الأربعاء، 25 ديسمبر 2019

هكذا تحدث محمد شحرور


ينتمي الدكتور محمد شحرور لطائفة من المفكرين ، الذين لايرون انفسهم مدينين لأعراف المؤسسة الدينية التقليدية أو قيمها. وهو لا يرى نفسه مدينا لرواة الحديث ولا للفقهاء والمفسرين ، ولا لمنهجهم في قراءة النص الديني واستنباط الشرائع. بل انه لا يكتم انكاره للقيم والقواعد التي يجلونها ايما اجلال.
يعمل شحرور على أرضية فلسفية ومنطق استدلال مختلف. ولهذا فليس ممكنا ان يبلغ ذات النتائح المتعارفة في المدرسة الدينية التقليدية. في السطور التالية بعض أبرز العناصر التي تميز منهجه عن نظيره المتعارف في هذه المدرسة:
أولا: يتعامل شحرور مع الدين كبرنامج بحث مفتوح لكل الاجيال. يفهم الخطاب القرآني على ضوء توسع الانسان في فهم "كلمات الله" اي قانون الطبيعة. ولذا سيكون لكل جيل تفسيره الخاص المرتبط بما يستجد من معارف. ان تفسير القرآن في زمن ، يعكس بالضرورة المعارف المتوفرة في ذلك الزمن. لا يتعلق الأمر بالمحتوى اللغوي ، بل باستيعاب الرابطة العميقة بين الخطاب الرباني وقانون الطبيعة.
يتعارض هذا التأسيس مع المنطق الداخلي للمدرسة التقليدية في جانبين مهمين: أ) اعتبار رأي الاسلاف مرجعيا مقدما على رأي المعاصرين ، لانهم أقرب لزمن الوحي.  ب) التعامل مع تفسير القرآن كمعالجة للتركيب اللغوي والفني في النص.
ثانيا: ماسبق يعني ايضا ان جانبا من المنظومة الدينية اجتهاد بشري بحت. فهي ليست بكاملها سماوية (وفق ما يصوره الخطباء والمتحدثون). وقد صدم شحرور قراءه حين قال ان المحرمات 14 فقط. لانه يرى ان التحريم حكم خاص بالله ، وقد بينه القرآن بوضوح. اما بقية ما اشتهر في الفقه كمحرمات ، فهي ممنوعات عرفية ، وان حملت صبغة دينية باعتبارها ضرورة للنظام العام. وفقا لراي شحرور فانه ليس للرسول ولا الامام ولا الفقيه ان يحرم شيئا ، لكنهم جميعا مخولون بالنهي عن اي فعل يؤدي لمفسدة عامة.
ثالثا: تصحيح الاحكام الشرعية: حسب العرف الجاري  للفقهاء ، فان الحكم الشرعي يعتبر صحيحا ، اذا تم الاستدلال عليه وفق القواعد المعروفة في أصول الفقه ، وثبت ارتباطه بالنص (القرآن او السنة). اما شحرور فرأى ان الواقع ، هو المختبر الذي يثبت سلامة الحكم الشرعي او خطله. يجب ان يحقق الحكم مصلحة عقلائية ظاهرة او يرفع مفسدة ظاهرة ، ولا يصح الاحتجاج بما يسمونه مصالح خفية ، كما لا يكفي استناد الحكم الى نص قطعي الصدور أو صريح الدلالة ، لأنه قد يكون ناظرا لظرف تاريخي خاص.
رابعا: يعتقد شحرور ان الهوية الدينية (بالمعنى السوسيولوجي) ليست من لوازم الدين. المجتمع الديني بكل شعائره ونظم حياته واخلاقياته ، يجسد هوية ونظام حياة يختارها اتباع الدين. لكن هذه ليست دينا بالمعنى الدقيق. بل قد تتجلى روح الدين  في مجتمعات لا تحمل اي اعلان عن ديانتها.  وحسب تعبيره فان "لسان حال المجتمعات التعددية يقول ان الله واحد وغيره متعدد" وان "لسان حال المجتمعات المتطورة يقول ان الله ثابت وكل شيء عداه سبحانه متغير". بعبارة اخرى فاننا قد نرى تجسيدا للقيم الدينية الكبرى في مجتمعات تتبع سنن الله وان لم تظهر عليها سمات دين بعينه.
هذه جولة سريعة جدا تكشف ان فكر المرحوم شحرور ، يخالف الفكر التقليدي في المنطلقات والفلسفة العامة ، ولذا فهو يضرب في مسارات بعيدة جدا عن تلك المتعارفة في المدرسة التقليدية. هذا يجعل تاثيره محدودا ، لكنه يصنع – ولو ببطء – مستقبلا مختلفا جدا.
الشرق الاوسط الأربعاء - 28 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 25 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [15002]
 https://aawsat.com/node/2050906 

الاثنين، 23 ديسمبر 2019

ما الذي يجعل محمد شحرور مختلفا وبغيضا أيضا

||الثورات العلمية الكبرى تبدأ بنقد الأصول ومساءلة المسلمات ؛ أي إعادة موضعتها كحلقة في سياق تاريخي وليس نهاية العلم||
يُعد كتاب توماس كون “بنية الثورات العلمية“، إضافة بارزة إلى فلسفة العلم. وقد واجه كثيرًا من النقد يوم ظهرت طبعته الأولى في 1962؛ لكنه ما لبث أن احتل مكانة بين أكثر الكتب تأثيرًا خلال القرن العشرين، وطبع منه ما يتجاوز مليون نسخة، كما تُرجم إلى 20 لغة؛ بينها “العربية”.
توماس كون
فسَّر هذا الكتاب سبب مقاومة المجامع العلمية النافذة للنقد الجذري، في مقابل ترحيبها بالنقد المستند إلى ذات المنهج والمعايير السائدة فيه.
حين تنطلق من ذات الأرضية التي يقفون عليها، فسوف تلقى ترحيبًا واسعًا، وستُطلق عليك أوصاف رائعة؛ سيُقال إنك إصلاحي ومجدد وعلامة، مهما كان نقدك حادًّا. لكن الأمر سيختلف حين تشكك في سلامة البناء العلمي للمنهج السائد، أو تؤسس لمنهج بديل، أو تنكر معيارية القواعد المتبعة في اختبار ونقد الأفكار. في هذه الحالة سيُنظر إليك كمتطفل يهدد استقرار وسلامة النسق السائد، وسيحاربك المئات من الناس، ليس فقط لأنك تدعو إلى أفكار مختلفة عن أفكارهم أو حتى غريبة وغير مألوفة؛ بل لأن القبول بهذه الأفكار سيؤدي -بالتبع- إلى إضعاف النفوذ الاجتماعي المرتبط بذلك المنهج، والتهوين من قيمة الأشخاص الذين يصنفون كرموز للمدرسة الفكرية أو القيمية القائمة على أساسه.
 الكتاب والقرآن” هو أول أعمال محمد شحرور، صدر في 1990، وأثار عواصف من الجدل لم تهدأ حتى اليوم. والحق أن شحرور لم يكن بالخصم السهل أيضًا، فقد واصل مجادلته لقائمة طويلة من المفاهيم والقواعد الرئيسية في التفكير الديني التقليدي؛ تبدأ من فهم النص والمصطلح، ولا تتوقف عند إنكار العشرات من الأحكام الفقهية، اعتمادًا على إنكاره صحة الأساس العلمي الذي قام عليه الحكم أو سلامة استنباط المجتهد من النص. بعض تلك الأحكام يرجع إلى تفسيرات للقرآن مستقرة ومورد اتفاق بين الفقهاء في عصور متوالية؛ مثل الأحكام المتعلقة بحجاب المرأة والمساواة بينها وبين الرجال في الميراث، ومثل الأحكام الخاصة بأهل الكتاب والكفار، ومعنى الولاية العامة للدين ودوره في الدولة، وكذا الحدود الفاصلة بين الديني والعرفي، ودور المجتمع في صياغة ونسخ القوانين الشرعية.
ربما لم تكن هذه الآراء لتثير ضجة لو صدرت من خارج الدائرة الدينية، أو أُقيمت على أرضية غير دينية؛ لأنها حينئذ لن تتحدى شرعية أو نفوذ القوة الدينية. ما أثار العواصف حولها هو أن صاحبها أقامها على بحث عميق في القرآن؛ بحث مختلف تمامًا عن المنهج المتعارف في المدرسة الفقهية التقليدية، لكنه في الوقت ذاته قوي من الناحية العلمية ومقنع لعامة القراء؛ بما يجعل السكوت عنه أو تجاوزه مستحيلًا. الحقيقة أن كثيرًا من الناس بدؤوا يطرحون هذه الآراء الجديدة على رجال الدين الذين اعتادوا متابعتهم، ويسائلونهم: لماذا لا تقولون بقول كهذا؟ هذا يعني بصيغة أخرى: لماذا استطاع شحرور أن يستخرج ما نبحث عنه ولم تستطيعوا؟
لو اقتصر شحرور على النقد من داخل المنهج واستعمل أدواته؛ فسيقدم شيئًا كثيرًا، ولن يتعرض إلى ما تعرَّض إليه من هجوم، وصل إلى اتهامه بالكفر والإلحاد وتأثره بالماركسية.. إلخ. لكن لو فعل هذا، فلن يكون أكثر من راوٍ يعيد التذكير بما سبق أن قيل، وإن في صيغة مختلفة. حينئذ فإن عمله سيكون أقرب إلى ما سمَّاه توماس كون “حل الألغاز/الكلمات المتقاطعة=puzzle_solving”، وليس اختراق جدار التقليد المزمن.
الكشوف التاريخية والثورات العلمية الكبرى تبدأ بنقد الأصول ومساءلة المسلمات والبديهيات؛ أي إعادة موضعة هذه المسلمات في مكانها الصحيح، كحلقة في سياق تاريخي لا كحقيقة تامة أو نهاية للعلم.
كيوبوست 23-ديسمبر-2019  qposts.com


الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

حين نخاف من بعضنا البعض او نرتاب


لفت انتباهي هذا الاسبوع حديث للدكتور معجب الزهراني عن "بيئة التوحش". والزهراني اكاديمي وناقد معروف ، يعمل مديرا لمعهد العالم العربي في باريس. وكنت قد صادفت هذا التعبير في بحوث حول استراتيجية "تنظيم القاعدة" وفروعه. ولعله راج بعد ظهور "ادارة التوحش" ، الكتاب الذي يشرح تلك الاستراتيجية.
د. معجب الزهراني
اما "بيئة التوحش" التي يذكرها الزهراني فهي سياق تحليلي ، يفسر بعض التحولات الثقافية/السلوكية في المجتمع السعودي ، خلال حقبة "الصحوة" التي شغلت معظم الربع الأخير من القرن العشرين ، فهو اذن غير التعبير المرتبط بعمل التنظيم المذكور.
لفت انتباهي هذا الوصف ، لما يختزنه من قابلية لتحليل مسارات مهمة في تاريخنا الحديث ، واعني بها خصوصا اختلال هيكل العلاقات الاجتماعية القديم ، ومايسنده من منظومات قيمية ، بسبب تغير مصادر المعيشة والانتاج اولا ، ثم بسبب التوجيه الايديولوجي/القيمي ، الذي قدم بديلا سلوكيا وعلائقيا يستوحي ثقافة الغزو والغنيمة ، لكنه يتغطى بعباءة العودة الى الدين الحنيف.
سأقول من دون تردد ان عقلاء العالم جميعا ، بمختلف اديانهم وثقافاتهم ، يريدون العيش في مجتمع "يأنس" فيه الافراد ببعضهم ، يتبادلون المنافع ويتشاركون الأعباء ويواسي بعضهم بعضا ، دون ان يحجزهم عن بعضهم اختلاف اللون ، او العرق او الدين او اللغة او الجنس او الجنسية او الايديولوجيا او الولاء السياسي او غيره. "الأنس" هو جوهر الانسانية كمعنى وكقيمة. ولولاه لكان الانسان وحشا او شبه وحش.
وقد لفت الاستاذ الزهراني نظري الى ان النقيض المباشر للانس ، اي التوحش ، قد لايكون حالة فردية متخارجة عن الحالة العامة للمجتمع الطبيعي. أقول هذا استيحاء من مقارنته بين الحال التي رآها حين عاد الى البلاد ، وتلك التي اعتاد ان يراها قبل رحيله للدراسة في الخارج. وفيها يشير الى ان نسبة معتبرة من المجتمع ، قد تخلت عن حالة "الانس" التي هي سمة المجتمع الطبيعي ، واتجهت الى حالة تنافر او تناكر ، ربما تكون التمهيد الأولي لحالة التوحش.
في هذه المرحلة التمهيدية تتبلور السمات الرئيسية لبيئة التوحش ، وابرزها في ظني هي تحول الريبة الى معيار حاكم على العلاقات بين الناس. تتبدى الريبة في اشكال شتى ، منها مثلا تحويل المنازل الشخصية الى قلاع عالية الاسوار ، خوف السراق احيانا وخوفا من نظر الجيران في أغلب الاحيان ، وكذا المبالغة في الفصل بين الرجال والنساء في الاماكن العامة ، حتى بين الأهل والأقارب. ومثله الميل الشديد الى "المفاصلة" في العلاقة مع الآخرين ، والذي يتجلى في الاهتمام بتصنيف كل شخص باعتباره "من الجماعة " او "آخر" والتركيز على خطوط التفارق ، مثل الدين والمذهب والقبيلة والمدينة الخ. وتترافق هذه النزعة مع تفاقم الخوف من المجهول ، الذي يظهر في انتشار الحكايات والروايات عن الجن والسحر والحسد والعوالم الخفية التي تتحكم في عالم الانسان.
ربما لم تكن هذه التحولات معضلة او شديدة التأثير ، لولا التوجيه الايديولوجي الذي البسها عباءة دينية. فتحولت الريبة وما ينتج عنها الى تمظهر للورع والتقوى ، وتحولت المفاصلة الى تعبير عن قوة الايمان والقوة فيه. العباءة الدينية هي التي جعلت نقد الحالة عسيرا ، وحملت معظم الناس على اعتبارها أمرا طبيعيا ، او ربما طيبا.
لكننا نعلم ان العلاقات القائمة على اساس الريبة ، ستقود بالضرورة الى تفكيك المجتمع وتحويله الى جزر منفصلة متناكرة. وهذي هي الصورة الأولى لبيئة التوحش.
الشرق الاوسط الأربعاء - 21 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 18 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14995]

الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

صراع حدود أم صراع وجود

ارى ان غالبية المسلمين سيحبون الفكرة التي نادى بها روجيه جارودي ، فكرة الاسلام المفتوح ، الذي يحتمل كل الناس وكل الافكار ، وعلى ا لخصوص اولئك العلماء والفلاسفة والمصلحون والمخترعون ، الذين ساهموا في صناعة تاريخ البشرية او تقدم المجتمع الانساني ، بنحو من الانحاء.
Image result for ‫روجيه جارودي‬‎
روجيه جارودي
 الفكرة بذاتها جذابة ومثيرة للاهتمام ، فهي تحاكي توقا عميقا في انفس البشر لرؤية تجسيدات الخير مجتمعة متعاضدة. يعتقد كل انسان انه وسائر البشر الآخرين ، أميل الى فعل الخير ، وانهم قادرون على ابتكار الافعال التي تجسد الخير وتنميه. ولهذا لا يرون عيبا حين يضعون ايديهم بايدي غيرهم الذين على ملتهم او على سواها. لا يتوقف عامة الناس عند اختلافاتهم العقيدية او الثقافية. انت ترى الافا من الناس يأتون الى الاسواق كي يبيعوا او يشتروا ، فلا يسأل أحد منهم عن معتقد الآخر او انتمائه الاجتماعي ، كما لا يسألون عن صانع السلعة. 
 لكن هذا ليس نهاية القصة. ولا ينبغي أخذ الأمور بهذا التبسيط. دعنا نمثل بحال الولايات المتحدة الامريكية ، التي تألفت عند تاسيسها من مهاجرين ، ولازالت تدين لمهاجرين قدامى وجدد بازدهارها العلمي والاقتصادي. مع ذلك فان الشعارات التي أوصلت الرئيس الحالي دونالد ترامب الى البيت الأبيض ، هي الشعارات الداعية الى وقف الهجرة وابعاد ما امكن من المهاجرين. كذلك الحال في اوربا التي  يتفاقم فيها التيار السياسي المعادي للمهاجرين ، رغم حاجتها الماسة اليهم كأيد عاملة وكمشاركين في بناء مستقبل القارة العجوز. 
 وليس الأمر بعيدا عن العالم الاسلامي والعربي ، فالنزاعات القومية والطائفية والقبلية المتكررة ، تؤكد بما لا يقبل الشك ، ان خيط الثقة الرفيع الذي تحدثنا عنه ، ليس سمة ثابتة في المجتمعات. ولا فرق في هذا بين المتقدم والمتخلف منها. 
 كان الفيلسوف المعروف جان جاك روسو ، قد قال في كتابه الشهير "العقد الاجتماعي" ان تبلور مفهوم التملك والملكية الشخصية ، كان سبب انبعاث النزاعات بين البشر. ونعلم ان معظم الخصومات تدور حول المال والملك في مختلف اشكاله. فماذا عن الخصومات التي موضوعها الدين والايديولوجيا؟.  
 دعنا نعيد السؤال بصيغة أوضح: هل يتنازع الناس حول المذاهب والاديان ، لانهم يشعرون ان انتماءهم الى هذا الدين او ذاك ، هو نوع من الملكية ، اي انهم يدافعون عن أحد املاكهم حين يدافعون عن دينهم؟. 
 رايي ان هذا احتمال وارد في كثير من الحالات. لكن ثمة سبب آخر للصراعات الدينية ، ولعله أوضح واوسع نطاقا ، أعني به تحول الدين من رسالة الهية الى هوية اجتماعية. في هذه الحالة تتلاشى المسافة بين الدين والذات. حين تتعرض لدين الشخص او مذهبه ، فانه سيتلقاه كعدوان على شخصه او كتحد لشخصه ، فينخرط في النزاع كما لو كان يدافع عن وجوده ذاته وليس فقط عن شيء يملكه.
 ربما يتذكر القراء الاعزاء الشعار الشهير للمرحوم ياسر عرفات الذي قال ان النزاع مع اسرائيل"صراع وجود لا حرب حدود". ان نزاعات المصالح هي نزاعات على الحدود الفاصلة بين الشخص ومن ينافسه. اما الصراع الوجودي ، فان الذات (الفردية او الجمعية) هي المستهدف الأول فيه ، وتبعا لذلك فان ارادة البقاء هي المحرك الرئيس له. وهذي هي النقطة التي يركز عليها القادة والمحرضون حين يحاولون ارسال اتباعهم الى ساحات الصراع ، المادي او حتى اللفظي.
الشرق الاوسط الأربعاء - 14 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 11 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14988]

الأربعاء، 4 ديسمبر 2019

من بوذا الى ابن سينا وكارل ماركس



سمعت باسم روجيه جارودي في دمشق ، صيف العام 1984. كنت أذهب كل أربعاء الى "مقهى الهافانا" ، ملتقى محبي الأدب والثقافة يومذاك. ويقع المقهى على الضلع الغربي لشارع بورسعيد ، على بعد امتار من تمثال يوسف العظمة الذي يتوسط ساحة تحمل اسمه أيضا.

اخبرني احد زملاء المقهى عن كتاب "ما يعد به الاسلام" الذي صدر حديثا[1] وقدم فيه جارودي الرؤية التي تبرر اختياره للاسلام ، بعدما بدأ بروتستناتيا ثم مناضلا ومفكرا شيوعيا ، ثم كاثوليكيا. اثار الكتاب فضولا شديدا عندي ، فقد وجدته – خلافا لما اعتدت – يدعو لاسلام مفتوح ، واسع الافق ، يحتمل كل الناس وكل الافكار ، من بوذا الى غاندي وابن سينا والحلاج وحتى كارل ماركس. والحق اني بقيت يوما كاملا ، لا تفارق عيناي الصفحة التي نقل فيها الابيات المنسوبة للعارف الشهير محي الدين بن عربي :

وقـد صـار قلبي قابلا كل صورة         فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيـت لأوثان وكعبةُ طائـــفٍ            وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن
أدين بدين الحب انى توجهت        ركائبه فالحب ديني وايماني

وزاد في جاذبية المقاربة ، انها جاءت وسط جدل محتدم يومذاك ، حول الامكانية العلمية والعملية لتجاوز المذاهب ، الى اسلام متحرر من الانتماءات الاجتماعية والتاريخية. وفي هذا الاطار صدر اكثر من كتاب يدعم أحد الاتجاهين او نقيضه ، واشهرها في ظني كتاب "اللامذهبية اخطر بدعة تهدد الشريعة الاسلامية" للمرحوم محمد سعيد البوطي ، الذي طبع عشر مرات خلال عقد الثمانينات وحده. واريد الاشارة هنا الى ان الصراع العنيف بين النظام السوري والاسلاميين ، لم ينعكس على الاعمال الثقافية ، كما لم تنعكس عليه الخلافات المتكررة مع الشيوعيين ، فكنت ترى الكتاب الاسلامي معروضا في المكتبات الى جانب الماركسي والليبرالي وغيره.

اقول اني قرأت كتاب جارودي على خلفية الجدل الذي شغل الساحة يومئذ ، حول امكانية الفصل بين الدين ، وبين دوائره الاجتماعية واطاره المرتبط بالهوية التاريخية ، أو "بين الجوهري والعرضي في الاديان" حسب تعبير المفكر المعاصر عبد الكريم سروش. في ذلك الحين ، كان الميل العام ينحو لاعتبار الهوية والانتماء الاجتماعي والشكل الخارجي ، لوازم للحقيقة الدينية ، لانها بذاتها اوامر دينية ، او لأنها تدعم هيمنة الدين على الحياة.

أما جارودي فرأى عالما يواجه مشكلات ، لم تفلح في علاجها الاديان والايديولوجيات: "المسيحية والاشتراكية بمختلف انواعها تبقى خميرة للتدافع والفرص ، لكنها لم توقف سعي الغرب الى حتفه". ولذا ظن ان رؤية كونية ، تشمل كل ما أنتجه البشر وما آمنوا به ، قد تكون بداية جدية للتعامل مع المشكلات الكونية من منظور كوني غير أناني. هذا يتطلب وفق رأيه ، نسخة من الاسلام أعمق مما ورثناه عن عصور التخلف والتنازع والانكماش: "اذا كنا نريد للاسلام أن يشارك في ابتكار المستقبل ، فعلينا ان نحول دون اختصاره في المواقف المتصلبة والتوترات والانفلاتات التي تحجب الفكر".

استرجع احيانا آراء هذا الفيلسوف المناضل ، وأتساءل ان كانت علاجا لبعض أدوائنا اليوم. اعلم انها لم تلق القبول المناسب في وقتها ، لكن لعل اليوم غير الامس. ولعله قدر الرؤى العابرة لقيود الحاضر والزاماته الى شرفات المستقبل وما ينطوي فيه من فرص وامكانات.

اعلم ان كتاب "ما يعد به الاسلام" كان موجها للقاريء الأوربي. لكني أجد فيه وفي طروحات جارودي الاخرى ، نداء لنا من زمن غير هذا الزمن.

الشرق الاوسط الأربعاء - 7 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 04 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14981]



[1] روجيه جارودي: مايعد به الاسلام ، ترجمة قصي أتاسي وميشيل واكيم ، دار الوثبة (دمشق 1983م). وصدرت ترجمة ثانية للكتاب باسم "وعود الاسلام" ترجمة ذوقان قرقوط ، مكتبة مدبولي (القاهرة 1985).




الأربعاء، 27 نوفمبر 2019

عودة الى ماكس فيبر



يرجع الفضل الى كتاب "الاخلاق البروتستنتية وروح الراسمالية" في لفت انظار الباحثين الى أهمية الجانب الوصفي – التفسيري في علم الاجتماع. واظنه ايضا السبب الرئيس في الشهرة العظيمة التي حظي بها مؤلفه "ماكس فيبر"  كصاحب نظريات اصيلة في الحراك الاجتماعي الواسع النطاق.
ويقول فيبر انه كان يحاول التعرف على الاسباب التي جعلت الرأسمالية طريقا وحيدا للنهوض الاقتصادي في اوربا. فقاده هذا الى سؤال آخر يتناول العوامل التي تجعل الرأسمالية ممكنة في مجتمع وممتنعة في مجتمع آخر.

في الخلاصة وجد الرجل ان الدين عامل حيوي ، في صياغة وعي الانسان بالعالم المحيط ودوره في هذا العالم ، وبالتالي أهدافه وأولوياته ، العوامل التي تشحذ طموحاته أو تثير قلقه ، وتلك التي تثبط عزمه او تمنحه الاطمئنان. وفيما يخص النشاط الاقتصادي ، رأى ان البروتستنتية هي الدين الوحيد الذي يحفز الفاعلية الاقتصادية للبشر ، من خلال ربطها العميق بين النجاح الدنيوي (في معناه المادي الصرف) وبين الخلاص الأخروي. يعتقد البروتستنت ، سيما في المنهج الذي اطلقه القسيس الاصلاحي "جون كالفن" ان التقرب الى الله ليس مشروطا بالطقوس المعتادة في الكنيسة. يمكن للانسان ان يتقرب الى ربه ، حين يؤدي واجباته اليومية على الوجه الأكمل. الفلاح وعامل المصنع والحرفي ، وكل صاحب مهنة ، يمارس العبادة (بالمعنى الحرفي وليس المجازي) حين يقوم في عمله. وفي هذه الحالة فانه لا حاجة للذهاب الى الكنيسة يوم الأحد او أي يوم آخر. كنيسة المسيح توجد – وفقا لرأي كالفن – حيث يوجد أتباع المسيح ومحبوه.
احتمل ان الفارق الجوهري بين ابحاث فيبر وسابقيه ، يكمن في اهتمامه المكثف بقراءة الوقائع ومحاولة تفسيرها ضمن سياق ميكانيكي ، وايضاح الدور الذي يلعبه كل عامل ، رئيسي او جانبي ، في تكوين الواقعة وتحديد الوظائف التي تولد من حولها. ومع ان هذه الابحاث لا تخلو من تعبير عن ميل شخصي أو موقف آيديولوجي ، الا ان غلبة الجانب التفسيري ، ونجاحه في تقديم إطار نظري معقول لكل موضع من مواضع البحث ، غطى على نقطة الضعف تلك.

ان السبب الذي يدفعني لتذكير القراء بأعمال فيبر ، هو رغبتي في ان نفكر معا ، في نفس السؤال الذي حاول الرجل مجادلته ، اعني سؤال: متى يمكن للدين ان يحفز النشاط الاقتصادي ومتى يثبطه.
اني لا اجد تفسير فيبر مقنعا ، الا في حدود النمط الصافي ، اي حين يكون الدين مؤثرا وحيدا في تكوين ذهنية الانسان ، مع انعدام اي مؤثر آخر مساعد او منافس.

لكنا نعلم ان هذا شرط غير واقعي. لأن الظاهرة الاجتماعية مركبة بطبيعتها ، وهي تشكل محصلة لتزاحم وتفاعل العديد من العوامل ، التي يترك كل منها أثرا في تكوين الظاهرة وتحديد حجمها ونطاق تأثيرها. هذه العوامل ، اضافة الى عوامل تدخل لاحقا  ، تحدد ايضا اتجاهات الظاهرة وأقدارها (اي الشروط التي تسمح باستمرارها او نهايتها).

أعلم ان التفكير والنقاش في السؤال المذكور سيتأثر – شئنا أم أبينا – بالميول التبجيلية او الاعتذارية ، التي تشكل نوعا من موقف مسبق ، تجاه اي نقاش يتعلق بالهوية او الايمان. لكني اود تحذير القاريء من ان هذه الميول مخربة للتفكير ، وهي لا تساعد أبدا في التوصل الى اي فكرة جديدة. الهوية الدينية ليست في خطر ، كما ان التفكير في الدين لا يؤدي الى اضعافه في النفوس.

الشرق الاوسط الأربعاء - 30 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 27 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14974] https://aawsat.com/home/article/2009626

الأربعاء، 20 نوفمبر 2019

العقلاء الآثمون


تتمدد مدينة بريستول حول شبكة من الانهار الصغيرة ، تتصل في نهايتها بخليج يعرف أيضا بقناة بريستول ، جنوب غرب انجلترا. وخلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، عرفت المدينة كابرز مركز لصناعة السفن في غرب اوربا.
كنت متشوقا لرؤية المتحف البحري للمدينة ، ولا سيما السفينة "بريطانيا العظمى" التي كانت اعجوبة تكنولوجية ، من حيث الحجم والحلول الهندسية المبتكرة يوم صنعت في 1845 ، وساهمت في اشهار مصممها ايسامبارد برونيل كأعظم مهندس بريطاني في تلك الايام.
قبل صناعة السفن ، اشتهرت بريستول كمركز لتجارة الرقيق. ولو قدر لك ان تقرأ عن تاريخ تلك الحقبة ، ثم تمشيت بين حاراتها ومبانيها القديمة ، فلعلك تشعر ان هذه المباني التي تشع بالجمال والمهابة ، توحي بنفس القدر ، وربما اكثر ، بالكآبة والألم. فكأنما هي مسكونة بأرواح الآلاف من العبيد التي فاضت بعدما حطوا فيها ثم نقلوا الى موانيء الشرق الامريكي.
كان ذهني يغص بالصور المتخيلة عن تلك الحقبة الملعونة ، حين وقعت عيني على حجر تذكاري ثبت في جدار يطل على الميناء والسفينة. وقد اختير موقعه بعناية كي يلفت أنظار العابرين. يحمل الحجر عبارات اعتذار وتمجيد لآلاف العبيد الذين عانوا وعذبوا ، ثم قضوا في الطريق بين قراهم والبلاد التي كتبت فيها نهاياتهم.
قرأت العبارات المنقوشة على الحجر تكرارا. وشعرت بدافع يشدني بقوة لفهم السبب الذي دعا ادارة الميناء-المتحف ،  لتذكير زواره بان هذا المكان لم يكن جميلا دائما ، وان العابرين به او العاملين فيه لم يكونوا سعداء دائما ، وان اصحابه ومن يديرونه ، اي الاقوياء واصحاب القرار فيه ، لم يفعلوا الصواب دائما ، ولم يكونوا عادلين مع الضعفاء في معظم الاوقات.
هل هو اعتذار متأخر عما جرى قبل قرنين؟ وهل يشفي تلك الجروح القديمة؟
التأمل في هذه القصة لفت نظري الى جانب ذي صلة عميقة بقيمة التسامح ، أعني به الاقرار بالخطأ ، على النفس او على الغير.
  بيان ذلك: ذكرت في مقال سابق ، ان جوهر مفهوم التسامح هو احترام حق الآخرين في اختيار ما تمليه عليهم عقولهم ، من دين او مذهب او طريقة حياة ، كما تتوقع منهم احترام خياراتك. هذا مبدأ اخلاقي مبني على حكم عقلي عام. واساس الحكم العقلي هو الاعتقاد بان الانسان خطاء ، بمعنى انه يجتهد في حياته ، فيصيب حينا ويخطيء حينا آخر ، وانه لا عيب في اقرار الانسان بانه اخطأ في حق نفسه او في حق الاخرين.
بل لعلي لا أبالغ لو قلت ان اعتراف الانسان بخطئه في حق الآخرين ، حاجة لنفسه ، مثلما هو حاجة للآخرين. انها عملية تطهير للذات ، واعادة تموضع للأنا العاقلة فوق الغرائز ، لمنع احتمالات الانزلاق مرة أخرى في حمأة الظلم والاحتقار.
لوح الحجر ذاك ، يشكل بوجه ما ، إقرارا بالآثام التي ارتكبتها بريستول في حق الافارقة الأسرى ، واعتذارا لكل أحد عما جرى في الماضي. قد يكون هذا شافيا للضحايا وقد لايكون. لكن المهم فيه انه سيشكل بالتاكيد سدا يمنع تمجيد الماضي الاسود ، فضلا عن احيائه او تكراره.
دعنا نقول اذن ان الطريق الى التسامح قد يبدأ باقرار الانسان امام نفسه وامام الغير بانه مثلهم ، خطاء ، وانه ربما يكون قد اخطأ في حق نفسه والاخرين  بقدر ما أصاب.
الشرق الاوسط الأربعاء - 23 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 20 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14967] https://aawsat.com/node/1999256

الأربعاء، 13 نوفمبر 2019

على اعتاب الثورة الصناعية الرابعة



مر الان نحو 130 عاما على وفاة كارل ماركس. ونعرف ان النموذج الايديولوجي الذي اقترحه كطريق للتطور الاجتماعي لم يحقق نجاحا. كما لم يصمد اساسه الفلسفي أمام النقد العلمي ، رغم أنه بقي نافذا في الاكاديميا الاوروبية حتى الربع الثالث من القرن العشرين.

هذا لا يقلل من قيمة مقارباته الفلسفية ، التي لاشك انها أسهمت في تقدم العلم من جهة ، والحياة السياسية من جهة ثانية.

من بين افكار ماركس التي تلفت الانتباه ، رؤيته عن تأثير المكائن والالات على ذهنية الاشخاص الذين يتعاملون معها. فهو يرى ان عمال المصانع اكثر قابلية للتطور والمساهمة في تنمية المجتمع ، لأنهم – حسب اعتقاده – اكثر التصاقا بتيار التطور في العالم ، الذي يتجلى في الآلات الصناعية. وهو يقارن هؤلاء العمال بنظرائهم الفلاحين المنعزلين عن تيار الحياة الحديثة.

قفزت الى ذهني هذه الفكرة ، بينما كنت اقرأ مقالة للبروفسور كلاوس شواب ، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي عن "الثورة الصناعية الرابعة" ، التي يقول ان تاثيرها لن يقتصر على تغيير نظام الحياة والعمل والعلاقات بين الاسواق ، فهي ستغير ايضا كيفية تفكيرنا في الاشياء وفي انفسنا وعالمنا. ان الطريقة التي يتبعها الانسان والادوات التي يستعملها كي يفكر في ذاته ومحيطه ، وعلاقته مع البشر الاخرين ، سوف تتنحى لصالح مفاهيم جديدة غير التي نعرفها اليوم.

يقرن شواب الثورة الصناعية الاولى باعتماد المكينة البخارية في مجال النقل والصناعة (ميكنة الانتاج). ويقرن الثانية بدخول الكهرباء التي ادت الى التحول نحو الانتاج الواسع النطاق. كما ترتبط الثالثة بدخول تكنولوجيا المعلومات في الحياة اليومية للبشر. أما الثورة الرابعة فأبرز ملامحها هو نفوذ التقنيات الرقمية ، الى أدق تفاصيل حياة البشر  ، على نحو يقلص المسافة بين المادي والرقمي والبيولوجي. بل ربما نشهد في العقد القادم اول نموذج (بروتوتايب) للتفاعل المستقل بين الالة والكائنات الحية. ثمة كلام يدور حاليا عن ابحاث غرضها تمكين الكمبيوتر من تلقي اوامر مباشرة من دماغ الانسان ، وهذا يشكل خطوة مهمة في الاتجاه المذكور.

رؤية شواب هذه تطابق – ضمنيا – رؤية ماركس ، في معنى ان "أداة" الفهم تسهم في تحديد نطاق التفكير واتجاهاته ، مثلما يسهم الميكروسكوب في تحديد طريقة البحث عن الفيروسات ، ويسهم بالتالي في تحديد نتائج البحث. فهم الاشياء في عصر انترنت الاشياء (القادم) سيعتمد على ادوات مختلفة كليا عن تلك التي اعتمدت في عصر المحرك البخاري. حين نحتاج للتفكير في اي مسألة ، في هذه الايام ، فاننا نقف على ساحل بحر من المعلومات والبيانات والصور ، التي لم يكن اي منها متوفرا لاسلافنا الماضين. وبعد عقد او اثنين ، سيحصل احفادنا على فرص اوسع كثرا مما نتخيله اليوم.

هذه البيانات ليست مجرد كميات اضافية ، قياسا بما توفر للاسلاف ، بل هي ايضا فلسفة مختلفة ، وطريقة تفكير وعلاقة بين الذات والغير ، متباينة. ان عالما باكمله قد زال مع ظهور مكائن الاحتراق الداخلي ، وزال عالم ثان مع ظهور الجيل الثاني من الهواتف الذكية. بمعنى ان بعض ما كان الانسان يفكر فيه قد زال ، او انتقل الى الهامش ، وظهرت نطاقات تفكير جديدة.  

الذهنية المتولدة عن التفكير في محيط محدود ، تختلف كثيرا عن تلك الذهنية التي تطورت في محيط مفتوح وسريع التفاعل مع العالم المحيط.

الشرق الاوسط الأربعاء - 16 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 13 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14960]

الأربعاء، 6 نوفمبر 2019

في معنى الردع وعلاقته بالطبع الاولى للبشر

مقال الاسبوع الماضي الذي تعرض للاختلاف التاريخي حول الطبع الاولي للانسان ، أثار جدلا غير قليل. ثمة قراء رأوا أن الخير هو الطبع الأصلي للانسان ، وثمة من قال بالرأي المعاكس. هذا الجدل لفت انتباهي الى مسألة متصلة بنقاش آخر يدور في بلدنا ، منذ صدور "لائحة الذوق العام" اواخر الشهر الماضي. وتضمنت اللائحة عقوبات مالية على سلوكيات غير لائقة عرفيا ، لكنها لم تصنف في الماضي كجنح او جنايات.
"Everything was fine until you insisted on accountability."

بيان المسألة على النحو الآتي: نفترض ان العقوبات التي يضعها القانون – أي قانون ، واي عقوبة – غرضها ردع الافراد عن القيام بالفعل المحظور. يهمني الاشارة هنا الى ان بعض العقوبات في التاريخ القديم كانت تستهدف الانتقام من الجاني ، كما ان البعض الآخر استهدف تمويل خزينة الحاكم. لكن هذه العقوبات لم تعد قائمة في عصرنا الحاضر.
خلاصة القول ان العقوبات التي يعرفها عالم اليوم ، غرضها (في الاعم الاغلب) هو الردع ، وفي نهاية المطاف تقليص الخروج على القانون او العرف الى أدنى مستوى ممكن.
حسنا.. ماهو معنى "الردع"؟ اي ما هي طبيعة الانعكاس الي تحدثه العقوبة في نفس الانسان ، بحيث يمتنع عن الفعل المحدد؟.
 اعلم ان بعض القراء سيقولون في انفسهم: هذا كلام زائد لا خير فيه ، لاننا في نهاية المطاف نتحدث عن "امتناع الفرد عن فعل بعينه" وهذا ما يحدثه الاعلان عن عقوبة ما.
اني أدعو هؤلاء السادة للصبر قليلا. لأن فهم المسألة قد يفتح أذهاننا على بدائل العقاب ، بل بدائل الردع بشكل عام. من المعلوم ان الردع ينطوي - بالضرورة - على نوع من القسر الخشن ، وربما المذل. والانسان يكره المخاشنة والاذلال ، ويفضل عليها المحاسنة والملاينة.
أقول هذا تشجيعا للقاريء العزيز على النظر في الشرح التالي من هذه الزاوية ، اي امكانية العثور على وسائل لمنع الافعال الخاطئة بالتوجيه اللطيف بدل القسر المذل.
لقد كنت افكر في هذه النقطة حين التقطت أذني جانبا من حديث لمفكر معاصر ، يشير فيه الى الفارق الواسع بين المحاسبة accountability والمسؤولية responsibility. الانسان محاسب على افعاله ، كما انه مسؤول عنها.
ترتبط المحاسبة بعقلانية الانسان. الانسان كائن عاقل بمعنى انه يحسب العواقب المترتبة على افعاله ، فيختار الفعل الذي ينتهي الى عواقب حسنة ، ويتجنب الفعل الذي ينتهي الى عواقب سيئة. والافعال الحسنة والسيئة هنا ، هي ما تقبله المجتمع كفعل حسن ، وما رفضه كفعل قبيح. كما ان العقاب قد يكون جسديا او ماليا ، وقد يكون مقتصرا على القطيعة والانكار. تتمظهر العقلانية اذن حين يكون الانسان عضوا في مجتمع او مدينة ، والافعال المعنية هي تلك التي تؤثر على اعضاء آخرين او على املاك مشتركة لاعضاء المجتمع.
أما  المسؤولية فترتبط بحقيقة ان الانسان كائن اخلاقي. اخلاقي بمعنى انه يمتنع – من تلقاء نفسه – عن الافعال التي يراها ضارة بالغير ، او غير لائقة او مقبولة ، حتى لو لم تكن ضارة بشخص معين. ويقدم على الافعال التي تفيد الناس حتى لو لم يستفد منها هو ذاته.
دعني اقول كخلاصة: ان من يرى الشر طبعا اوليا للبشر ، ينظر للردع كمحرك لعقلانية الانسان. ومن يرى الخير طبعا أوليا للانسان فهو ينظر للردع كعامل استثارة لاخلاقية الانسان.
ولازال في الحديث بقية نعود اليها في وقت آخر ان شاء الله.
 الشرق الاوسط الأربعاء - 9 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 06 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14953]

الأربعاء، 30 أكتوبر 2019

مجادلة اخرى حول الميول العنفية

||يميل معظمنا للاعتقاد بان الانسان أميل للفساد لولا الروادع القانونية. وأرى في هذا الاعتقاد جذرا لنزعة التشدد تجاه الغير||
ما كتبته وكتبه زملاء آخرون حول الميل للعنف في الشخصية العربية ، لا يستهدف إدانة الثقافة العربية ، بل تحليل ظاهرة ، من دون ادعاء انه منزه عن الخطأ. يهمني تأكيد هذه النقطة ، لأن بعض القراء الأعزاء بذل جهدا مضنيا في بيان ان البشر كلهم ميالون للعنف ، وان الأوروبيين فاقوا العرب في هذا ، وان عنف العربي كان في الغالب رد فعل على عدوان اعدائه.. الخ.

 واريد استثمار المناسبة للفت الانظار الى ما أظنه مشكلة عامة في التداول الثقافي ، تتجلى في الانزلاق السريع من المناقشة النقدية (وهي الطريق الطبيعي لتطور الثقافة) الى التبجيل او الاعتذار والتبرير. ولا ينفرد المجتمع العربي بهذا النهج ، فهو معروف في كل مكان تقريبا ، وقد أطلق عليه في الولايات المتحدة ، في وقت سابق ، اسم "الماذا-عنية Whataboutism". ويراد به التنديد بالناقدين الذين يغفلون سياق الموضوع ، ويركزون على مجادلة شخص الكاتب ، او اثارة نقاط غير ذات صلة. وأحتمل ان التسمية تستبطن نوعا من السخرية. وقد استعملت ايضا في سياق الانكار على السياسيين والكتاب الذين يخدمون اجندات سياسية. ولعل الرئيس الامريكي ترامب هو أحدث من قيل انه “Whataboutist” أي انه يتبنى نهج "الماذا-عنية" كما يظهر في نقاشاته وخطبه  ، سيما حين يدافع عن نفسه او سياساته. وبعض الموارد المتصلة بهذا مذكور في موقع ويكيبديا المعروف.
زبدة القول انه ليس من الفطنة تحوير النقاش ، باثارة نقاط غير ذات صلة بجوهر الموضوع ، فهذا النهج قد يشير الى ان صاحبه لم يستوعب الفكرة ، او أنه – لو اسأنا الظن – يحاول تشتيتها باثارة قضايا غير ذات صلة ، لأنه عاجز عن النقاش الحسن.
بعد هذا الاستطراد اعود الى مسألتنا الاولى ، اعني الغرض الذي لأجله نتحدث عن علاقة العنف بالثقافة او رسوخه في التراث العربي. ان الغرض من هذا هو توجيه المربين ، سواء كانوا آباء او معلمين او غيرهم ، الى الجذور الثقافية لنزعة العنف والتشدد. وبعض هذه الجذور خفية لا يراها غير قليل من أهل النظر. ومن ذلك مثلا الرؤية القائلة بان الشر هو الطبع الأولي في البشر ، وأن  الخير لا يأتي الا بالتعليم والارشاد ومعه السيطرة والردع. وقد كتبت عن هذا الأمر مرارا ، وأشرت الى انك لو سألت الناس عن الغاية من وضع القوانين واقامة الحكومات مثلا ، لأجابك معظمهم بان الغاية هي ردع الأشرار. ولعل القليل منهم يستذكر ان غرض القانون والحكومة هو إعانة ذوي الحقوق في نيل مستحقاتهم ، ونيل الحقوق ليس بالضرورة من موارد النزاع ، بل قد يأتي في سياق التوزيع العادل للموارد المتوافرة في المجال العام (مثل توزيع الاراضي للسكن والاستثمار). او تنظيم صرف الثروة المشتركة في الخدمات المفيدة للجميع.
اقول ان غالبية الناس يتخيلون ان الردع هو علة قيام الحكومة والقانون. لأنهم في الاساس يعتقدون ان البشر أميل للفساد لولا وجود الرادع. وهذا راي ارسطو الذي تبعه غالب الفقهاء والمتكلمين المسلمين منذ اقدم العصور وحتى الان. ولذا فهو الاتجاه الغالب على الثقافة المتداولة في الاطار العربي والاسلامي.
في رايي ان هذا الاعتقاد (الذي اجزم بانه خاطيء) هو احد الجذور المولدة لنزعة التشدد تجاه الغير ، والتي تستدرج – بطبيعة الحال – ميلا للطرق العنيفة في التعامل مع الآخرين. ولعلنا نعود للموضوع في وقت آخر.
الشرق الاوسط الأربعاء - 2 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 30 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14946]

مقالات ذات علاقة

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...