‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيعة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2014

درس الفجيعة



سيمر وقت طويل قبل ان ينسى السعوديون جريمة الدالوة. لقد اختلفنا كثيرا وبحثنا عن كل المبررات الممكنة كي نرمي بعضنا بقلة العقل او قلة الدين او قلة العلم ، وكل ما يستدعي الكراهية والتنافر.
لكنا لم نتخيل ان تلك الجهالات ستفضي الى مذبحة علنية كالتي جرت في الدالوة. خسرنا في هذه الحادثة الاليمة 12 مواطنا. وهذا ليس سوى الدفعة الاولى من كلفة باهضة سنضطر الى تحملها ما لم نعمل سويا على لجم السفه المذهبي الذي اوصلنا الى الفجيعة.
ربما نرمي الخارج بالمسؤولية عما جرى ، لكن هذا لن يعالج علتنا. ربما نرمي تجار التغرير والفتن ، لكن هذا لن يمنع تكرار الجريمة. ربما نجلد ذواتنا بالسياط ، لكن هذا لن يغير المسار الذي اوصلنا الى شواطيء نهر الدم. الذي يعالج العلة ويمنع تكرار الجريمة ويوقف الانزلاق الى مستنقع الفتنة هو استراتيجية شاملة لتعزيز الوحدة الوطنية وتجريم دواعي الفتنة واسبابها وكل ممارسة يمكن ان تشعلها او تصب الزيت على نارها.

خلال الايام الماضية اعاد كثير من الكتاب وأهل الراي التاكيد على دعوات سابقة لوضع قانون لتجريم الكراهية ، شبيه بما فعلته دول كثيرة. هذه دعوة صادقة يجب ان تسمع. واني لأعجب ان مجلس الشورى الذي يضم نخبة البلد لم يتخذ مبادرة بهذه الاهمية ، مع ان جميع المواطنين ينتظرون منه ذلك ، وقد تصدى لأمور انفق فيها وقتا طويلا وهي اقل اهمية وحرجا من مسألة الوحدة الوطنية التي لا استقرار ولا سلام ولاتنمية ولا مستقبل من دونها.
نحن بحاجة الى قانون كهذا بلاشك. نحن بحاجة ايضا الى استراتيجية وطنية شاملة لاجتثاث الكراهية. كل تنوع يؤدي الى اختلاف. والاختلاف هو نقطة البداية للتنازع الذي قد يقود الى الفتنة. لا يمكن لنا ايقاف التنوع لانه سنة كونية ، لكننا نستطيع تحويلة الى مصدر اغناء للشخصية الوطنية والثقافة. وهذا ما فعلته المجتمعات المتحضرة سيما الصناعية.
اني ادعو بصورة محددة الى اقامة هيئة ملكية لتعزيز الوحدة الوطنية تركز على ثلاث مهمات: 1) مهمة قانونية تتمثل في وضع اطار قانوني لتجريم الكراهية والممارسات  المؤدية اليها. 2) مهمة ارشادية تركز على اصلاح السياسات واللوائح والاعمال الرسمية التي تسمح او تحمي اثارة الكراهية. 3) مهمة رقابية تتمثل في متابعة الممارسات التي تنطوي على او تؤدي الى الاضرار بالوحدة الوطنية واحالتها الى جهات الاختصاص ، سواء القضائية او الامنية او الادارية.
ظروفنا الراهنة لا تحتمل التهاون مع مسببات الفتنة ، وعلى الحكومة والمجتمع تبني مبادرات جادة لوقف الانزلاق الى هذا المستنقع الخطير. نحن لانستطيع التحكم في ما جرى فعلا ، فهذا اصبح من التاريخ. لكننا نستطيع التحكم في مستقبلنا ، بمنع تكرار مثل هذا الحادث المروع وحماية انفسنا وبلدنا من اخطاره.
الاقتصادية 11-11-2014

مقالات ذات علاقة

تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

الحريات العامة كوسيلة لتفكيك ايديولوجيا الارهاب


الطائفية ظاهرة سياسية معاكسة للدين

الثلاثاء، 25 يونيو 2013

كن طائفيا او كن ما شئت .. لكن لا تضحي بوطنك

زميلي الاستاذ جمال خاشقجي يقول ببساطة: ياصديقي الشيعي كن معي في موقفي والا سأكون ضدك (الحياة 22 يونيو 2013).
كي لا تختلط الامور فالزميل لا يطالبنا بالخروج في غزوة بدر مثلا ، ولا يدعونا لتحرير الاراضي المحتلة ، بل ولا حتى لنصرة الشعب السوري الجريح. المطلب المحدد للزميل الكريم هو ببساطة : ان تكون عدوا لايران وحزب الله. جوهر المسالة التي شغلت باله هناك ليس حق الشعب السوري في صناعة مستقبله بحرية ، جوهرها – حسب ما يشرحه الاستاذ خاشقجي - هو وجود حزب الله وتاييد ايران للنظام. لا يحتاج الامر الى تفسير او تحليل ، فاما ان تكون عدوا لمن يعاديه الاستاذ جمال والا فانت مصنف في جبهة اعدائه.
ليس الامر مهما لو اقتصر على معاداة شخصية ، سيما لو كان عدوك عاقلا مثقفا حصيفا كالاستاذ جمال. لكن الاستاذ جمال لا يتحدث عن عداء شخصي ولا اظنه يفكر فيه. بل يقول كلاما يؤدي – موضوعيا – الى تبرير حالة استقطاب اجتماعي على اساس مذهبي : الاكثرية السنية في طرف والاقليات الشيعية في الطرف المقابل. تذكرت وانا اقرا مقالة الاستاذ جمال خطبة بن لادن "اصبح العالم فسطاطين" ، وتذكرت قسمة بوش الشهيرة "من لم يكن معنا فهو ضدنا". لا اظن خاشقجي يعنيها ، لكن مقالته مجرد تبرير لهذا المنهج. فهو يخير مواطنيه الشيعة بين موقفين : ان يساعدوه ، والا فلينتظروا انقسام المجتمع الوطني. طبيعة المساعدة هنا هي تقليد موقفه الشخصي. عنوان مقال الاستاذ خاشقجي يقول دون مداورة: ساعدني والا سأكون طائفيا ، اي عدوا لك.
حسنا. لنفترض اني رفضت مساعدتك ، فهل ستضحي بوحدة الوطن وسلامه الاجتماعي من اجل سوريا؟. هل تسعى لانتصار السوريين ولو على حساب وحدة بلدك وامنه واستقراره؟.
خاشقجي وكل شخص اخر يتبنى مواقف بناء على تحليله الخاص ، او انطلاقا من دائرة مصالح ينتمي اليها. هذا ليس مشكلة ، فلكل شخص حق ثابت في اتخاذ اي موقف ومناصرة اي طرف او معاداته. لكننا لسنا بصدد قضية وطنية مشتركة ، كي نقول ان مصلحة الوطن او مستقبله او امنه يتوقف عليها. موضع الجدل هو الموقف من الثورة السورية ، وبالتحديد مناصرة الجماعات المسلحة فيها.
لطالما اختلف مجتمعنا حول الموقف تجاه قضايا خارجية. في الثمانينات كان الحماس للثورة الافغانية اوسع كثيرا من الحماس الحالي للثورة السورية. ونعرف اليوم مآل تلك الثورة وما صاحبها من حماسة. هل اخطأ الذين رفضوا الانخراط في دعم الثورة الافغانية يومذاك؟. هل يتوجب علينا القول ان قضايا الخارج يديرها اهلها واننا مجرد مراقبين؟. هل يتوجب علينا الحذر من المبالغة في الانخراط العاطفي ، سيما حين ينطوي على مخاطر مباشرة او غير مباشرة على وحدة بلدنا وامنه وسلامه الاجتماعي؟.
لنفترض ان الشيعة جميعا ابوا مناصرة الثورة السورية ، فهل نهدد بلدنا بالانقسام عقابا لهم على هذا الموقف؟. هل سمعتم بعاقل يرهن علاقته بمواطنيه لموقف سياسي ، خارجي تحديدا ، مهما كانت اهميته؟. اي عاقل يتعامل بهذا القدر من الخفة مع قضية بهذه الخطورة .. اعني وحدة الوطن والسلم الاهلي؟.
الاقتصادية 25 يونيو 2013

الثلاثاء، 21 مايو 2013

أزمة العراق وانعدام الثقة


شهران مرا على التظاهرات التي تشهدها مدن وسط العراق ، دون بارقة امل في حل تفاوضي بين المتظاهرين والحكومة. مبدئيا لا بد من القول ان القانون العراقي يكفل حق الاهالي في مخاطبة الحكومة ، بالطريقة التي يرونها مناسبة. نحن اذن لا نتحدث عن كون الحراك حسنا او سيئا ، ولا عن كونه مفيدا او غير مفيد.
تركز هذه المقالة على الاحتمالات التي يمكن ان تنجم عن انهيار الثقة بين الاهالي والحكومة ، والحلول الممكنة ، سيما الدور الذي اظن ان على جيران العراق ، سيما المملكة ، القيام به لاستنباط حل للازمة.
معضلة العراق ، جوهرها في ظني هو انعدام الاجماع الوطني ، بسبب انعدام الثقة بين مكوناته المختلفة. ولا اظن هذا قابلا للعلاج على المدى القصير. ربما يمكن البدء باجراءات لنزع فتيل التوتر وتمكين الطرفين – المعارضة والحكومة – من التفاوض حول نقاط قابلة للعلاج.
لم يستطع العراقيون قطع هذه الخطوة البديهية ، لسبب بسيط ، خلاصته ان الزعامات السياسية التي يفترض انها تمثل المجتمع "السني" العراقي ، لا تتمتع بثقة الشارع العام في المحافظات المنتفضة. ولهذا السبب فانها لا تستطيع التفاوض نيابة عن الاهالي. موازيا لذلك ، لم ينجح المنتفضون في استنباط قيادة بديلة تستطيع التفاوض وتستطيع – في الوقت نفسه – تقديم التزامات للطرف الاخر.
لهذا السبب فان الخطوة الاولى هي تمكين المجتمع "السني" العراقي من فرز قيادة تتمتع بالثقة وتستطيع الحديث – دون تردد – باسم الاهالي جميعا. هذه النقطة بالذات تحتاج الى مساعدة عربية ، واظن ان الحكومة السعودية – هي الطرف الاكثر اهلية لتقديم مساعدة كهذه. دخول المملكة على خط الازمة سوف يزعج بعض الناس ، هذا شيء مؤكد ، لكنه سيريح العراقيين – السنة والشيعة والاكراد – وسيحول دون تطور الاوضاع في العراق الى وضع كارثي لا يريده احد.
اقتراحي المحدد هو ان تقوم المملكة بالمساعدة في اختيار ممثلين للعرب السنة ، والتدخل كشاهد وضامن للمفاوضات بينهم وبين حكومة بغداد. اعتراف دولة في حجم المملكة بزعماء محددين ، ومشاركتها في التفاوض ، سوف يشعر العراقيين "السنة" بقدر من الثقة في اولئك الزعماء وفي مسار المفاوضات.
هذا سيريح العراقيين "السنة" لانه سيعزز الاتجاه المعتدل ، وسيوفر ما يمكن اعتباره ضمانا ، يعوض الثقة المفقودة في الزعماء الحاليين. وهو سيريح العراقيين "الشيعة" و "الاكراد" لانه سيمكنهم من الحوار مع مفاوضين يتمتعون بصدقية تمثيل الاهالي ، ويستطيعون – بالتالي – تقديم الالتزامات الضرورية لانجاح التفاوض. وهو بالطبع سيريح المنطقة باسرها لانه سيبعدعنها شبح عودة العنف الاعمى وما يحمله من دم ودمار.
اكتب هذا داعيا حكومتنا للدخول على خط الازمة العراقية. واعلم ان المنطقة باسرها بحاجة الى مبادرات شجاعة وخلاقة كي تحل مشكلاتها بنفسها ، وكي تقطع الطريق على تدخل الاجانب او مواجهة الاسوأ.
الاقتصادية 21-مايو 2013

مقالات ذات علاقة



الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

(كتاب) ان تكون شيعيا في السعودية



يعالج هذا البحث مسألة الاندماج الوطني وبناء دولة الامة في المملكة العربية السعودية ، متخذا المسألة الطائفية ، ولا سيما حالة المواطنين الشيعة ، موضوعا للبحث. يعتقد الكاتب ان المسألة بحاجة الى معالجة سياسية. وتحاول هذه الدراسة توفير اساس نظري لهذه المقاربة ، من خلال إعادة تعريف المشكلة وتوضيح العوامل التي ساهمت في تحويلها من مسألة اختلاف مذهبي الى بؤرة توتر سياسي وعامل اضعاف للوحدة الوطنية والاستقرار. 
يقترح الكاتب معالجة من ثلاثة مستويات للمشكل الطائفي، تستهدف اعادة بناء الهوية الوطنية على قاعدة الحقوق المتساوية والاقرار بالتنوع الثقافي.

يمكن تنزيل الكتاب من موقع فور شيرد على الرابط التالي

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012

"عيش الحسين"


الحت على ذهني صورة المرحوم د. غازي القصيبي وانا اعبر الطريق امام صف من القدور الضخمة، وعشرات من الناس يطبخون الرز صباح الجمعة المنصرم. قال لي رحمه الله يوما : لم اشارك في العزاء ، لكن "اللي يعزي واللي ما يعزي ياكل عيش الحسين ، وقد اكلته في كل عام من اعوام الشباب".

ظهيرة هذا اليوم ، كان ثمة صف طويل في انتظار الدخول الى وحدة التبرع بالدم. صف طويل في مكان آخر على موقع يوزع "عيش الحسين". صف ثالث على بوابة تفضي الى شبه مسرح اقيم كيفما اتفق، لعرض مشاهد متخيلة عما حدث في كربلاء. مئات من الشباب ارتدوا ما يشبه ازياء الكشافة ينظمون عبور الناس والسيارات التي  تتزاحم امام مجلس تعزية. 

الغائب الوحيد في عاشوراء القطيف هو السوق.  السوق معطلة تماما. رغم ان مراسم عاشوراء هي بذاتها ، سوق من نوع آخر ، منتجاتها مختلفة ، شروط البيع والشراء فيها مختلفة، لكن زبائنها ، هم انفسهم زبائن السوق الاعتيادية.

شكليا ، لا تختلف عاشوراء القطيف عن مثيلاتها في اي بلد. لكن ثمة لمسة يصعب وصف تفاصيلها. لسنوات طويلة حاولت فهم روح هذه المدينة من خلال حراكها الاجتماعي الذي يبلغ ذروته بين السابع والعاشر من محرم. اللون الاسود يتحول الى رداء عام للمدينة في هذه الايام. لكن هذه الايام بالتحديد تشهد ما اظنه اوسع حراك تشكيلي ، عشرات الفنانين المتمرسين والهواة والناشئين يستثمرون المناسبة لعرض اعمالهم الجديدة. هواة المسرح والفنون الصوتية ، والشعراء ومتذوقي الشعر ، يعيدون في هذا الموسم اكتشاف جمهورهم ، او يعرفون الناس بانفسهم.

الناشطون في مجال العمل الخيري ، المرافق الاجتماعية الاهلية ، صناديق رعاية الايتام والفقراء ، تستعد كلها لهذه الايام. يقول لي عضو في لجنة اهلية تقيم مسجدا جديدا انهم جمعوا في عاشوراء الماضي ثلث تكاليف البناء، وهم يتوقعون اكمال الباقي خلال هذا الموسم.

عاشوراء في جانبها التقليدي مجرد تذكير بتاريخ مضى ومات اهله. اما في جانبها الاجتماعي فهي مناسبة لبعث الحياة في مجتمع مدني يؤكد عامة الناس من خلاله بانهم قادرون على تجديد حياتهم وحل مشكلاتهم اذا تواصلوا واستثمروا روح الجماعة.

الفولكلور الذي يطغى على فعاليات الموسم ليس عملا احترافيا يمارسه اناس بعينهم. هو اقرب الى حركة عامة يشارك فيها جميع الناس او معظمهم ، يرددون نفس ابيات الشعر ، يلبسون ذات الزي الاسود ، يتبادلون التحية الخاصة بالموسم بنفس الطريقة : " عظم الله اجوركم" ، "مأجورين" ، "طيب الله انفاسكم" ، "طيب الله اسماعكم".

حضرت موسم عاشوراء في مدن كثيرة ، لكني لا زلت اظن ان عاشوراء القطيف شيء مختلف.

الاقتصادية الثلاثاء 13 محرم 1434 هـ. الموافق 27 نوفمبر 2012 العدد 6987
http://www.aleqt.com/2012/11/27/article_712723.html 

الثلاثاء، 28 أغسطس 2012

نحتاج إلى قانون يحمي السلم الأهلي وحقوق المواطن


دعوة خادم الحرمين الشريفين لإنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية يمكن أن تكون مفتاحا لاستراتيجية موسعة للتعامل مع النزاعات المذهبية في العالم العربي. لا أشعر بالقلق إزاء الاختلافات بين الأديان والمذاهب والأيديولوجيات، فالاختلاف بذاته ليس مشكلة. ما يقلقني هو التنازع الطائفي، وهو شيء مختلف تماما عن الاختلاف المذهبي أو الديني أو الأيديولوجي.

يميل الناس إلى التبرير المذهبي لخلافاتهم لأنه بسيط ومقنع. وليس ثمة مشكلة هنا، طالما فهم الناس هذه الخلافات في إطارها الطبيعي، أي حرية الرأي والاجتهاد. فكلنا ذاهب إلى الله وهو حسيبه. يكمن الخطر حين يتخذ بعض الناس من هذا الخلاف مبررا للعدوان على الآخرين أو هضم حقوقهم، أو يتخذوه وسيلة لشحن الاتباع بالحماسة من أجل استثمارهم لاحقا في الصراع على النفوذ. وأذكر أن أحد الدعاة نظم قبل سنوات دورة لطلابه في ''فنون مجادلة المخالفين''. وكانت الحلقة الأولى من هذه الدورة في مجادلة النصارى وآخر حلقاتها في مجادلة أتباع الشيخ فلان، وهو أستاذه ومرشده السابق.
الحلقة الأخيرة هي بيت القصيد، وما سبقها مجرد تمهيد. ويبدو أن هدف الدورة هو ''تحرير'' جانب من المساحة الاجتماعية التي يحتلها الأستاذ. محرك هذا النزاع لم يكن اختلاف الاجتهاد بين الرجلين، بل التنافس على النفوذ الاجتماعي، الذي يمكن تحويله – لاحقا – إلى نفوذ سياسي.
لا نستطيع إلغاء الاختلافات المذهبية والدينية والأيديولوجية، ولا نستطيع الحيلولة دون تحولها إلى خلافات نظرية، لكننا بالتأكيد قادرون على إبقائها ضمن هذه الحدود، والحيلولة دون تحولها إلى نزاع سياسي، يهدد السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ويعوق تقدم البلاد.

الطريق إلى هذا هو القانون. المدنية ترقق الطباع - كما عبر الشيخ القرني في مقال عن رحلته الباريسية - الفارق الأهم بين مجتمع المدينة ومجتمع الصحراء هو سيادة القانون. القانون الذي يشكل مسطرة واحدة يحتكم إليها الجميع ويخضع لها الكل.

نتحدث كثيرا عن عدل الإسلام ومساواته بين الناس، وسبقه أمم الشرق والغرب إلى حقوق الإنسان، لكن هذا الكلام الطيب لا جدوى وراءه ما لم يتحول إلى قواعد قانونية ملزمة، يمكن للضعيف والمظلوم الاستناد إليها في المطالبة بحقه. ولا معنى له إن لم يشعر الأقوياء بأنه حد يحول بينهم وبين الاستقواء على الضعفاء والمساكين.

بلادنا – مثل كل بلد آخر – في حاجة إلى نظام قانوني يجرم استغلال الخلافات في إثارة الكراهية والبغضاء بين الناس، ويمنع التمييز بين الناس على أساس مذاهبهم وأديانهم وقبائلهم. من المؤسف أننا لم نبادر بوضع قانون كهذا في الماضي، ولهذا نشعر اليوم بضرورته أكثر من أي وقت مضى. نحن في حاجة إلى قانون يستطيع الناس الاستناد إليه إذا شعروا بأنهم يتعرضون لتمييز سلبي أيا كان مصدره أو مبرره، ونحتاج إلى هيئة متخصصة للإشراف على تطبيق هذا القانون، وإرشاد الجهات الرسمية والأهلية والأفراد، حتى يترسخ مبدأ التسامح، ويعتاد الناس جميعا حقيقة أنهم مواطنون أولا ومواطنون أخيرا، أيا كانت انتماءاتهم وأصولهم وأجناسهم.

الاقتصادية 28 اغسطس 2012

الاثنين، 23 أبريل 2012

سلفي سياسي وشيعي حداثي:تعقيب على مقالة الاستاذ مهنا الحبيل

اود ابتداء تقديم الشكر للاستاذ مهنا الحبيل على مقالته "ملتقى النهضة واسئلة التصحيح" المنشورة بجريدة الحياة. مثل هذه النقاشات ضرورية لكشف تفاصيل المجتمع السعودي والقوى الفاعلة فيه ومساراتها.

لست ضليعا في النقد. لكن لفت نظري ان المقال الذي كان – كما يبدو من العنوان والمقدمة – مخصصا للحديث عن ملتقى النهضة ، ترك هذه المهمة وكرس اكثر من نصف مساحته لنقد ما وصفه الكاتب بتيار الحداثيين الشيعة. كنت اتمنى لو ان الكاتب خصص المقال لهذا الموضوع ولم يحشر الملتقى فيه. وعرض امثلة على التقييمات والاوصاف التي ذكرها كي يستفيد القراء وكي يكون الموضوع فاتحة نقاش وليس سلة احكام مسبقة. تبعا لميل الاستاذ مهنا ، سوف اخصص معظم هذا المقال لمناقشة ما اورده في ذلك الجانب.

سوف اناقش هنا ثلاث نقاط ذكرها الاستاذ مهنا ، تتعلق اولاها بمعارضة السلفيين التقليديين للملتقى ، وتتعلق الثانية بالمشاركة الشيعية ، والثالثة بمساهمة الشيعة المشاركين في مسيرة الاصلاح.

اولا: حول المعارضة السلفية للملتقى:

افترض ان الاستاذ الحبيل مدرك لحقيقة ان المعارضة السلفية لملتقى النهضة تصدر عن منطلق سياسي ، وتنطوي في حقيقة الامر على "تصفية حسابات مستبطنة بوضوح، وسلسلة النسج التلفيقي التي لا تتحرى الصدق، بل تصنع الحدث والفكرة كذباً لتكوّن قضية" ، اي انها ليست مسالة دينية بحتة. الا انه يعود ليضعها في اطار النقاش الاخلاقي المثالي. الشيخ ناصر العمر وشيوخ الجامية لم يعارضوا الملتقى لانه مخالف للدين بل لانه ينطوي – بشكل غير مباشر – على تجاوز لدوائر النفوذ الاجتماعي والسياسي ، ونقد لمتبنيات واستهدافات هذه الدوائر ومن يتزعمها ويستفيد منها.

افترض ان الاستاذ مهنا عارف بما تشهده الساحة الدينية السعودية من اعادة اصطفاف داخل تيار الصحوة ورموزها ، بين فريق يتبنى مطالب المجتمع وما وصفه الكاتب بـ "تقرير الفقه الدستوري الإسلامي وضمان الحقوق المدنية ونقد الخلل والتشدد والخرافة" ، وفريق يدعو لحماية التقاليد المتوارثة السياسية والثقافية والدينية ، ويرفض مشروعات الاصلاح السياسي التي عبرت عنها بيانات مثل "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" و "برنامج وطني للاصلاح" و "نحو دولة الحقوق والمؤسسات".

من الواضح لكل الناس ان التيار الديني السعودي منقسم اليوم بين هذين الاتجاهين. وان هذا الانقسام يولد – بالضرورة – تنافسا حول المواقع والمفاهيم ومسارات الخطاب العام والشرائح الاجتماعية التي هي موضوع النفوذ ومصدره. اي باحث في علم الاجتماع او السياسة يدرك هذه الحقيقة التي لا تصفها الجرائد بصراحة ، لكنها اجلى من كل بيان.

السلفيون عارضوا الملتقى لانه خروج على النسق السائد ، ولانه يؤدي – بالضرورة – الى مساءلة التيار المعارض للاصلاح او المتردد فيه. مساءلة مبرراته ومشروعية موقفه ودائرة نفوذه. نفهم هذا من موقف الشيخ ناصر العمر واتباعه تجاه الشيخ يوسف الاحمد فرج الله عنه. الشيخ يوسف لم يشرك شيعة ولا ابتعد عما وصفه الكاتب بالمرجعية الدينية التي ينتمي اليها العمر ، بل كرس نفسه وحياته للدفاع عن سجناء دون محاكمة ، بينهم رجال دين وناشطون في التيار الديني. ومع ذلك فان الشيخ ناصر تجاهل اعتقال الشيخ وبرر محاكمته وما صدر عليه من احكام. وقبل ذلك – في منتصف 2011– صدر توجيه بعدم مناصرة الشيخ يوسف او دعمه ، لانه تجاوز المكان المرسوم له. هذا وذاك فعل سياسي في منطلقاته ومساراته وغاياته ونتائجه ، وهو يعبر عن اعادة اصطفاف في الساحة الدينية المحلية ، اصطفاف سياسي بين فريق يتبنى الاصلاح وآخر يدافع عن التقاليد والقيم الموروثة ونظام العلاقات القائم.

ثانيا : حول المشاركة الشيعية:

ما فهمته من المقال هو ان "مشاركة اشخاص ينتمون لتيار حداثي شيعي" هي المشكلة الرئيسية. ولو لم تحدث لربما عقد الملتقى بسلام ، وحقق غاياته. لم افهم حقيقة جوهر هذه المشكلة؟. لكن سوف احاول تفكيك هذا القول المجمل تفكيكا منطقيا لفهم جوهر المشكلة ، من خلال ستة احتمالات ، ربما يكون احدها او بعضها هو جوهر المشكلة التي ادت الى افشال الملتقى ، او كانت عيبا فيه – طبقا لتحليل الاستاذ مهنا-:

أ‌-      ان الملتقى نشاط ديني "سني" بالمعنى الخاص "المذهبي او الطائفي"، فيجب ان يلتزم بالاطار الثقافي والاجتماعي للطائفة. بهذا المعنى فان مشاركة "الشيعي" هي جوهر المشكلة.

ب‌-  الملتقى ليس نشاطا دينيا بالمعنى الخاص. حتى لو كان منظموه مصنفين ضمن التيار الديني. من هنا فمشاركة تيار "ديني" يلقي على الملتقى ثوبا غير ثوبه. جوهر المشكلة اذن هي مشاركة اشخاص ينتمون لتيار ديني. بمعنى انه لو شارك شيعة لا ينتمون لتيار ديني لما كان ثمة مشكلة.

ت‌-   المشكلة ان الشيعة المشاركين "ينتمون لتيار" وليسوا مجرد افراد. بمعنى لو لم يكونوا منتمين لتيار لما كان ثمة مشكلة.

ث‌-  المشكلة هي ان الاشخاص الذين شاركوا في الملتقى ينتمون لتيار يمارس عنفا فكريا نقديا ونقضيا للتوجهات الإسلامية السنية. جوهر المشكلة اذن هي في عنف هؤلاء الفكري المضاد والناقض لما وصفه الكاتب بالتوجهات الاسلامية السنية.

ج‌-   المشكلة ليست في مشاركة الشيعة بشكل عام ولا في كونهم تيارا. بل في كون المشاركين متدينين حداثيين. بمعنى انهم لو كانوا ينتمون لتيار ديني تقليدي لما كان ثمة مشكلة.

ح‌-   مشاركة الشيعة ليست مشكلة اصلا. اي ان هذه المسالة لا علاقة لها بالموضوع. المشكلة هي ان الشيعة انفسهم متخلفون عن ركب التجديد ونقد الاستبداد الديني ومراجعة التراث وتجديد المنظورات ، لاسيما تلك المرتبطة بعلاقتهم بالسنة ونظرتهم للتاريخ ورجاله. بمعنى ان الكلام حول مشاركة الشيعة كان مجرد تمهيد لدعوة الشيعة الى اصلاح حالهم وليس جزء من جوهر الموضوع.

اعرض هذه الاحتمالات لاني لم افهم جوهر المشكلة التي كرس لها الاستاذ مهنا اكثر من نصف مقاله. وآمل مخلصا ان يكتب مقالا او مقالات اخرى لتبيين ما اجمله.

لكني اجد – من حيث المبدأ ومن دون مناقشة للاحتمالات السابقة – ان مفهوم "النهضة" ينطوي بالضرورة على مبدأ الاقرار بالحق في الاختلاف والاشتراك مع المختلفين. هذا المبدأ الذي عبر عنه المرحوم البنا في قوله المشهور "نتعاون في ما اتفقنا عليه ونتعاذر في ما اختلفنا فيه". وهو من ابرز موارد احتجاج السلفيين والسروريين على الاخوان ومن تاثر بمدرستهم ، وانا وشباب النهضة ممن تاثروا بهذا المنهج. يؤكد السلفيون على تقديم قاعدة "الولاء والبراء" التي طورها التيار المعروف بسلفية المدينة (او الجامية) الى نظرية يطلقون عليها في الجملة اسم "التصنيف" ويدافعون عنها بكل قوة. وهذا امر معروف لكل متابع لتحولات التيار الديني في المملكة.

الاقرار بحق الاختلاف يعني على وجه التحديد التعامل مع المختلف والمخالف كما هو ، وبدون اشتراط التخلي عن صفاته السابقة او متبنياته. وهذا هو الذي دعا القائمين على المنتدى لدعوة متحدثين من مشارب مختلفة ، اسلاميين وغير اسلاميين.

ثالثا: حول من وصفهم الكاتب بالتيار الحداثي الشيعي

اشرت في البداية الى ان الاستاذ الحبيل  خصص اكثر من نصف المقال لشرح حال "الحداثيين الشيعة". فكأن ذهن الاستاذ مهموم بهم اكثر من انشغاله بالملتقى ومن عارضه. خلاصة الشرح الذي قدمه الكاتب يتلخص في ان هذا التيار سيء ، غير مفيد وينطوي على عيوب اخلاقية. سوف انقل النصوص التي وردت في مقال الاستاذ مهنا لتوضيح مدى انشغاله بالموضوع.

يتصف التيار المذكور – طبقا للاستاذ الحبيل – بانه:

1-      يمارس عنفا فكريا نقديا ونقضيا "للتوجهات الإسلامية السنية".

2-      ليس له أي مشاركة مهمة ذات بعد منهجي في دعم مدرسة الاعتدال الشيعي ضد التطرف الطائفي.

3-      ليس له أي مشاركة في نقد قضايا الخرافة التي تمكنت من العودة من التراث إلى حديث الوعاظ المعاصر في بعض المنابر الشيعية.

4-      وليس لهذا التيار موقف أخلاقي أو فكري من الضحايا، سواءً كان طفلاً أو شاباً أو رجلاً من احتكاره الشامل لعمره الزمني في منظومة التثقيف الطائفي والاحتقان في سلسلة المآتم.

5-      ليس لهذا التيار موقف من قضايا المرأة في التقاضي الجعفري وما وراء هذا الحجاب من صيحات ضحايا الاستبداد الديني لهذا الواعظ أو ذاك.

6-      ليس للتيار موقف مساند صريح من دعوات المثقفين الشيعة للخلاص من التراث السلبي، وعودة تصديره للواقع المجتمعي المشترك، وارتهان الإنسان الشيعي البسيط الذي يبحث عن هداة الزمن لمشاركة مدنية إنسانية مع رفيقه السني.

7-      ليس لتيار الشيعة الحداثيين دور في دعم فكرة إعادة الاستهداء بمدرسة آل البيت الأولى في قضية الخُمس التي لا تُمنح للفقراء والمساكين من أبناء الطائفة، ولا ذوي الاحتياجات الخاصة، أو المرأة المضطهدة، ولا تدعم تكتلات الفقراء.

لا يخفى على القاريء المنصف ما تنطوي عليه النصوص السابقة من كلام انشائي يحتمل معاني قابلة للتضخيم. لكني سأتجاوز هذه النقطة ، واطالب الاستاذ الحبيل بايراد بعض الامثلة التي تصلح دليلا علميا معقولا على كل نقطة من النقاط السابقة. واحتمل انه لم يورد ما اورده الا بعد تامل وبحث اوصله الى هذه الاستنتاجات القاطعة. اما اذا لم يورد امثلة قابلة للاثبات فسيقول القراء ان كلامه كان انفعاليا وعاطفيا وغير لائق.

مرة اخرى اتمنى ان يطور الاستاذ هذه الملاحظات وان يفصل فيها كي يفتح بابا للنقاش يفيدنا جميعا.

لكن اود ابتداء عرض الملاحظات التالية:

أ) وصف الاستاذ الحبيل هذا التيار بانه حداثي. ونفهم ان الحداثي - بالتعريف – ناقد ومعارض للتقاليد والموروث. ومن بينها ما ذكره الكاتب في النقاط 3،4، 5، 6،7 الورادة اعلاه. ترى كيف يكون الفرد او التيار حداثيا وهو مستسلم او ساكت عن مثل هذه الامور؟. كيف صنفه الكاتب كحداثي ، مع ان الحق ان يصنف – طبقا للاوصاف المذكورة – كتقليدي ورجعي ومعاد للحداثة؟.

ب) قال الاستاذ مهنا ان هذا التيار يمارس عنفا نقديا نقديا ونقضيا للتوجهات السنية. وفي اول المقال كان قد وصف اعتراضات السلفيين على ملتقى النهضة بانه "خطاب النقض والطعن الكريه.... أنّه خطاب تحريضي غير مشروع". فهل خطاب النقض السلفي للتوجهات النهضوية (السنية مثل ملتقى النهضة – كما يظهر من تصنيف الاستاذ مهنا) هو من جنس خطاب النقض الشيعي الحداثي للتوجهات السنية ، وهل ان خطاب النقض السني للتوجهات الشيعية يحمل نفس القيمة ام ان اختلاف مذهب الناقضين يفرض اختلافا في قيمة كل منهما؟.

ت) ذكر الاستاذ ان "المدرسة الإسلامية السنية أنجزت مساراً في تقرير الفقه الدستوري الإسلامي وضمان الحقوق المدنية ونقد الخلل والتشدد والخرافة" بخلاف التيار الذي انتمي اليه ، والذي لم يقدم شيئا من هذا النوع.

اقول: اذا كنا نتحدث في المجال السعودي على وجه الخصوص ، فان ما قدم حتى الان قيم لكنه ليس كثيرا ولا وافيا. لكن فيما يخصني ، وانا اتحدث في المجال السعودي ، فان مشروعي الفكري الذي صرفت فيه حتى الان جل حياتي الفكرية هو بالتحديد "تطوير نظرية حول ديمقراطية منسجمة مع القيم الاسلامية" تتجاوز التصنيف المذهبي. وكرست لهذا الموضوع جميع كتبي الاخيرة واذكر منها "ضد الاستبداد" وهو دراسة في رسالة فقهية حول الدستور، وكتاب "نظرية السلطة في الفقه الشيعي" وهو نقد لنظرية ولاية الفقيه انطلاقا من ان الشعب هو مصدر السلطة ، وكتاب "الديمقراطية في بلد مسلم" وهو معالجة فلسفية للعلاقة بين الدين والديمقراطية ، وكتاب "حدود الديمقراطية الدينية" وهو دراسة حالة عن امكانية الديمقراطية من دون علمانية ، نقدا لنظرية التحديث الكلاسيكية التي تفترض ان العلمانية شرط للديمقراطية. واخيرا كتاب "رجل السياسة : دليل في الحكم الرشيد" الذي يناقش الاركان الكبرى للدولة المدنية الديمقراطية. وقدمت فيه معالجة هي الاولى من نوعها – كما اظن – لمبدأ العقد الاجتماعي وامكانية اقامته على اساس ديني.

اضافة الى ذلك كتبت خلال العقدين الماضيين ما يزيد عن مئة مقالة ، جميعها منشورة ، حول القضايا والاشكالات الاساسية المتعلقة بالدولة المدنية والدستورية ، وكثير من هذه المقالات موجود على مدونتي الشخصية. اود ان يطلعني الاستاذ الحبيل على اي كاتب سعودي قدم هذا القدر من المساهمات فيما يخص هذا الموضوع. كما اتمنى ان يصرف الاستاذ مهنا بعض وقته الثمين للاطلاع على كتاباتي المذكورة وموافاتي باوجه القصور فيها. وساكون شاكرا لفضله.

اما اذا كنا نتحدث في اطار اوسع من الاطار السعودي، فان التيار الاصلاحي الوطني الذي انتمي اليه متفاعل ومتكامل مع جميع النشاطات الاسلامية ، سنية وشيعية ، ومساهم في تطوير مساراتها الفكرية ومستفيد من تلك المساهمات والمسارات . ورجال التيار لهم علاقة شخصية وفكرية بمعظم التيارات الاسلامية الفاعلة ، من العدالة والتنمية في المغرب الى مجتمع السلم في الجزائر والنهضة التونسية والاخوان المصريين ، والمؤتمر الشعبي – الذي يتزعمه د. الترابي في السودان الى الدعوة العراقية والحركة الاصلاحية في ايران وغيرها. اضافة الى ذلك فان مفكري هذا التيار ورجاله يشاركون بفاعلية في النشاطات الفكرية التي تقوم بها المجموعات غير الاسلامية ، سواء كانت سياسية او مراكز ابحاث ، في العالم العربي وخارجه. وهم بالطبع يتاثرون بهذه الملتقيات ويؤثرون فيها ويتفاعلون مع رجالها.

خلاصة القول ان هذا التيار لا يرى نفسه مستقلا عن الحراك الفكري الجاري في العالم ، سواء في جانبه الفلسفي او السياسي او الديني. هذا التيار ليس حزبا يملك ايديولوجيا خاصة ، وهو لا يدعو الناشطين فيه الى تصنيف المصادر التي يتفاعلون معها وياخذون منها. انه تيار مفتوح يرى نفسه جزءا من السياق التنويري والتنموي العام ، وهو يحترم جميع المساهمين في هذا المسار بغض النظر عن مواطنهم وانتماءاتهم.

ث) فيما يخص الوحدة الوطنية والدعوة للتعايش والتقارب والسلم الاهلي بين الاطياف التي يتشكل منها المجتمع السعودي الكبير ، وهي نقطة اغفلها الاستاذ الحبيل ، فان التيار الذي انتمي اليه هو اول من قدم مبادرات جدية في هذا المجال. ولا يزال الى يومنا هذا انشط الجهات السعودية في هذه الدعوة . وقدم – اضافة الى المبادرات العملية - تنظيرات موسعة حول قضايا التقارب والتعايش والمواطنة. وتشكل قضايا السلم الاهلي وحقوق الانسان والاصلاح السياسي اهم انشغالات هذا التيار ، ولعلها ابرز ما يميزه على المستوى الوطني.

 اذكر هذا ردا على ما ورد في مقال الاستاذ الحبيل بشان العلاقة المفترضة بين الشيعة والسنة ، حيث قرر ضمنا ان اي لقاء يشارك فيه سنة وشيعة ، فينبغي ان يكون هدفه هو التقريب بين المذاهب. وهو يضرب مثالا بندوة التنوع المذهبي في الخليج التي عقدت في الدوحة "ومن خلال هذا النسق تعقد هذه الندوات التي تجمع أطيافاً عدة". اما اللقاءات حول النهضة والحرية والمجتمع المدني فيجب ان تقتصر – حسب مايظهر من راي الاستاذ مهنا- على المتفقين في العقيدة والافكار "مسار الملتقى يَعْبُر لتحقيق أسئلة النهضة داخل الفكرة الإسلامية المؤمن جمهورها بأن الرسالة الخاتمة .. هي المرجعية الدستورية والتنظيرية".

 اقول رغم ايماني بضرورة النقاش حول قضايا الوحدة والتقارب ، وهو ايمان مدعوم بالفكر والعمل ، الا انني اجد هذه الاشارة غريبة جدا. فهي ربما توحي بان التيار الذي انتمي اليه ليس اسلاميا ، او ان ايمانه بالرسالة الخاتمة مجروح. كما استغرب حشر موضوع الحوار المذهبي في ملتقى النهضة ، لانه عقد للحديث حول المجتمع المدني وليس حول المذاهب. والذين شاركوا فيه ، جاؤوا لانهم مؤمنون بالمجتمع المدني كسبيل للنهضة او كانوا معروفين بالنشاط في الدعوة اليه.

بقيت نقاط تستحق المناقشة. لكن يبدو انني اطلت قليلا. لذا اعتذار من القراء الكرام . واود تكرار دعوتي للاستاذ مهنا لايراد ادلة او امثلة يمكن الاستدلال بها لاثبات الاوصاف التي وصف بها التيار. كي يتلافى تهمة الانشائية والعاطفية. واكرر شكري له على هذه الاثارات المهمة التي قد تفتح بابا مفيدا للنقاش حول اوضاع بلدنا والفاعلين فيه.

نشر في موقع المقال 23 ابريل 2012 http://www.almqaal.com/?p=2160
مقالات ذات علاقة

الأحد، 1 يناير 2012

البعد الاقليمي للمسألة الشيعية في المملكة

(هذا هو الفصل الثالث من كتاب ان تكون شيعيا في السعودية   وهو منشور بالكامل على هذه المدونة)
يناقش هذا الفصل البعد الخارجي كمؤثر على العلاقة بين الشيعة السعوديين وحكومتهم ، مع التركيز على علاقة المواطنين الشيعة بمراجع دين خارج الحدود وتاثير النهوض الشيعي في المنطقة. تعتبر الحكومة السعودية نفسها حامي حمى الاسلام التقليدي، وينظر اليها في الخارج كمركز للاسلام "السني" المواجه – سياسيا ودينيا – للاسلام "الشيعي" الذي تتزعمه ايران. ومنذ 1979 كان هذا المنظور محركا بارزا للكثير من سياسات المملكة على المستويين الداخلي والخارجي.

عندما يتعلق الامر بالموقف من ايران ، تتوقع الحكومة ان يقف مواطنوها الشيعة الى صفها. بينما يرى الشيعة ان الحكومة ذهبت بعيدا في توقعاتها ، ولا سيما حين اعتبرت "التعاطف" مع الثورة الاسلامية موقفا سياسيا مضادا لها ، وحين خلطت بين الموقف السياسي والتعاطف الروحي. على اي حال فان هذا العامل يؤثر بوضوح على العلاقة بين الحكومة ومواطنيها ، الامر الذي يستدعي مناقشة صريحة لتوضيح جوهر المشكلة. غرض النقاش هو تفصيح الاشكاليات وتحديد حجمها وليس بالضرورة الحكم عليها.
***

علاقة يسودها الارتياب

خلال السنوات الخمس الماضية التقيت بعشرات من الصحفيين والباحثين الاجانب الذين زاروا المنطقة. ووجدت معظمهم يحمل السؤال نفسه: الى اي مدى يمكن للحكومة الايرانية ان "تستعمل" الشيعة في صراع محتمل مع الحكومة السعودية او مع الولايات المتحدة الامريكية[1]؟.
 هذا السؤال عينه كان يتردد بين رجال الدولة السعودية ، والكثير من رجال النخبة. الفارق بين خلفية سؤال الصحافي الاجنبي وسؤال السياسي السعودي هو فهم كل من الطرفين لطبيعة العلاقة المحتملة بين الشيعة من جهة وبين الحكومة الايرانية من جهة ثانية. يظن الاجانب ان وحدة المذهب التي تجمع بين الشيعة والحكومة الايرانية تمثل ارضية مناسبة فيما لو قررت الاخيرة فتح جيوب مساندة لها داخل الاراضي السعودية. اما السعوديين فيظنون ان المسألة لا تتعلق بامكانية "فتح جيوب". وهم يفهمون المسالة على النحو التالي : الشيعة موحدون ويتبعون امر مرجعهم الديني في كل كبيرة وصغيرة. معظم المراجع ايرانيون او مقيمون في ايران ، فهم يخضعون بالتالي لاوامر الحكومة الايرانية. هذا يعني ان الحكومة الايرانية تستطيع ان تامر الشيعة السعوديين في  اي وقت تشاء بالقيام باي عمل تراه مناسبا للضغط على نظيرتها السعودية. ويعزز صدقية هذا الظن ما يرونه من اعتزال رجال الدين الشيعة السعوديين للعلاقة مع مؤسسات الدولة واعمالها.
رغم سذاجة هذا التصور ، الا ان عددا ملحوظا من رجال النخبة مقتنع به ، بل ويعتبره بديهيا. وهم يضربون عشرات الامثلة التي جمعها ناشطون من التيار السلفي ، للتدليل على فاعلية وتاثير المرجع الديني الشيعي في جمهوره. فيما يلي سوف نعرض بالتفصيل للاشكاليتين: علاقة الشيعة بالمراجع الدينين ، وعلاقتهم بايران.

 استقلال المؤسسة الدينية الشيعية 

منذ قديم الزمان حافظ الشيعة على تقليد يقضي بابقاء حياتهم الدينية خارج نطاق علاقتهم بمؤسسة الدولة. ورغم ان هذا التقليد ظهر ابتداء في ظرف الخصام بين الطرفين، الا انه عمم في الحقب التالية فاصبح سائدا حتى في ظل الحكومات الشيعية. وكان هذا معروفا في ايران منذ الدولة الصفوية، وفي العراق وجميع الاقطار الاخرى[2]. بل لا زال قائما حتى في ايران المعاصرة التي يحكمها رجال الدين. ويتجلى المظهر الابرز لهذا الفصل في العلاقة بين عامة الشيعة ومرجعيتهم الدينية. اذ يحرص مراجع الدين على ابقاء مسافة واضحة بينهم وبين الحكومات. الاستثناء الوحيد هو اية الله الخميني الذي تمتع بوضع استثنائي حين جمع بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية. فيما عدا الخميني ، فان جميع المراجع او العلماء المؤهلين للمرجعية الذين اقتربوا كثيرا من الدولة ، خسروا شعبيتهم وفرصتهم في تشكيل مرجعية مؤثرة، بمن فيهم اية الله خامنئي، مرشد الثورة الايرانية الحالي، الذي لا تتناسب مكانته الدينية وموقعه في منظومة المرجعية الدينية مع نفوذه السياسي الكبير. يقل عدد اتباع خامنئي عن معظم المراجع الاخرين في ايران نفسها فضلا عن غيرها من البلدان. في السياق نفسه فان الشيعة يحرصون على ابقاء مدارسهم الدينية ومساجدهم ومؤسساتهم الدينية الاخرى بعيدة عن تدخل الدولة. وهذا عرف جار في جميع الاقطار التي يقطنها الشيعة. منذ اعتلائه سدة القيادة بذل اية الله خامنئي جهودا فائقة لوضع المدارس الدينية في ايران تحت اشرافه ، لكن محاولاته لم تفلح رغم مرور عقدين من الزمن ، ورغم الحوافز الكبيرة التي تحصل عليه المدارس التي تقبل اشراف الولي الفقيه عليها.
هذا التقليد الراسخ هو احد المبررات القوية لارتياب الحكومة السعودية في نوايا مواطنيها الشيعة. من المفيد الاشارة هنا الى ان الحكومة لم تتساهل ابدا مع المجموعات الدينية التي حاولت الاستقلال عن جهاز الدولة. ولم يستثن من هذه السياسة حتى المؤسسة الدينية السلفية المتحالفة مع الحكم. في ستينات القرن العشرين ، حاول الشيخ محمد بن ابراهيم ال الشيخ (1893-1969) ، وهو اقوى زعماء المؤسسة الدينية منذ قيام الدولة السعودية الثالثة ، وكان يشغل يومذاك منصب مفتي الديار السعودية ، حاول اتخاذ خط مستقل عن الحكومة، واصدر رسائل وتعليمات تشير الى عدم خضوع المؤسسة لسياسات الحكومة ، ومن بينها خصوصا رسالته الشهيرة "تحكيم القوانين" التي انتقد فيها صراحة ميل الحكومة الى تنظيم القضاء وتقنينه، واخضاع القضاة لمعايير الادارة الحكومية. الا ان الملك فيصل  الذي تولى العرش في 1964 عالج بحزم هذا الاتجاه واعاد المؤسسة وعلماءها الى "بيت الطاعة" الرسمي.
ومنذ اوائل السبعينات تبنت الحكومة سياسة تقضي بتصفية النشاطات الاهلية التي يمكن ان تقود الى تشكيل مراكز قوة خارج الاطار الرسمي. ولعل المثال الذي يتذكره جميع السعوديين هو جامعة الملك عبد العزيز في جدة ، التي بدأت اهلية في 1967 وقامت الحكومة بتاميمها في مارس 1971. كما يتذكرون الصحافة الاهلية التي الغيت تراخيصها ابتداء من مارس 1964 واعيد منحها لشركات ذات وضع خاص، يحتاج المساهم فيها الى موافقة وزارة الداخلية كي يصبح مالكا لبعض اسهمها ، كما يعين رئيس تحريرها من قبل وزارة الاعلام وليس من قبل المالكين. في السياق نفسه ، نال النشاط الديني نصيبا وافرا من تلك السياسة، نظرا لانه يستاثر بالنصيب الاكبر من النشاطات التطوعية في البلاد. وخلال العقود الثلاثة الماضية اتمت الحكومة سيطرتها على المدارس الدينية والمساجد والاوقاف المستقلة، والزمت الدعاة بالانخراط في السلك الوظيفي الرسمي مقابل السماح لهم بامامة المساجد والقاء الخطب. وفي اوائل 2002 منعت وزارة الداخلية الهيئات الدينية والخيرية التي يشرف عليها رجال الدين من جمع تبرعات من الجمهور[3]. وفي يوليو 2007 منعت هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من الاستعانة بالمتطوعين الذين يشكلون القوة الاكبر في صفوفها[4]. وفي اغسطس 2010 صدر امر ملكي بمنع رجال الدين والقضاة من اصدار الفتاوى العامة او التوقيع على عرئض تتضمن نقدا للحكومة او مطالبات.
حاولت الحكومة تكرار السياسة نفسها مع النشاطات الدينية الشيعية. لكنها ووجهت بسلبية مطلقة، لاسباب يرجع بعضها الى العرف الشيعي الراسخ، ويرجع البعض الاخر الى فشل الحكومة في وضع تنظيم مناسب يتسع لمذهب مختلف عن المذهب الرسمي. وقد طرح زعماء الشيعة منذ العام 1995 مقترحات لمعالجة الشق الثاني على وزير العدل يومئذ الشيخ عبد الله ال الشيخ، الا انه رفض الفكرة بدعوى ان وجود نظام مزدوج للعمل الحكومي امر غير مقبول.
على كل حال فان بقاء العالم الديني الشيعي خارج اشراف الحكومة ، يثير عند المسؤولين شعورا بالمرارة ، يغذي الشكوك في طبيعة النشاطات التي يقوم بها الشيعة وما يمكن ان يترتب عليها. ويتكرر حديث المسؤولين عن هذا الامر في اجتماعاتهم مع وجهاء الشيعة. حيث يشار دائما الى ان علاقة الجمهور الشيعي بالمراجع المقيمين في الخارج ، وارسال الزكوات والتبرعات اليهم ، تفهم باعتبارها ولاء لجهة خارجية ، تتعارض مع ما يفترض من اخلاص الولاء للحكومة الوطنية. ورغم تاكيد الشيعة المستمر على المضمون الروحي المحض لهذه العلاقة ، الا ان سلبية الجمهور الشيعي ازاء الحكومة، سيما تمظهراتها السياسية، تتخذ كدليل على ان علاقتهم مع مراجع الدين تتجاوز البعد الروحي.

تأثير التحولات الاقليمية: الثورة الاسلامية في ايران

كان انتصار الثورة الايرانية عام 1979 منعطفا حادا في تاريخ المنطقة الحديث. بالنسبة للمجتمعات الشيعية ، فقد انتهت حالة السكون وبدأ ظرف مليء بالحركة والتطلع . في نوفمبر من هذا العام قرر الشباب في القطيف والاحساء احياء مسيرات عاشوراء التي سبق حظرها في منتصف السبعينات. بدات تلك المسيرات بداية تقليدية تماما تحمل الشعارات الدينية القديمة. لكن الادارة الحكومية المحلية وجدت فيها تمردا غير مقبول على الحظر السابق . فتمت مواجهتها بالقوة ، الامر الذي جعلها تتطور من طقس ديني تقليدي الى تظاهرة سياسية ، انتشرت شرارتها الى كل مدينة وقرية شيعية. وأدت تلك المواجهة الى سقوط عدد من القتلى والجرحى كما اعتقل العشرات.
ادت تلك المواجهة الى اطلاق حراك سياسي نشط بين الشيعة السعوديين ، يميل في العموم الى معارضة الحكومة. وفي الشهور التالية انتقل عدد من المحتجين الى العاصمة الايرانية حيث اعلنوا من هناك ولادة اول تنظيم سياسي ديني في المنطقة[5].
لم يخف الشيعة السعوديون تعاطفهم مع ثورة ايران منذ انفجارها وحتى انتصارها. كما لم يخفوا معارضتهم لموقف الحكومة السعودية المؤيد للعراق خلال حربه ضد ايران. وحين برز حزب الله  على الساحة اللبنانية ، لا سيما بعد انتصاره على الاسرائيليين في يوليو 2006 ، تعاطف الشيعة معه بشكل كبير وعلني.
رغم ان التعارض بين الشيعة السعوديين وحكومتهم يرجع الى سنوات طويلة قبل ثورة ايران ، الا انه تفاقم وتعمق بعد العام 1979. وساهم كلا الطرفين في تعميق الفجوة وصب الزيت على النار. قلق الحكومة من تاثير الايرانيين على الساحة المحلية جعلها اكثر ارتيابا وحساسية تجاه التعاطف الشيعي مع طهران[6] ، وشعور الشيعة بالاذلال دفعهم اكثر فاكثر للاستفادة من الوضع الايراني الجديد. وخلال العقد التالي لانتصار الثورة ، سار الطرفان في اتجاهين متعاكسين: ضيقت الحكومة على رجال الدين الشيعة فهاجر العديد منهم الى مدينة قم الايرانية لمواصلة دراساتهم الدينية ، وتم فصل المئات من اعمالهم ، فاتجهوا نحو المجموعات السياسية المعارضة ، وكلما مال طرف الى التشدد ، برز مثيل له في الطرف الاخر. وفي العام 1987 اعلن عدد من رجال الدين الشباب اقامة تنظيم جديد يحمل اسم "حزب الله- الحجاز" يتبنى ذات الايديولوجيا السياسية المعلنة في ايران. وفي السنوات التالية اتهم الحزب بالوقوف وراء هجمات مسلحة على منشآت حيوية في المملكة ، قيل انها نسقت من جانب جهات ايرانية[7] ، لعل ابرزها الهجوم على مبنى يسكنه مستشارون عسكريون امريكيون في 25 يونيو 1996 ، وقتل فيه 16 شخصا. رغم ان المعلومات بشأن هذا الحادث لاتزال ضئيلة ، ورغم اعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته عنه، الا ان الحكومة السعودية اعتبرت ان مجموعة شيعية موالية مرتبطة بايران هي التي تقف وراءه[8].
تعاطف الشيعة السعوديين مع الثورة الاسلامية ، ثم مع حزب الله- لبنان ، وظهور تنظيمات دينية معارضة في اوساطهم ، عزز ارتياب قادة الدولة في ولائهم للحكومة . وقد سمعت شخصيا هذا الراي في مناسبات عديدة ، صراحة او تلميحا. وهو يطلق في صيغة اتهام ، او تقرير لما يعتبرونه حقيقة ثابتة. لكنه في كل الاحوال لم يطرح لنقاش صريح مع زعماء الشيعة ومثقفيهم. على اي حال فانه من السذاجة بمكان اتخاذ ما عرضناه سابقا كدليل على انخراط الشيعة – كمجتمع – في مشروع ايراني او تبنيهم لاجندة خارجية يمكن ان يتهموا – بناء عليها – بعيب في ولائهم للوطن. يقول الشيعة صراحة ان معارضة الحكومة لا تعيب الولاء للوطن. ولو صح الربط بين الاثنين لامكن وصف كل معارض سياسي في اي بقعة من الارض بانه خائن لوطنه. والحق اننا بحاجة الى فهم اعمق لمسألة التفاعل والتاثير المتبادل بين المجتمعات في هذا العصر ، كي نميز بين ما يمكن وصفه بتطور تطبيعي وما يمكن تفسيره كانخراط مقصود في مشروع خارجي.
التطور الهائل لوسائل الاتصال ونقل المعلومات في هذا العصر قوض الحدود التي كانت فيما مضى تفصل بين المجتمعات وتقسم العالم. حين تطالع في هذه الايام تغطية القنوات التلفزيونية ولا سيما "قناة الجزيرة" لثورة الشباب في المجتمعات العربية ، سوف تدرك ان الحدود بين الدول لم تعد ذات معنى ، وان الحكومات الوطنية وشبكاتها الاعلامية والتعليمية  لم تعد موجها وحيدا للراي العام في بلادها. لا يستطيع احد وقف تاثير الخارج على الداخل ولا وقف تاثير الداخل على الخارج . من يريد حقا وقف هذا التفاعل ، فعليه اولا ان يوقف شبكات الاتصال وان يصادر اجهزة الراديو والتلفزيون والتلفون والكمبيوتر ، فلعله يبعث شيئا من الحياة في الحدود القديمة. لكننا نعلم ان هذا هو رابع المستحيلات في يومنا الحاضر.
لا يختلف اثنان في ان المملكة ، مثل سائر بلاد  العالم ، تتعرض دائما لتاثير التيارات السياسية والثقافية والاقتصادية الجارية في محيطها الاقليمي وفي العالم. شيعة السعودية ، مثل غيرهم من السعوديين ، ومثل سائر خلق الله ، يتأثرون بالتحولات التي تجري حولهم ، سواء في المحيط الاقليمي او في العالم. من المتوقع بطبيعة الحال ان يظهر الاهتمام وربما التعاطف حين تجري تلك التحولات في مجتمعات تربطها بهم  صلات خاصة مثل وحدة المذهب.
منذ ستينات القرن العشرين على الاقل ، كان "الخارج" مصدرا لقلق السياسيين السعوديين. ولهذا اتخذت الكثير من الاجراءات الامنية المتشددة بهدف عزل الداخل عن تاثيرات الخارج ، من بينها منع المعارضين السياسيين من السفر ، المراقبة المشددة على دخول الكتب والمطبوعات على الحدود ، اعتبار الاتصال بالسفارات الاجنبية ، ونقد السياسات الحكومية في الصحافة الاجنبية جرما يعاقب عليه المواطن... الخ. بعض السياسيين لا يعتقد او لا يريد الاقرار بان "داخل" المملكة ينطوي على مصادر توتر واثارة ، او ان الشعب السعودي مثل غيره قد تتبلور لديه ميول متعارضة مع السياسات الرسمية . ولهذا تجد كثيرا منهم يركزون في تصريحاتهم على ان ما يحدث من سوءات في داخل البلاد ، سواء تمثل في خروج على الاداب العامة او تبن لاراء وافكار غير تقليدية او تمرد على النظام السياسي ، هو ثمرة لتاثير الخارج او "وليد حراك مستورد" – حسب تعبير وزير الخارجية سعود الفيصل-[9].
اني لا اشك ابدا في ان الكثير من التحولات التي جرت في المملكة ، في جهاز الحكومة او في المجتمع ، كان ثمرة للاتصال بالخارج والتفاعل الايجابي معه . لكن اطلاق القول على هذا النحو ينطوي على تسطيح للمسألة. قد نتحدث عن تفاعل بين الناس ، تتغير بسببه اراؤهم ومواقفهم وطريقة حياتهم. وقد نتحدث عن "اجندة" داخلية او خارجية يتبناها اشخاص محددون وتستهدف توجيه التحولات في مسار معين سلفا. لا بد من التمييز بين المسارين ، لان المسار الاول يكون في العادة عاما واسعا يشترك فيه جيل باكمله ويكون "اهل الداخل" هم القوة المحركة له . اما المسار الثاني فيقتصر على عدد محدد ، قد يكون صغيرا او كبيرا ، ويكون "اهل الخارج" هم القوة المحركة له.
اعتقد ان تفكير النخبة السعودية وقادة الحكومة في المسألة مشوب بخلط شديد بين المسارين ، فهم ينظرون الى المسار الاول ، فيعتقدون انه هو المسار الثاني[10]. ليس من شك ان هناك – في الخارج او في الداخل- من يسعى لاحداث تحولات في السياسة والمجتمع السعودي ، لا ترضي بطبيعة الحال النظام السياسي والنخبة. لكن لم يثبت ابدا ، خلال اي فترة من فترات التاريخ السعودي المعاصر ، ان انخرط المجتمع باكمله او شريحة كاملة منه ، في مخطط من هذا النوع. في العام 2002 اتهم وزير الداخلية "جماعة الاخوان المسلمين" بالمسؤولية عن العنف الديني الذي شهدته المملكة والعالم ، ولا سيما مشاركة العديد من السعوديين في احداث 11 سبتمبر المشهورة[11]. وقد تكرر هذا الاتهام لاحقا. كما ان مسؤولين ورجال دين يشيرون الى ما يصفونه بمخطط تغريبي تسانده الولايات المتحدة ويستهدف فك العلاقة بين الدين والدولة. لكن جميع هذه التفسيرات ليست بريئة ، بل تستهدف غالبا تنزيه الذات عن التقصير.
في هذا السياق يشعر عدد من قادة الدولة بالارتياب في ان الشيعة السعوديين منخرطون في "خطة" او "مؤامرة" ايرانية معادية للحكم. وبعضهم يقول صراحة ان الشيعة السعوديين ليسوا مخلصين في الولاء لوطنهم . ويستدلون على ذلك بتبعيتهم لمراجع الدين المقيمين في خارج المملكة ، وتاييدهم لنظام الحكم في ايران ، وتعاطفهم مع الاحزاب الدينية الشيعية ، لا سيما حزب الله اللبناني. ويقوم ناشطون في التيار السلفي التقليدي بتقديم معلومات وتحليلات للمسؤولين الحكوميين تؤيد هذا الراي. وثمة بين رجال الدين من يتبنى فعليا هذا الراي ويكرره ، وهو ما سنشير اليه في فصل لاحق. وتجد هذه الاراء اذنا صاغية لانها تخاطب قناعة قديمة محورها الارتياب في الاقلية والشك في نوايا المخالف. كما انها – من ناحية اخرى – تتناغم مع الميل الداخلي عند الانسان لتبرئة نفسه من القصور ونسبة اسباب التقصير الى الغير ، خاصة اذا كان هذا الغير غير محبوب او غير متعاطف.
علينا بطبيعة الحال ان نميز بين "حقيقة" ارتياب رجال الدولة في طبيعة العلاقة القائمة بين ايران والشيعة السعوديين من جهة ، وبين "الاستعمال السياسي" للفزاعة الايرانية والشيعية من جهة اخرى. لان الاولى تمثل مشكلة واقعية في علاقة الطرفين تحتاج بطبيعة الحال الى معالجة صريحة. اما الثانية فهي مجرد لعبة سياسية لا قيمة لها في المعادلة الواقعية ، رغم انها تستخدم في اوقات الازمة لغرض محدد هو تثبيط الدعوات المعادية للحكومة خارج المجتمع الشيعي . فهي اذن لا علاقة لها بشكل مباشر بالمسألة الشيعية.  ولعل ابرز الامثلة على الصورة الثانية هو تعامل رجال  الدين المقربين من الدولة ، والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية واجهزة الاعلام المحلية مع محاولات التظاهر التي دعي اليها في 11 مارس 2011 ، ضمن ما سمي بثورة حنين. رغم ان الدعوة لم تأت من الجانب الشيعي ، الا ان تلك الاجهزة ادارت عملا اعلاميا على مدار الساعة يستهدف اقناع الجمهور بان وراء الدعوة شيعة "رافضة" او "صفويون" تحركهم الحكومة الايرانية، وان قبول تلك الدعوة يعني الخضوع لقيادة "الرافضة" الموالين لايران[12]. نحن لا نعلق كبير اهتمام على هذا ، ونعتبره نوعا من الالاعيب السياسية قصيرة الامد، رغم ان حشر الشيعة في قضايا الصراع دون مبرر منطقي هو على اي حال امر غير مقبول ومثير للالم.
زبدة القول ان انتصار الثورة الاسلامية في ايران ادى نهوض سياسي بين شيعة العالم ، ومنهم شيعة المملكة. وتمثل هذا النهوض في حراك سياسي معارض للدولة ، لا سيما خلال عقد الثمانينات. وادى ذلك الى تعميق ارتياب قادة الدولة في ولاء مواطنيهم الشيعة. وكان هذا الارتياب ارضية لتبرير مواقف وسياسات حكومية متشددة تجاه الشيعة. هذا الارتياب انعكاس للصورة الذهنية للشيعة ، التي يحملها رجال الدولة والنخبة السعودية ، الدينية وغير الدينية ، تحملهم على الظن بان العلاقة بين المواطنين الشيعة وبين ايران هي امر طبيعي ، بل وضروري. ارى هذا التصور مغرقا في التبسيط بل السذاجة . لانه يغفل حقيقة التنوع القائم في المجتمع الشيعي. كما يغفل الوضع الطبيعي لاي شعب او جزء من شعب ، له مطالب محلية نابعة من همومه الخاصة وفهمه لظرفه السياسي او الاقتصادي. وهو يغفل ايضا الحدود الواقعية للتاثير الممكن للحكومة الايرانية او غيرها على الشيعة خارج حدودها. في المملكة العربية السعودية والخليج ، كما في كل بلد ، ثمة جماعات سياسية تطالب علنا بالعدالة الاجتماعية ، بعضها متعاطف مع ايران ، وبعضها لا يضع الوضع الايراني او السياسات الايرانية ضمن اهتماماته ، وبين هذا البعض من لديه تعارض ايديولوجي او سياسي مع الحكومة الايرانية[13]

سقوط البعث العراقي : اختلال موازين القوى

طبقا لولي نصر ، فان قرار الرئيس الامريكي السابق جورج بوش باجتياح العراق واسقاط حكومة صدام حسين ، قد "ساعد في اطلاق نهوض شيعي واسع النطاق ، سوف يخلخل التوازن الطائفي في العراق والشرق الاوسط لسنوات"[14]. اهتم المحللون الاجانب بالمعنى السياسي للنهوض الشيعي. اما في العالم العربي فقد اختلط السياسي بالديني على نحو غريب. من المهم العودة تكرارا لفهم الفارق بين المعنيين. حين تنظر الى نهوض سياسي فانت تتحدث عن تغير في موازين القوى ، قابل للتحديد والمعالجة بالادوات السياسية ، مثل اعادة  صوغ العلاقة بين الدولة والقوة حديثة النهوض. في الحد الاقصى لا يتطلب الامر اكثر من ادماجها في النظام السياسي او زيادة حصتها في السياسة. وهذا امر يستطيع معظم القادة السياسيون انجازه دون مجازفة كبيرة.
عندما تنظر الى نهوض "ديني" فانت تتحدث عن اختلال في مصادر الشرعية السياسية ضمن البيئة الخاصة بالنظام السياسي. تجلى هذا البعد خصوصا في الكلام الكثير بين السياسيين والنخب – ولا سيما النخب الدينية العربية – عما اسموه بمخططات "تشييع" ، اي اختراقات "شيعية" للوسط "السني". من المفهوم ان الحكومات العربية جميعا ، حتى العلمانية والمعادية للدين منها ، تعتمد على الخطاب الديني كوسيلة لتعزيز شرعيتها ، وتأمين تواصل لين بينها وبين المجتمع. كمثال على ذلك فان الحكومة المغربية التي تعد علمانية ، اعلنت في مارس 2009 قطع علاقاتها مع ايران ، بسبب ما وصفته بنشاطات ايرانية ، يستهدف ابرزها "الاساءة للمقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي". واتهمت الحكومة ايران بالعمل على تشييع مجموعة من المغاربة عن طريق الإغراء المالي، ونقلت صحيفة هسبرس ان "التشييع بالنسبة للعقلية المغربية يمثل خطرا مثله مثل التنصير أو حتى التشفيع والحنبلة نظرا لاعتزاز المغاربة بالمذهب المالكي واعتباره سمة مغربية خالصة يصل إلى درجة الدفاع عنه كالتراب الوطني"[15].
قبل ذلك ، في اكتوبر 2006 حذر رجل الدين السعودي سلمان العودة مما وصفه بتغلغل مخيف للشيعة في مجتمعات سنية ، وخص بالذكر سوريا ، قائلا أن شرارة التوتر الأولى بين السنة والشيعة كانت من العراق ، وأن التمدد الشيعي في الإطار السني هو لعب بالنار[16]. وفي سبتمبر 2008 شن الشيخ يوسف القرضاوي ، وهو واحد من اكثر رجال الدين تاثيرا في الحركة الدينية المعاصرة ، شن هجوما واسعا على ما اسماه بالتغلغل الشيعي في المجتمعات السنية قائلا ان الشيعة "يهيئون لذلك بما لديهم من ثروات بالمليارات". ووجهت هذه الدعوى بانتقادات بين النخبة المصرية[17].
فجر سقوط النظام العراقي شحنة قوية من الامل والفخر بين الشيعة العرب، والسعوديين خصوصا[18]، مثلما كان صدمة هائلة للنظام الاقليمي العربي ، وهو نظام طائفي ، حتى مع ادعاء العلمانية. وهذا من الامور الغريبة التي ربما لا تجدها خارج العالم العربي. فحزب البعث "العلماني ، القومي" عزز "طائفية" النظام السياسي العراقي وسنيته ، في الوقت الذي يشكل فيه العرب السنة اقل من ثلث السكان، مثلما فعل شقيقه البعث السوري الذي اقام هو الاخر نظاما طائفيا ، يحتكر مفاتيحه العسكر العلويون على حساب الاكثرية السنية التي تشكل اكثر من ثلثي المواطنين. شعر السياسيون العرب بان سقوط صدام حسين ، سوف يخلخل الاستقرار الشكلي للنظام العربي ، وسوف يعطي ايران بوابة جديدة ، عربية الاصل ، لترسيخ نفوذها الاقليمي ودورها في اي ترتيب جيواستراتيجي يتعلق بالشرق الاوسط. اما بالنسبة لرجال الدين والناشطين"السنة" فقد نظروا الى المسألة من زاوية اخرى ، هي احتمال اجتذاب القوة الشيعية الناهضة للجمهور السني. هذه المخاوف تعززت بفعل اربعة عوامل اضافية :
 الاول: صعود نجم المحافظين الايرانيين ، ولاسيما بعد انتخاب احمدي نجاد رئيسا للجمهورية في 2005. قدم نجاد صورة عن زعيم شاب قريب من عامة الناس ، يعيش حياة بسيطة ويتحدى في الوقت ذاته الارادة الغربية. تمسك ايران بمشروعها النووي في مواجهة التصعيد الغربي المتواصل ، قدم للعرب نموذجا عن دولة مجاورة تسعى لصنع قوة تتحدى القوة الاسرائيلية ، ولا تابه بالتهديد الغربي.
الثاني: نجاح حزب الله في هزيمة الجيش الاسرائيلي في صيف 2006 ، الذي ادى الى تحول الحزب وزعمائه ، لا سيما قائده "المعمم" الى رمز للامل والمستقبل العربي ، بالمقارنة مع حكومات مستسلمة للضغط الاجنبي ونخب دينية وغير دينية عاجزة عن المواجهة.
الثالث : تواصل الحملة السياسية ضد التيار الديني الحركي في المملكة العربية السعودية وتصفية مؤسساته ومصادر قوته. العامل الثاني عزز انكسار التيار الديني "السني" بينما عزز الانتصار على اسرائيل قوة ورمزية التيار الديني "الشيعي" ، المتمثل في حزب الله على الاقل.
الرابع: الضغط الشديد الذي مارسه زعماء دينيون وقبليون عراقيون ، والذي اثمر عن اقتناع عدد مؤثر من قادة المملكة والخليج بان الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة تتبنى استراتيجية لتصفية الوجود السني العربي. ويقال ان هيئة علماء العراق ولا سيما زعيمها الشيخ حارث الضاري كان لها السهم الاوفر من هذا الجهد ، فقد استثمرت كل فرصة ممكنة لنقل معلومات وتحليلات وشكاوى تصف في هذا الاتجاه[19].
في مثل هذا الوضع ، يجد السياسيون انفسهم في حاجة لتحديد موقعهم وموقفهم ، بالنظر لتاثير الجدل الدائر على التحالفات الداخلية والتوازنات السياسية على المستويين المحلي والاقليمي. بطبيعة الحال ، لم يكن متوقعا ان تجد النخبة السياسية السعودية ، مثل سائر النخب العربية ، نفسها في ذات الجانب الذي تقف فيه ايران. لم يكن الامر بحاجة الى قرار ، فالامور تسير في هذا الاتجاه بشكل شبه عفوي. تستمد الحكومة جانبا هاما من قوتها وشرعيتها من تاييد المؤسسة الدينية السلفية المعادية تاريخيا للشيعة ، والتي تتوقع من الحكومة موقفا يتناسب مع ما يعتبر تحديا شيعيا متصاعدا[20]. من هذه الزاوية فقد كان الكلام عن التبشير الشيعي والتمدد الايراني ضروريا ، للحكومات والنخب الدينية على حد سواء ، كي لا تفقد المبادرة ولا تتهم بالخنوع والاستسلام. تكمن المشكلة في ترك الامور دون تأمل عميق في عواقبها ومآلاتها. ذلك الكلام الذي يمكن ان يبدا دفاعيا او تبريريا ، وقد لا يستهدف اكثر من الاعتذار عن اتهام محتمل بالفشل ، اوجد حالة استقطاب شديد بين الشيعة والسنة ، فقد وجد الطرفان نفسيهما في موقع المستهدف والمظلوم من دون ذنب.
يمكن للنخبة السياسية ان تتخذ مثل الموقف السابق ، دون ان تسمح له بالانعكاس على علاقتها مع مواطنيها الشيعة. او يمكن لها ان تعتبر المسألة برمتها سياسية ولا علاقة لها بانتمائها المذهبي او انتماء مواطنيها ، او يمكن لها ان تتخذ خطوة اكثر تقدما بمناقشة الامر مع مواطنيها الشيعة لدعوتهم الى تجنب الانزلاق الى مواقف ذات طابع ديني او مذهبي متعارض مع مصالح البلد او سياساتها. في العموم هناك خيارات عديدة للتعامل مع المسألة. لكن الواقع الذي شهدناه هو غير ذلك.

الخلاصة

يمثل البعد الاقليمي عاملا مهما في التاثير على العلاقة القائمة بين الحكومة والشيعة السعوديين. استقلال المؤسسة الدينية الشيعية يمثل مصدرا للارتياب عند النخبة السياسية . كما ان رجوعهم في الامور الدينية الى فقهاء خارج البلاد يحيي ارتيابا تقليديا عند النخبة من دور الخارج وتاثيراته المحتملة . النهوض الشيعي الذي تجلى بعد الثورة الاسلامية في ايران ، واتسع بعد سقوط النظام البعثي في العراق ، زاد الطين بلة ، وعزز اختلاط المشاعر الدينية بالمخاوف السياسية. هذا وذاك كرس حالة الارتياب وعدم الثقة التي تطبع العلاقة بين الشيعة والحكومة. هناك بطبيعة الحال اتصالات كثيرة جرت وتجري دائما بغرض التفاهم وحل المشكلات التي تتفاقم بين حين واخر ، لكن الثقة الضرورية لتحويل الكلام إلى استراتيجية متكاملة لعلاج المشكل الشيعي ما زالت دون المستوى المطلوب ، إذا لم نقل انها مفقودة . توصلت الى هذا الانطباع بعد اخفاق العديد من المحاولات التي بدا ان الجميع متفق – في اول الامر على الاقل – على ضرورتها وامكانية تحويلها الى برنامج . اضافة الى هذا الانطباع الشخصي ، فقد سمعت هذا التفسير صراحة او ضمنيا من عدد من كبار المسؤولين الذين يتخذون القرار او يساهمون في صناعته.





[1] حول مبررات هذا القلق ، انظر
  Toby Jones, Embattled in Arabia, Shi‘is and the Politics of Confrontation in Saudi Arabia, Combating Terrorism Center at West Point, (June 2009), www.humansecuritygateway.com
[2] حفظ تراث الفقه الشيعي خلال الحقبة الصفوية جدلا فقهيا عنيفا سببه قبول الشيخ علي الكركي ، احد مجتهدي تلك الحقبة ، منحة مالية من الملك الصفوي. وكتب معها وضدها اربع رسائل فقهية على الاقل. انظر : محمود البستاني (محرر) الخراجيات. مؤسسة النشر الاسلامي ، قم 1992
[3] اسلام اون لاين (3 سبتمبر 2007) www.islamonline.net
[4] لبعض التفاصيل، انظر منصور النقيدان: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. نقاش لا ينتهي 
www.montdiatna.com:8686/forum/showthread.php?t=37898
[5] لتحليل محايد حول انتفاضة 1400 (1979) ، انظر  Laurence Louėr, Transnational Shia politics: religious and political networks in the Gulf, p. 161
لتحليل حول خلفية الانتفاضة ، انظر:  Toby Craig Jones, Desert Kingdom: How Oil and Water Forged Modern Saudi Arabia, (Cambridge: Harvard University Press, 2010)  سيما الفصل السادس ص.ص. 179-216
[6]  Toby Jones, Embattled in Arabia, op. cit., p. 11
[7]  لتفاصيل اخرى حول حزب الله الحجاز ، انظر      Toby Matthiesen, Hizbullah al-Hijaz: A History of The Most Radical Saudi Shi‘a Opposition Group, Middle East Journal, Vol. 64,No. 2, Spring 2010, PP. 179-197
[8]   Toby Jones, Embattled in Arabia, op. cit., p.7
[9] عكاظ 11 فبراير 2011
[10] انظر مثلا حديث الامير نايف بن عبد العزيز ، النائب الثاني لرئيس الوزراء لوفد صحافي كويتي . جريدة السياسة 1 فبراير 2011
[11] الامير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي ، حديث لجريدة السياسة الكويتية 23  نوفمبر 2002
[12] انظر مثلا تقرير سعيد ال ثابت الذي يتحدث عن خطب جمعة وبرامج تلفزيونية حول الموضوع . شبكة لجينيات  )26 مارس 2011) http://www.lojainiat.com/index.cfm?do=cms.author&authorid=991
انظر ايضا حديث القاضي سلطان البصيري الذي يتهم  "الرافضة" وايران بالوقوف مع التحركات النسائية في المملكة. جريدة سبق (26 مايو 2011) http://www.sabq.org/sabq/user/news.do?section=5&id=24678
[13]Laurence Louër, ‘The Limits of Iranian Influence Among Gulf Shi`a’, CTC Sentinel, V.2. no.5 (May 2009). www.ctc.usma.edu/posts/the-limits-of-iranian-influence-among-gulf-shia
[14] NASR Vali, ‘When the Shiites Rise’, Foreign Affairs, July- Aug.,2006, http://www.foreignaffairs.com/articles/61733/vali-nasr/when-the-shiites-rise
لمعلومات اضافية عن المسالة الشيعية في العراق انظر : فرانسوا تويال: الشيعة في العالم، ترجمة نسيب عون ، دار الفارابي(بيروت 2007)، ص 111
[15] صحيفة هسبرس الالكترونية ، 7-3-2009. http://hespress.com/permalink/11481.html
[16] برنامج الحياة كلمة ، تلفزيون MBC ، 22 اكتوبر 2006.
حول دعوى انتشار التشيع في المجتمع السوري ، انظر :    Khalid Sindawi,  Shi'sm and Conversion to Shi'ism in Syria: Prevalence, Circumstances and Causes, Interdisciplinary Center (IDC) Herzliya 2008. http://www.herzliyaconference.org/_Uploads/2904Khalid.pdf
[18]Joshua Teitelbaum, ‘The Shiites of Saudi Arabia’, in Current Trends in Islamist Ideology, (Hudson Institute 2010), V. 10, pp.71-86, p.78, www.currenttrends.org/docLib/201009291_ct10.pdf  
[19] خلال العامين 2008 و2009 اخبرني ثلاثة من رجال الدين المقربين من دوائر الحكم في المملكة بانهم مقتنعون تماما بالمعلومات التي نقلها الشيخ حارث الضاري ، وانهم شاركوا او علموا بجهود بذلت لترتيب لقاءات بينه وبين رجال سياسة في اعلى الهرم ومستشارين مؤثرين. وقال احدهم ان معظم اللوم يقع على رئيس الحكومة نوري المالكي الذي يعتقدون انه منغمس في مخطط شيعي ايراني معاد للسنة.
[20] Joshua Teitelbaum,  op. cit., p. 76 

المساواة بين الخلق ... المساواة في ماذا ؟

هذا المقال موجه لأولئك الذين يعارضون المساواة بين المواطنين ، والمساواة بين الرجال والنساء. وهو يستهدف توضيح موضوع النقاش وتفصيح اسئلته. ...