‏إظهار الرسائل ذات التسميات نظرية ارسطو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نظرية ارسطو. إظهار كافة الرسائل

10/06/2020

كيف تقبلنا فكرة الانسان الذئب؟


اعود هنا لاستكمال المناقشة التي بدأتها في الاسبوع الماضي حول فكرة "الانسان الذئب". وقد اشرت هناك الى تبنيها من جانب المفكر الانجليزي توماس هوبز ، كمنطلق لدعوته الى حكومة قوية مطلقة ، لايحد سلطاتها عرف ولا قانون ، شرط تكريس همها لعمران البلد ومصلحة العامة.
وضع هوبز نظريته في غمرة الحرب الاهلية الانكليزية ، التي طالت عشر سنين (1642-1651) وخلفت فوضى عارمة ، وأحيت نزاعات دينية واقتصادية ومناطقية وغيرها. وفي غمرة الحرب خرج من يدعو لاحياء نموذج السلطة البطريركية التي تدعمها الكنيسة ، وتستند الى مبررات دينية وفلسفية. في المقابل ، أراد هوبز تأكيد المصدر الارضي لشرعية السلطة ، وكونها مستمدة من تمثيلها للمجتمع ، وليس من التفويض الالهي ، ولا من تمتع الحاكم بصفات العلم والحكمة ، وفق تصوير افلاطون.
والذي يبدو ان التفكير السياسي والفلسفي الذي عرفه العالم ، حتى منتصف القرن السابع عشر ، كان يتعامل مع فكرة الحكومة المطلقة ، باعتبارها النموذج الاعتيادي للحكم ، بل لايبعد ان يستذكر الكتاب حين يستعرضون نماذج السلطة ، نقد ارسطو للديمقراطية ، التي تساوي بين العالم والجاهل ، وبين علية القوم والسوقة.
هذه الرؤية تعرضت لتحد شديد في النصف الثاني من القرن السابع عشر ، حين تعرف العالم على فكر جون لوك (1632-1704) الذي قدم مايمكن اعتباره اول تنظير لمبدأ حقوق الانسان ، الذي نعرفه اليوم. وقد تبنى لوك  تفسيرا لأصل الدولة يعاكس مذهب هوبز. وقال ان الانسان صالح بالفطرة ، وان عقلانيته هي بالتحديد موضع الخير في نفسه. حين تعرف البشر على بعضهم في المجتمع السابق للدولة ، فان اول شيء فعلوه هو التعارف والتعاون ، الذي تطور الى وضع قانون ينظم العلاقة بينهم ، وهيئة تقوم على تنفيذه وهي الدولة.
وقد لاحظت خلال ابحاث سابقة ، ان تراث المسلمين أميل للرؤية الأولى ، اي القول بفساد الطبيعة البشرية. وهذا ظاهر حتى في الثقافة العربية المعاصرة ، التي تحتفي بالقوة والغلبة ، اكثر مما تحتفي بالمنطق العلمي والحوار. ان عددا كبيرا من العرب الذين تعلموا في المدراس القديمة والحديثة ، يحفظون قول ابي تمام
"السيف اصدق انباء من الكتب       في حده الحد بين الجد واللعب"
ويتعاملون مع فحواه كبديهية لا شك فيها. ولذا فان ما نذكره من تاريخنا هو الحروب والانتصارات الحقيقية والمزعومة. لكننا نادرا ما نتذكر تاريخ العلوم واهلها ، ولا نعرف الا القليل مما انجزه ابن الهيثم في البصريات وابن سينا في الفلسفة والرازي في الطب. ولاننا لم نعرف هؤلاء وامثالهم ، لم نستطع تبني المسار الذي اختاروه ، ولم نكتشف القيمة الرفيعة لهذا الجانب من تجربة الاسلاف ، الا حين وجدنا علماء الغرب يتحدثون عنه.
ثقافة الاحتفاء بالقوة التي تقول "كن ذئبا والا اكلتك الذئاب" هي التي حولت فكرة السلطة الى غنيمة لمن غلب ، بدل ان تكون محل خدمة للمجتمع وتمثيل لارادته ، واحتفاء بأفضل ما فيه. هذه الثقافة هي التي تتسامح مع المتسلطين والطغاة  ، وترى فيهم املها وصورتها النموذجية ، بينما  تحتقر المتسامح والمتساهل ، وتعتبره ضعيفا هزيلا لا يستحق الاحترام.
اما وقد وصلت الى نهاية المقالة ، فاني اريد التاكيد مجددا على ان فكرة "الانسان الذئب" من أسوأ ما انتج العقل البشري ، وهي تقع على النقيض تماما من حكم العقل ، واحسب ان هذا قد اتضح الآن.
الشرق الاوسط الأربعاء - 18 شوال 1441 هـ - 10 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15170]
مقالات ذات علاقة
من دولة الغلبة الى مجتمع المواطنة: مقاربة دينية لمبدأ العقد الاجتماعي

04/10/2017

حاشية على سجال قديم


السجال الذي شهدته المملكة قبل وبعد قرار السماح للنساء بقيادة السيارات ، يؤكد حاجتنا لحسم سؤال ، أظنه اكثر الاسئلة أهمية في الجدل الطويل حول دور الدين في المجال العام.
يمكن صياغة السؤال على النحو التالي: هل يريد الاسلام تثبيت الأعراف والقيم الاجتماعية التي ورثناها ، ام يعتبرها واقعا قائما ، لا ينكره ، لكنه يسعى لاصلاحه أو ربما تغييره الى مستوى أرقىى وأقرب للقيم العليا؟.
يحتمل السؤال جوابا من اثنين ، يعبر كل منهما عن رؤية أوسع في فلسفة الدين وأغراضه. وهما رؤيتان متعارضتان لا يمكن الجمع بينهما. تنظر الرؤية الأولى الى الدين كقوة تواصل روحي/قيمي مع الماضي ، ومن هنا فهو يهتم بتثبيت وترسيخ الواقع الاجتماعي الموروث ، بما فيه من قيم وأعراف وعلائق ، وتسليمه كاملا الى الأجيال التالية.
أما الرؤية الثانية فترى في الدين قوة تغيير ، يتبنى في الأساس نماذج قيمية وسلوكية رفيعة ، لكنه لا يفرضها على الناس قبل ان يصبحوا جاهزين لتطبيق مقتضياتها. ومن هنا فهو يتعامل مع الوقائع والقيم والاعراف والنظم الاجتماعية القائمة ، باعتبارها ظروفا تاريخية ، ويلقي عليها قيمة مؤقتة او انتقالية. لكنه في الوقت نفسه يدعو المجتمع لتجاوزها الى الظرف الأعلى ، اي الاقرب للمثال والنموذج. 
http://knowledge.wharton.upenn.edu/wp-content/uploads/2016/03/Bohnetbook1-copy.jpg
المثال المناسب للجدل السابق الذكر هو مبدأ المساواة ، وهو جوهر قيمة العدالة ، التي نعلم ان الرسالات السماوية نزلت من أجل إقامتها واقرارها أساسا للحياة والتعامل بين الناس. الحوادث والسجالات التي شهدناها في السنوات الاخيرة ، تؤكد ان مبدأ المساواة ليس راسخا في ثقافة المجتمعات المسلمة ولا سيما العربية. التفاوت في الحقوق والمكانة بين الرجل والمرأة هو أحد الأمثلة. وثمة امثلة كثيرة من قصة تكافؤ النسب بين القبائل ، الى عدم المساواة بين اتباع الاديان والمذاهب ، الى التمييز العرقي والعنصري. ولكل من هذه شواهد وتطبيقات عديدة في المجتمع ، وبعضها مدعوم بأعراف اجتماعية أو آراء فقهية.
الاخذ بالجواب الأول ، أي القول بأن الدين قوة تواصل وتثبيت للواقع ، يعني اعتبار الحالة القائمة سليمة ومشروعة. وهذا يستدعي بالضرورة القول بان الاسلام ضد مبدأ المساواة ، أو ان لديه مفهوما للمساواة يخالف ما نعرفه من أن بني آدم جميعا سواسية في القيمة والمكانة والحقوق.
اما الاخذ بالجواب الثاني ، أي اعتبار الدين قوة تغيير للواقع ، فهو يعني ان الظرف القائم أمامنا مؤقت ، وأن السعي لتغييره هو الأصل الصحيح وهو الأقرب الى روح الدين. وفحوى هذا الخيار ان وضع المرأة في مجتمعنا لايزال دون الصورة المثلى التي يريدها الدين. ولذا فان السعي لتغييرها باتجاه نموذج المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات ، هو العمل الاقرب الى مرادات الشريعة وأهدافها.
من المناسب هنا الاشارة الى ان سر نهضة اوروبا يكمن في تخلي المفكرين منذ القرن السابع عشر عن النظريات السكونية ، سيما نظرية ارسطو حول النظام الطبيعي ، وفحواها ان النظام الكوني هو النموذج الأمثل لتنظيم وادارة المجتمع. تخلى الاوروبيون عن هذه الرؤية الى أخرى جديدة ، فحواها  أن النظام الاجتماعي ليس وضعية سكونية او نهائية ، بل هو نتاج لفعل البشر وتعبير عن مستواهم الثقافي وحاجاتهم في زمن محدد ، ولهذا يستطيعون تغييره بما يستجيب لتحديات مستقبلهم ويتلاءم مع القيم العليا.
لو سألت عامة المسلمين عن الرؤية التي يعتقدونها أليق بروح الدين الحنيف ، فهل سيختارون الأولى؟.
الشرق الاوسط الأربعاء - 14 محرم 1439 هـ - 04 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14190]
http://aawsat.com/node/1041786

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...