‏إظهار الرسائل ذات التسميات خلق الوظائف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خلق الوظائف. إظهار كافة الرسائل

09/07/2026

نحتاج تعليما يعد الشاب لحياة معقدة

 دعنا نؤكد مرة بعد مرة ان المجتمعات العربية ، تحتاج قطعا لتوفير ما يكفي من  الوظائف للشباب الذين انهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضا ان توليد وظائف حقيقية ، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج ، وليس مجرد توفر أموال إضافية ، أو مباني نملأها بكل من يحتاج لوظيفة.

قصر بنغالور

بعبارة أخرى ، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية او وهمية ، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها ، ويستلمون رواتبها منها. وهذا ممكن دائما طالما توفر المال. اما الطريقة الثانية فهي التنمية الشاملة والمستدامة ، أي زيادة حجم الاقتصاد ، ولاسيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيما اقتصادية ، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد انتاجي واقتصاد خدمي ، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية ، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر ، دون إضافة ملموسة.

ان ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال ، يرجع في المقام الأول الى صناعتها الضخمة ، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم ، فتضيف قوة جديدة الى دورتها الاقتصادية ، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات ، حين سعت الحكومة لخلق وظائف ، بعضها وهمي ، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين الى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي ، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة ، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة ، ليس لحل مشكلة التوظيف ، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول ، حيث بات الناتج القومي الاجمالي للهند هو الأسرع نموا بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول ارقام  رسمية ان مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني ، تحتضن 14,000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار . ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا ، التي تقع فيها بنغالور ان هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في انجاز وظائف عالية القيمة ، وفيها حاليا 875 مركزا لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع ان ترتفع قيمة هذا القطاع الى 110 مليار دولار خلال السنوات الأربع القادمة.

-         حسنا ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين ، بذلت الحكومات العربية جهودا جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام ، أي كون هدفه الأول اعداد موظفين لسوق العمل. تخرج الجامعات العربية عشرات الالاف من الشباب سنويا. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين ، لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل اذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني ، مع انها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل ، ليخدم هدفا واحدا ، هو اعداد الطالب ليقيم عمله الخاص ، وليس العمل موظفا عند غيره. ويجب التركيز على الاعمال الإنتاجية ، من الزراعة الى الصناعات البسيطة ، الى تطوير الحلول الرقمية للاعمال ، وصولا الى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيليا. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط ، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم اكثر تقدما وتعقيدا ، كي يهيئ ابناءنا لحياة اكثر تعقيدا وتقدما ، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها او استهلاكها؟.

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب ، للتطلع الى الآفاق البعيدة والمغامرة ، والحساب الدقيق للعواقب ، ونقد الواقع ، والتمرد على المألوف ، وإدارة الحياة والاعمال. هذا خير من انفاق الوقت في علوم مفيدة ، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

الشرق الأوسط الخميس - 24 مُحرَّم 1448 هـ - 9 يوليو 2026 م  https://aawsat.com/node/5293877

 

مقالات ذات علاقة

أسس بنكا او ضع عقلك في الدرج
اول العلم قصة خرافية
بين النهوض العلمي والتخصص العلمي

تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع

تطوير التعليم من الشعار إلى المشروع
التعليم كما لم نعرفه في الماضي
التمكين من خلال التعليم
التخلي عن التلقين ليس سهلا

تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا

تعزيز التسامح من خلال التربية المدرسية

التعليم كما لم نعرفه في الماضي

التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟

التمكين من خلال التعليم

حاضنات الابداع

حقوق الانسان في المدرسة

حول البيئة المحفزة للابتكار

دعـــــوة الى التعــــليم الخــــــيري

سلطة المدير
فتاة فضولية
المدرسة وصناعة العقل
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق

شكوك في العلاقة بين الثقافة والتقدم

صناعة الشخصية الملتبسة

ما هي الأغراض الكبرى للتعليم الوطني

المدرسة وصناعة العقل

المدرسة ومكارم الاخلاق

هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟

04/06/2026

صانع المدرعة ، كوفيء بالمال فقط!

لو سألتني: هل يمكن للجامعة ان تخلق السوق من العدم ، لاجبتك: نعم. يمكن للجامعة ان تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون ان المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية الى جهة تجارية ، كما لا نقصد ان الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه ، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.

بعد هذا التمهيد ، لا بد أيضا من إيضاح اننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزا للمجتمع العلمي بكل تفرعاته ، وليس عن عنوانها القانوني او المكاني. بديهي ان حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن ، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيس للجامعة. ومن هنا فان الحديث يشمل أيضا كل إطار يجري فيه انتاج العلم أو استثمار العلم. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الافراد ، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة ، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل الى مصدر للثروة.

ومما يدخل في السياق أيضا ، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنين ، شخصا طامحا لانشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلا في انتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام ، اصر هذا على ان صناعة المدرعات ليست من شأن الافراد ، وان عليه ان يسلم المشروع للحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن ، اخبرني انه حصل على مال كثير ، لكنه يشعر بأسى عميق ، لأن ذلك المشروع قد مات ، فقد سلم الى اشخاص لا يفرقون بين اقتناء المركبة وصناعة المركبة ، وكانوا يعتقدون ان شراء مركبة جاهزة موثوقة ، من شركة معروفة ، افضل من انفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا – بالطبع – يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك ، وشراء مصنوعات الآخرين. اعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في اكثر التفاصيل ، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.

 في كل الأمثلة ، كان الجميع متفقا على ضرورة تشجيع المبادرات. لكن قصر نظر بعض الناس ، جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير ، بينما كان المبتكر يريد مواصلة العمل ، وتذليل العقبات القانونية او البيروقراطية ، التي يتمسك بها اشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال ان يأتيهم مبتكر من مكان ما ، يتطلع لصنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.

اما وقد وصلنا الى هذه النقطة ، فلابد من القول ان بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع او ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فاذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له او الغريبة عن معتقداته واعرافه ، فهو يؤسس ما نسميه "السوق الحر للافكار" الذي اعتبره جون ستيوارت ميل ، الفيلسوف الإنكليزي المعروف ، ارضا ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. اما اذا قوبلت تلك الأفكار بالتجاهل ، او تعرض أصحابها للاذى ، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون الى الانكماش ، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد ، او ربما يهجرون مجتمعهم الى مجتمعات يظنون انها اكثر تقبلا للجديد.

يمكن للمجتمع ان يساعد المبتكرين ، ويمكن له ان يفسح الطريق لهم ، وان لم يساعدهم. في كلا الحالتين ، يجب ان يتبنى المجتمع عقيدة واسعة ، تتسامح مع المختلف وان كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.

زبدة القول ان الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة ، يتمثل في مساعدة المبتكرين الاذكياء على مواصلة عملهم ، وخوض التحدي الذي ظنوا انهم قادرين عليه ، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات ، وليس استغلالهم في الدعاية او اقناعهم بالراحة.

المجتمعات التي تحتفي بالاشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة ، او - على الأقل - تتسامح مع أصحابها ، جديرة بأن تتحول الى حاضنة للابداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه ، او تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل ، فهذه احرى بأن تتحول الى ثلاجة للمبدعين او ربما مقبرة.

الشرق الأوسط الخميس - 19 ذو الحِجّة 1447 هـ - 4 يونيو 2026 م     https://aawsat.com/node/5280279

مقالات ذات علاقة

  

28/05/2026

هل يمكن للتعليم ان يخلق السوق بدل خدمتها؟

 الجدل الذي رافق انطلاق جامعة الرياض للفنون ، لفت نظري لموضوع في غاية الأهمية ، وهو العلاقة التفاعلية بين المدرسة والسوق. يتضح الموضوع في سؤال كثير التداول ، فحواه: هل نبني التعليم الجامعي كي يلبي حاجات السوق ، ام ان مهمته هي صناعة السوق وتحديد حاجاتها؟.

الفرق بين السؤالين واضح جدا ، فالتعليم الذي يخدم حاجات السوق ، ينطلق من فرضية ان السوق القائمة هي المكلفة بتوليد الوظائف وتحريك الاقتصاد. ولأن هذا لا يتحقق دون يد عاملة مؤهلة ، فان مهمة النظام التعليمي هي سد هذه الحاجة. هذا يشبه الى حد كبير الفهم الذي ساد في بداية انشاء التعليم الحكومي قبل حوالي 100 عام ، حين اعتبر الجميع بأن غرض المدارس حديثة التأسيس ، هو توفير الموظفين للدوائر الحكومية ، التي كانت حديثة التأسيس أيضا.

بات الموضوع حرجا ، لأن عدد الذين يتخرجون من المدارس والجامعات ، أكبر كثيرا من قدرة الاقتصادات الوطنية ، على توليد ما يكفي من الوظائف لغالبيتهم. فماذا نفعل في مواجهة التحدي؟.

بعض الحكومات اعتمد تصدير الفائض من اليد العاملة الى الأسواق المستقبلة للعمالة. ونعلم ان هذا حل لمشكلة طالب العمل ، لكنه لا يعالج ضعف الاقتصاد الوطني. الحل الذي اختارته حكومات أخرى ، ومن بينها المملكة ، هو تشجيع الشباب على انشاء شركاتهم الخاصة ، كي يعملوا لأنفسهم ، بدل العمل لصالح الغير.

نعلم ان هذا الخيار ليس مرجحا عند غالبية الناس ، لأنهم - ببساطة – لا يملكون الرساميل ولا الخبرة ، فضلا عن الخلفية الثقافية التي لا تشجع المغامرة.

حسنا .. هل يمكن للتعليم الجامعي ان يساعد في استيعاب هذا التحدي؟.

هذا هو بالتحديد محل السؤال الثاني عن علاقة الجامعة بالسوق . والفرضية التي نطرحها هنا هي: ان دور الجامعة كخادم للسوق ، ضروري ، لكنه لا يعالج المشكلة الكبرى ، أي ضيق وعاء التوظيف في السوق الحالية. ان الحل الجذري هو ان "نخلق سوقا جديدة". هكذا الامر بكل بساطة!.

"خلق السوق" يعني ابداع اعمال من العدم ، وتوفير وظائف جديدة ما كان أحد يتخيل وجودها قبلئذ. لتوضيح الفكرة ، اسأل نفسك: ما عدد الوظائف الجديدة التي خلقت بفضل انتشار الانترنت ، ثم الهاتف الجوال المتصل بالانترنت؟. اعتقد ان عددها بالملايين أو ربما عشرات الملايين. فمن كان يتخيل هذا النوع من الوظائف قبل 40 سنة؟

خذ أيضا الوظائف التي تتصل بالانظمة ذاتية الحركة ، مثل الطائرات المسيرة والروبوت والمحركات المدارة عن بعد ، وهي كلها تقنيات ناشئة ، وسوف تكون مثل الهاتف الجوال بعد خمس سنين او نحوها. ترى كم هو عدد الوظائف التي توفرها هذه التقنيات الآن ، وكم نتوقع ان يتوفر منها في العقد القادم؟.

هذه أمثلة على سوق خلقت في مختبرات الجامعة ، وهي تقدم فرصا أوسع وأرقى من معظم الوظائف المعروفة اليوم.

تستطيع جامعاتنا تولى هذه المهمة ، ليس بمعنى الانصراف كليا اليها ،  بل بمعنى ان تخصها بالاهتمام والتمويل والإدارة. نموذج التعليم الذي يخلق السوق ، جوهره الابتكار والبحث العلمي المتقدم ، والتركيز على التقنيات التي تقود السوق ، مثل الطاقات المتجددة والذكاء الصناعي والتقنيات الحيوية ، واحتضان الاعمال التي ينشئها الطلبة والمدرسون ، نظير ما تقوم به جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا حاليا.

ان اردت لمس ما نتحدث عنه ، فاعلم أن خريجي جامعة كامبردج البريطانية مثلا ، اقاموا 26 شركة تقنية ، راسمال الواحدة منها يتجاوز مليار دولار. وتساهم الشركات المرتبطة بهذه الجامعة في الاقتصاد البريطاني بحوالي 30 مليار جنيه سنويا. اما جامعة ستانفورد فان خريجيها اقاموا 122 شركة تقنية يتجاوز راس مال الواحدة منها مليار دولار.

هذا قليل من كثير ، يظهر ان فكرة "خلق السوق" ليس حلم ليلة صيف ، ولا تأملات متفرج من برج عاجي. بل هي إمكانية قائمة وقد جربت فعلا. فهل نستطيع التحرر من العقد القديمة ، ونفكر في السوق التي نصنعها بدل السوق التي نخدمها؟.

الشرق الأوسط الخميس - 11 ذو الحِجّة 1447 هـ - 28 مايو .   2026           https://aawsat.com/node/5277922

 

مقالات ذات علاقة

 اول العلم قصة خرافية
تدريس العلوم بالعربية.. هل هذا واقعي؟
تعريب العلم ، ضرورة اقتصادية ايضا
التعليم والسوق.. من يصنع الآخر؟
التمكين من خلال التعليم
حول البيئة المحفزة للابتكار
الطريق السريع الى الثروة
كيف نجعل الثقافة محركا للاقتصاد؟
لافرق بين دراسة الفن ودراسة الطب
لماذا نبدأ بالأطفال
مجتمع المعرفة لازال هدفا ضروريا
معنى ان يكون التعليم العام واسع الافق
هل نسعى لتعليم يملأ المكاتب بالموظفين؟
 
 

التعليم الصالح لهذا الزمان

التعليم الذي نحتاجه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص ، وتحويل الخيال الى واقع. الفرص التي نريد صناعتها ، ليست موجودة فعلا. والواقع ...