اطروحات مالك
بن نبي مهمة لمن ينظر للاختلال الثقافي ، كمعيق للنهوض العلمي والاقتصادي في
المجتمعات العربية. تحدث مالك عن "الدروشة" التي
حولت التراث من معرفة نشطة الى مخدر للروح. كما دعا لعقلنة الثقافة التي تحدد
اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.
امارتيا سن
الانسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد
، كما أظن. وهو يستدعي سؤال ضروريا: طالما اتفق الناس على انهم ، كلا منهم ، نقطة
الاشتباك ومحور الجدل ، فهل يعون أيضا ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟. واذا كانوا يستوعبون
ابعاد هذا السؤال ، فهل يحاولون فعليا وضع اقدامهم على طريق التقدم ، أي هل
يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟.
اريد هنا إيضاح نقطة ترد الى ذهني بين حين وآخر ، وخلاصتها ان العمل الفكري
الهام لمالك بن نبي ، لم يتواصل على يد مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل
التحفظ ان المشروعات الفكرية التي تستهدف نفس الغاية ، أي التقدم ، ليست كثيرة او
مترابطة ، بل يبدو كل منها مثل نخلة منفردة في صحراء ، يثير الاهتمام ، لكن يصعب
التعرف على الخيوط التي تربطه بماقبله.
اعتقد اننا بحاجة لشيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر "أمارتيا
سن" الذي وقف أمام فرضيات "جون
رولز" في نظريته الشهيرة حول العدالة ، ثم قال لنفسه: كل بلد ، حتى
أكثرها فقرا ، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خال من الفرص.
لماذا؟. لأن الفرص يخلقها الناس ، شرط ان لا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه
بعيونهم ، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن
تبرير للفشل ، او تركت الفعل الخلاق الإيجابي ، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك ،
كي تعثر على زلة تحولها الى قصة. ولهذا السبب او لغيره ، عجزت عن تخيل الفرص التي
يحصل عليها غيرك او يخلقونها.
في أحاديثه الكثيرة حول الانسان صانع الحضارة ، اكتفى مالك بن نبي بالتأكيد
على ما يمكن ان نصفه اليوم بالفردانية
، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف ان هذا شرط
محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.
لكن مالكا لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور عند جميع الناس ، خاصة الأكثر
حاجة للتقدم ، أي الطبقات الفقيرة
والمعدمة. بل استطيع القول ان تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل
لصناعة الحضارة ، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه ان صناع الحضارة
، هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهريا مع الواقع القائم في عالم
اليوم ، حيث ينظر لجمهور الناس كصناع للمدنية ومستفيدين منها.
أعود الى امارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة
الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين
empowerment تجمع بين مفهومين: المعرفة والإرادة. وأرى ان المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة.
واقصد المعرفة العامة التي تجعل الانسان العادي مطلعا على العوالم البعيدة عن مداه
الجغرافي والبصري ، فيتعرف – تبعا لذلك – على الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر
في هذا السياق ان حكومة الهند وزعت في سبعينات
القرن العشرين ، عشرات الالاف من أجهزة الراديو ، على العائلات الفقيرة في
الأرياف ، كي تتعرف على الفرص المتاحة بعيدا عنها
، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة.. الخ. تلك
الخطوة على بساطتها حسنت بشكل ملموس شبكة الخدمات العامة في الريف ، وعجلت في ربطه
بالاقتصاد الوطني ، فتحسنت معيشة الناس.
هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم
عامة الناس ، ولاسيما اقلهم حظا. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة ، بل تحريك الطبقات
الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي ان هذا اسرع طريق للتقدم. وللحديث بقية.
الشرق الأوسط الخميس
- 03 مُحرَّم 1448 هـ - 18 يونيو 2026 م https://aawsat.com/node/5285470
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق