‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدين. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 20 مايو 2014

حلاق المؤمنين


استذكر احيانا "حلاق المؤمنين" الذي كنت امر به يوميا في طريقي الى المدرسة. وكان الحلاق المفضل للمشايخ. واشتهر بانه لا يحلق لحية ولا يستقبل حليقي اللحى. وفي تلك الايام كان العرف الجاري بين المشايخ ومن حولهم ، يعتبر حليق اللحية فاسقا. والفسق وصف يطلق في العرف الخاص كمقابل للايمان. وكان مما درسته ايام الصبا ان "كاشف الرأس" قد يلحق بالفاسق ، فلا يؤم الجماعة ولا تقبل شهادته ، ومثله من يأكل في الطريق ، لانه يعتبر ناقص المروءة. وسمعت قبل مدة ان بعض القضاة لا يقبل شهادة او تزكية ممن لا يغطي رأسه.
هذه بالتأكيد مسائل فرعية وصغيرة جدا. لكنها – وكثير من امثالها – تحولت عند بعض الناس ، في بعض الاوقات على الاقل ، الى صراط مستقيم ، او ربما حدا فاصلا بين الكفر والايمان. وحين يمر الزمن ويستذكر الناس المعارك التي اثارتها هذه المسائل ، يأسفون على الوقت الذي انفقوه فيها ، والعداوات التي اكتسبوها من ورائها ، ثم يسخرون من انفسهم او يسخرون من زمنهم.
بعد عشرين عاما من الان سوف نستذكر – على سبيل التلطف – عدد المحرمات التي اصبحت حلالا ، مثلما نستذكر اليوم فتاوى تحريم ركوب الدراجة واكل الروبيان والعمل في البنوك والجمارك وجوال الكاميرا وتحية العلم وكثير من امثالها.
التوسع في التحريم ظاهرة معروفة في المجتمعات التقليدية. فهو احد السمات الرئيسية لثقافتها التي تتسم بميل حمائي ، يتمظهر غالبا على شكل  مبالغة في اصطناع خطوط دفاع عما يعتبرونه جوهريا او ضروريا. وهذا هو السبب الذي يحملهم على الباس التقاليد ثيابا دينية او التعامل معها كأخلاقيات مرتبطة بالدين.
بعبارة اخرى فلسنا ازاء سلوك ديني ، بل ميول اجتماعية تلبس رداء الدين. ومن هنا فليس معيبا ان يقف فقيه ليقول انه قد تراجع عن رأي او فتوى سابقة له ، لان علمه اتسع ، او لأن الفهم العام والعرف الاجتماعي تغير. كما انه ليس مطالبا بالاعتذار لمن اخذوا برأيه السابق ، فقد فعلوه باختيارهم ، وكانوا – مثل ما هم اليوم – عقلاء ومسؤولين عن خياراتهم الخاصة.
ليست هذه مشكلة على اي حال. المشكلة هي قسر الناس على رأي او فتوى ، نعلم – اجمالا – انها قابلة للتغيير. هذا القسر قد يكون مخصصا حين تتبناه جهة حكومية مثل الوزارات او هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد يكون عاما حين يوصف معارضو ذلك الرأي بانهم فسقة او ملحدون او معادون للدين ، وامثال تلك الاوصاف الفارغة.
زبدة القول انه ليس من الحكمة قسر الناس على اتباع الفتوى ، سيما في مواضع الاختلاف. خير للدين ان  يتبع الناس تعاليمه وهم في راحة ويسر ورغبة ، بدل ان يتبعوها مضطرين كارهين او مستثقلين.

 الاقتصادية 20 مايو 2014
مقالات ذات علاقة


الخميس، 9 ديسمبر 2010

جدالات تجاوزها الزمن


المجتمع مشغول هذه الايام بالجدل حول الاختلاط وعمل المرأة وحق العلماء في الفتوى العامة واشباهها من الموضوعات التي تجاوزها الزمن واصبحت - بالنسبة لمعظم المجتمعات الاخرى - ذكريات يهتم بها المؤرخون.

 المؤكد ان مثل هذه النقاشات الغريبة سوف تستمر، وربما ستأتي موضوعات مختلفة لكنها تشرب من نفس المورد. الامر ليس جديدا تماما، فمثل هذا الجدل مستمر منذ العام 2002 وحتى اليوم، لاننا لم نستطع الانتقال الى المرحلة التالية، اي الخروج بنتيجة والبدء بنقاش أعلى مرتبة او اكثر عمقًا.
ظاهر هذه النقاشات اجتماعي، فهي تدور حول الحريات الفردية. لكنها تنطوي على مضمون مكتوم لا يصرح به معظم المشاركين، ألا وهو الحقوق المدنية والسياسية والمشاركة في الشأن العام. السبب في اظهار الوجه الاول واخفاء الثاني هو التوازنات السياسية. يدور الجدل الراهن بين الصحافة ذات الميول الليبرالية وبين بعض رجال الدين ذوي الميول التقليدية سواء في المؤسسة الدينية او خارجها.

 ويبدو ان هؤلاء قد غفلوا عن الجوهر المستور للجدل وانشغلوا بظاهره، فانخرطوا في صراع عنيف ضد الداعين الى تمكين المرأة من حقوقها الاولية مثل التملك والعمل. المؤسف ان التيار الديني يقع في مثل هذا الفهم الملتبس تكرارا، فيضع نفسه في موضع المدافع عن الظلم والتمييز، بدل ان يقدم بدائل وطروحات جديدة تستلهم روح الدين وتنسجم في الوقت نفسه مع معطيات العصر وضروراته.

يتحدث الداعون الى تمكين المرأة عن حقوق الانسان والمشاركة المتساوية في الشأن العام ومحاربة الفقر، بينما تقتصر جدالات الناشطين في التيار الديني التقليدي على التحذير من الفتنة والموجة التغريبية وتدعو الى المحافظة على الاعراف السائدة باعتبارها خط الدفاع عن الدين وسلامة المجتمع.

نحن مشغولون بهذه النقاشات لاننا عاجزون عن صوغ نظام قيمي جديد يرسي اجماعا وطنيا بديلا عن ذلك الذي اطاحت به رياح التحديث. صحيح ان مجتمعنا لم ينتقل تماما الى عصر الحداثة، وصحيح ان كثيرا منا لا يزال سجين التقاليد الموروثة التي لم تعد مفيدة في يومنا الحاضر، لكن الصحيح ايضا ان موجات التحديث التي جاءت في ركاب الاقتصاد والاعلام الجديد ونظم التواصل الجمعي العابرة للحدود قد شقت المجتمع الى قسمين: قسم يشعر بالخسارة لانه مرتبط بنظام مصالح قائم او موروث، وقسم يسعى لحجز مكانه ودوره في نظام مصالح جديد، وهو غير عابئ بما يترتب على اولئك من خسائر.

المثل العربي المشهور «لكل زمان دولة ورجال» هو وصف مكثف لانعكاس التحولات الاجتماعية على الناس وادوارهم ومصالحهم، وما يترتب عليها من روابط وعلائق بينهم. تلك التحولات قد تكون واسعة وعميقة واحيانا مدمرة اذا جرت في مجتمع ينكر التغيير ويقاومه، بينما تكون لينة وسلسة، بل وقليلة الخسائر اذا جرت في مجتمع منفتح ومستعد لتقبل التغيرات والتحولات.

 تنتمي مجتمعات الخليج الى الصنف الاول، ولهذا فهي تجد التحول مفاجئا ومدهشا، وتجد نفسها عاجزة عن استيعابه وتسكينه ضمن اطاراتها الاعتيادية، بل وتشعر بالعجز عن ابتكار اطارات جديدة. التغيير هو سمة التاريخ وهو سنة الله. من المستحيل تلافيه ومن المستحيل اتقاؤه او الخلاص من انعكاساته. في الماضي كان يأتي بطيئا وتدريجيا، اما اليوم فهو سريع وواسع وانقلابي، ولهذا السبب فانه يثير من الجدل والخلاف اضعاف ما اعتاد عليه المجتمع في عصوره السابقة.

حين تأتي الموجة فانها تكشف عن شيء وتخفي اشياء اخرى. العاقل من يتأمل في المضمر ولا ينشغل بالظاهر. العاقل من يفهم الاسباب التي تجعل التغيير قدرا فيسعى لاستيعابه وتوجيهه بدل ان ينفق جهده في محاربة الظواهر والتعبيرات مهما كانت مؤلمة او بغيضة. العاقل هو الذي ينظر الى التحولات الاجتماعية كفرص يمكن اغتنامها واستثمارها والبناء عليها، بدل ان ينظر اليها كتهديد او عدوان. حري بالمجتمع الديني ان يفكر في ركوب موجة التغيير واعادة انتاج عناصرها في خطاب جديد يستلهم روح الدين وشروط العصر وحاجات البيئة الاجتماعية ومتطلبات المستقبل، فهذا هو الآتي. اما الماضي فهو حياة افلة، ماتت فعليا او هي على وشك الموت.

  « صحيفة الأيام البحرينية » - 9 / 12 / 2010م 

السبت، 24 يوليو 2004

تأملات في حدود الديني والعرفي/العلماني

ربما يكون كتاب "الاسلام واصول الحكم" للمرحوم علي عبد الرازق هو اكثر الكتب التي تذكر في الجدل حول العلاقة بين الاسلام والسياسة, رغم انه لم يكن اول من عالج المسالة. ولعل المجابهة الحادة التي ووجه بها الكتاب ومؤلفه تعود الى ظهوره في ظرف ازمة, الامر الذي جعله بالضرورة محشورا في وسط تجاذبات تلك الازمة. وبالتالي فان قيمته العلمية لم يجر اختبارها ضمن اطاره الخاص كعمل علمي. ومن المؤسف ان ابرز الاراء المتعلقة بدور الدين في الحياة العامة قد ظهرت - كما لاحظ رضوان السيد ايضا - في ظروف ازمة, وكانت بصورة او باخرى اقرب الى التساؤل عما اذا كان لمعرفتنا الدينية دور سببي او نسبة من نوع ما الى تلك الازمة.

كون الازمات مولدة للاسئلة هو امر طبيعي تماما, فهي تدل على وجود قدرة نفسية وثقافية لممارسة النقد الذاتي, لكني عبرت عن الاسف لان الوضع الطبيعي هو ان لا يقتصر التفكير في مكونات الثقافة وادوات توليد المفاهيم والنطاقات المرجعية لقيم العمل, على اوقات محددة سواء كانت اوقات رخاء او اوقات شدة. الثقافة مثل الخبز, اذا توقف انتاجه فلا بد ان يصاب المجتمع بالهزال الذهني كما يضعف الجسد اذا حرم الغذاء.
قبل عبد الرازق عالج الموضوع الفيلسوف الاندلسي ابن رشد في كتابه المعروف فصل المقال. ويتشابه العملان في تحديد الاشكالية, فكلاهما حاول تشخيص المساحة التي تخضع لتكييف الاحكام الدينية بالضرورة, وتلك التي تخضع لتكييف العرف بالضرورة. 

كلا العالمين اذن كان يهتم بتحديد المعايير, أي الاجابة على سؤال : ماذا يصح وماذا لا يصح. ومن هذه الزاوية فهما يختلفان جوهريا عن معالجة العلامة ابن خلدون الذي حاول في كتابه ''المقدمة'' وضع توصيف سلوكي لكل من البعد الديني والبعد العرفي في الظاهرة الاجتماعية الواحدة, لا سيما في صعود وسقوط القوى السياسية.
لم يهتم ابن خلدون كثيرا بتقييم صحة او سقم المقولات التي تجادل حول دور الدين او العرف. بل حاول من خلال وصف الحراك الاجتماعي والسياسي ان يقدم تفسيرا عقليا لحدود فاعلية الدين من ناحية والعرف من ناحية اخرى في تكوين الظاهرة وتطورها. وقد التفت بصورة خاصة الى الفارق الدقيق بين الحراك الذي طبيعته دينية وذلك الذي طبيعته عرفية تلبس لباس الدين. واظن ان ابن خلدون قد سبق جان جاك روسو في الاشارة الى تحولات الفكرة الدينية لدى ارتدائها ثياب الحركة الاجتماعية ولا سيما ظهور ما سماه الاخير بالدين المدني.
يبدو اذن ان المفكرين الثلاثة كانوا مهمومين بتحديد الخط المائز بين الدائرة الدينية والدائرة العرفية او - على سبيل الاجمال - غير الدينية. لكن مقاربة الاولين كانت مقاربة تقييم بينما اتخذ الثالث مقاربة تحليلية وتفسيرية.
ويظهر لي ان التفكير في هذا الموضوع لا زال ابتدائيا, فعلى خلاف ما يظن كثيرون فان الاعمال العلمية التي كتبها مسلمون في هذه المسالة لا زالت قليلة, وهي مهمومة الى حد كبير بالتوصل الى احكام اكثر من اهتمامها بوصف حركة التفارق والتلاقي بين الديني والعرفي في داخل الظاهرة الاجتماعية الواحدة, كما فعل ابن خلدون في الماضي. بطبيعة الحال فالادوات الجديدة التي توفرت في نطاق العلوم الانسانية تقدم امكانات مراقبة وتفسير للظواهر ادق مما توفر لابن خلدون في عصره.
يمكن فهم حركة التلاقي او التفارق بين الديني والعرفي ضمن سياقين : الاول هو التمايز بين الديني - او العرفي - كايديولوجيا وفلسفة من جهة. أو كمسار تحول من المطلق الى المحدد. نحن نفهم مثلا ان تحويل الاحكام الشرعية الى قانون رسمي يؤدي بالضرورة الى نقلها - فلسفيا ومفهوميا - من دائرة الدين الى دائرة العرف. 

اما السياق الثاني فهو سياق التفارق الناتج عن ظهور استقلالية كل واحد من النطاقات التي جرت العادة على اعتبارها مختلطة او مشتركة, مثل نطاق الدين, نطاق الفلسفة, نطاق الفن والادب, نطاق السياسة, نطاق العلم. الخ. كل من هذه النطاقات مستقلة موضوعيا, لكنها - ضمن بعض الظروف على الاقل - تبدو متشابكة مع الدين. ان اكتشاف استقلالها لا بد ان ينعكس على تصنيفها ضمن الدائرة الدينية او تحويلها نحو الدائرة العرفية. 

http://www.okaz.com.sa/okaz/Data/2004/7/24/Art_128685.XML
عكاظ  24/7/2004 م العـدد : 1133         

مقالات  ذات علاقة
-------------------


            

السبت، 7 فبراير 2004

جدل الدين والدولة في ايران


  

اذ نظرنا الى الجدل الدائر بين المحافظين والاصلاحيين في ايران من خارج اطاره ، فهو مجرد صراع سياسي يرتبط بالسمات الخاصة للمجتمع والنظام السياسي في هذا البلد . لكن اذا نظرنا الى المكونات الاولية لهذا الجدل ، ولا سيما المقدمات التي اوصلت اليه ، فهو نموذج قابل للمقارنة بنظائر له في مختلف البلدان الاسلامية. من هذا المنظور ، فهو صراع بين القوة السائدة ، او ما يعرف في الادبيات السياسية بالمؤسسة ، وبين تيار يسعى للتغيير، وحينئذ فان كلا من الطرفين هو عنوان لقوة اجتماعية تتبنى منظومة خاصة من المفاهيم والاهداف ، تتعارض جوهريا مع الاخرى.

يتبنى المحافظون فكرة الدولة الدينية المثالية ، ويجادلون بان تطبيق الشريعة في مداه الاقصى يتطلب تدخلا واسعا  من جانب الدولة في حياة الناس . وهذا يترجم عمليا في سيطرة الدولة على وسائل الاعلام ، ومراقبة المطبوعات غير الحكومية ، وفرض معايير خاصة للسلوك الاجتماعي. على المستوى الاقتصادي يسعى المحافظون الى اقتصاد حر تتحكم فيه اليات السوق. ولمعالجة التناقض الظاهر بين فكرة تدخل الدولة سياسيا واجتماعيا وانكماشها على المستوى الاقتصادي ، اقترح محمد جواد لاريجاني ، وهو احد منظري التيار المحافظ ، احتذاء النموذج الصيني. لقد نجحت الصين ، التي اتبعت نظاما يجمع بين التخطيط المركزي وتحرير الاستثمار ، في تحقيق معدلات نمو اقتصادي كبيرة ومنتظمة طوال اكثر من عقد من الزمن ، بلغت احيانا سبعة في المائة ولم تنخفض ابدا عن اربعة في المائة ، في مقابل معدل نمو يدور حول الواحد في المائة في معظم الاقطار الغربية. والاشارة بالطبع هنا الى ان النمو المنتظم في الصين لم يتلازم مع تنمية سياسية موازية ، فلا زالت الصين دولة غير ديمقراطية ولا زالت حقوق الانسان فيها دون الحد الادنى المتعارف في العالم .

يتبنى الاصلاحيون في المقابل نموذج الديمقراطية الليبرالية باعتباره الصورة الامثل لدولة حديثة. وطبقا لآية الله شبستري وهو احد المنظرين الاصلاحيين البارزين ، فان هذا النموذج هو الوحيد الذي يسمح بتحقيق ابرز اهداف الشريعة الاسلامية ، اي كرامة الانسان وانبعاث العقل. وهو يرى ان تحرير ارادة الانسان هو السبيل الوحيد لاقامة مجتمع رشيد ، وتحرير العقل هو السبيل للنهوض العلمي الضروري لاستثمار الامكانات المادية والطبيعية التي لا تستغل فعلا على افضل الوجوه.

 ويريد الاصلاحيون تخصيص الاعلام الحكومي والغاء الرقابة على المطبوعات بشكل كامل. كما يدعون الى دولة صغيرة يقتصر تدخلها في المجتمع على الحد الادنى . وفي رأيهم ان التدين والسلوك الاجتماعي بشكل عام ، ليست من مهمات الدولة ولا اشغالها ، بل ان التدخل في مثل هذه الامور يتناقض نظريا وسياسيا مع فكرة التكامل بين السلطة السياسية والمجتمع التي هي الاساس في نظرية الدولة الحديثة.

على المستوى الاقتصادي لا يختلف الاصلاحيون كثيرا عن منافسيهم المحافظين لكن الربط بين الحريات العامة ، سيادة القانون ، الانفتاح على العالم ، وحرية الاستثمار هو نقطة القوة التي تميز الخطاب الاصلاحي. وخلال السنوات الاربع الماضية حقق الاقتصاد الايراني معدل نمو منتظم ، زاد في العام المنصرم عن سبعة في المائة كما وفر نصف مليون وظيفة جديدة.

وكما هو واضح ، فان خلاف الطرفين يدور حول حدود تدخل الدولة ، ولا سيما علاقة الدين بالدولة . وفي هذا المجال بالخصوص ، فان جوهر الجدل يدور حول ما اذا كان للدولة الحق في اجبار المواطنين على الالتزام بطريقة معينة في التدين ام ترك الامر لهم . بكلمة اخرى ، فان المحافظين يدعون الى استخدام سلطة الدولة وامكاناتها في فرض خطاب ديني محدد ، بينما يرى الاصلاحيون ان المجتمع اقدر من الدولة على ادارة اموره الدينية والاخلاقية . الدولة – بكلمة اخرى – مسؤولة عن دنيا الناس ، اما دين الناس فالناس اولى به وهم المسؤولون عنه.

على المستوى النظري يبدو الامر بسيطا ، لكن على المستوى العملي، فان هذا الاختلاف يتناول حدود الدولة ومدى قانونية تدخلها في حياة الناس وسلوكهم ، وبالتالي حقها في استعمال القوة لفرض نموذج سلوكي معين ، وبهذا المعنى فان الخلاف يتناول فلسفة الدولة والاساس الذي تقوم عليه . المحافظون مع دولة فوق المجتمع وسيدة له ، بينما يدعو الاصلاحيون لدولة تستمد شرعيتها من المجتمع ، فهي خاضعة لارادته تابعة لتوجهاته.


Okaz ( Saturday 7 Feb 2004 ) - ISSUE NO 965

الثلاثاء، 18 مايو 1999

سر الاســرار



يقول المؤرخون ان الانسان القديم كان أسيرا للطبيعة ، ويحدثنا القرآن عن حالات أصبح فيها الانسان عبدا لهذه الطبيعة ، وهو ما ثبت لاحقا مع تقدم الكشوف الأثرية ، وتحول دراسة الاثار إلى علم قائم بذاته ، وفي قصة النبي إبراهيم عليه السلام ، ايحاء واضح بأن انسان العصور السابقة ، كان مجذوبا إلى القوى الهائلة التي يتوهم الحاجة اليها ، استجلابا للخير أو اتقاء للشر ، وفي قصة النبي يونس عليه السلام إشارات إلى طقوس التضحية بأحد ركاب السفينة ، إرضاء لما يظنونه إله البحر الغاضب ، وفي قصة موسى عليه السلام ، إشارة إلى علاقة العبادة والعبودية بحاجة البشر إلى الماء والخصب والنماء ، يقول القرآن حكاية عن فرعون (اليس لي ملك مصر وهذه الانهار) .
ومنذ ان وجد الانسان على هذه الارض ، وحتى فترات متأخرة ، كان نهبا لعاملي جذب متعاكسين في الاتجاه ، عامل يدفعه لتسخير الطبيعة والسيطرة عليها ، من أجل الارتقاء بحياته ، وعامل يدفعه إلى الخضوع لقوى غير مرئية ومتوهمة ، باعتباره جزء من كون خاضع لتلك القوى ، فهو مجبور لها ، مضطر إلى مسايرتها وارضائها ، وقد ابتكر  الانسان فكرة اظهار الاحترام وتقديم القرابين ، وهي طريقة تجاري ما يتبع في ارضاء اقوياء البشر ، فهؤلاء أيضا يريدون الاحترام والقرابين ، لكي يرضوا على ضعفاء الناس فيكفوا الأذى عنهم .

ومع مرور الزمن وتشكل المجتمعات الحضرية أو شبه الحضرية ، دخل مفهوم العبادة وممارسة الطقوس الخاصة ، التي تستهدف ارضاء القوى الخفية (التي اصبحت في وقت لاحق تعتبر آلهة) كجزء من تشكيلة النظام الاجتماعي وجرى تنظيرها وتنسيجها في شبكة العلاقات الداخلية للمجتمع ومكونات هويته .

في المقابل تجلى العامل الاول في اجتهاد الانسان لتنظيم حياته والارتقاء بها ، وحظي بعض المجتمعات بنصيب وافر من التقدم المادي ، تدل عليه الكشوف الاثرية لشبكات الري المنظمة وهندسة البناء ، التي تستجيب لحاجات البيئة دون ان تضحي بالمتانة والجمال ، فضلا عن الطرق المدهشة لخزن الغذاء ، واستخراج الدواء من أعشاب الارض القليلة القيمة .
لكن رغم تقدم هذه المجتمعات ، فان انسانها بقي أسيرا لوهم القوى الخفية ، باختياره وقبوله في غالب الاحيان ، ولمسايرة النظام الاجتماعي في أحيان أخرى ، وفي حالات معينة كان هذا الاسر قسريا تحميه الانظمة السائدة والسلطان ، وقام فراعنة مصر ـ مثلا ـ بتطوير مفهوم العبودية ، بتحديده وصرفه إلى انفسهم ، فأصبح الانسان مضطرا إلى عبودية الآلهة المجهولة ، والتعبير عنها بالخضوع للفرعون المعلوم ، وهكذا تحول السلطان المادي البشري إلى تجسد للآلهة الخفية المتوهمة .

ومع ان الانسان قد ضرب أشواطا بعيدا في التقدم وتحرر العقل ، إلا ان أقواما كثيرة لا زالت تتعامل مع مفاهيم من هذه النوع باعتبارها مقبولة وطبيعية ، بل محبذة ، في اليابان مثلا كان الامبراطور يعتبر ابنا للاله الشمس ، وبقي هذا الاعتبار سائدا حتى نهاية الحرب الكونية الثانية ، وكان محرما على أي مواطن لمس الامبراطور باعتباره الها أو ابنا للاله ، وثمة أقوام لا زالت تنظر إلى الفيل والبقر والبركان وحتى الرموز الجنسية باعتبارها آلهة أو متعلقات للآلهة ، وهذا يشير إلى ان المسألة لا ترتبط بتقويم عقلي أو تحديد حسابي للفوائد والخسائر ، قدر ما ترتبط بحاجة هذه المجتمعات إلى رموز أو عناوين للحاجات ، بكلمة أخرى فان البقرة التي يعبدها الهندوس ، أو الفيل الذي يقدسه بعض البوذيين ، ليس عالما مفهوميا مستقلا ، بل هو عنوان أو رمز لعالم مفهومي آخر ، يتضمن معادلة للحاجات التي تولدها البيئة ، والحلول التي يقترحها المجتمع لسد تلك الحاجات ، ربما تكون هذه الحلول فعالة دائما ، وربما تكون فعالة في بعض الأحيان فحسب ، لكن وجودها يعالج القلق الانساني تجاه العجز عن الاستجابة الصحيحة لتحديات البيئة والزامات الحياة .

لو سالت اليوم هندوسيا عن فائدة البقرة له ، أو خطرها عليه  بشكل خاص ، ولو سالت يابانيا عن فائدة الشمس أو خطرها عليه ، فلعله لا يجد جوابا مقنعا ، لكن المسألة ليست محصورة في العلاقة الفردية ، والبقرة أو الشمس ليسا عالما مستقلا ، فاذا جردتهما عما يرمزان اليه ، فلن تكون الشمس سوى قطعة ملتهبة تنشر الضوء والدفء ، وهذا ما يمكن الحصول عليه من النار ، أو من مصابيح الزيت على سبيل المثال . البقرة والفيل والشمس ، هي رموز لعالم آخر ، غير العالم المادي .

البقرة والفيل والشمس من حيث هي كيانات مادية مستقلة ، تقابل حاجات الانسان المادية المستقلة ،  أي حاجته للدفء والركوب والطعام ، لكن من حيث هي رموز لعالم خفي ، فهي تقابل حاجات الانسان غير المادية وغير المحددة ، من قبيل الشعور بالضعف والضآلة  في عالم هائل العظمة والقوة ، والشعور بالعجز عن مسايرة هذا العالم وحل المشكلات الفردية ، والخوف من انعكاسات هذا العجز على سيرورة الحياة الخاصة ، انه قلق الوجود الذي رافق الانسان منذ أقدم الازمنة ، ولا زال ملتصقا به وان تحولت مصادره وأشكاله وسبل التعبير عنه ، نحن اليوم نتكلم عن السحر والجن واستحضار الارواح والمخلوقات الفضائية ، وهي كلها تعبيرات عن ذلك العالم نفسه ، ومحاولات للتوصل إلى حلول من خلال رموزه الخاصة ، بعيدا عن الحدود الصعبة لعناصر الحياة المادية .

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...