‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحداثة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحداثة. إظهار كافة الرسائل

14/01/2014

عن العالم المحبوب


ذكرت في مقال الأسبوع الماضي أن البرمجة القسرية للجيل الجديد، سبب رئيس لتأخر المجتمع وضيق مساحة الإبداع. الفرد الذي يتربى منذ الطفولة على "الاستسلام" لإرادة الغير، سيكون أميل الى التملق والمجاملة والعيش وفق المتاح، بدل التألق والمكابدة والسعي وراء المغامرة الذهنية والحياتية
.
يخبرنا التاريخ أن المغامرات الذهنية والحياتية للأفراد، هي التي أعطت البشرية أعظم المبتكرات وأرست قواعد المدنية، منذ قديم الزمان وحتى اليوم. هذا صحيح في السياسة، وصحيح في الحياة الاجتماعية، كما أنه صحيح في العلم والاقتصاد.
البديل الذي ندعو إليه هو تمكين الفرد من أن يكون كما يشاء، أن يفكر كما يريد، أن يعيش حياته متصالحا مع ذاته، منتميا لتطلعاته وطموحاته الخاصة، قادرا على صناعة حاضره ومستقبله بحسب ما يراه صالحا لشخصه، سواء تناغم مع المجتمع أو خالفه، وسواء قبل بأعراف وتقاليد الجماعة أو تمرد عليها. المصالحة مع الذات تعني تمكين الفرد من إعلان ما يستبطن وما يسر في نفسه، بدل العيش بوجهين.
لكن هذا مستحيل دون تحول جوهري وعميق في الثقافة العامة. في الوقت الحاضر، يتربى الفرد على أن المصلحة المحترمة هي مصلحة غيره: مجتمعا كان أو بلدا أو أمة أو حزبا أو قبيلة أو طائفة. لو اتفق أكثر الناس على رأي أو تصور للمصلحة المشتركة وخالفها فرد أو بضعة أفراد، فلن ينظر أحد في احتمال أن يكون رأي هذا الفرد أو ذاك، هو الصواب، ورأي الجماعة هو الخطأ. المعيار الوحيد لقبول الرأي أو رفضه، هو موقف الجماعة منه، بغض النظر عن محتواه.
يتوقف الفرد أحيانا عند هذه المعضلة، ويتساءل: لماذا يجب عليه أن يتبنى مصلحة غيره ويضحي بمصلحته الخاصة؟ ينصرف هذا السؤال إلى سؤال آخر أعمق، فحواه: لماذا أصبحت قيمتي كفرد، مرهونة بانتمائي للجماعة ومداهنتي لها واستسلامي لنظام حياتها؟
واقع الأمر أن مجتمعنا مثل سائر المجتمعات العربية، لا يعترف بوجود مستقل للفرد. تتحدد قيمة الفرد ومكانته والفرص المتاحة له، بناء على وصفه العائلي أو السياسي أو الاجتماعي، وليس كفاءته الشخصية. سؤال "وش ترجع"، أي: إلى أي اطار اجتماعي تنتمي، يلخص هذه الحقيقة.
استسلام الفرد لهذا الواقع يثمر عن قيام عالمين: عالم ثقيل على نفسه، يعيشه حين يكون وسط الناس، وعالم محبوب يعيشه حين يغلق باب داره، أو حين يسافر خارج بلده. كل منا يعيش حياة مزدوجة كهذه، وكل منا يشعر بثقلها على نفسه، سيما حين يجرب السفر خارج البلد، أي حين يتحرر من رقابة المجتمع. فهل نريد المحافظة على هذه الحياة الثقيلة؟ وهل نريد توريثها لأبنائنا؟

07/01/2014

إعادة إنتاج التخلف


إبراهيم البليهي واحد من المفكرين الذين حملوا السلم بالعرض كما يقال. لسنوات طويلة ألح البليهي على أن أهم عوائق النهضة هو البرمجة الذهنية، التي يمارسها المجتمع على أجياله الجديدة من خلال التربية والتعليم، فيحولهم إلى نسخ مكررة عن الماضين.

 الجانب الموجع في هذا السلوك هو اقتناع معظم الناس بأن علاقة القسر هذه ضرورية وأنها ضمان للفضيلة. ولا يخلو الأمر من مفارقات. ستجد مثقفا يسخر ممن يقلد غيره في فكرة أو رأي. لكنه هو ذاته يتغنى بالمقولة المشهورة "الاتباع لا الابتداع"، ويعمل على إقناع الناس بالتزام الآراء والأفكار والتقاليد التي ورثناها من الأسلاف.
قسطنطين زريق

البديل الذي يدعو إليه البليهي هو "التلقائية"، بمعنى أن تكون كما تريد، ولو خالفت جميع الناس، أن تطلق خيالك إلى أبعد مدى يمكن أن يقاربه، ولو أوصلك إلى أفكار غريبة أو مستنكرة، أن تنظر إلى نفسك ككينونة مستقلة، ولو كنت مؤمنا بالإطار الاجتماعي الذي تنتمي إليه، أن تدافع عما تظنه مصلحة خاصة لك، ولو تعارضت مع تصور الآخرين للمصلحة العامة أو حقوق الجماعة.

مجتمعنا الذي يشكل الشباب نحو ثلثي أعضائه يتعرض للشيخوخة المبكرة، لأننا نقسر الشباب على تقليد نمط الحياة والقيم التي ورثناها أو صنعناها وألفتها نفوسنا، رغم سعة الفاصل الثقافي بيننا وبينهم. إني أستمع للشباب يتحدثون اليوم عن أفكار وتطلعات لم أعرفها، بل لم يصل إليها خيالي حين كنت في مثل عمرهم.

 في منتصف سبعينيات القرن العشرين، كتب المرحوم دكتور قسطنطين زريق أن المعرفة المتوفرة في العالم تتضاعف مرة كل 30 عاما. وأظن اليوم أن المعرفة المتاحة لعامة الناس، ولا سيما الشباب، تتضاعف مرة على الأقل كل عامين أو ثلاثة. أي أن المجال الذي يفكر فيه شبابنا ويصنعون من خلاله تطلعاتهم وتصورهم لمستقبلهم، أوسع من مجالنا بما لا يقل عن 20 ضعفا. هم أعلم منا بحياة اليوم، وهم أقدر على الوصول إلى المعارف الجديدة والفرص الجديدة. فكيف نقسرهم على الانحصار في القليل الذي عرفناه في الماضي؟

القسر الذي نتحدث عنه، هو ببساطة تربية الجيل الجديد على اتباع الموروث، فكرة كان أو عرفا أو أسلوب حياة، وتقديمه لهم كإطار وحيد للفضيلة. هذا يؤدي ـــ بالضرورة ــــ إلى تجريد الأفكار الجديدة من أي قيمة، وربما اعتبارها "بدعة". لا خير في ذلك الموروث ولا فائدة، ولو كان خيرا لما صرنا أضعف الأمم وأقلها إنتاجا على كل صعيد.

إذا واصلنا "ضخ" تلك الأعراف والتقاليد والأفكار المتخلفة في عقول أبنائنا، فلن يكونوا غير صور مكررة عنا، وسيبقون أسرى لماضينا المتخلف وسيواجهون كل الإخفاقات وأصناف الفشل التي اختبرناها.

16/01/2013

في كمال الاسلام وشموله


"مقتطف من كتاب الحداثة كحاجة دينية"

قال لي صاحبي: الذين دعوا بتلك الدعوات ، انطلقوا من حمية دينية وحرص على الدين. وهم يقيمون دعواهم على قاعدة ان الدين كامل شامل ، وان كتاب الله سبحانه قد احاط بكل شيء ، وما ترك شيئا الا بينه واوضحه ، قال تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء – الانعام 38).
قلت لصاحبي: سؤالك هذا يقودنا الى مناقشات كثيرة ، غير ما نحن بصدده. لكني اجيبك على سبيل الاختصار الشديد على فكرة كمال الدين وشموله. فالذي نتفق عليه هو كمال الدين. والكمال وصف للكيف "الكمال يقابل النقص". فلا شك ان الاسلام ليس بناقص.
اما الشمول فهو وصف كمي. ولو افترضنا ان شمول الاسلام منصرف الى معنى ان فيه حكما لكل شأن من شؤون الحياة ، فلا شك ان هذا غير صحيح. اذا لا يطلب منا اسلامنا ان نعود اليه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة. الا ترى اننا نقوم يوميا بعشرات من الاعمال التي لا نرجع فيها الى الفقيه ، بل الى عقولنا او الى اهل الاختصاص ، كالمهندس والطبيب وغيرهم. فهذه الامور ليست ضمن مجالات اشتغال الدين ، بل هي امور عقلية لا تكليف فيها ولا الزام ، ولا تدخل ضمن دائرة الثواب والعقاب او الواجب والمحرم.
 وبالمناسبة فهذا النقاش ليس جديدا ، فقد تطرق اليه بعض قدامى الفقهاء. وقد احتج بنفس المقولة الشيخ يوسف البحراني (ت-1772م) ، مستدلا بالاية السابقة وبقوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين-النحل 89)، ورد عليه الشيخ احمد النراقي (ت-1828م) بان المقصود هو ما يقتضي شأنه ووظيفته بيانه ، لا كل شيء على نحو الاطلاق. فالبديهي ان كثيرا من الامور لم تبين في الكتاب ، سواء الكتاب في معنى القرآن او في معنى الشريعة. وذلك لانها ليست مما هو مطلوب من الكتاب بيانه. كما ان عدم البيان لا يوجب الظن بالنقص فعدم بيان ما ليس مطلوبا ليس مظنة نقص. بل لعل بيان غير المطلوب يعد تكلفا. والتكلف مما يعاب على الكامل [1]. اما حمية اولئك الدعاة وحرصهم على دينهم ، فهي شعور مشكور ودليل على صلاح نيتهم ، ونسأل الله ان يثيبهم عليها. لكن صلاح النية شيء وصلاح العمل شيء اخر. الا ترى ان بعض الاباء يضربون ابناءهم بقصد التهذيب ، فيؤدي ذلك الى كراهية الابناء للاباء. بل الا ترى ان تشدد بعض قومنا في الزام غيرهم بطريقة تدينهم الخاصة ، قد ادى الى نفور هؤلاء من الدين كليا. فهذا وذاك دليل على ان النية الصالحة غير العمل الصالح. وقد كان حديثنا عن العمل وليس عن النية.

وعطفا على حديثنا السابق. اقول ان ذلك التكلف في ربط كل شيء بالاسلام ، قد عمق التفارق بين العلم والهوية الذي اشرنا اليه. كل مسلم في هذا اليوم ، يريد المحافظة على هويته ، ويريد في الوقت نفسه الحصول على العلوم الحديثة التي تطورت عند الغرب. نحن نعلم ان لا سبيل للحصول على العلم سوى بالتعلم من اهله. لكن بالنظر لما قلنا من تفارق ، فقد اصبحنا نعيش حياة مزدوجة: نرغب في ان نكون مثل الغرب في علمه وتقدمه وقوة مجتمعه ، وفي الوقت نفسه نعتبرها غير سليمة وغير مشروعة. وقد ادت هذه الازدواجية ، الى التضحية بجوهر مطلبنا ، اي التعلم واعادة انتاج العلم ، واستبدالها باستهلاك منتجات ذلك العلم. ترى دعاتنا مثلا ، بل جميع قومنا ، يتبارون في استخدام احدث التجهيزات التي انتجها العلم الغربي في كل مجال من مجالات الحياة. لكنهم لا يتوقفون عن شتم الغرب الذي انتج لهم هذه الاشياء.
ولو اقتصر الامر على الشتيمة لهان الامر.  لكن وراء هذا التركيز على التمايز والعداوة يكمن خلط رهيب بين فكرتين مختلفتين تماما: فكرة الاستقلال عن الغرب ، وفكرة الانفصال عنه. وقد كان الجدير بهم ان يركزوا على الاولى. اما الثانية فمستحيلة ، ومآلها تكريس الحاجة الى الغرب ، والبقاء متكلين عليه. 
فكرة الاستقلال تعني بالضبط: السعي للاكتفاء الذاتي في كل مجال ، في العلوم والاقتصاد والثفافة وغيرها. واول هذا السعي هو الانفتاح على الغرب للتعلم منه ، ثم اعادة انتاج ما تعلمناه ضمن اطارنا الثقافي الخاص. فاذا نجحنا في هذا المسعى ، فسوف نكون اندادا للغرب ، قادرين على الاستقلال عنه. ولا يضيرنا يومئذ الاتصال به او التعاون معه ، لان القوي والمكتفي لا يتاثر سلبيا بالتعاون مع منافسيه.
 اما فكرة الانفصال فان تطبيقها الفعلي هو التناكر مع الغرب ، اي الغاء القيمة المعنوية للعلم الذي نحصل عليه منه. ومآل هذا هو كسر السلسلة الطبيعية المفترضة لتطور العلم ، اي الانتقال من التعلم الى اعادة انتاج العلم ، ضمن الاطار الثقافي الخاص. وهذا ما نجده اليوم واقعا يمشى على قدمين. لقد تعلم عشرات الالاف من المسلمين في الغرب. لكن تلك العلوم لا تحصل على التقدير والقيمة التي تليق بها بين قومهم. ولهذا فان الاغلبية الساحقة من هؤلاء المتعلمين ، تكتفي بما تعلمته ولا تسعى الى تطويره ، اي لا تتعامل مع المرحلة الاولى كبداية لسلسلة ، بل هي بالنسبة اليها بداية ونهاية.





[1] قال البحراني بان الاخبار مستفيضة في ان كل حكم مبين في الكتاب والسنة حتى ارش الخدش. يوسف البحراني: الحدائق الناضرة (بيروت 1993) ، دار الاضواء ، ج. 24 ، ص. 382.  وعقد الكليني بابا خاصا عنوانه (باب الرد إلى الكتاب والسنة وانه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس اليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة) انظر الكليني : الكافي 1/113.
وهوّن النراقي من شأن الروايات الواردة بهذا الشأن واصفا اياها باخبار الاحاد ، وقال ان معناها بالتحديد هو ان ما كان فيه حكم ، فقد بين القرآن أو السنة ذلك الحكم ، لا انهما قد بينا الحكم في كل موضوع. احمد النراقي: عوائد الايام ، (قم 1408) ، مكتبة بصيرتي، ص. 123
ومن المحتمل ان راي النراقي كان يستهدف التاكيد على وجود دائرة من الاعمال خارج حدود التكليف ، ضمن الجدل القائم حول تعريف الاباحة وما اذا كانت حكما ام لا ، ومن المتفق عليه ان هناك موضوعات كثيرة لم ترد فيها احكام في القرآن والسنة ، وابرزها الموضوعات التي ظهرت بعد انتهاء عصر النص ، لكن البعض يجادل في ان هذه الموضوعات قابلة للتكييف ضمن احد الاطارات التي تندرج تحت القواعد الشرعية العامة ، واقترح المرحوم الصدر دائرة موضوعية للمستجدات اطلق عليها اسم منطقة الفراغ التشريعي ، وذهب إلى ان كثيرا من احكامها يستنبط استنادا إلى القواعد العامة والترجيح بين المصالح.

(كتاب) الحداثة كحاجة دينية

هذه مرافعة على شكل حوار بين عقلين حول واحد من اهم الاسئلة في واكثرها اثارة للحرج في ثقافتنا الدينية المعاصرة ...
 سؤال: كيف ينهض المسلمون من سباتهم المزمن ، وكيف يعودون الى قطار الحضارة بعدما نزلوا او انزلوا منه.
هي سلسلة من التساؤلات يتلو كلا منها ما يشبه الجواب ، لكنه جواب مؤقت ، اذ لا يلبث ان يثير سؤالا اخر يتلوه جواب اولي وهكذا. فالغرض اذن ليس تقديم اجوبة نهائية. ... هذه المرافعة تحاول اثارة ذهن القاريء ومجادلته ودفعه للتفكير في السؤال.
 في ظني ان تفكيك وتفصيح سؤال النهضة هو بذاته الجواب عليه .

للقراءة براحة اكثر اضغط هنا

04/12/2012

طريق الشوك


تحديث الخطاب الديني لا يعني تحديث شكله او وسيلة عرضه، اي اعادة انتاج الخطاب القديم في قوالب جديدة. هذا ليس تجديدا ، بل مهمة "علاقات عامة". هذا عمل يطيل حياة الثقافة العتيقة، فيجعلها قابلة للعرض سنوات اضافية ،  لكن من دون ان تكون مفيدة للناس او مؤثرة في حياتهم ، تماما مثل المخطوطات والاواني الاثرية التي يرممها اصحاب المتاحف بين حين واخر.

تحديث الخطاب الديني يستدعي مراجعة عميقة ، تتضمن بالتاكيد استبعاد تلك المفاهيم التي لم تعد معقولة او متناسبة مع تطور الفكر الانساني وتجربة الانسان المعاصر.
اشكالية التخلف تكمن في اضفاء القداسة على الموروث، ورفعه فوق الجديد والمبتكر. ثم اعتبار الماضي مرجعا للحاضر ومعيارا للحكم بسلامته او عواره. هذا يقود بطبيعة الحال الى اغتراب عن الحاضر والفة للماضي ، وانكار للبشر والاشياء التي يعايشها الانسان ، ومبالغة في تقدير قيمة ما مات وانتهى زمنه.

تجديد الفكر الديني لا يتحقق بتغيير وسائل توصيله وعرضه. يستهدف التجديد – اولا وقبل كل شيء- الانعتاق من قيود الحقب التاريخية التي توقف عندها الفكر الاسلامي ، وتقديم خطاب عصري يجيب على الاسئلة والتحديات التي تواجه المجتمع المسلم في عصره الحاضر. خطاب منبعث من حاجات العصر متفاعل مع هموم انسانه.

تجاوز قيود التراث القديم مهمة عسيرة دون شك. لكنها ليست الوحيدة التي تجابه الاصلاحيين. ثمة معضلات اخرى تزيد في عسر الطريق ، من بينها قهر العامة وقيود العرف والتقاليد السائدة. لو كانت الامر سهلا، لاخذ به جميع الناس. اختيار هذا الطريق العسير ، والصبر على اذاه هو الذي يميز الفاتحين عن افواج الناس.

 لا يحتفظ التاريخ باسماء الملايين الذين شاركوا في التحولات او استفادوا منها. بل يذكر القلة التي ابدعت تلك التحولات او تقدمت الناس اليها. عاصر ابن خلدون مئات من اهل العلم ، لكننا نذكر ابن خلدون دون غيره، لانه تصدى لحقل من حقول العلم متمايز عما انشغل به انداده. وعاصر اينشتاين مئات من الفيزيائيين والفلاسفة. ترى كم اسما من اسماء اولئك الناس يذكر اليوم حين نتحدث عن علم الفيزياء والفلسفة؟. ارسطو وابن خلدون وابن رشد وماكس فيبر واينشتاين وعلي شريعتي وامثالهم، اصبحوا علامات مضيئة في تاريخ البشرية، لانهم سلكوا درب الرواد ، فخرجوا على السائد والمعتاد ، وتحملوا في درب الريادة اشكالا من العسر والعنت من جانب حراس القبور وحراس المتاحف.

التغيير والتجديد هو طريق الغرباء ، الذي يسلكه قلة من الناس يحتملون الدروب الصعبة. اكثر الناس تجدهم في الطرق المألوفة المأهولة المعبدة التي لا غريب فيها ولا مختلف. رواد الطريق الاول هم صناع مستقبل العالم ، اما الطريق الثاني فرواده مجرد مستهلكين لما يجدونه في المخازن من بضاعة السابقين.

الاقتصادية 4 ديسمبر 2012

مقالات ذات علاقة





07/07/2011

"شراكة التراب" كتطبيق لمبدأ العدالة الاجتماعية


؛؛ جوهر مبدأ المواطنة هو "الشراكة في التراب". جميع اعضاء المجتمع ، سواء ولدوا فيه او انتموا اليه لاحقا ، شركاء في ملكية الارض التي يقوم عليها هذا المجتمع وتخضع لنظامه؛؛


في كل مجتمعات العالم ثمة صراع مستميت للتخلص من عصر التقاليد والانتقال الى الحداثة. هناك بالطبع من يرمي الحداثة باسوأ الاوصاف ويحذر منها ، لكن جميع الناس في جميع بلدان العالم يتطلعون الى منظومة القيم التي تبشر بها الحداثة ، مهما كان رأيهم في الثمن الذي سيدفع مقابلها . ابرز وعود الحداثة هي تحويل العدالة من تطلع مثالي الى منظومة قانونية ومؤسسية ، وصولا الى ارساء نظام قانوني متكامل يكفل المساواة للجميع في الحقوق والواجبات ، وينهي جميع اشكال التمييز ، على المستوى القانوني وعلى مستوى السياسات.

تبدو فكرة التكافؤ والمساواة جميلة وجذابة ، لكنها على اي حال ليست سهلة المنال. اعتادت مجتمعاتنا على فكرة التمييز والتمايز قرونا طويلة . وحين نتحدث اليوم عن تغيير هذه العادة ، فلن يكون التحول بسهولة الكلام عنه.  فهناك من يؤمن ايمانا عميقا بان السلطة والموارد العامة هي امتياز تختص به الفئة المميزة ، سواء كانت عرقا او قبيلة او دينا او مذهبا سياسيا او غير ذلك. ولا يجد هؤلاء حرجا في الدعوة الى نظام اجتماعي ذي هيكلية مزدوجة يسمح لمختلف الناس ان يعيشوا في ظله ، لكن من دون التمتع بالمساواة في الحقوق والامتيازات.

 الانتقال الى عصر الحداثة يعني – على المستوى السياسي – تبني القيم الكبرى للنظام السياسي الحديث ، ومن بينها خصوصا مبدأ المواطنة  كارضية ومعيار لتنظيم العلاقة بين ابناء البلد الواحد . جوهر مبدأ المواطنة هو "الشراكة في التراب". طبقا لهذا المفهوم فان جميع اعضاء المجتمع ، سواء ولدوا فيه او انتموا اليه لاحقا ، شركاء في ملكية الارض التي يقوم عليها هذا المجتمع وتخضع لنظامه. ويطابق هذا المفهوم الى حد كبير فكرة "الخراج" المعروفة في الفقه الاسلامي القديم ، والتي تؤكد على ملكية عامة المسلمين للموارد الطبيعية ملكا مشاعا.

بناء على هذا المفهوم فان الناس يولدون متساوين متكافئين ويبقون كذلك طيلة حياتهم . لا لأن احدا أقر لهم بهذه الصفة ، بل لكونهم شركاء في ملكية النظام الاجتماعي بمجمله ، لا منا من احد ولا منحة ، بل لطفا من الخالق ونعمة مهداة لعباده. ومن هنا فان اي عضو في هذا النظام لا يستطيع الغاء عضوية الاخر ، لأنها حق مترتب على ملكية مشروعة. كما لا يستطيع حرمانه من الحقوق والامتيازات المترتبة على شراكته في الملك ، مثل المشاركة في المناقشات واتخاذ القرارات المتعلقة بهذا الملك وكيفية ادارته .. الخ .

فيما يتعلق بالتنظيم القانوني ، فان ابرز تجليات العدالة فيه هي عمومية القانون ، اي تطبيقه على الجميع بغض النظر عن اشخاصهم او مكانتهم . وعكسه هو اعفاء البعض من الالتزمات التي يخضع لها بقية الناس ، او منحهم ميزات اضافية تفوق ما يستحقونه في الحالات الاعتيادية ، على وجه يؤدي الى حرمان الاخرين او انتقاص حقوقهم. ومن تجليات العدالة وعمومية القانون نشير خصوصا الى تساوي الفرص في الحصول على المناصب العامة والموارد المالية المتاحة لعامة الناس، وحرية الوصول الى مصادر المعلومات التي تؤثر سلبا او ايجابا في تحسين فرص المنافسة العادلة .

وكانت المدرسة الليبرالية تدعو في الاصل الى دور حيادي تماما للدولة ، بمعنى ان لا تمنع احدا من شيء ولا تعطي احدا شيئا . لكنها في المقابل تحرم الدولة من القيام باي عمل ذي طبيعة تجارية او تحقيق الارباح . بل ان احد كبار المنظرين شبه دور الدولة بالحارس الليلي ، الذي مهمته الوحيدة هو ردع العدوان وتامين الامن للجميع . لكن الرؤية الاكثر انتشارا في عالم اليوم تميل الى خط وسط بين هذه النظرية وبين نظرية دولة المنفعة العامة التي تلتزم بضمان حد متوسط من المعيشة الكريمة لجميع المواطنين . ويشمل هذا تأمين التعليم والصحة الاولية والاستثمار في الخدمات التي لا يمكن لعامة الناس ان يقوموا بها ، مثل الكهرباء والمواصلات الخ.
والمبرر الرئيس لهذه الرؤية هو ان شريحة كبيرة من المجتمع لن تستطيع الاستفادة من النظام القانوني والاداري بسبب الفقر الشديد الذي يحول دون حصول ابنائها على قسط من التعليم يؤهلهم للمنافسة ، او بسبب بعد مناطق سكناهم عن المناطق الجاذبة للاستثمار الخاص ، الامر الذي يجعلهم – بشكل طبيعي – خارج دائرة التنافس العادل على الموارد المتاحة للجميع. بعبارة اخرى فان هذه النظرية تدعو الدولة الى : أ) توفير البنية القانونية التي تضمن للجميع فرصا متساوية . ب) توفير المنظومات الادارية التي تسهل الاستفادة من تلك الفرص . ج) مساعدة المواطنين ، ولا سيما الشرائح الضعيفة بينهم ، على تخطي العوائق التي تمنعهم من استثمار الموارد المتاحة بصورة متساوية مع الآخرين.

وقد اطلق على العنصر الاخير مسمى "التمييز الايجابي" ، فهو ينطوي على محاباة لشريحة محددة ، لكن تلك المحاباة مقبولة لانها تستهدف بصورة محددة تمكين ضعفاء المجتمع من تجاوز اسباب ضعفهم وبلوغ مستوى من الكفاءة الذاتية يؤهلهم للاستفادة المتساوية من موارد البلاد المتاحة للجميع.

بصورة ملخصة يمكن القول ان فكرة العدالة الاجتماعية تتمحور حول توفير الفرص المتساوية للجميع ، ثم ضمان المنافسة العادلة بينهم على الارتقاء . وبالعكس من ذلك فان الظلم يكمن في حرمان الناس من الفرص او التمييز بينهم او محاباة البعض على حساب البعض الاخر او اغفال الشرائح العاجزة وتركها تحت مطحنة المنافسة بين الاقوياء. 



مقالات ذات علاقة 


من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي


هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...