عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث التمكين. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث التمكين. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات

07/11/2018

التمكين من خلال التعليم


|| التعليم عنصر محوري في تطور الانسان. لكن ما الذي ينبغي فعله لهذا الانسان كي يتحول من "كل على مولاه" الى "عدل" كما في التعبير القرآني؟ ||

كل الذين كتبوا عن تجارب التنمية الناجحة ، قالوا ان نجاحها يرجع لاهتمامها بالاستثمار في البشر. وحين تسأل عن المقصود بهذا ، سيقال أنه التوسع في الانفاق على التعليم والتدريب المهني. وقد انتشرت هذه المقولة وحيكت حولها الاساطير. 
من ذلك مثلا ما قيل من ان امبراطور اليابان سئل عن سر تقدمها ، فأجاب بأنه اجلال المعلمين ، حتى عاملوهم معاملة الامبراطور ومنحوهم ما يساوي راتب الوزير. وقيل ان هذا السؤال وجه لرئيس وزراء سنغافورة او ماليزيا ، او ربما غيرها. واحتمل ان هذه جميعا قصص مختلقة ، ربما اراد بعض المعلمين استعمالها للتأكيد على أهمية دورهم في الحياة العامة.

ان المعلم عنصر محوري في العملية التعليمية. لكن اعتباره سر التقدم ، لا يخلو من مبالغة. وهو يكشف عن ميل عميق عند البشر لافتراض سبب واحد لكل مشكلة ، او جواب واحد لكل سؤال. ولعلنا من اكثر الشعوب ميلا للاجوبة الاحادية البعد. 
والحق ان سؤالا مثل سؤال التقدم معقد ، على نحو يجعل افتراض جواب واحد ونهائي ، ضربا من التوهم.
حسنا .. الكل يتحدث عن التعليم ، وهو بالتأكيد عنصر محوري. فما الذي ينبغي فعله لهذا الانسان كي يتحول من "كل على مولاه" الى "عدل" كما في التعبير القرآني؟
الجواب هو التمكين. وهو مصطلح نستعيره من أدبيات التنمية البشرية ، ويمثل المحصلة النهائية لمشروع راس المال البشري ، الذي اطلقه البنك الدولي في شهر اكتوبر الماضي. التمكين ببساطة هو تزويد الفرد بالمؤهلات الذهنية والروحية ، التي تجعله قادرا على صياغة حياته بارادته.

في هذا السياق يجب ان يستهدف التعليم خلق نوعين من المهارات ، سيقودان بالضرورة الى نوع ثالث ، يشكل خلاصة ما نسعى اليه:
 أ) سعةالافق ،  بمعنى القابلية الذهنية للانطلاق من حدود المشهود والمعروف الى ما وراءه ، بحثا عن خيارات او احتمالات او حلول.
ب) مهارات النقاش ومجادلة الاراء ، والقدرة على تأويل أو تفكيك ما يعتبر - في الوهلة الاولى - من البديهيات أو المسلمات.
 هاتان المهارتان ، تشكلان في ظني جوهر مفهوم العقل النقدي ، وأساس القابلية للابتكار والابداع ، وهي المهارة الثالثة التي ينبغي ان نعتبرها الغاية العليا للتعليم.
بعض الناس يقترح اضافة منهج يسمونه "فنون التفكير". ولا اعلم مدى فائدته. لكني واثق ان العقل النقدي لا يتشكل من خلال دراسة كتاب واختبار في نهاية العام. بل من خلال صياغة عامة لفلسفة التعليم ، تشمل المناهج وعلاقة الطالب بالمعلم ، واجزاء العملية التعليمية ككل ، لجعل محورها هو استفزاز عقل الطالب (والمعلم معه) للتعبير عما فيه الى الحد الاقصى. اي تحويل العملية التعليمية ككل ، الى عملية استفزاز للتفكير والتعبير عن الافكار.
مبرر هذه الفكرة هو ان مجالات النمو والتقدم ، على المستوى الفردي والجمعي ، لم تعد مجهولة في عالم اليوم. كل ما لانعرفه الان ، نعرف الطرق التي يحتمل ان تؤدي اليه. وما نحتاجه في الحقيقة ، هو اكتشاف تلك الطرق. هذا الاكتشاف ليس علما محدد القواعد او قابلا للقياس ، بل هو اقرب الى تجربة فردية ، يتداخل فيها التأمل الذهني مع العاطفة والميول الشخصية. ويتعرف الفرد من خلالها على ما يظنه سبيلا الى اكتشاف ذاته او تحقيق ذاته. ان هذا هو السر في ان الكشوف والابتكارات ، تتحقق في جميع الحالات تقريبا على يد أفراد. نحن لا نستطيع تعليم الفرد ماذا يبتكر. غاية ما نستطيع هو تزويده بالمهارات التي تؤهله لخوض المغامرة.

الشرق الاوسط الأربعاء - 28 صفر 1440 هـ - 07 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14589]

15/03/2023

العشاء في فندق الريتز

>> الاقتصاد الوطني يزداد حركية وابداعا ، كلما ازدادت نسبة المستثمرين الصغار<<

لو بحثت عن فندق في دبي او لندن مثلا ، فربما "تتعثر" بفندق يكلف عشرة الاف دولار في الليلة. لكني وجدت هذا الاسبوع فندقا مخصصا لضيف واحد مع مرافقيه ، يكلف خمسين الف دولار فقط. نظريا استطيع انا وأمثالي وكل شخص آخر ، ان يتفرج على هذا الفندق أو ذاك. لكن هل يستطيع تدبير الخمسين الفا الضرورية كي ينام فيه ليلة؟.

فندق ريتز - لندن

بعبارة اخرى فان فندق الخمسين الفا يمثل فرصة متاحة لكل الناس. لكن كم من الناس يستطيع الامساك بهذه الفرصة؟.

توضح هذه القصة مقولة طريفة ، تنسب للسير جيمس ماثيو (1830-1908) وهو قاض ايرلندي ، يقول ان "القانون في إنكلترا مثل فندق الريتز ، مفتوح للجميع..". فرد عليه أحدهم: لكن كم عدد الاشخاص الذين يستطيعون العشاء في الريتز؟.

اشتهرت هذه المقولة وكثر الاستشهاد بها في نقاشات العدالة الاجتماعية ، لا سيما في سياق المقارنة بين الإصلاح على المستوى القانوني ، ونظيره في الحياة الواقعية. نعلم ان غالبية النظم القانونية تقر بان جميع الناس سواء في استثمار الموارد والفرص المتاحة في المجال العام ، وان هذا هو المعنى الأساس للعدالة الاجتماعية. لكن شتان بين هذه الفرضية الجميلة ، وبين الواقع المليء بالعقبات والصعوبات. دعنا نأخذ مثال العاصمة البنغالية "داكا" ، التي يعيش 50 الفا من سكانها في الشوارع ، بلا بيوت ولا وظائف ثابتة. يرجع هذا الرقم الى العام 2007 ، وتقدر تقارير البنك الدولي انه كان يزداد بشكل سنوي ، اي اننا نتحدث عن ضعفي هذا العدد على الاقل ، في الوقت الحاضر.

على مستوى القانون ، يملك هؤلاء الفقراء جميعا حق الوصول الى أي منصب حكومي ، وخوض الانتخابات لدخول البرلمان ، والحصول على قروض من البنوك.. الخ. فهل يستطيع أي منهم ان يحول تلك الحقوق الى واقع... هل يستطيع احدهم تدبير الأموال اللازمة للانفاق على حملة انتخابية ، او المؤهلات الضرورية لتولي أي منصب رسمي ، او الاسناد اللازم للحصول على قرض مصرفي؟.

هذا يشبه السؤال المتعلق بفندق الريتز: هل يتمتع الشخص المفلس – مثل نظيره الثري – بالحرية في تناول عشائه في الريتز؟.   

هل نقول "لا" لأنه - في واقع الامر - لا يمكن لشخص مثله ان يتعشى في الريتز (على الاقل لن يفعل هذا لأنه لا يملك المال اللازم لذلك العشاء). أم نقول "نعم" لأن العائق الوحيد الذي حال بينه وبين الريتز هو افتقاره إلى الموارد المالية ، وليس أي عائق خارجي ، مثل رفض مالكي فندق ريتز دخوله لتناول الطعام فيه؟.

هذا التباين دفع العديد من دارسي التنمية والاقتصاد ، للتوقف مليا عند نقاط التفارق بين الفرص التي يتيحها القانون ، وبين الامكانية الفعلية لاستثمارها من جانب الناس العاديين. وهو تفارق دفع بلدانا عديدة للتركيز على الادوات القانونية والاقتصادية ، التي تجعل تلك الموارد متاحة واقعيا لعامة الناس. السبب في هذا هو اكتشاف الاقتصاديين لحقيقة كانت مهملة ، وخلاصتها ان الاقتصاد الوطني يزداد حركية وابداعا ، كلما ازدادت نسبة المستثمرين الصغار. خلافا لتصور قديم فحواه ان الاستثمارات الضخمة هي الاقتصاد الحقيقي.

تأكيدا للفهم الجديد ، يذكر مثلا ان صناعة الطائرات المسيرة في الصين تضم نحو 7000 شركة ، جميعها تقريبا حديثة التأسيس ، ونصفها مملوك لشبان لا ينتمون لعائلات تجارية ، وتصنف كشركات صغيرة او متوسطة الحجم. ويقدر ان تصل مبيعات هذه الشركات الى 10 مليار دولار في العام الجاري ، الامر الذي اعطى الصين حصة تقارب نصف السوق العالمي للمسيرات.

جوهر المسألة اذن هو مفهوم "التمكين" أي قابلية العدد الأكبر من الناس ، لتحويل الفرص والموارد المتاحة في المجال العام ، الى مكاسب مادية. التمكين هو مفتاح النهضة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية معا.

الشرق الأوسط الأربعاء - 22 شعبان 1444 هـ - 15 مارس 2023 مـ رقم العدد [16178]

https://aawsat.com/node/4212916/

مقالات ذات صلة

التمكين من خلال التعليم

في معنى "الدروشة" وتطبيقاتها

المكنسة وما بعدها

حول برنامج التحول الوطني

الثقافة المعوقة للنهضة

 

24/06/2020

تحولات الهوية الفردية في العالم الآتي


قلت في مقال الاسبوع الماضي ان السنوات القليلة القادمة ، ستشهد بزوغ عالم مختلف عما عرفناه حتى اليوم. حظيت هذه الفرضية بنقاش مستفيض في الاشهر الماضية ، وتبناها عدد معتبر من الباحثين والخبراء في مختلف المجالات.
في مثل مجتمعنا يستمد الفرد هويته من عائلته والمجتمع المحيط. ومع توسع معارفه يعيد تشكيل هويته ، اي جوابه على سؤال: من انا وما هي العلاقة التي تربطني بعالمي. بقدر ماينخرط الانسان في الحياة الجديدة ويستعمل وسائلها ، فانه يتباعد عن تقاليد وقيم الجماعة التي ينتمي اليها ويعرف نفسه من خلالها.
- لماذا نفترض ان السنوات القادمة ، ستشهد تطورا كبيرا في هذا الجانب؟
- يرتبط هذا بفرضية أتبناها ، تربط بين المعرفة والقوة. وفي الوقت الحاضر يستعمل دارسو التنمية مصطلح "التمكين" الذي يعني على وجه الدقة: ان تسيطر على اقدارك وان تدير حياتك بنفسك. نتيجة التمكين هي اكتساب القوة الذاتية. وبقدر ما تملك من قوة في ذاتك ، فان عالمك سيتحول. كمثال فان الثري والعالم والقوي البدن ، يملكون خيارات اكثر من الفقير والجاهل والمريض.
في هذا الزمان يرتبط اكتساب القوة بالمعرفة. فالاكثر معرفة هو الاكثر قدرة على كسب القوة ، سواء كانت مالا او مكانة او قدرة على التاثير في المحيط. ولو نظرت الى قائمة الاشخاص الاعظم ثروة والاقوى تأثيرا في عالم اليوم ، لوجدت ان 80% منهم لم يرثوا هذه القوة عن عائلاتهم ، بل صنعوها بانفسهم ، حين استثمروا المعرفة الجديدة او استثمروا فيها او في أدواتها.
ثمة عاملان جديدان ، في غاية الأهمية ، يحددان اتجاهات القوة:
العامل الاول يتعلق بتوسع فرص التمكين نتيجة لتضاعف حجم المعرفة ، مما يتيح لأعداد اكبر من الناس اكتسابها واستثمارها في كسب القوة. وفقا لتقديرات وزارة التربية المصرية سنة 2000م فان حجم المعرفة كان يتضاعف مرة كل 18 شهرا. ويقارن خبراء بين هذا وبين قاعدة معروفة في صناعة اشباه الموصلات هي "قانون مور" الذي فحواه ان قابلية خزن البيانات ومعالجتها في اجهزة الحاسب تتضاعف مرة كل 18 شهرا.
نعلم الان ان توفر اجهزة معالجة البيانات الضخمة ، والتحول السريع نحو مفهوم انترنت الاشياء ، وتفاقم سرعة نقل البيانات عبر اجهزة الجيل الخامس ، ستؤدي جميعا الى مضاعفة المعارف المتاحة للناس ، مرة كل بضعة أشهر. هذا سيجعل المجال مفتوحا دائما للقادمين الجدد ، دون خوف جدي من تقلص السوق.
اما  العامل الثاني فيتعلق بتنوع المعارف وتاثيرها. ومثالنا البارز  هو الاعداد الضخمة من الشبان الذين طوروا برامج حاسوبية او اقاموا شركات ناشئة ، او نجحوا في انتاج محتوى جذاب للمتابعين ، فباتوا مؤثرين في محيطهم او في العالم. لقد اتاح العالم الشبكي ملايين الفرص الجديدة ، التي تعتمد جميعا على استثمار المعرفة او الاستثمار فيها. هذه الفرص تعيد تشكيل صورة العالم الان ، في السياسة وفي الاقتصاد والثقافة والفن ، بل وحتى في جوانب كانت بعيدة نسبيا مثل البيئة والطب والهندسة.
العالم كله يتغير ، لان اعدادا متزايدة من الناس تتواصل فيما بينها ، فتؤلف رابطة على ارضية التوافق في الاهتمامات. وتنشأ معها نطاقات مصالح جديدة ، تجتذب الافراد بعيدا عن اطاراتهم الاجتماعية التقليدية ، وما يرتبط بها من انشدادات وعلاقات. وتبعا لهذا يعيد الافراد تعريف انفسهم وعلاقتهم مع العالم ، على ضوء الواقع الجديد الذي يعيشون فيه.
هذا ببساطة ما نسميه التحول في الهوية. 
الشرق الاوسط الأربعاء - 3 ذو القعدة 1441 هـ - 24 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15184]

09/05/2024

حاضنات الابداع

 الأسبوع الماضي عادت جارتنا مريم من "مخيم الفضاء" الذي أقامته جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية ، ضمن مساعيها لاكتشاف المواهب المبكرة في مجالات التقنية العالية. حصلت  مريم وفريقها – وجميعهم طلاب في المرحلة الثانوية – على المركز الأول ، نظير تصميمهم نموذجا لقمر صناعي خاص بالاتصالات. شارك في "المخيم" - حسبما علمت - نحو 300 طالب من مدارس مختلفة في المملكة.

توالي هذا النوع من الاخبار المفرحة خلال العامين الاخيرين ،  يكشف عن زيادة ملحوظة في مسابقات البحث العلمي بين طلاب التعليم العام. واحتمل ان عددها في الشهور الاربعة الماضية ، قد تجاوز العشرين. عناوين الأوراق والأبحاث التي قدمها طلابنا في الفترة المذكورة ، تكشف عن رغبة عميقة في استيعاب تحديات التقنية الحديثة ، ومواجهتها من خلال تجربة فعلية ، قابلة للمقارنة والتقييم.

هذه فرصة غالية أمام المجتمع السعودي ، ينبغي الاهتمام بها ، واستثمارها على نحو يلائم ندرتها واهميتها. تتألف هذه الفرصة من 3 عناصر أساسية: 1- الرغبة الواضحة عند قطاع عريض من الشباب في تفكيك اسرار التقنية ، والانضمام الى قطار المبدعين. 2- رغبة شريحة معتبرة من الكادر الاداري والتعليمي ، في تجاوز المفاهيم القديمة في التعليم العام ، والتي تحصر اغراضه في الاختبار والشهادة. 3- توفر اكثر من جهة رسمية راغبة في دعم هذا النوع من النشاطات ، وأخص بالذكر كلا من مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع "موهبة" ، وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا ، اضافة لشركة ارامكو.

هذه عناصر ما كانت مبسوطة في الماضي ، على النحو الذي نراه اليوم. لكني مع ذلك اود التأكيد على نقطة أراها ضرورية جدا:  

يصل عدد طلبة التعليم العام في المملكة  الى 6 ملايين ، وتضم الكليات الجامعية والمعاهد التقنية نحو 1.3 مليون طالب. هذه أرقام كبيرة جدا بالقياس الى عدد المشاركين في المنافسات العلمية.  بحسب الارقام المنشورة ، فان اكبر رقم اطلعت عليه هو 3,000 متنافس. واحتمل ان هناك ارقاما اكبر ، لكنها لا تتجاوز 10,000 متنافس. وافهم ان اولوية مطلقة قد منحت للمتفوقين في مختلف الصفوف. لكني أخشى ان هذا النوع من الاختيار قد ينقلب لامتياز سلبي. الامتياز السلبي عبارة عن توجه ضمني ، يحصر الاهتمام في هذه الفئة القليلة التي فازت في المسابقات او رشحت لها. ونعلم ان هذا يجعل مهمة انتاج المبدعين محصورة في دائرة لا يزيد عدد افرادها عن واحد في الالف ، أو حتى نصف هذا العدد.

نحتاج لبرنامج وطني يوسع دائرة المستهدفين بالنشاطات سابقة الذكر ، كي تشمل ما لا يقل عن 10% من اجمالي الطلبة ، اي نحو 750 الف طالب في مختلف مستويات التعليم. هذا رقم كبير ، لكنه ممكن أولا وضروري ثانيا. ضرورته تكمن في أنه يوفر البحر الذي يسبح فيه المبدعون. قد يبرز مبدع او مبتكر ، وسط مجتمع خال تماما من محفزات الابداع. لكن هذا من الصدف النادرة التي لا يعول عليها. فاذا أردنا مبدعين بالمئات والالوف ، فعلينا إقامة محيط اجتماعي منتج للعلم ، متفاعل مع الحياة العلمية وتيارات التقنية. عندها سيجد الشخص الموهوب والشخص الذكي والشخص الطموح بيئة تبرز تطلعاتهم وتعززها ، وتحولها من أمنية الى عمل ، ومن علم الى مال.

انضمام 10% من اجمالي الطلبة ، يحتاج بذاته الى جهد رسمي وأهلي واسع جدا ، ويتضمن خصوصا:

 1- تغيير مفهوم الأداء في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط ، كي يكون معيار النجاح هو نضج التفكير والابتكار ، وليس الحفظ والاختبار النهائي.

2- تدريب الأبوين على تحفيز المواهب عند ابنائهم ، ولا سيما من خلال القراءة والنقاش.

3- تزويد المدارس الابتدائية والمتوسطة بحاضنات الابداع ، اي المكتبة المتجددة ومختبر العلوم واللغات ورحلات البحث وجلسات المناقشة.

هذه في ظني اضافات ضرورية لجعل الابداع والابتكار محورا نشطا في حياة الشباب وعمل النظام التعليمي.

الخميس - 02 ذو القِعدة 1445 هـ - 9 مايو 2024 م  https://aawsat.com/node/5007776

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

09/07/2026

نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

 دعنا نؤكد مرة بعد مرة ان المجتمعات العربية ، تحتاج قطعا لتوفير ما يكفي من  الوظائف للشباب الذين انهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضا ان توليد وظائف حقيقية ، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج ، وليس مجرد توفر أموال إضافية ، أو مباني نملأها بكل من يحتاج لوظيفة.

قصر بنغالور

بعبارة أخرى ، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية او وهمية ، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها ، ويستلمون رواتبها منها. وهذا ممكن دائما طالما توفر المال. اما الطريقة الثانية فهي التنمية الشاملة والمستدامة ، أي زيادة حجم الاقتصاد ، ولاسيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيما اقتصادية ، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد انتاجي واقتصاد خدمي ، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية ، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر ، دون إضافة ملموسة.

ان ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال ، يرجع في المقام الأول الى صناعتها الضخمة ، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم ، فتضيف قوة جديدة الى دورتها الاقتصادية ، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات ، حين سعت الحكومة لخلق وظائف ، بعضها وهمي ، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين الى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي ، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة ، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة ، ليس لحل مشكلة التوظيف ، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول ، حيث بات الناتج القومي الاجمالي للهند هو الأسرع نموا بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول ارقام  رسمية ان مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني ، تحتضن 14,000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار . ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا ، التي تقع فيها بنغالور ان هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في انجاز وظائف عالية القيمة ، وفيها حاليا 875 مركزا لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع ان ترتفع قيمة هذا القطاع الى 110 مليار دولار خلال السنوات الأربع القادمة.

-         حسنا ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين ، بذلت الحكومات العربية جهودا جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام ، أي كون هدفه الأول اعداد موظفين لسوق العمل. تخرج الجامعات العربية عشرات الالاف من الشباب سنويا. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين ، لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل اذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني ، مع انها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل ، ليخدم هدفا واحدا ، هو اعداد الطالب ليقيم عمله الخاص ، وليس العمل موظفا عند غيره. ويجب التركيز على الاعمال الإنتاجية ، من الزراعة الى الصناعات البسيطة ، الى تطوير الحلول الرقمية للاعمال ، وصولا الى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيليا. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط ، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم اكثر تقدما وتعقيدا ، كي يهيئ ابناءنا لحياة اكثر تعقيدا وتقدما ، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها او استهلاكها؟.

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب ، للتطلع الى الآفاق البعيدة والمغامرة ، والحساب الدقيق للعواقب ، ونقد الواقع ، والتمرد على المألوف ، وإدارة الحياة والاعمال. هذا خير من انفاق الوقت في علوم مفيدة ، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

الشرق الأوسط الخميس - 24 مُحرَّم 1448 هـ - 9 يوليو 2026 م  https://aawsat.com/node/5293877

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

16/07/2026

التعليم الصالح لهذا الزمان

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص ، وتحويل الخيال الى واقع. الفرص التي نريد صناعتها ، ليست موجودة فعلا. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجودا أيضا ،  في العالم المادي ، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي لا زال في رحم الغيب.. الأشياء التي نتخيلها ، لكنا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة.

التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب ، ان القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة ، وان قيمته كانسان رهن بانشغال ذهنه كليا ، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال الى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاجه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر ، ويلقي به في المستقبل المجهول ، ويناديه: ان أردت النجاة فاصنع شيئا لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم ، بسيط جدا وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. اما نظيره المتقدم فهو يفكرفي مستقبل لا نعرفه ولم نره. انه يحفر في الحاضر ، كي يستنبط شيئا مختلفا عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها. لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها ان كل جديد ، ينبغي ان ينغرس أساسه في الموروث ، فيكون امتدادا لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم ، تعزز الاقتناع به وتحول من امر محتمل الى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري ، الذي رأى ان المشكلة الكبرى في الثقافة العربية ، هي كون العقل العربي قياسيا. بمعنى انه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة ، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق ، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري ان الهيمنة المطلقة لمنهج القياس ، ليست حدثا عابرا او سقطة ظرفية ، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقا للجابري فان مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي ، تراجعي وليس تقدميا ، فهو يجعل الكمال في الماضي ، ويعتبره أصيلا او رمزا للاصالة ، ثم يضفي على وصف الاصالة وما يتصف بها ، قيما تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينا للتشبه بالاصل (أي الماضي). وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة ، تميل حركة الفكر الى اتجاه دائري ملتصق بالمركز ، أي الماضي ، بدل ان تكون حركة خطية متصاعدة ، ومتجهة الى المستقبل.

-           حسنا ، كيف نحرر الاذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

-           وكيف نزرع في الاذهان عادة النقد ، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء ، سواء كانت غريبة او كانت عادية مألوفة ، وسواء كانت مفتوحة للنقد او كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟.

يبدو لي ان السير في الطريق ليس سهلا مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات ، من دون ان نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إني اطرح هذه الفكرة على القراء ، وأنا واثق ان بعضهم لديه أفكار ، تسد الثغرات التي تشير اليها هذه السطور. ان عرض الأفكار على الناس ، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلا في جعل البحث العلمي بديلا عن الامتحانات السنوية في المدارس ، او دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع او وراءه ، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقا لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية ان يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم ، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين ، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. او ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب ، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع ، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم ، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين ، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون ان ينفعلوا او يستاءوا. هذه ستدربهم أيضا على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين  البراقة ، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي ، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول ان التعليم المتقدم هو الذي يقتلع  الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فان التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة الى  الماضي ، حتى يحوله الى نسخة عن أسلافه.

الشرق الأوسط الخميس - 01 صفَر 1448 هـ - 16 يوليو 2026 م    https://aawsat.com/node/5296527

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

الوجه الآخر للكارثة

  ذكرى الاجتياح العراقي للكويت التي حلت هذا الأسبوع ، أثارت في نفوس العديد من أهل الرأي ، شعورا بالحاجة لاستعادة الدروس التي كان ينبغي استخ...