة المحلية ، او في الاحاديث العامة للمتخصصين ، مع علمنا بأن هذا المشروع الضخم سوف يترك انعكاسات عميقة جدا على بنية المجتمع السعودي ومحيطه الإقليمي ، على الاقتصاد والثقافة ومنظومات القيم الاجتماعية. وقد شهدنا فعلا بعض تلك الانعكاسات ، ونتوقع المزيد منها خلال السنوات العشر القادمة.

لا شك ان هذه التحولات جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين ، فضلا عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني ان غالبية العرب لا تهتم كثيرا بالجدل حول المشروعات الوطنية الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال ، الى انشغال الناس بلقمة العيش ، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع ان تلك المشروعات هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.

سوف اعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الانسان الذي اقترحه ، والذي أراه منصرفا الى معنيين: أولهما كون الانسان هدفا نهائيا للنهضة ، فلا يصح ان تضم بين مشروعاتها ما يضعف دوره او يقيد مساراته. وثانيهما كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشروعات النهضة. ومن هنا فان تطوير قدرات الانسان العقلية والعلمية ، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة ، يعد رهانا محوريا وتمهيدا لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.

اما التراب ، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى ان الاصوب استبداله بمفهوم "الطبيعة" ككل ، باعتبارها موضوعا لعمل الانسان. نهضة الاقتصاد والعلم ، وهما جوهر مفهوم التقدم ، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الاكفأ للموارد الطبيعية.

اما الوقت ، فاني اقترح استبداله بمفهوم الزمن او التاريخ ، لأن التقدم ليس مشروعا ينتهي بعد مدة. بل هو اقرب لبرنامج مفتوح ، يبدأ بما تعرف ، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة ، فتستغني عما سبق. وهكذا فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة الى أخرى جديدة ، تؤدي بالضرورة الى زوال قيم وبروز أخرى ، وزوال مفاهيم واحكام واخلاقيات وبروز بدائل عنها ، وهكذا. معرفة الانسان تاريخية بطبعها ، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية ، أي مشروطة بزمنها ، شرط ضروري للتعامل الناضح مع التحولات التي تجري في سياق النهضة.

ولنا عودة الى الموضوع ان شاء الله.

الخميس - 26 ذو الحِجّة 1447 هـ - 11 يونيو 2026 م         https://aawsat.com/node/5282680

مقالات ذات صلة

 اختيار التقدم

الأمل الآن وليس في آخر الطريق

بقية من ظلال الماضين

التقدم اختيار.. ولكن

 تلميذ يتعلم وزبون يشتري

 التمكين من خلال التعليم

الحداثة تجديد الحياة

خطباء وعلماء وحدادون

 شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

فكرة التقدم باختصار

الفكرة القائدة ، مثال الواتس اب

كيف نتقدم.. سؤال المليون

المكنسة وما بعدها

هيروهيتو ام عصا موسى؟

التعليم الصالح لهذا الزمان

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص ، وتحويل الخيال الى واقع. الفرص التي نريد صناعتها ، ليست موجودة فعلا. والواقع ...