‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 يناير 2020

حول التزاوج الشكلي بين الحداثة والتقاليد



اعتقد ان الدكتور سعد الدين ابراهيم هو أهم علماء الاجتماع العرب في الربع الاخير من القرن العشرين. يرجع هذا التقدير لعوامل عديدة مثل جودة الانتاج العلمي وغزارته ، ومثل طرقه لقضايا كانت تعتبر بين المسكوت عنه في الوسط الاكاديمي والاجتماعي. نشر د. ابراهيم نحو 40 كتابا بالعربية والانجليزية ، فضلا عن مئات من المقالات المثيرة للاهتمام ، يدور معظمها حول تحولات المجتمع العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
تعرفت على هذا المفكر الفذ من خلال كتابه "النظام الاجتماعي العربي الجديد" الذي لفت الانظار الى التحولات الثقافية والقيمية المرافقة لتغير الاقتصاد العربي ، وكذلك انعكاسات الهجرة الواسعة لعمال الريف المصري الى دول الخليج النفطية.
نشر الكتاب في 1979 ، وتكرر طبعه ست مرات في السنوات التالية. في ذلك الوقت المبكر نسبيا ، التفت د. سعد الدين الى السلوكيات الجديدة التي تولدت عن التجاذب بين ضرورات الارتقاء المعيشي من ناحية ، وضغط التقاليد ، سيما الدينية ، من ناحية أخرى. تنطوي هذه السلوكيات على ازدواجية في المظهر الشخصي وفي الثقافة على السواء. فالافراد الذين تعرضوا لعواصف الاقتصاد الجديد ، ارادوا الاخذ بفرصتهم في الحياة والرفاهية المادية. لكنهم واجهوا في الوقت نفسه صعودا موازيا لموجة دينية ، تحذر من الانسلاخ غير متبصر من  قيود الدين وحدوده ، والاستسلام دون وعي لمخططات الغزو الثقافي الغربي.
ويبدو لي ان هذه الموجة كانت رد فعل طبيعيا على انهيار الاجماع القديم ، وتفكك المعايير الاخلاقية ونظم السلوك الموروثة التي حافظت على السيرورة المعتادة للمجتمع التقليدي.
كان سعد الدين ابراهيم متشائما تجاه ما يجري ، خلافا للاتجاه العام بين علماء الاجتماع الذين تبنوا نظريات التحديث الاكثر شهرة في الوسط الاكاديمي ، في الولايات المتحدة واوربا الغربية ، وهي نظريات تتفق على ان الانتقال الى الحداثة في المعنى الثقافي والاجتماعي ، نتيجة حتمية ، حين يتعرض المجتمع التقليدي لموجات التحديث الاولى.
وبالنسبة للشرق الاوسط ، فقد ساد اعتقاد فحواه ان تغير مصادر الانتاج والمعيشة بشكل كامل تقريبا ، اضافة الى مشروعات التنمية الاقتصادية ، التي انطلقت في منتصف ستينات القرن العشرين ، واتسعت بشكل كبير  جدا في بداية العقد السابع ، سوف يؤدي حتما الى انحسار الثقافة القديمة وتفكك التقاليد والاعراف ، سيما مع افتتاح المئات من المدارس وقدوم عشرات الالاف من المهاجرين الاجانب ، فضلا عن تزايد الحضور الثقافي للراديو والتلفزيون وبقية وسائل الاتصال الجمعي.
ان اتفاق عدد معتبر من العلماء على مقاربة نظرية محددة ، يولد ضغطا (نفسيا في الاساس) على الباحثين في نفس الحقل ، باتجاه الاخذ بما توافق عليه اولئك. رغم هذا فالواضح ان الدكتور سعد الدين ، لم يقتنع بان سيناريو  التحول المشار اليه ، هو الذي يحدث فعلا او سيحدث في المجتمع العربي.
كان يلاحظ ان السلوكيات القديمة والثقافة القديمة ، تستعيد تأثيره تحت مبررات مختلفة. بعض القيم القديمة تتراجع وبعضها يتقدم ، وتجرى عملية تبادل ادوار ، بحيث يحافظ الناس على الاطمئنان الذي توفره الاعراف والتقاليد الموروثة ، لكنهم في الوقت نفسه يتخلون عن مصادر الانتاج واساليب العيش المرتبطة بتلك  الاعراف.
بعض الكتاب رأى ان هذه المزاوجة بين القديم والجديد كانت مفيدة. آخرون مثل سعد الدين ابراهيم اعتبروا الامر عبثيا ، اما ابراهيم البليهي فرآه تعبيرا عن الوثوقية الشديدة التي تتسم بها المجتمعات المتخلفة.  لكن هذا نقاش آخر سنعود اليه في وقت لاحق.

الشرق الاوسط الأربعاء - 19 جمادى الأولى 1441 هـ - 15 يناير 2020 مـ رقم العدد [15023]

مقالات ذات علاقة

انهيار الاجماع القديم

المحافظة على التقاليد .. اي تقاليد ؟

من الحجاب الى "العباية"


الأربعاء، 12 أبريل 2017

مواطنون فقط. لا ذميون ولا مستأمنون


اثار الهجوم الارهابي على كنيستين مصريتين هذا الاسبوع موجة استنكار واسعة بين كافة المسلمين ، علماء وعامة وسياسيين. وأحمد الله انا ما عدنا نسمع أحدا يرحب بهذه الجرائم او يبررها. وهذا تطور طيب.
وسط بيانات الاستنكار ، لفت نظري الاستعمال المتكرر لمصطلحات مثل "مستأمنين" و "ذميين" و "اهل الكتاب" في وصف المواطنين الأقباط ، الذين وقعوا ضحية للهجوم الغادر. ومثل هذه المصطلحات ترد عادة في أحاديث رجال الدين ، تأكيدا على حرمة العدوان على غير المسلمين.
نتيجة بحث الصور عن الكنيسة القبطية
تلك التعابير ليست اطلاقات لغوية محايدة ، بل "حقائق شرعية" حسب عرف الاصوليين ، اي مصطلحات خاصة ذات محمول محدد. وتقال في سياق الكلام ، بقصد الاشارة الى جملة علائق وأحكام ، أو وحدة مفهومية ، تصف قيمة الاشخاص المعنيين وموقعهم بالنسبة للمتحدث.
هذه الاوصاف مستمدة من الفهم الفقهي للواقع. لكنها خاطئة في المنظور الواقعي المعاصر. هذا يشير إذن الى تباين بين الفهم الفقهي للواقع وبين الواقع نفسه. ومن حيث التصنيف فهي تنتمي الى مرحلة تاريخية سابقة ، الامر الذي يكشف عن سبب التباين.
ولدت تلك الأوصاف في مرحلة نهوض الدولة الاسلامية ، حين كانت جيوشها تغزو البلدان ، فتتوسع الدولة وتنمو معها علاقات المسلمين بغيرهم. كان ضروريا يومها تنظيم العلاقة بين القوة الكبرى المنتصرة ورجالها الاقوياء ، وبين الافراد والمجتمعات الضعيفة التي خضعت لها رغبة أو كرها. ضمن هذا الظرف الخاص ، كان مضمون هذه العبارات هو التأكيد على الولاية السياسية ومسؤولية الدولة عن كل رعاياها ، كقاعدة عمل موازية لولاية الايمان ، التي تشير الى تعاضد أهل الاسلام فيما بينهم.
مع مرور الزمن وهيمنة التفكير الفقهي على الثقافة العامة ، تحول الانتماء الديني الى مضمون وحيد للرابطة الاجتماعية. ومع ان فكرة الحماية والضمان ، بقيت مركزية في تحديد العلاقة مع غير المسلم ، الا انه لم يعتبر شريكا متساويا في كافة الحقوق ، او "مواطنا" بحسب المفهوم الحديث.
انتقلت هذه المقاربة الى الفقه الاسلامي المعاصر. وتكفي نظرة سريعة على اي مما كتبه الفقهاء والكتاب الاسلاميون المعاصرون حول الموضوع ، كي تكتشف المشكلة التي واجهوها ، حين ارادوا وضع تصور يتلاءم مع الموروث الديني من جهة ، ومع المباديء السياسية والقانونية وحقوق الانسان من جهة ثانية ، ومباديء العدالة من جهة ثالثة.
والحق انه لا مجال لتسوية الاشكال. الدولة الحديثة تنتمي لعالم مفهومي مختلف عن ذلك الذي كان قائما في عصر الدولة الاسلامية القديمة. اي انها موضوع مختلف ، لا يمكن فهمه وفق المنظور الفقهي القديم ، ولا التكييفات والاحكام التي استعملت فيه. علاقة الدولة الحديثة برعاياها قائمة على مبدأ المواطنة ، الذي يعني تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ، أيا كانت أديانهم وانتماءاتهم الاجتماعية. كل مواطن شريك في ملكية تراب وطنه. وهو يستمد حقوقه المدنية من هذه الملكية ، وليس من انتمائه الديني. ومن هنا فليس في عالم اليوم من يصح وصفه بالذمي والمستأمن. المواطن مواطن فقط وفقط.
بالنسبة لعامة الناس فان هذه النتيجة لا تحمل اي جديد. لكني اردتها مناسبة لتنبيه أهل الفقه وطلابه الى التباين القائم بين التفكير الموروث ، وبين واقع الحال في عالم اليوم. انها دعوة للتحرر من المفاهيم القديمة ، التي ما عادت مفيدة او واقعية. دعوة لتوجيه الذهن الى العالم الواقعي ، بدل حصره في عالم الاوراق والكتب القديمة.
الشرق الاوسط 12 ابريل 2017
http://aawsat.com/node/900261



الثلاثاء، 8 أبريل 2014

حين تكون في "الجماعة" وحين تصبح خارجها


"تنوع" ليس اول مشروع شارك فيه ياسر الغرباوي. فقبلها كان عضوا فاعلا في الجماعات الطلابية الاسلامية التي تنظم نشاطات محورها التثقيف الديني واقناع الطلبة بالتزام احكام الشريعة ، فضلا عن مصارعة التيارات الاخرى المنافسة - سياسيا او اجتماعيا - للتيار الديني الحركي. خلال هذه السنوات حصد ياسر ورفاقه مكاسب كثيرة ، كما واجهوا اخفاقات عديدة. وفي نهاية المطاف ، حين عاد للتأمل في مسيرته ، وجد انه ورفاقه لم يفعلوا شيئا سوى تكرار ما يفعله الجميع. هذا اشبه بزرع شجرة جديدة وسط الغابة او سكب سطل ماء في النهر. سأل ياسر نفسه: هل هذا هو الامل العظيم الذي راود نفسه التائقة للابداع والمشاركة في تغيير العالم؟.
هذه الاسئلة فتحت ذهنه على الخيارات البديلة ، اي الواقع المتنوع خارج "الجماعة".

حين حرر ذهنه من ذلك الاطار ، اكتشف قضايا في مصر اكثر اهمية ومشكلات اكثر حرجا ، لم تطرح ابدا وسط "الجماعة" ، ولا وردت في ادبياتهم ، ولم يعتبرها احدهم موضوعا يستحق التوقف ، مثل الفقر والفساد والطبقية والبطالة والاحباط الخ.
سأل ياسر نفسه: هل ستنتهي هذه المشكلات لو اصبح الناس اكثر تدينا؟.
لكن السؤال الذي الح على نفسه اكثر هو: اي من مشكلات البلاد يمكن لشاب مثله ان يشارك في حله؟.
في هذه المرحلة تعرف ياسر على المسألة الطائفية. رغم اقرار الدستور المصري بالحقوق المتساوية للمواطنين ، الا انه اكتشف للمرة الاولى ان الاقباط لا يعاملون – من جانب الحكومة – كمواطنين طبيعيين. ثمة تمييز مقنن ومكتوب ، وثمة تمييز متعارف عليه لكنه غير مكتوب ، يمارس ضد المواطن المسيحي فيما يتعلق بمكان عبادته وفي فرصته للمنافسة على الوظائف العامة وفي تعبيره عن رايه ومعتقده. في احدى المناسبات – يقول ياسر – قررت ان ارى كيف يعيش جيراني الاقباط. دخلت كنيسة. اخبرني القسيس انه كان قائدا لاحدى الكتائب التي اقتحمت خط بارليف في حرب اكتوبر 1973 ، بعد نهاية الحرب كوفيء جميع ضباط الفرقة التي تتبعها الكتيبة بوسام الشجاعة ونجمة اكتوبر ، عدا الضباط الاقباط وهو احدهم. حينها فهم ان كونه مصريا شجاعا لا يكفي كي يعامل مثل زملائه المسلمين. يومئذ قرر ترك الجيش والعمل قسيسا.
اسس ياسر وعدد من رفاقه مركز "تنوع" من اجل كشف واقع التمييز وفضح تجار الكراهية ، الذين يستعملون الدين لتفريق الناس وتبرير التمييز ضدهم. شارك في المركز شبان وشابات ، مسيحيون ومسلمون ، عملوا معا للتشهير بالكتاب والخطباء والشيوخ والقساوسة الذين يروجون الكراهية الدينية ، ومسؤولي الدولة الذين يمارسون التمييز الطائفي ، في الجانب القبطي والمسلم على السواء.
منذ تاسيسه قبل بضع سنوات ، انضم لمركز "تنوع" مئات من الشباب ، وتعاون معه الاف غيرهم. هذا النشاط نموذج على ان الجيل الجديد قادر على المساهمة في تغيير عالمه حين يحسن الاختيار.
الاقتصادية 8 ابريل 2014
http://www.aleqt.com/2014/04/08/article_839514.html
مقالات ذات علاقة


الثلاثاء، 20 أغسطس 2013

الإخوان .. خطاب بديل

بالغ الإخوان المسلمون في تقدير قوتهم، كما بالغوا في تقدير قيمة انتصاراتهم الانتخابية المتوالية، فتصرفوا كمن يعيد كتابة التاريخ. حقيقة الأمر أن التاريخ لا يتغير في حملة انتخابية، وأن العالم لا يتغير بانتصار حزب على منافسيه. تلك كانت مجرد صافرة البداية في صراع سياسي طويل، لم يظهر سوى فصله الأول فحسب. كان على الإخوان أن يفهموا مكاسبهم ضمن حدودها الطبيعية، أي كنصر سياسي مرحلي ضمن معركة ما زالت فصولها الأخرى في رحم المستقبل.
على أي حال فقد انتهى زمن هذا الكلام، وذاق أطراف اللعبة مرها مثلما ذاق غيرهم عسلها، وهكذا تدور الأيام، يوم لك ويوم عليك.
المهم الآن هو احتساب العبر من تجارب الماضي، والتفكير في المستقبل. يحتاج الإخوان المسلمون وأنصارهم إلى الإقرار بما جرى باعتباره مرحلة وليس نهاية التاريخ. معركة سياسية وليست حربا كونية. وهم في حاجة إلى تجديد شباب الجماعة، بتقديم خطاب سياسي بديل وقيادة بديلة. الخطاب السياسي القديم هزم، مثلما هزمت القيادة التقليدية. الإخوان في حاجة إلى فهم جديد للصراع الذي يخوضونه. هذا ليس صراعا على الدين، وليس صراعا بين الإسلام والكفر. الإخوان – مثل بقية الأحزاب المصرية – أطراف في صراع سياسي محوره وهدفه هو السلطة الدنيوية. هذه أحزاب تتباين خلفياتها الاجتماعية وأيديولوجياتها، لكنها جميعا تملك حقوقا متساوية في بلدها. إسلامية الإخوان لا تجعلهم أكثر حقانية، فهم ليسوا في جدل حول مسألة فقهية، وموضع الخلاف ليس تعريف الأولى بإمامة المصلين.
الاعتبار بما جرى مطلوب أيضا من الطرف الآخر: القاضي الذي احتل مقعد الرئيس، والعسكري الذي قاد الانقلاب، والأحزاب التي وقفت معهم. إذا واصلوا إدارة الدولة بالطريقة التي جرت منذ انقلاب الثالث من يوليو، فقد تتحول مصر – لا قدر الله – إلى دولة فاشلة. مهما قيل من مدائح وأوصاف في الجيش والأمن المصري، فإن تجربة الدول المماثلة تخبرنا أن لا أحد يستطيع إعادة النيل إلى مجراه لو هدم السد العالي. سد مصر العالي ليس الجيش وليس الشرطة، بل توافق المصريين على قواعد لحل اختلافاتهم، وضمان حرية العمل السياسي والاجتماعي لكل القوى، بما فيها تلك التي هزمت.
أسمع اليوم أن رئيس الوزراء يريد حل جماعة الإخوان المسلمين. هذه خطيئة في حق مصر. وربما تكون العتبة التي تقود البلد إلى عصر الفوضى، وتحولها إلى دولة فاشلة. مهما بلغت عيوب الإخوان المسلمين، فلا يمكن إنكار كونهم قوة استقرار في مصر، بديلها الوحيد جماعات على نمط ''القاعدة'' وتفريعاتها. حل جماعة الإخوان سيجعل أشباه ''القاعدة'' مشروعا طبيعيا. وإذا حصل هذا، فليس أمام مصر سوى تاريخ طويل من الفشل والخراب.
الاقتصادية - 20 اغسطس 2013

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

من تديين السياسة الى تسييس الدين


استعمال اللغة الدينية في الصراع السياسي نظير ما يحدث الان في مصر يؤدي بالضرورة الى ابتذال الفكرة الدينية وخفض قيمتها المعيارية. 
منذ وقت طويل تحدث المشايخ والدعاة عن السياسة الاخلاقية. واعرض كثير منهم عن الانخراط في السياسة بسبب ما قيل عن قلة اخلاقياتها. في هذه الايام نجد الفتوى والكلام الديني خبرا يوميا ضمن اخبار الصراعات. حيثما شرقت او غربت في بلاد العرب والمسلمين ، تجد اللغة الدينية طابعا عاما لانباء النزاعات الداخلية ، حتى ليظن الناظر اليها من بعد ان المسلمين قد قرروا فجأة ترك كل شيء وتفريغ انفسهم للتصارع والتقاتل فيما بينهم.
الاستعمال المكثف للكلام الديني في النزاع السياسي ينتج خلطا ثقافيا ، يقود في نهاية المطاف الى تزوير الوعي العام. تعبر الفتوى – في صورتها النموذجية – عن تكييف معياري للموقف من موضوع او حدث ، يترتب عليه نوع من الالزام للافراد او الجماعة.
استعمال الفتوى في السياسة ، كما راينا في الازمة المصرية الراهنة ، يضعنا امام اشكال جدي يتعلق بالقيمة المعيارية للفتوى ، اي قيمتها كتعبير عن القيمة الدينية للموضوعات. في حالة كهذه نجد انفسنا ازاء ثلاثة تموضعات للفتوى:
الاول : كونها "راي الدين" ، اي كتقييم للموضوع يتجاوز الجدل الواقعي ، ويعبر عن موقف مبدئي بحت ، اعلى من موضوع النزاع القائم ومصالح اطرافه. هذا يعني انه خطاب ينطوي على قدر من الالزام للمتلقي.
الثاني: كونها "رايا في الدين" ، اي كتصور شخصي للفقيه عن موضوع قائم وموقعه ضمن منظومة القيم الدينية.  الفتوى في هذه الحالة لا تنطوي على الزام ، فهي اشبه بالارشاد والتوجيه.
الثالث: كونها موقفا سياسيا ، اي تعبيرا عن مصلحة دنيوية لشخص او جماعة من الناس في ظرف محدد. وهذه اقرب ما تكون الى البيانات الحزبية ، وان كتبت بلغة دينية او استعملت نسق الاستدلال المعتاد في الخطاب الديني.
تميل الثقافة العامة في المجتمع العربي الى كراهية السياسة واعتبارها عالما لا اخلاقيا. وهي تلح على ضرورة حضور الدين في المجال السياسي ، باعتباره وسيلة لتصحيح السياسة واعادتها الى العالم الاخلاقي. ويبدو ان الدعاة والحركيين يجيدون الطرق على هذه النقطة تحديدا ، حين يصورون انفسهم وادوارهم باعتبارها ضرورة لاصلاح العالم السياسي ، وليس مجرد منافسه على النفوذ والسلطة.
واقع الامر ان مشاركة الداعية والحزب الديني في المنافسة السياسية ، لا تختلف – في المضمون – عن مشاركة غيره. قدراته وطبيعة عمله متماثلة ، وما يعد به محكوم ، في نهاية المطاف ، بحدود الدولة ومؤسساتها واعرافها وقابلياتها.
اذا كان لي من دعوة هنا فهي للتخفيف من تسييس الدين تحت غطاء تديين السياسة. غلبة اللغة الدينية على الخطاب السياسي لا تؤدي – واقعيا – الى اصلاح السياسة ، بل ربما ادت الى افساد الدين.
الاقتصادية 23 يوليو 2013
http://www.aleqt.com/2013/07/23/article_772493.html
مقالات ذات علاقة

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

حق الأكثرية


في 1972 أسس جان ماري لوبان حزبا صغيرا سمّاه ''الجبهة الوطنية''، هدفها استفتاء الشعب الفرنسي على وقف هجرة الأجانب لا سيما المسلمين. لأن تزايد أعدادهم يهدد النسيج الاجتماعي المنسجم بديانته الكاثوليكية وتقاليده المتوارثة. لكن لوبان تخلى – لاحقا - عن فكرة الاستفتاء، بعدما أقنعه خبراء في القانون بأن تصويت الأكثرية لا قيمة له ولا تأثير. حقوق الأكثرية مشروطة بحقوق الأقلية، ولا يمكن لهذه ولا تلك حرمان الأخرى من حقوق أولية تعد حاكمة على الدستور والقانون. وأبرزها حرية الاعتقاد والعبادة واختيار نمط العيش الذي يعتقد صاحبه أنه يحقق سعادته.

لكننا جميعا نعلم أن رأي الأكثرية هو الحاكم في جميع الأنظمة الحديثة. وهو تجسيد للعقل الجمعي والعرف العام بلا مراء.
في الجدل حول الدستور المصري، تمسك مؤيدوه بحق الأكثرية في فرض ما يرونه معبرا عن قناعاتهم وتطلعاتهم. بينما ركز معارضوه على ضرورة أن يصاغ بصورة توافقية قبل عرضه للاستفتاء العام.

- أين تكمن المشكلة إذن؟ ولماذا لا يصح القول بحق الأكثرية في فرض الدستور الذي تريده على الأقلية التي تعارضه؟.

- الديمقراطية نظام مركب من مستويين:

أ) مستوى تأسيسي يعرف القواعد الكبرى للنظام السياسي، يشترك فيه الجميع. هذا لا يتحقق باستفتاء الأفراد، بل بتوافق ممثلي جميع الشرائح الاجتماعية، لتأسيس ما نسميه الإجماع الوطني، الذي يتضمن عنصرين أساسيين: طبيعة العلاقة التي تربط بينهم في إطار وطني واحد، وأسلوب حل الخلافات التي ربما تنشأ بينهم بسبب تعارض الأفكار والمصالح. هذا الإجماع يوثق في ''الدستور'' الذي يصبح مرجعا لجميع القوانين وسياسات الدولة وأعمال الهيئات الناشطة في المجال العام.

ب) مستوى تشريعي أو سياسي يمارس بواسطة الحكومة أو البرلمان. وهنا يبرز صوت الأكثرية كمرجح دائم، سواء حصل التوافق أو لم يحصل.

ميزة المستوى الأول أنه طويل الأمد، وقد يمتد لعشرات السنين دون تغيير. بخلاف المستوى الثاني الذي يتبدل كل أربع سنين أو خمس على الأكثر. لأنه يتناول تغيير الأشخاص والسياسات، ولا يؤثر في قواعد النظام التي أسست الإجماع الوطني.

زبدة القول إذن إن رأي الأكثرية الذي يشار إليه عادة، متعلق بالمستوى الثاني. أما الأول فإن تصويت الشعب وترجيح رأي الأكثرية لا يأتي إلا بعد توافق الجميع. ما لم يجر توافق كهذا، فستبقى شرعية النظام السياسي مجروحة وتمثيله للشعب مشكوكا فيه. وأظن أن الحكومة المصرية تشعر بهذا الآن، مما سيضطرها إلى إصدار قوانين تتحول إلى أعراف دستورية، غرضها الوحيد هو تلبية مطالب معارضي الدستور. كان الأولى – في ظني – اتقاء مثل هذه الالتفافات بتشكيل الجمعية التأسيسية التي وضعت الدستور على نحو يعكس التنوع الفعلي في المجتمع المصري، بل التعويل على حسابات الأقلية والأكثرية كما حصل فعلا.
الاقتصادية : الثلاثاء 05 صفر 1434 هـ. الموافق 18 ديسمبر 2012 العدد 7008
http://www.aleqt.com/2012/12/18/article_717992.html
مقالات ذات علاقة

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

كي نتحاشى امارات الطوائف


صرفت بعض الوقت هذا الاسبوع في قراءة مجلة "البيان" التي يصدرها تيار حركي محلي. وسررت لان المجلة خصصت مساحة طيبة للكلام عن الوحدة الوطنية ومشكلة الاقليات. كما هو المتوقع، فقد عولجت هذه القضايا الكبرى من منظور ضيق الافق نوعا ما. لكني ما زلت مسرورا لاهتمامهم بالموضوع. سررت لاني ارى ان جانبا مهما من اسباب الازمة في مصر الشقيقة يكمن في اهمال الاسلاميين لمسألة "الاجماع الوطني". الاجماع في علم السياسة غير الاجماع المعروف في اصول الفقه. فهو يعالج مسألتين حيويتين:

الاولى : اتفاق مجموع المواطنين، على فهم مشترك للعلاقة التي تجمعهم.
الثانية : توافق المجتمع السياسي على طريقة موثقة لحل الخلافات وتعارضات الافكار والمصالح فيما بينهم.
كتب الاخوان المسلمون وغيرهم عشرات الكتب حول فضائل الحكم الاسلامي. وهي جميعا تفترض حكاما مؤمنين طيبين وشعبا مسلما مطيعا، مع قليل من غير المسلمين. هذه الكتب غرضها الاشادة باخلاقيات الاسلام وليست البحث العلمي بالمعايير بالاكاديمية. ولهذا فهي نادرا ما تناولت الاشكالات النظرية والعملية في علاقة المجتمع والدولة ومصادر التفارق بينهما.

من قرأ تلك الادبيات فسينتابه – بالتاكيد- قلق من سيطرة الاخوان او نظرائهم على السلطة في حكومة شديدة المركزية مثل حكومة مصر. صحيح انهم يتحدثون اليوم عن مبدأ المواطنة، وصحيح انهم اختاروا مسيحيا ليكون نائبا لرئيس حزبهم. لكن هذا المبادرات المحدودة لا تكفي لاقناع المتشككين والقلقين.

قدرة الاخوان على تعبئة الشارع ، ثم انتصارهم الباهر في الانتخابات النيابية والرئاسية، اعطاهم حقا ثابتا في القانون. وكان عليهم الانتقال الى المرحلة التالية ، اي نزع رداء الحزب المنتصر والعمل كقائد لقطار يحمل الشعب كله ، انصارهم واعداءهم. الحزب المنتصر يبقى حزبا مهما كبر ، وهو ليس الشعب كله ولا نصفه ولا ربعه، فلا يصح له استثناء الاخرين ولا سيما المهزومين.
خطاب الاسلاميين يغفل بشكل واضح "المواطنة" كمبدأ جوهرى في الدولة الحديثة. وهو يتعامل مع المخالفين باعتبارهم "اقلية" لا تستحق الانتباه. يتحدثون عن الاقليات الدينية والمذهبية والقومية والتيارات الحديثة اليسارية والليبرالية وامثالها كنخب ثانوية او فلول او طابور خامس يخدم اجندات اجنبية، وغير ذلك من الاوصاف التي نسمعها هذه الايام.
هذا الفهم السقيم للمشهد السياسي يؤسس – بالضرورة – لحالة استقطاب سياسي واجتماعي بين الفريق السياسي الذي يرفع شعارات اسلامية وبين الفرقاء الاخرين. واسوأ ما في هذه الحالة هو تحول الاسلام كمنظومة قيم سامية الى موضوع للجدل والخلاف بين المسلمين انفسهم.

الاسلاميون ، هنا وفي كل مكان ، مطالبون بمراجعة الطروحات القديمة التي ما عادت نافعة، بل ربما كانت سدا يعيق تطور المجتمع والدولة. واظن ان تقديم تصور صحيح وعصري لمبدأ المواطنة ومبدأ الاجماع الوطني هو اهم ما نحتاجه اليوم. اخشى ان يؤدي التخشب والاصرار على القديم الى تحويل التيار الديني من داعية للدين الى مجرد مجموعة حزبية  مهمومة بالغلبة. ما لم تجر مراجعة معمقة ، سيما من جانب الحركيين، لمفهوم العلاقة بين شركاء الوطن ، فان وصول الاسلاميين الى السلطة لن يكون مقدمة لتطبيق الشريعة ، بل تمهيدا لتحويل الاستقطاب السياسي الى انقسام اجتماعي – سياسي يعيد من جديد امارات الطوائف.

الاقتصادية: الثلاثاء 27 محرم 1434 هـ. الموافق 11 ديسمبر 2012 العدد 7001

مقالات ذات علاقة


الأحد، 1 يوليو 2012

الصعود السياسي للاسلاميين وعودة الدولة الشمولية



صعود الاسلاميين الى سدة الحكم في تونس والمغرب ومصر اثار اسئلة كثيرة ، بعضها مكرر وبعضها جديد. اسئلة تعبر عن قلق يساور السائلين ، واخرى تعبر عن تطلع الى مستقبل مختلف.

احد هذه الاسئلة يفترض مقدمة مضمرة فحواها ان ذلك التطور يشير الى بعث جديد للايديولوجيا بعد عقد تقريبا من تراجعها عن ساحة السياسة.
الفرضية المضمرة قبل هذا السؤال هي ان نهاية الحرب الباردة مع تفكك الاتحاد السوفيتي في 1991 قد اثمر عن تهميش الايديولوجيا وتاثيرها في المجال السياسي. المعنى المادي المقصود هنا هو الماركسية التي كانت ايديولوجيا رسمية لدول المعسكر الشرقي وحلفائه منذ الحرب العالمية الثانية. اما المعنى الرمزي فهو الايديولوجيا بما هي رؤية للعالم مسبقة الصنع ، تنطوي على مسلمات ومقدمات ومعايير للصحيح والفاسد وادوات قياس واختبار. بهذا المعنى فان الايديولوجيا لا تخضع لمعايير البحث العلمي المعروفة في علاقتها مع الموضوعات والتطبيقات  ، بل تطبق معاييرها الخاصة ، التي قد تنسجم مع المعطيات العلمية او لا تنسجم.
كانت حنا ارندت بين ابرز المفكرين الذين حذروا من هيمنة الايديولوجيا على السياسة. وركزت خصوصا على مخاطر الشمولية. حين يحكم البلاد حزب ايديولوجي او مجموعة تتبنى ايديولوجيا خاصة ، فانها ستحول مؤسسة الدولة الى اداة لفرض هذه الايديولوجيا على المجتمع ، والزام الجميع بتبني الخطاب الرسمي ، سواء اتفقوا معه او خالفوه. بهذا المعنى فان وظيفة الدولة قد تحولت من تمثيل المجتمع وادارة مصالحه الى ما يشبه منظمة سرية غرضها الرئيس هو اخضاع المجتمع للنخبة القائدة. الاتحاد السوفيتي السابق والمانيا النازية هما ابرز الامثلة التي ينطبق عليها هذا الوصف.
الاحزاب الدينية في العالم الاسلامي تتبنى ايديولوجيا شمولية ، يلخصها شعار الاخوان المسلمين "الاسلام هو الحل" وتسندها رؤية اسطورية كثيرة التداول فحواها ان تعاليم الدين الحنيف شاملة لكل نواحي الحياة ، من ادناها الى اعلاها.
نفهم طبعا ان كل حزب او جماعة دينية لديها قراءة خاصة للنص الديني والتشريع ، لا تتوافق غالبا مع قراءة الاخرين ، مجتمعات او جماعات. فاذا اعتبر الحزب الديني الحاكم قراءته ايديولوجيا رسمية ، فانه سيفرضها على الاخرين جميعا ، الراضين والرافضين. بمعنى انها سيقيم نظاما شموليا يقصي جميع الاراء والخطابات الاخرى ، ويلغي التنوع الضروري لاغناء الحياة العامة والتقدم.
هذا تلخيص لسؤال الايديولوجيا وخلفيته ومغزاه. ويتضح ان هذا المعنى لو طبق فعلا ، فان صعود الاسلاميين الى السياسة هو مجرد تمهيد للكارثة.
السؤال اذن ليس عن مشروعية القلق الكامن وراء السؤال. فهو بالتاكيد مشروع ولا غبار عليه. السؤال عن مصداقية القلق ، اي احتماليته: هل هو احتمال ضعيف ام قوي ام مرجح؟
لا اريد عرض اجابات ، فكل جواب هو احتمال مبني على قراءات سياسية ، يختلف الناس في تقييم عناصرها بحسب ميولهم وما يتوفر لديهم من معلومات. لكني سأذهب الى اصل المسألة وهي النظر الى الايديولوجيا بهذا المنظار المخيف.
اعتقادي الشخصي ان الايديولوجيا ضرورة للحياة والحكم ، مثلما العلم والاخلاق ضرورة. الايديولوجيا هي الوسيلة التي نبني بها علاقتنا مع العالم المحيط بنا، ونعطي للأشياء معاني، ونربطها مع بعضها حتى تتحول من عناصر منفردة هائمة في الفضاء إلى أجزاء في مركب، هو رؤيتنا للعالم. وما لم يكن لدينا منظومة مفاهيم ومسلمات أولية فلن نحب شيئا ولن نقيم علاقة مع شيء مما يحيط بنا، لا إنسانا ولا فكرة ولا شجرة ولا ساعة. كل مجموعة حاكمة ، ماركسية كانت او اسلامية او قومية او ليبرالية ، تتبنى ايديولوجيا من نوع ما ، ايديولوجيا بمعنى منظومة قيم ومسلمات مسبقة تعتبرها صحيحة دائما او غالبا ، وترجع اليها في الحكم على الاشياء وتقدير قيمتها. الانسان الذي لا ايديولوجيا له هو التكنوقراطي او البيروقراطي الذي يتبع فقط وفقط التعليمات الموجهة اليه من فوق. انه اذن لا يتخذ قرارا ولا يحدد قيمة لشيء ، بل يطبق على موضوعات عمله مسطرة صممها اخرون.
لا يحتاج الإنسان إلى انكار الايديولوجيا، بل يحتاج إلى:
أ-الوعي بأنه يحمل ايديولوجيا تؤثر على أرائه وأحكامه. ونتيجة لذلك فان آراءه ليست معيارية او موضوعية في كل الأحوال
ب- الوعي بان الايديولوجيا - حتى لو اعتقد بصحتها – تلعب أحيانا دور حجاب الحقيقة، أي أنها تظهر الأشياء للعين والعقل بخلاف ما هي عليه في الواقع الخارجي
ج- الوعي بالفارق بين وظيفتي الايديولوجيا والعلم. وظيفة العلم هي وصف الأشياء وتفسير أحوالها، أما وظيفة الايديولوجيا فهي الحكم على تلك الأشياء والأحوال وتحديد قيمتها، أي إيجاد علاقة بينها وبين الشخص.
د- بالنسبة للسياسيين خصوصا في الحكومات الجديدة، فانهم يحتاجون للوعي بانهم موظفون عند الشعب ، وليسوا حملة رسالة. وظيفتهم هي ادارة المصالح العامة والتعارضات وتمثيل المجتمع. ومن هذه الزاوية فان القيم والمفاهيم التي يطبقونها يجب ان تكون مرضية ومقبولة من قبل رب عملهم ، اي المجتمع . دورهم هو خدمة رب العمل وليس التحكم في حياته او الزامه بما لا يريد.


1 يوليو 2012

مقالات ذات علاقة

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...