الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

نفوسنا المنقسمة بين عصرين



في الخلاف على الموقف من الحداثة ، مال اكثر الكتاب الاسلاميين الى موقف انتقائي يصنف منتجات  الحضارة الغربية الى تقنيات وثقافة.  ورأوا ان نأخذ بالمنتجات المادية، لانها "حديد ميت" لا ينطوي على حمولة ثقافية او روحية، ونترك الثقافة والقيم لان مضمونها او حمولتها تعارض ما نملكه من ثقافة وقيم. يبدو هذا الموقف عمليا ومعقولا عند معظم الناس. فالانسان ليس مضطرا الى الاخذ بما لا يريد، ما دام سيدفع الثمن على كل حال.

تامل قليلا في عمق هذا الخيار، وسترى انه لم يكن خيارا على الاطلاق، ولا يؤدي الغرض المقصود. لست مخيرا في الاخذ باسباب الحياة الحديثة او البقاء على الحياة السابقة للحداثة. لان هذه تلاشت تماما، ولم يعد ثمة بديل عن الحياة الجديدة . لا يسع انسان اليوم ان يستغني عن نظام الاتصالات الحديث، ولا فصل معيشته عن نظام السوق. و – بصورة اجمالية – يستحيل عليه العيش خارج اطارات الحياة الجديدة . من هنا فان قبوله بعناصرها ليس موازنة بين خيارات عديدة ، بل طريقا وحيدا لا بديل عنه.

لكن الحداثة ليست منتجات مادية فقط. انها فلسفة حياة ومنظومة خاصة من القيم واساليب العيش والعلاقة مع المحيط . اذا رضيت باستعمال المنتجات المادية ، فقد وضعت قدميك على اول الطريق. هذا القرار هو بذاته بداية انحياز الى دائرة الحداثة الفلسفية،  كما انه بنفس القدر ابتعاد عن دائرة التقاليد والمتبنيات الثقافية للمجتمع التقليدي.

هذا الانحياز متحقق فعلا في مجتمعنا ، ونرى تاثيراته في تفاصيل حياته. من المفردات اللغوية الشائعة الى تصنيف الهموم والانشغالات الذهنية والعملية ، تصور الانسان لنمط عيشه ومستقبل ابنائه ، تفكيرنا السياسي وسلوكياتنا ، نماذج الدول والمجتمعات التي نريد التعلم منها.

هذه جميعا مؤشرات على ان قبول المنتجات المادية للحداثة مجرد بوابة يعبرها الانسان – واعيا او غافلا – الى الحداثة بكل عناصرها وقيمها ونظامها الحياتي. لعل اقرب الامثلة على هذا المنحى هو الميل الشديد للدراسة في الدول الصناعية. خلال الفترة من 2007-2012 انضم 140 الف سعودي لبرنامج الابتعاث. وهو مؤشر واضح على نموذج المستقبل الذي يفكر فيه معظم السعوديين.

سواء كنا من حراس التقاليد او من دعاة الحداثة، فثمة حقيقة لا يسعنا اغماض العين دونها. حقيقة ان مجتمعنا يعيش تحولا ثقافيا وقيميا موازيا لتحولاته المادية. انكار هذه الحقيقة او اغفالها تسبب في كثير من التناقضات التي تواجهنا. هذه الغفلة جعلت واقعنا منقسما بين عصرين. حياة مادية تنتمي لعصر الحداثة ، وحياة ثقافية – روحية تنتمي لعصر التقاليد. مثل رجل يريد الابحار فيضع رجلا في السفينة والاخرى على رصيف الميناء ،  فلا هو مستقر على ارضه ولا هو متحرك نحو مقصده.

الاقتصادية الثلاثاء 12 صفر 1434 هـ. الموافق 25 ديسمبر 2012 العدد 7015
http://www.aleqt.com/2012/12/25/article_719673.html


مقالات ذات علاقة
 الحداثة كحاجة دينية (النص الكامل للكتاب)

تعقيبات على الكتاب
الحداثة باعتبارها حاجة دينيّة وواجباً أخلاقياً "عرض لكتاب الحداثة كحاجة دينية"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...