‏إظهار الرسائل ذات التسميات الطبيعة الانسانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الطبيعة الانسانية. إظهار كافة الرسائل

03/06/2020

الانسان الذئب؟....

الغرض من هذه المقالة هو مجادلة فكرة "الانسان الذئب" التي اشار اليها زميلنا الاستاذ يوسف ابا الخيل ، في سياق تعليقه على الغضب المتفجر في المدن الامريكية اثر مقتل الشاب الاسود جورج فلويد قبل 10 أيام. اني اعارض هذه الفكرة ، لانها تحولت بالفعل الى مبرر للتجبر والقسوة واحتقار الضعفاء.

وردت عبارة "الانسان ذئب الانسان" في نص أدبي للكاتب الروماني لوكيوس سينيكا الذي عاصر السيد المسيح وتوفي في 65 للميلاد. ثم استعملها الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز  ( 1588- 1679م) كعنصر تأسيسي في نظريته السياسية. وكتاب "لفاياثان" الذي ضم هذه النظرية ، واحد من اهم النصوص المرجعية في علم السياسة الحديث.

هذه الفكرة تقول ببساطة ، ان الانسان في طبعه الاولي ، أميل للشر والفساد. ولو ترك وشأنه فسوف يختار مايشبع غرائزه ويلبي شهواته الانانية ، ولو على حساب الغير. فاذا اجتمع جمهور كبير ، كان احتمال ميلهم للفساد اكبر  ، نظرا لدخول عامل افساد اضافي هو "عامل الندرة" الذي يعرفه الاقتصاديون. وتبنى هذه الرؤية "ارسطو" الفيلسوف اليوناني (توفي 322 قبل الميلاد). وقرر بناء عليها  ان الناس لايطيعون القانون حبا في الفضيلة ، بل خوفا من العقاب.

بقي الحديث عن الطبع الاولي للانسان ، عنصرا  ثابتا في الفلسفة السياسية ، لزمن طويل جدا ، رغم انه لم يحض بحصة ملائمة من البحث النظري. وحسب تقدير البروفسور غاري برنت ماديسون ، فان اي نظرية حول المجتمع السياسي ، اي حول البشر بوصفهم فاعلين في الحياة العامة ، هي بصورة مباشرة او غير مباشرة ، نظرية حول طبيعة الانسان ذاته. وارى ان الصحيح هو القول بان اي نظرية من هذا النوع ، يجب ان تبدأ بموقف ميتافيزيقي ثابت حول طبيعة الانسان ، سيما اذا كان محور النقاش ، هو استعمال القوة ومحدداته ، من جانب هيئة مشروعة كالدولة ، او غير مشروعة كالميليشيات الاهلية.

لقد اثرت رؤية ارسطو على التفكير الديني والسياسي ، في المجال المسيحي والاسلامي. وقد لاحظت في ابحاث سابقة ، ان فكرة الانسان الذئب ، كانت خلفية لآراء العديد من علماء المسلمين ، منذ القرن الحادي عشر الميلادي حتى وقت قريب. ومن بينهم مثلا ابو الفتح الشهرستاني (ت-1153م) في كتابه الشهير "الملل والنحل" ، كما استعملها ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي  (ت-1068م) في سياق تبريره لفكرة الامامة الدينية. لكن الجدالات التي أثارها كتاب هوبز في المجال الاوروبي ، انتهت الى تقويض الفكرة ، وهيمنة الاعتقاد في خيرية الانسان وصلاح فطرته.

تحدث هوبز عن فكرة الانسان الذئب ، ضمن سعيه لوضع نظرية تفسر سبب قيام السلطة السياسية. وقد بدأ بوضع فرضية فحواها ان الظرف الاجتماعي السابق لقيام الدولة ، كان ظرف اضطراب وتقاتل بين الناس. لكنه استدرك بالقول ان الانسان عقلاني بطبعه ، قادر على احتساب عواقب افعاله. من هنا تنادى الناس الى انشاء هيئة تمثلهم وتنوب عن مجموعهم ، في منع عدوان بعضهم على بعض ، وهي الدولة.

نظرية هوبز هي المرحلة الاهم في فلسفة الدولة الحديثة. لكن تبريره فكرة الدولة المطلقة ، التي تسير بموجب هوى الرئيس وليس القانون ، لم يكن مقبولا على الاطلاق. وما يدعو الى مناقشتها اليوم ، هو انها امتداد لتراث عميق التأثير في الثقافة العربية والاسلامية الحاضرة. وهناك بالطبع بدائل افضل منها واكمل. وهذا موضوع سنعود اليه في قادم الايام.

الشرق الاوسط  الأربعاء - 11 شوال 1441 هـ - 03 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15163]

https://aawsat.com/node/2314621/


06/11/2019

في معنى الردع وعلاقته بالطبع الاولى للبشر

مقال الاسبوع الماضي الذي تعرض للاختلاف التاريخي حول الطبع الاولي للانسان ، أثار جدلا غير قليل. ثمة قراء رأوا أن الخير هو الطبع الأصلي للانسان ، وثمة من قال بالرأي المعاكس. هذا الجدل لفت انتباهي الى مسألة متصلة بنقاش آخر يدور في بلدنا ، منذ صدور "لائحة الذوق العام" اواخر الشهر الماضي. وتضمنت اللائحة عقوبات مالية على سلوكيات غير لائقة عرفيا ، لكنها لم تصنف في الماضي كجنح او جنايات.
"Everything was fine until you insisted on accountability."

بيان المسألة على النحو الآتي: نفترض ان العقوبات التي يضعها القانون – أي قانون ، واي عقوبة – غرضها ردع الافراد عن القيام بالفعل المحظور. يهمني الاشارة هنا الى ان بعض العقوبات في التاريخ القديم كانت تستهدف الانتقام من الجاني ، كما ان البعض الآخر استهدف تمويل خزينة الحاكم. لكن هذه العقوبات لم تعد قائمة في عصرنا الحاضر.
خلاصة القول ان العقوبات التي يعرفها عالم اليوم ، غرضها (في الاعم الاغلب) هو الردع ، وفي نهاية المطاف تقليص الخروج على القانون او العرف الى أدنى مستوى ممكن.
حسنا.. ماهو معنى "الردع"؟ اي ما هي طبيعة الانعكاس الي تحدثه العقوبة في نفس الانسان ، بحيث يمتنع عن الفعل المحدد؟.
 اعلم ان بعض القراء سيقولون في انفسهم: هذا كلام زائد لا خير فيه ، لاننا في نهاية المطاف نتحدث عن "امتناع الفرد عن فعل بعينه" وهذا ما يحدثه الاعلان عن عقوبة ما.
اني أدعو هؤلاء السادة للصبر قليلا. لأن فهم المسألة قد يفتح أذهاننا على بدائل العقاب ، بل بدائل الردع بشكل عام. من المعلوم ان الردع ينطوي - بالضرورة - على نوع من القسر الخشن ، وربما المذل. والانسان يكره المخاشنة والاذلال ، ويفضل عليها المحاسنة والملاينة.
أقول هذا تشجيعا للقاريء العزيز على النظر في الشرح التالي من هذه الزاوية ، اي امكانية العثور على وسائل لمنع الافعال الخاطئة بالتوجيه اللطيف بدل القسر المذل.
لقد كنت افكر في هذه النقطة حين التقطت أذني جانبا من حديث لمفكر معاصر ، يشير فيه الى الفارق الواسع بين المحاسبة accountability والمسؤولية responsibility. الانسان محاسب على افعاله ، كما انه مسؤول عنها.
ترتبط المحاسبة بعقلانية الانسان. الانسان كائن عاقل بمعنى انه يحسب العواقب المترتبة على افعاله ، فيختار الفعل الذي ينتهي الى عواقب حسنة ، ويتجنب الفعل الذي ينتهي الى عواقب سيئة. والافعال الحسنة والسيئة هنا ، هي ما تقبله المجتمع كفعل حسن ، وما رفضه كفعل قبيح. كما ان العقاب قد يكون جسديا او ماليا ، وقد يكون مقتصرا على القطيعة والانكار. تتمظهر العقلانية اذن حين يكون الانسان عضوا في مجتمع او مدينة ، والافعال المعنية هي تلك التي تؤثر على اعضاء آخرين او على املاك مشتركة لاعضاء المجتمع.
أما  المسؤولية فترتبط بحقيقة ان الانسان كائن اخلاقي. اخلاقي بمعنى انه يمتنع – من تلقاء نفسه – عن الافعال التي يراها ضارة بالغير ، او غير لائقة او مقبولة ، حتى لو لم تكن ضارة بشخص معين. ويقدم على الافعال التي تفيد الناس حتى لو لم يستفد منها هو ذاته.
دعني اقول كخلاصة: ان من يرى الشر طبعا اوليا للبشر ، ينظر للردع كمحرك لعقلانية الانسان. ومن يرى الخير طبعا أوليا للانسان فهو ينظر للردع كعامل استثارة لاخلاقية الانسان.
ولازال في الحديث بقية نعود اليها في وقت آخر ان شاء الله.
 الشرق الاوسط الأربعاء - 9 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 06 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14953]

05/12/2018

صورتان عن الانسان والقانون


||هل يميل غالبية الناس عادة للعيش بسلام ويهتمون بصلاح حالهم ومن حولهم، ام يفضلون العيش في نزاع ويفسدون دنياهم حيثما غاب الرقيب؟||


لعل بعض القراء قد لاحظ معي مبادرة بعض الدوائر الرسمية بنشر أجزاء من انظمتها او لوائحها في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. وهو عمل طيب ، يساعد في توعية الناس بالقانون ، وجوده وحدوده. لكن لفت انتباهي التركيز -العفوي غالبا - على الحدود والعقوبات ، دون الحقوق التي يبتغي النظام اقرارها ، والمصالح التي يريد حمايتها.
وقد ذكرني هذا بمناقشات سابقة ، حول مفهوم القانون والفلسفة التي يبنى على أرضيتها ، والخلفية الذهنية لواضعيه.
استطيع القول بشكل مجمل ان وضع القانون (ومن بعده اللوائح التنفيذية التي تحكم تطبيقاته) يتأثر بالخلفية الذهنية والتجربة الثقافية لواضعيه ، فيأتي على احدى صورتين: أ) قانون يركز على "بيان" حقوق المواطنين وكيفية الوصول اليها. ب) قانون يركز على "حدود" المسموح للمواطنين والعقوبات التي ستطبق على المخالفين.
نعلم طبعا ان القانون لا يكتمل ما لم يشتمل على الجانبين. لكن بدا لي ان القانون في البلاد العربية ، يميل بشكل عام الى التقييد وبيان الواجبات دون الحقوق. أو لعله يركز على القيود والواجبات بدرجة أكبر من الحقوق. ويظهر أيضا ان هذا المنحى هو المفهوم والمتعارف بين عامة الناس. فتراهم يذكرون في غالب احاديثهم العقوبات والقيود ، ويغفلون الجانب الآخر. ولعل مقصودهم هو تنبيه اصدقائهم كي لا يقعوا في المحظور.
احتمل ان التركيز على الواجبات والعقوبات ، مرجعه ذهنية متشائمة تجاه طبيعة الانسان وميوله الفطرية. وأذكر عبارة لمفكر مشهور فحواها ان أي نظرية في السياسة ، هي - بالضرورة - نظرية حول طبيعة الانسان. وأرى ان الصحيح هو القول بأن كل نظرية في السياسة (وفي القانون) مرجعها رؤية مسبقة عن طبيعة الانسان.
ثمة من يعتقد ان الانسان بطبعه ميال للفساد ، والتملص من السلوك الاخلاقي الذي يمليه العقل السليم. وثمة من يرى المسألة على النقيض. فالانسان عنده ميال للخير والالتزام بالاخلاقيات التي يقبلها العرف أو يدعو اليها. وكلا الفريقين لا ينكر وجود استثناءات ، لكنه يقرر الحالة العامة الغالبة في المجتمع الانساني.
وكان الاتجاه العام في ثقافة العالم ، يميل للرؤية الاولى المتشائمة ، حتى أوائل القرن الثامن عشر ، حين مال مفكرو التنوير الاوروبي ، للتخلي عن تراث الفلسفة اليونانية والتعاليم الكاثوليكية. فمالت الكفة لصالح الرؤية الثانية ، التي تنظر للانسان ككائن عاقل وميال الى الخيارات الاخلاقية ، في حياته وتعاملاته مع الغير. أما الثقافة العربية والاسلامية ، فهي لازالت متأثرة بانعكاسات الرؤية القديمة. وهذا واضح في التوجيه الديني ، وفي الدراسات الفقهية ، كما في القانون والسياسة.
لا يتسع المجال هنا للمقارنة بين الرؤيتين. واظن ان كلاهما سيجد من يميل اليه. لكني سأكتفي بوضع سؤالين يوضحان المقصود. السؤال الأول حول المخاطبين بالقانون. حيث نعلم انه يطبق على كافة الناس. فهل الغالبية العظمى من الناس يميلون – عادة – الى العيش بسلام ويهتمون بصلاح حالهم ورفاه من حولهم ، ام – على العكس – يميلون الى العيش في نزاع وصراع ويفسدون دنياهم حيثما غاب الرقيب؟. السؤال الثاني: هل يميل غالبية الناس الى الالتزام بالقانون اذا وجدوا فيه عونا لهم على نيل حقوقهم وتسهيل حياتهم ، ام انهم سيذهبون – رغم ذلك – الى الطرق الصعبة التي تنتهي للاضرار بهم او بالآخرين.
اظن ا ن السؤالين يوضحان العلاقة بين تصورنا عن طبيعة الانسان ، وانعكاسه على فكرة القانون واغراضه. وفي هذا ما يكفي عن كثير البيان.
الشرق الاوسط الأربعاء - 27 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 05 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14617]
https://aawsat.com/node/1491141

26/07/2017

القانون للصالحين من عباد الله

|| لا يخلو مجتمع في العالم كله ، من اشخاص فاسدين وعابثين. لكن مشيئة الله قضت ان يكون غالبية الخلق عقلاء ملتزمين بدواعي الفطرة السوية وإرادة الخير||
يخبرنا الزميل د. عبد العزيز النهاري عن حادثة ذات دلالة ، كان طرفا فيها. وخلاصتها انه قدم وصفة طبية لصيدلانية في مدينة ليفربول غرب انجلترا ، ومعها قيمة الدواء ، فأبت السيدة ان تأخذ المال ، لأن القانون يعفي الاشخاص فوق الستين عاما من كلفة العلاج (عكاظ 22 يوليو 2017). مثل هذا الحدث غير مألوف في العالم العربي ، لكنه اعتيادي في بريطانيا ودول أوروبية أخرى.
وأذكر أيضا ما شاهدته في النرويج قبل عامين ، حين وجدت الناس يدخلون ويخرجون من محطة القطار ، دون ان يسألهم احد عن تذاكر الركوب. خلافا لما كنت اعرفه في بلدان أخرى. وعلمت لاحقا ان الهيئة المشغلة للقطار وجدت المخالفات نادرة جدا ، فاستغنت عن توظيف المراقبين. وأظن ان معظم الذين سافروا الى اوربا او عاشوا فيها ، يعرفون العديد من القصص المماثلة. ولا بد ان بعضهم يتمنى لو رأى مثلها في البلاد العربية والاسلامية.
العنصر الجامع بين القصتين هو طبيعة القانون وفلسفته. في الأولى حول القانون مبدأ التكافل الاجتماعي ، من اعتقاد ميتافيزيقي ، الى حق مادي لكل عضو في الشريحة الاجتماعية المعنية بالتكافل ، ووضع اجراءات محددة لتمكينهم من هذا الحق. وفي القصة الثانية استند واضع القانون الى قناعة فحواها ان معظم الناس يميلون للالتزام بمفاد القانون ، حتى لو استطاعوا مخالفته. وكلما صيغ القانون على نحو يسهل حياة الناس ، فان الالتزام به سيكون اوسع واعمق.
اني واثق ان جميع الناس ، في منطقتنا وسائر بلاد العالم ، يتمنون ان يكون القانون في خدمتهم ، ان يوضع على نحو يمكنهم من نيل حقوقهم دون عناء. وهم بالتاكيد يتمنون ان يعاملوا بثقة واحترام ، من جانب حكوماتهم ومن جانب كل طرف ذي علاقة بالمجال العام. ولا فرق في هذا بين النخب الحاكمة والجمهور.
حسنا. دعنا نسأل أصحاب القرار وصناع القانون ومنفذيه: لماذا لا يفعلون ذلك؟.
المرجح انك ستسمع جوابا واحد ، فحواه أن مجتمعاتنا مختلفة ، وأن ما يصلح في الغرب لا يصلح في الشرق.
قد يكون هذا الاعتقاد صحيحا وقد يكون خاطئا. لكن الحقيقة المؤكدة انه لم يخضع للتجربة على نحو كاف ، كي نتحقق من صدقه او خطئه. بل لدينا من الأمثلة ما يؤكد ان الجواب المذكور لا يخلو من مبالغة ، وقد يكون بعيدا عن الحقيقة. أذكر على سبيل المثال تجربة من بلادنا (السعودية) تتعلق بالتحول الذي جرى في إصدار الجوازات وبطاقات اقامة الوافدين. قبل عقد من الزمن ، كانت هذه مهمة مضنية ، تستهلك الكثير من الوقت والجهد في المراجعات الشخصية للدوائر. لكن الجزء الاعظم منها يجري الآن عبر الانترنت ، وترسل بطاقات الاقامة في البريد الى عنوان المستفيد. ونعلم ان تقليص الاجراءات والمراجعات الشخصية لم يتسبب في زيادة التزوير والتهرب من القانون. هذه التجربة دليل فعلي على اننا لا نختلف عن غيرنا ، واننا نستطيع تكرارها في قطاعات اخرى.
لا يخلو مجتمع في العالم كله ، من اشخاص فاسدين وعابثين. لكن مشيئة الله قضت ان يكون غالبية الخلق عقلاء ملتزمين بدواعي الفطرة السوية وارادة الخير. ومن هنا فان القانون الاجدر بالطاعة والتأثير ، هو ذلك الذي يصاغ على نحو يحاكي هذه الطبيعة ويخدم اصحابها ، لا القانون الذي يضيق على الناس حياتهم أو يهدر حقوقهم.
الشرق الاوسط 26 يوليو 2017 http://aawsat.com/node/982871
مقالات مماثلة


03/05/2017

الحق في ارتكاب الخطأ

 في مقالة قصيرة نشرها يوم الاثنين الماضي ، أثار المحامي المعروف عبد الرحمن اللاحم ، مسألة استقلال الفرد ومدى سلطة المجتمع والقانون على حياته الشخصية. والمقالة جزء من جدل اجتماعي واسع حول الحق في الترفيه ، ومن ضمنه ذلك الذي يعتبر عند بعض شرائح المجتمع خاطئا او غير ذي أولوية.
للوهلة الأولى بدا ان محور الجدل هو التجويز الشرعي لعقد المناسبات الترفيهية والمشاركة فيها. لكنه في حقيقته العميقة متعلق بحق الانسان في ارتكاب الخطأ.  ولطالما تجادل الفلاسفة حول سؤال: هل يستطيع الانسان تحديد ما هو خير له وما هو شر.
تميل الثقافات التقليدية عموما الى اعتبار عقل الانسان قاصرا عن تشخيص المصالح والمفاسد. ولذا فهو بحاجة الى معلم ورقيب. هذه الرؤية قديمة في التفكير البشري ، وتحدث عنها ارسطو بصورة مفصلة في شرح نظريته الاخلاقية ، وقرر ان مهمة الدولة هي تعليم الرجال معنى السعادة وكيفية بلوغها. ومال كثير من قدامى المتكلمين المسلمين الى ان النقص الطبيعي في الانسان هو المبرر الرئيس للولاية عليه.

لكن منذ أواخر القرن السابع عشر ، مالت الفلسفة الى منحى معاكس ، يؤكد على أهلية الانسان لتشخيص الخير والشر اعتمادا على عقله المنفرد. وانه – لهذا السبب – حر في حياته ، مسؤول عن أفعاله. ولولا أهليته لتمييز الصواب والخطأ ، لما جاز محاسبته على أفعاله.
يطرح التقليديون مجادلة مقنعة في العادة لمستمعيهم ، فحواها ان الخطأ محتمل من الانسان ، وهو يتأثر بالغرائز والشهوات ، فضلا عن غواية الشيطان ، فلا يبعد ان يقع في الخطأ مرارا وتكرارا. ولو استمع لأمر المرشد الناصح قبل الاقدام على أي فعل ، لما انزلق في الأخطاء. فأيهما خير للانسان: أن يستمع دائما الى قول مرشده قبل الاقدام على أي فعل ، ام يتجاهل المرشد ، ويتصرف حسب إملاءات عقله القاصر ، المتأثر بالغرائز والشهوات وتزيين الشيطان؟.
واضح ان مستمعي هذه المجادلة ، سيميل أغلبهم الى الخيار الأول ، اي كبح عقله والاتكال على عقل المرشد.
-         فماذا لو قلت ان الخيار الثاني هو الصحيح ، رغم انه يؤدي أحيانا الى ارتكاب الأخطاء؟
 ثمة عشرت الادلة على هذا القول. لكن ابسطها هو مشكلة الدور. اذا كان النقص وارتكاب الخطأ جزء من طبيعة البشر ، فماذا عن المرشد.. اليس انسانا يحمل هذه الصفة؟. بديهي ان النقص يصيب العمل كما يصيب التفكير والتصور ، فما الذي يقيه من ارتكاب الخطأ في التفكير والارشاد.
لكن دعنا من الجدل الفلسفي ، ولننظر في التجربة الواقعية للبشر. هذا التقدم الهائل في العلوم والفنون ، الم يصنعه البشر الخطاؤون؟. فما هي انجازات المرشدين والمسترشدين في المقابل؟.
هل لانجازات الخطائين تلك ، قيمة معنوية واخلاقية ، ام انها بلا قيمة. هل يمكن للانسان ان يتعلم ويتقدم من دون تجربة الخطأ والصواب. هل يصح قصر التفكير والتجربة على شريحة محددة من المجتمع ، ام هو دور يقوم به جميع الناس؟.
زبدة القول اذن ان الحق في حرية التفكير يعادل في جوهره الحق في ارتكاب الاخطاء وتحمل المسؤولية عنها.
 حياة الانسان ليست سوى تجربة مستمرة من الافكار الصحيحة والخاطئة ، والافعال الصحيحة والخاطئة. وان ايقاف هذه التجربة يعادل ايقاف العقل ، وتحويل الانسان الى مجرد آلة مبرمجة خالية من الروح وعاجزة عن الحياة المستقلة. فهل يود أحد ان يعيش حياة كهذه؟.
 الشرق الاوسط 3 مايو 2017   http://aawsat.com/node/917211


09/07/2013

يسروا القانون كي تكسبوا طاعة الناس

تقول وزارة العمل إنها استطاعت تصحيح 40 فيالمائة من المخالفات الخاصة بالعمالة الأجنبية. ويحق للوزارة أن تفخر بهذا الإنجاز الذي تحقق خلال 90 يوما. لكن ما يهمنا فعلا هو قراءة هذه التجربة ودروسها. وأهم تلك الدروس في ظني هو ''أثر اللين والملاينة في التزام المجتمع بالقانون''.
يعرف الذين أقاموا في الدول الصناعية أن الناس لا يضطرون إلى مراجعة الدوائر الحكومية والمصارف، وحتى الشركات الخاصة، إلا في أضيق الحدود، لأن جميع المعاملات تتم بالبريد والهاتف.
أما في بلدنا فيستحيل إنجاز معاملة دون مراجعة عديد من الدوائر. خلال الأسبوع الماضي أمضيت أربعة أيام لاستخراج شهادة زكاة. قلت لأحد الإداريين هناك إننا نضيع هذا الوقت الطويل كي ''ندفع'' المال للحكومة، فكم من الوقت سنصرفه لو احتجنا لقبض مال منها؟
صورة ذات صلة
الفارق بيننا وبين الدول المتقدمة يكمن في الأساس الفلسفي للقانون. تبنت تلك الدول فلسفة متفائلة إزاء الطبيعة الإنسانية، فحواها أن أكثرية الناس خيرون يريدون العيش في إطار القانون، ولذا يوضع القانون بهدف مساعدتهم وتسهيل أمورهم.
أما في المجتمعات التقليدية مثل مجتمعنا فتسود فلسفة متشائمة إزاء الطبيعة الإنسانية، فحواها أن الناس لو تركوا من دون ضابط أو رقيب، فسيعبثون ويفسدون. ولهذا يميل واضع القانون إلى التشدد في نصوصه، كي يجبر الجميع على الانضباط ويضيق الخناق على العابثين.
بعبارة أخرى فإن القانون في الحالة الأولى يوضع لمساعدة الأكثرية الطيبة، ولو أدى إلى تمكين الأقلية العابثة من الإساءة. أما في حالتنا فيوضع لردع الأقلية العابثة، ولو أدى إلى تعسير الحياة على الأكثرية المطيعة للقانون.
تجربة التسعين يوما التي أمر بها الملك لتصحيح أوضاع الوافدين أثبتت أن الأكثرية الساحقة من الناس تريد العيش في ظل القانون، وإنها ستسعى لذلك حين تجد القانون يسيرا ومساعدا.
ينبغي للحكومة أن تسأل نفسها: لماذا عجزنا عن حل هذا المشكل طيلة ثلاثة عقود، بينما نجحنا في حل 40 في المائة منه خلال ثلاثة أشهر؟
الفارق الوحيد هو أن الحكومة يسرت الإجراءات، وخففت من القيود القانونية الثقيلة التي كانت مفروضة في الماضي. ألا يكفي هذا للتدليل على أن عسر القانون هو أبرز أسباب التهرب منه، وأن يسر القانون هو الطريق الوحيد لتشجيع الناس على طاعته وتكييف حياتهم ضمن إطاره؟
زبدة القول أن القانون الضيق الشديد يدفع الناس قسرا للقفز فوقه، بينما القانون اليسير السهل يدفع الناس تطوعا لطاعته والانسجام معه. نحن في حاجة إلى تغيير الفلسفة التي يوضع النظام على أرضيتها. دعونا نثق بالإنسان، بطبيعته الخيرة، وأن نضع القانون على هذا الأساس، حتى لو أدى إلى منح 100 مخالف فرصة للعبث. لا ينبغي أن نعسر حياة ملايين الناس من أجل عشرة أو 100 أو حتى ألف عابث.

مقالات ذات علاقة

17/08/2009

دعاة الحرية وأعداء الحرية

الذين يدعون إلى الحرية والذين يرفضونها ، ينطلقون من رؤيتين حول طبيعة الإنسان ، تتعارضان في المبدأ أو في التطبيقات. تركز الرؤية الأولى على الجانب البيولوجي الذي يشترك فيه الإنسان مع بقية الحيوانات. ويعتقد أصحابها أن الناس لو تركوا من دون رقيب ، فسوف يتحول اجتماعهم إلى ما يشبه الغابة ، التي يأكل فيها القوي حق الضعيف ، فلا يردعه إلا ظهور من هو أقوى منه.

الذي يحول بين الناس وبين عودتهم إلى الطبيعة الحيوانية ، هو وجود السلطة القاهرة التي تخيف القوي وتحمي الضعيف. أما أصحاب الرؤية الثانية ، فيعتقدون أن الإنسان بطبعه مخلوق خير ، وأنه مؤهل ذاتيا كي يكون عطوفا أو يكون باغيا. فطرة الإنسان تدعوه إلى مواساة الغير والتألم لما يصيبهم وليس العدوان عليهم. وإنما يميل إلى العدوان بتأثير التربية أو الظروف المحيطة به.
ترجع كلتا الرؤيتين إلى أزمان متطاولة ، ولذا يصعب الجزم بتاريخ محدد لظهور أي منهما ، أو ما إذا كانت قد سبقت أختها. المؤكد أن كلاهما كان معروفا في التراث الفلسفي والإنساني القديم. ما نستفيده من تاريخ المعرفة ، هو أن الرؤية المتشككة في طبيعة الإنسان ، سيطرت على الفكر الإنساني حتى القرن السادس عشر الميلادي ، حينما بدأت في التراجع لصالح نظيرتها المتفائلة ، وصولا إلى القرن التاسع عشر ، الذي هيمنت فيه الفكرة الاخيرة على الفلسلفة والفكر الإنساني لا سيما في العالم الغربي.
يمكن بسهولة ملاحظة انعكاسات كل من الرؤيتين على أسلوب التعامل مع عامة الناس ، سواء من جانب المؤسسات الحكومية التي تطبق القانون ، أو حتى الشركات التجارية التي تعمل في ظل القانون. ولعل الذين عاشوا في البلاد الغربية أو زاروها ، قد لاحظوا بالتأكيد كيف أن تلك المؤسسات والشركات ، تبني على الثقة في تعاملها مع مراجعيها والمتعاملين معها.
 حين تبعث برسالة إلى دائرة حكومية أو شركة تجارية تطلب شيئا ما ، فإنهم ينظرون إليها بثقة ولا يهملونها ، كما لا يطلبون منك الحضور شخصيا. يكفي أن تذيل الرسالة بتوقيعك وعنوانك ، كي يأخذ طلبك مساره الاعتيادي للتنفيذ.
يعلم هؤلاء أن بعض الناس قد يعبث أو قد يستغل القانون. لكنهم – قبل ذلك - يؤمنون بأن الأغلبية الساحقة من الناس طيبون ، يريدون العيش بسلام في ظل القانون ، ولا يبحثون عن مشكلات. قارن هذه الطريقة بنظيرتها المعتادة في المجتمعات التقليدية ، حيث لا تستطيع إجراء معاملة إلا إذا حضرت شخصيا ، وعرضت بطاقتك المدنية ، وربما يطلب منك إحضار من يشهد على قولك أو يزكيك ، كما هو الشأن في دوائر القضاء، أو ربما يطلب منك إحضار ورقة تعريف من العمدة أو شيخ القبيلة.. إلخ.
الذين رأوا أن الإنسان أميل بطبعه إلى الجانب الحيواني ، قالوا إنه يتصرف بتأثير نفسه السفلى ، أي تلك التي تضم غرائزه الحيوانية وشهواته. وهي تميل به إلى الاستحواذ والسيطرة والتسلط والعدوان. والذين رأوا أن الإنسان أميل إلى الخير ، قالوا بأنه لو ترك وشأنه فإن عقله وإنسانيته ، ستقودانه إلى التزام حدوده وإلى التعاون مع الآخرين من أجل تحسين النطاق المعيشي المشترك فيما بينهم.
ذهب إلى الرؤية الأولى معظم قدامى الفلاسفة ، ومن بينهم الفلاسفة المسلمون. ويذهب إليه في العصر الراهن التيارات المحافظة والشمولية ، في شرق العالم وغربه. ويرى هؤلاء جميعا أنه لا سبيل لتحسين بيئة العيش الإنساني ، إلا بوجود أنظمة وقوانين متشددة ، تحدد المسموح والممنوع ، ووجود دولة قوية تفرض تلك القوانين كي لا يعيث الناس في الأرض فسادا.
وذهب إلى الرؤية الثانية الفلاسفة الرومانسيون. ثم أصبحت في العصر الحديث أرضية تقوم عليها الفلسفة الليبرالية ، ولا سيما في موقفها من الحريات الشخصية والمدنية.
تؤمن هذه الفلسفة بالحاجة إلى القانون كما تؤمن بالحاجة إلى دولة قوية يحترمها الجميع.
لكن دور الدولة هنا يختلف عن نظيرتها المحافظة. فغرضها ليس إجبار الناس على الصلاح. بل توفير الحماية القانونية للجميع كي يمارسوا حريتهم ، من دون أن يخرقوا حدود الآخرين ، أو يتجاوزوا على حقوقهم.
بعبارة أخرى ، فإن هذه الرؤية تريد دولة محدودة التدخل. بينما تدعو الرؤية الأولى إلى تدخل لا محدود من جانب الدولة ، في الحياة العامة وربما الخاصة أيضا. كلتا الرؤيتين لهما مبررات وأدلة. لكن الواضح أن الرؤية المتشائمة تنتمي إلى الماضي بينما تنتمي الثانية إلى العصر الحديث.

    صحيفة عكاظ  - 17 / 8 / 2009م
http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20090817/Con20090817299063.htm

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...