‏إظهار الرسائل ذات التسميات شيخ الازهر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شيخ الازهر. إظهار كافة الرسائل

01/01/2026

قصة مكررة

نهاية العام الميلادي ، موعد ثابت للجدل حول جواز او عدم جواز الفرح بعيد الميلاد وراس السنة والتهنئة بهما. ويتبارى المتحدثون والخطباء ، بعضهم في بيان فوائد التهنئة ، وبعضهم في بيان الرأي المعاكس. ويستمر الجدل طيلة الأسبوع الأخير من كل عام ، ثم تأتي الشواغل فتأخذ المتابعين الى قضايا أخرى ، بانتظار نهاية العام الجديد وهكذا.

يبدو اننا نتجه لأن نكون أقل عصبية. ففي السنوات الأخيرة ، لم يعد ذلك الجدل ملتهبا ، كما كان قبل عقد من الزمن ، أو لعل نفوسنا قد تعبت من النزاع على الأمور الصغيرة ، فما عاد يشارك في الجدل السنوي سوى أقلية من الناس. وفي موازاة هذا سمعنا أصواتا مهمة ، تدعو لتجاوز هذا الجدل واحترام الأديان بشكل عام ، سواء تجسدت في ممارسات دينية ، او في اعراف ومناسبات اجتماعية. وفي هذا السياق تحدث فضيلة شيخ الازهر د. محمد الطيب وفضيلة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي د. محمد العيسى ، وكلاهما أنكر صراحة وجود أي دليل معتبر ، يعارض تهنئة غير المسلمين بالمناسبات الدينية والاجتماعية ، مثل عيد الميلاد وغيره.

أميل الى الظن بأننا سوف نتعلم التسامح في نهاية المطاف. لكني آمل ان لا يأتي بطريقة عسيرة او مؤلمة ، أي بعد ان نتحمل النتائج السيئة للتعصب الديني والسياسي. هذا ما حدث في أوروبا التي ذاقت ويلات الحروب باسم الدين والقومية والكرامة الوطنية ، حتى اقتنعت بأن شرط الحياة الكريمة ، هو التسامح والاقرار الصريح بحرية الاعتقاد ، والحق المتكافيء للجميع في اتخاذ ما يرونه مناسبا لقناعاتهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

يبدو مبدأ التسامح بسيطا على مستوى الجدل اللفظي. وأذكر ندوة حوارية عقدت في العراق ، قدم فيها أستاذ معروف مرافعة طويلة ، عن السعادة التي نعم بها غير المسلمين في المجتمعات المسلمة. وحين انتهى ، قدم واحد من الحاضرين مرافعة مضادة ، تظهر أن المواطنين غير المسلمين قد انخفضت نسبتهم من 7.5 بالمائة في منتصف القرن العشرين الى أقل من 1 بالمائة في الوقت الراهن. وتكرر هذا الأمر بنسب مقاربة في دول أخرى. وعقب متسائلا: إذا كانوا سعداء ، فلماذا غادروا ، وإذا كان السبب هو الميل العام عند المواطنين للهجرة ، فلماذا معدل الهجرة مضاعف بين غير المسلمين؟.

الواضح اننا نجيد تسطير المدائح في تساهلنا مع المختلفين عنا ، ونستدل على ذلك بقصص منتقاة من تاريخ يمتد مئات السنين. لكننا نتناسى عنصرين مهمين جدا ، يذكرهما عادة الطرف الآخر في القضية. العنصر الأول: في مقابل حالات الاحسان واللين ، ما هو عدد حالات الإساءة والخشونة؟. والعنصر الثاني ، وهو الأهم: هل ينطلق تسامحنا وليننا المفترض ، من إقرار بحق غير المسلم في اختيار دينه ، والممارسة الطبيعية لطقوسه وعاداته ، مثلما نفعل نحن إذا أقمنا في بلاد أخرى؟.

مبدأ التسامح لا يعني الملاينة والتساهل. التسامح هو الإقرار – على المستوى الفكري والقانوني - بحق كل فرد في اتباع المعتقد الذي يطمئن اليه ، والمبدأ أو طريقة العيش التي يختارها ، طالما التزم بالقانون الذي يكفل المساواة بين الجميع ، ولم يكن في عمله عدوانا على أحد. فما هي القواعد التي تنسجم مع هذا المبدأ في تراثنا وفي ثقافتنا العامة؟.

ان تكرار الجدل حول عيد الميلاد وجواز الاحتفاء به وتهنئة الجيران والأصدقاء فيه ، دليل واضح على ان التسامح الذي نمتدحه في أنفسنا وتاريخنا ، ليس تسامحا في الحقيقة ، بل هو أقرب الى الملاينة ، وهي – دون ريب – من مكارم الاخلاق ولوازم التعايش بين الناس ، لكنها لا تنطوي على الجزء الجوهري من المسألة ، أي الإقرار للآخرين بالحق الذي سبق ان أعطيته لنفسك: الحق في ان تؤمن كما تشاء وتعبد كما تشاء وتسعى للخلاص الاخروي في الطريق الذي تطمئن اليه ، دون جبر او مزاحمة.

الخميس - 12 رَجب 1447 هـ - 1 يناير 2026 م      https://aawsat.com/node/5225171

 مقالات ذات علاقة

قصة مكررة

نهاية العام الميلادي ، موعد ثابت للجدل حول جواز او عدم جواز الفرح بعيد الميلاد وراس السنة والتهنئة بهما. ويتبارى المتحدثون والخطباء ، بعضهم...