‏إظهار الرسائل ذات التسميات الانسان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الانسان. إظهار كافة الرسائل

15/01/2009

الحرية وحدودها القانونية


نشر في نشرة مساواة – يناير 2009

شغل تعريف مفهوم "الحرية" جانبا عظيما من اهتمام الباحثين في علم السياسة . ولعل اكثرها انتشارا هو تعريف توماس هوبز الذي يقرن الحرية بعدم التدخل . فقد رأى هوبز واتباعه ان جميع القوانين تمثل قيودا على حرية الفرد . فالقانون بطبيعته اما محدد لحركة الانسان بمعنى انه يفرض عليه السير في طريق معين ، او كابح له من السير بحسب رغبته وارادته الخاصة[1]. ومال الى نفس الفكرة الفيلسوف الانجليزي جيريمي بنثام في القرن التاسع عشر فقرر ان كل حرية تعطى لفرد تنطوي ضرورة على تقييد لحرية غيره ، حتى القانون الذي تسنه الحكومة لحماية ملكي هو قيد عليك كما ان القانون الذي يحميك هو قيد علي ، بل ان القانون الذي تسنه الحكومة لحماية حريتي هو بشكل او بآخر قيد علي لما ينطوي فيه من الزامات ذاتية او متقابلة [2]. خلاصة هذه الرؤية اذن ان الحرية الحقيقية تكمن في صمت القانون.

اما جان جاك روسو فقد قرر ان جميع الناس يولدون احرارا متساوين ، لكن على الانسان ان يتخلى عن حريته الطبيعية لصالح الحرية المدنية . حرية الانسان في الحالة الطبيعية تكمن في قوته الجسدية التي تمكنه من فعل ما يشاء ، والاكثر حرية هو الاكثر قوة والعكس بالعكس . اما في المجتمع المدني فان حقوق الانسان وحريته محمية بالقانون والسلطة التي تنفذه نيابة عن المجموع . بعبارة اخرى فان ما يخسره الفرد حين ينضم الى المجتمع المدني هو حريته في استعمال قوته الجسدية لممارسة حرياته الاخرى ، وما يربحه هو اعتراف المجتمع بحريته المدنية وملكية ما يحوزه باعتبارها حقوقا ثابتة لا تحتاج الى قوة فردية تحميها. وحسب روسو فانه لا فرق بين الحريتين الطبيعية والمدنية من حيث الجوهر والمحتوى، انما  تختلفان في الارضية التي تقوم عليها والحدود النهائية لكل منهما . من هنا قد يمكن القول ان الحرية المدنية هي ذاتها الحرية الطبيعية لكن مع تاطيرها وتحديدها بالارادة العامة المتمثلة في القانون.

يقوم هذا المفهوم على التمييز بين الحرية والقدرة . "انا قادر على" هي شيء مختلف عن " انا حر في". يستطيع الانسان فعل ما يشاء حين تغيب الموانع التي تحول بينه وبين مقصوده او تزاحم فعله فيه . وما دام الفرد يعيش مع الاخرين فان تلك الموانع حاضرة ، ان الظرف الوحيد الذي تغيب فيه الموانع والمزاحمات للحرية الفردية تماما هو ظرف العزلة ، اي حين يعيش الفرد وحيدا وبعيدا عن اي فرد آخر ، لان مفهوم الحرية لا يكون له موضوع الا حين يوجد آخرون تتزاحم اراداتهم مع ارادات الفرد .

نستطيع اذن التمييز بين حرية خارج المجتمع المدني وحرية في المجتمع المدني ، او حرية طبيعية وحرية مدنية ، وابرز سمات الاخيرة هي كونها مضمونة ومحمية بالقانون الذي يمثل اجماع الجماعة وارادتهم العامة حسب تفسير جون لوك.

ترى .. هل يعني هذا ان القانون هو الذي يمنح الحرية ؟. اذا كان الامر كذلك فان القانون (اي ارادة الجماعة) اعلى من الحرية الفردية ؟.
اشرنا سابقا الى تقسيم الفلاسفة للحقوق الفردية الى صنفين : صنف ثابت للانسان بالولادة وهو ما يسمى الحقوق الطبيعية ، وصنف يثبت له بمقتضى العقد الاجتماعي ، اي كونه عضوا في المجتمع المدني . مرجع الصنف الاول هو قانون الفطرة وهو اعلى من كل قانون يضعه البشر ، بل هو مرجع كل قانون بشري وحاكم عليه . الحقوق الطبيعية - تبعا لهذا المبدأ - فوق القوانين الوضعية وحاكمة عليها ، بمعنى انه لا يجوز للمجتمع او الدولة اصدار قانون يخرق حقوق الافراد الطبيعية لانها جزء من جوهر انسانيتهم وضرورة لها . ولعل ابرز ما يدخل في تلك الحقوق هو حق الحياة ، اذ يحق لكل فرد فعل ما شاء للمحافظة على حياته ، بما فيها الهرب حين يحكم عليه القاضي العادل بالموت . ومنها المساواة مع الغير ، ويدخل فيها ايضا الحريات المرتبطة بالضمير مثل حرية الاعتقاد والدين ، وحرية التفكير والتعبير ، والحرية في اختيار نمط المعيشة واساليب العيش . كما يدخل فيها حق الملكية واستثمار الجهد الشخصي .

اما الصنف الثاني فيطلق عليه اسم الحقوق الدستورية او التعاقدية ، وهي حقوق يحددها القانون وترتبط بالوصف القانوني للفرد ، اي كونه مواطنا او عضوا في مجتمع مدني . من هذه الزاوية فان الصنف الاول سابق للقانون وحاكم عليه ، اما الصنف الثاني فهو تابع للقانون وخاضع له . وابرز ما يدخل ضمن هذا الصنف هو حق المشاركة المتساوية في الشؤون العامة للجماعة ، بما فيها حق الوصول الى المناصب العامة وانتخاب الغير لها . ومنها ايضا حق الاستفادة المتساوية من الموارد العامة المادية وغير المادية الخ . ويعتبر اعلان حقوق الانسان والمواطن الذي اصدره برلمان الثورة الفرنسية (1791) من بين الوثائق المبكرة التي حددت العلاقة بين الحقوق الطبيعية والدستورية التي يتمتع بها الفرد ، فقد اكد هذا الاعلان على تمايز النوعين لكنه اعتبر الحقوق الطبيعية ارضية واساسا للحقوق الدستورية للمواطنين ، واكد على الارتباط العضوي بين انسانية الفرد وتمتعه بالحقوق الطبيعية التي تشمل "حقه في الحرية ، الملكية ، الامان ، ومقاومة الظلم" ، انها حق له حيثما كان وفي اي ظرف عاش ، وليس للفرد التخلي عنها وليس لاحد حرمانه منها لان "الناس يولدون احرارا متساوين"[3]

من العسير في حقيقة الامر وضع خط فاصل يحدد بدقة اين تبدأ واين تنتهي الحقوق المنطوية في كل من الصنفين . ولعل اكثر صيغ التمييز بين الصنفين شهرة هي تلك التي توصل اليها اشعيا برلين في كتابه المعروف "مفهومان للحرية"[4] ، والذي يصف فيه النوع الاول كحريات سلبية والثاني كحريات ايجابية . طبقا لهذه الرؤية فان الحرية السلبية تساوي عدم التدخل من جانب الغير ، اي "الحرية من.." ، او المساحة التي يستطيع فيها شخص او جماعة ان يفعلوا ما يريدون دون تدخل من اي شخص اخر. بينما تساوي الحرية في معناها الايجابي القدرة على فعل شيء يتطلب مباشرة او مداورة موافقة الغير ، اي "الحرية في .." وينطوي هذا المعنى في جواب سؤال : من هو او ما هي الجهة التي يمكن ان تقرر ماذا يفعل شخص ما او كيف يكون على هذا النحو وليس سواه . اذا منعت من جانب الاخرين من فعل ما اشاء فاني الى ذلك القدر غير حر. واذا كانت المساحة التي استطيع التصرف فيها بحرية محددة من قبل اخرين فانه يمكن وصفي حينئذ بالمقهور coerced او يمكن ان اكون مستعبدا. القهر هو التدخل العمدي من جانب الافراد الاخرين في المساحة التي اريد ان اعمل فيها . انت محروم من حريتك فقط حين تمنع من الوصول الى غاياتك من جانب الغير. وليس مجرد العجز عن الوصول الى الغايات لاسباب تتعلق بعدم كفاية الانسان نفسه مثلا او لظروف طبيعية . بطبيعة الحال لا يمكن تصور هذه الحرية من دون حدود ، لان الحرية المطلقة تعني ايضا حرية الانسان في ان يخترق مساحات الاخرين ، وربما تقود الى فوضى اجتماعية ، تضيع معها فائدة الحرية ، ويستأثر بها الاقوياء على حساب الضعفاء[5]. المبرر الوحيد لهذا التقييد هو العدالة ، فالبديهي ان الحرية حق متساو لجميع الافراد ، وتقتضي العدالة ان يتمتع كل فرد بنفس القدر الذي يتمتع به غيره ، وهذا يؤدي بالضرورة الى تقييده.



[1] Pettit, Philip, Republicanism: A Theory of Freedom and Government, (Oxford, 1997), p. 41
[2] Pettit, Philip, ibid., p. 45
[3]  Macdonald,  M.,  “Natural Rights”, in Laslett, Peter (ed.),  Philosophy, Politics and Society, Basil Blackwell, 1970 , p. 40
[4] Berlin, Isaiah, Two Concepts of Liberty, Clarendon Press, 1958

05/01/2009

حدود الحرية .. حدود القانون


؛؛ دعوة التيار الديني الى "حرية منضبطة" لا تنطلق من الاقرار بالحرية كقيمة عليا. ولو قبلنا بها ، فقد ننتهي الى تهميش قيمة الحرية ؛؛

يتفق العقلاء جميعا على ضرورة الحرية للانسان لانها شرط لكمال انسانيته . كما يتفقون على ضرورة القانون والنظام العام لانه شرط لسلامة الحياة الاجتماعية . من دون الحرية سيكون الانسان عبدا او شبه عبد ومن دون القانون سيكون المجتمع غابة او شبه غابة يأكل القوي فيها الضعيف.

Image result for happy birthday travelling girl
المشكلة لا تكمن في الاقرار بالضرورتين ، بل في الحدود الفاصلة بينهما. وتظهر اهمية هذا الاشكال في ظروف الازمة بشكل خاص. 

فالدولة والمجتمع يميلان في مثل هذه الحالات الى توسيع مجالات اشتغال القانون ، مما يؤدي بالضرورة الى تضييق نطاق الحريات الفردية . بل قد يحدث هذا في الحالات الاعتيادية ايضا . ثمة حكومات تميل بطبعها الى التضحية بالحريات الفردية تحت مبررات مختلفة من السلامة الوطنية الى الارتقاء بمستوى المعيشة الخ .. ونذكر مثلا ان الحكومات الشيوعية كانت تسخر من قيمة الحرية الفردية وتصفها بالبرجوازية بناء على ان مهمة الدولة هي ضمان العدل الاجتماعي وتامين حاجات المواطن الاساسية . ونعلم ان تلك التجربة تحولت الى رمز لفشل النظرية الماركسية لانها ببساطة حرمت الانسان من بعض شروط انسانيته مثل حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير والعمل والانتقال . وهو الامر الذي جعل معظم الماركسيين يعيدون النظر في عدد من مسلماتهم الايديولوجية الاساسية ، ولا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في 1991 .

لا يمكن الموافقة اطلاقا على المقولة الشائعة التي تصف الحرية السليمة بالمنضبطة . لانها في نهاية المطاف لا تحدد المعايير الحاكمة ولا تنطلق من الاقرار بالحرية كقيمة عليا. ولو قبلنا بها ، حتى على المستوى النظري ، فقد ننتهي الى تهميش قيمة الحرية . بدلا من ذلك فاننا نتحدث عن الحقوق المدنية التي تعني :

1-       الضمان القانوني لشريحة من الحقوق والحريات الطبيعية الضرورية لانسانية الفرد .
2-       الحقوق التي يحصل عليها الفرد بسبب انتمائه الى مجتمع سياسي يحكمه قانون.

ترجع الشريحة الاولى الى فطرة الانسان التي يعتبرها الفلاسفة اعلى من كل قانون يضعه البشر. وابرز تمثيلاتها حق الحياة ، اذ يحق لكل فرد فعل ما شاء للمحافظة على حياته. ومنها المساواة مع الغير ، ويدخل فيها ايضا الحريات المرتبطة بالضمير مثل حرية الاعتقاد والدين ، وحرية التفكير والتعبير ، والحرية في اختيار نمط المعيشة واساليب العيش وحق الملكية واستثمار الجهد الشخصي .
اما الصنف الثاني فيطلق عليه اسم الحقوق الدستورية او التعاقدية ، وهي حقوق يحددها القانون وترتبط بالوصف القانوني للفرد ، اي كونه مواطنا او عضوا في مجتمع مدني . من هذه الزاوية فان الصنف الاول سابق للقانون وحاكم عليه ، اما الصنف الثاني فهو تابع للقانون وخاضع له . وابرز ما يدخل ضمن هذا الصنف هو حق المشاركة المتساوية في الشؤون العامة للجماعة ، بما فيها حق الوصول الى المناصب العامة. ومنها ايضا حق الاستفادة المتساوية من الموارد العامة المادية وغير المادية الخ . 

بطبيعة الحال لا يمكن التمتع بالحرية ما لم يكن ثمة قانون يحمي ممارستها . كما لا يمكن تصور حرية من دون قانون يضع حدودا لما هو مقبول وما هو ممنوع ، لان الحرية المطلقة تعني ايضا حرية الانسان في ان يخترق مساحات الاخرين ، وربما تقود الى فوضى اجتماعية ، تضيع معها فائدة الحرية ، ويستأثر بها الاقوياء على حساب الضعفاء. المبرر الوحيد لهذا التقييد هو العدالة ، فالبديهي ان الحرية حق متساو لجميع الافراد ، وتقتضي العدالة ان يتمتع كل فرد بنفس القدر الذي يتمتع به غيره ، وهذا يؤدي بالضرورة الى تقييده. الطريق المتبع في المجتمعات المتقدمة هو تقسيم الحياة الى مجالين : مجال شخصي يتمتع فيه الفرد بالحرية المطلقة ، ومجال عام يطبق فيه القانون . وقد وجدت في التراث الاسلامي نظائر كثيرة لهذا التقسيم ، حتى في تطبيق الاحكام الشرعية من جانب الدولة . واظن انه يشكل مدخلا مناسبا للنقاش في الحدود الفاصلة بين ولاية القانون ونطاق اشتغاله وبين حرية الفرد في ان يفعل ما يشاء .

18/09/2004

فضح العيوب واستنهاض المجتمع

طبقا لتصريحات د. الخثلان فان الجمعية الوطنية لحقوق الانسان سوف تقوم بجولات تفتيش في السجون ومراكز الامن للتاكد من تمتع الموقوفين بحقوقهم الطبيعية والدستورية. ومع هذه الخطوة الهامة فاني اقترح على اللجنة ان تصدر تقارير علنية عن نتائج تلك الزيارات . ثمة انطباع سائد في عالم اليوم بان العلنية او الشفافية هي اقصر الطرق واقلها كلفة لمعالجة المشكلات. بل ان هذا النوع من العلاج قد اخذ طريقه الى الطب النفسي فثمة عيادات كثيرة في العالم تعالج مرضاها من خلال الجلسات الجماعية التي يبوح فيها كل مريض لحضور الجلسة الاخرين بما يعانيه .

على المستوى العام، الاداري او السياسي،  تقوم فكرة الشفافية على فرضيتين: الاولى : ان العيوب الادارية والمشكلات منفصلة موضوعيا عن المتسببين فيها او المسؤلين عنهم ، وبالتالي فانه يمكن التعاطي معها دون تحميلهم المسؤولية بمفردهم او الاساءة الى اشخاصهم. ثانيا :  ان المشكلات والعيوب في الادارة او العلاقات بين الادارة والجمهور هي اعراض لعيوب جذرية خفية ، ولهذا فان الاعلان عن وجود المشكلة وطرحها للنقاش العام يؤدي بالضرورة الى زيادة الوعي بعناصرها الاخرى واسبابها الجذرية وبالتالي فانه يساعد الاخرين الذي يواجهون المشكلة نفسها او سيواجهونها في المستقبل على معالجتها مبكرا حتى لو لم تظهر اعراضها بصورة كاملة او جلية.

واضح ايضا ان العلنية تجبر المسؤلين في الادارات العامة على تحمل المسؤلية عن اعمالهم . في مثل مجتمعنا يميل الاداريون الى ربط متكلف بين اشخاصهم وما يقومون به من عمل ، فاذا نجح عمل ما ، اعتبروه انجازا شخصيا واذا فشل او تعطل ، سكتوا عنه كأن لم يكن . ولهذا لا يحصل عادة ان يخرج احد المسؤولين ليقول ان مشروعا معينا او مهمة كلف بها قد فشلت او انها نجحت ولكن دون المستوى المطلوب. العلنية في هذه الحالة تعني بالتحديد جعل المعلومات المتعلقة بكل عمل متاحة لعامة الناس: المشروع المقرر والاموال التي رصدت له ، والوقت المحدد لتنفيذه ونسبة الانجاز او اسباب الاخفاق. الاساس الذي تقوم عليه هذه الفكرة هو ان المشروع العام لا يرتبط بالشخص القائم عليه ، فهو ملك للمجتمع ككل ، ومن حق المجتمع ان يعرف كيف تدار امواله واعماله. الموظف المسؤول ، مسؤول امام المجتمع ، وينبغي ان يكون صادقا حين يفشل عمله وحين ينجح.
الكل يعلم ان السجون ومقرات الامن ليست اماكن نزهة ، ولهذا لا يتوقع ان يسأل مفتشو حقوق الانسان عن نوع الايسكريم الذي يقدم للنزلاء ، بل عما اذا كانوا يعاملون باحترام يليق بالمواطن والانسان ، وتحفظ كرامتهم وحقوقهم . وابرز تلك الحقوق هي تمكين المتهم او الموقوف من اثبات براءته او تخفيف عقوبته ، اضافة الى تمكينه من المحافظة على مصالحه الجارية وراء الاسوار ، كي لا يكون التوقيف بداية النهاية لحياته الاعتيادية التي يفترض ان يعود اليها يوما ما .

في المجتمعات التقليدية ينظر الى الموقوف كمذنب حتى يثبت العكس ، ولهذا قيل في بعض البلدان ان الداخل الى دوائر الامن مفقود والخارج منها مولود . نسأل الله ان لا يبتلينا وبلادنا بهذا الحال المؤلم . وفي العالم كله فان اكثر انتهاكات حقوق الانسان تجري في دوائر الامن ، ليس في المجتمعات التي تخضع لحكم الحديد والنار ، بل حتى في المجتمعات الديمقراطية التي تتوفر فيها ادوات قانونية وسياسية للدفاع عن المتهمين والموقوفين . والسبب في ذلك هو تفاوت القوة – على المستوى الشخصي - بين السجان والسجين ، وغلبة الجانب الوظيفي على العلاقة بين الاثنين مقابل ضمور الجانب الانساني.  ولهذا السبب فان انتهاكات حقوق السجناء والموقوفين متوقعة دائما. لكن ما ينبغي الاهتمام به هو حجم هذه الانتهاكات ، ودرجة استمراريتها . بكلمة اخرى فان نجاح جمعية حقوق الانسان في مسعاها الجديد مرهون بقدرتها على تخفيض حجم الانتهاكات المكتشفة من ظاهرة عامة روتينية الى حالات فردية يمكن ادانتها وتحديد المسؤولية عنها .

يبدو ان الوقت لا زال مبكرا لمطالبة الجمعية بتقرير (فني) بالاسماء والتواريخ عن الحالات التي بحثتها ، لكننا نتوقع على الاقل تقريرا اجماليا يخبرنا انها زارت المقر الفلاني ووجدت فيه ، او لم تجد ، ما كانت تبحث عنه ، ويخبرنا ايضا عما اذا كانت ترى نفسها قادرة على معالجة المشكلة المطروحة ام لا . في ظني ان مجرد الاعلان عن انتهاكات محتملة للحقوق الانسانية في اي دائرة ، سوف يؤدي فورا الى اطلاق عملية تصحيح فيها وفي نظائرها . ولهذا اعود الى التاكيد بان العلنية بذاتها علاج ، لانها ببساطة تجعل المسؤولين وعامة الناس طرفا في التصحيح ، وهذا ما نسميه استنهاض المجتمع لابداع الحلول الضرورية لمشكلاته.

عكاظ السبت - 4/8/1425هـ ) الموافق  18 / سبتمبر/ 2004  - العدد  1189

06/12/1998

قاعدة شيلني واشيلك


حتى أواخر القرن الثامن عشر كان معظم الاجتماعيين الغربيين يتقبل فكرة ان الاستقامة أو الانحراف في السلوك الفردي هي صفة وراثية ، بل أن بعض العلماء بذل جهدا كبيرا لاثبات امكانية تمييز الشخص المستقيم أو المنحرف ، من تفاصيل وجهه وشكل جمجمته ، وان هذه الصفات تنتقل الى الأبناء من الآباء ، وبقيت فكرة تأثير الأصل سائدة في الابحاث المتعلقة بالمجتمع والانسان ، حتى وقت متقدم من هذا القرن .

في العام 1939 سئل كارل يونغ عن رأيه في ردة فعل الشبية الالمانية على صعود هتلر السياسي ، فقال ان هتلر هو ( مكبر الصوت الذي يجسم الهمسات الخفية للروح الالمانية) ومن الطريف ان بعض الدارسين العرب قد ابتلع الطعم ، فدلل على هذا المنحى بالروايات التي تدعو الانسان إلى تحري الأصول الطيبة عند الزواج والجيرة ، أو تلك التي تمتدح أقواما بعينهم ، فصرفوها إلى ذلك المفهوم ، رغم ان الدعوة الاسلامية قد قامت على اعتبار الانسانية جامعا مشتركا ، يفرض التسوية بين كل انسان والآخر بما هو انسان ، وأحالت التفاضل على الفضائل الأخلاقية والعقلية ، التي يجتهد الفرد في اكتسابها والتحلي بها ، فتتحدد قيمته تبعا لها .

أما في العصور الاسلامية المتقدمة ، فقد اهتم عدد من العلماء بالعلاقة بين البيئة الطبيعية والنشاط الذهني ، وكان القاضي صاعد الاندلسي (1029-1070) أول من طرح هذه الفكرة فقرر ان الامم المؤهلة لاكتساب العلم ، هي التي تعيش في المناطق المعتدلة الهواء ، بينما انسان المناطق  الحارة  انفعالي غير متزن ، وانسان المناطق الباردة خامل ، وذهب إلى هذا المذهب ـ مع عكس النتيجة ـ المفكر الفرنسي  مونتسيكيو ( 1689-1755) الذي قرر ان السخونة تأتي بالاستبداد بينما البرودة تجعل العقل مسيطرا على الحواس .

 لكن هذا النوع من التصنيف لم يجد رواجا في المجتمع العربي ، لتزاحمه مع مفهوم آخر يقوم على نسبة الأفراد إلى بيئاتهم الاجتماعية ، أي النظر إلى الفرد من خلال انتمائه الاجتماعي ، وليس من خلال صفاته البيولوجية ، أو صورة أسلافه ، أو بيئته الطبيعية ، فضلا عن تزاحمه مع الصورة الدينية للفرد ، التي سبق الاشارة اليها ، ونعلم ان الدين الاسلامي هو المكون الرئيس لثقافة العرب ، منذ البعثة النبوية .

مع مرور الزمن وتطور علم الانسان ، أهملت نظريات الوراثة والتأثر بالبيئة الطبيعية ، لصالح تعظيم قيمة الفرد ، فيما يمكن اعتباره اكتشافا متأخرا للمفهوم الاسلامي ، الذي بدأ بالنظر إلى الفرد الواحد كمخاطب للشريعة ، ومسؤول عما كسب في دنياه ، حيث يتساوى في هذا الاعتبار والقيمة مع كل فرد آخر ، بغض النظر عن أصله ونسبه وبيئته .

لقد احتاج الانسان في الغرب إلى قرون طويلة من الكفاح ، حتى يسترد اعتباره الذاتي ، فيتحول من محمول على غيره إلى حامل لذاته ، قادر على تقرير قيمته الخاصة ، بناء على اجتهاده وانجازه ، مما حمل العالم البريطاني ادوار كار ، على القول بان (تاريخ البشرية هو بوجه من الوجوه ، تاربخ صراع الفرد من أجل استعادة قيمته) . 

لكن على خلاف هذا فان المجتمع العربي ، وكثيرا من المجتمعات النامية الأخرى ، ما تزال تقاوم فكرة استقلال الفرد بقيمته ، الفرد في عالمنا ما يزال مجهولا كذات مستقلة قائمة بمفردها ودون نسبة إلى الغير ، الفرد في العالم النامي معروف بقبيلته أو طائفته أو بلده ،  أي بانتمائه الاجتماعي ، ولهذا فانك تواجه كثيرا من الحالات ، التي يعرف فيها زيد باعتباره من أهل البلد الفلاني أو القبيلة أو الطائفة الفلانية ، ويتقرر مكانه أو الموقف منه بناء على هذا الاعتبار .

وفي سنوات ماضية كتب دارسون عرب ، ان التحضر والنشاط الاقتصادي وانتشار التعليم ، سوف يقضي على هذا النوع من التصنيف ، الذي ينطوي على (احتقار غير مقصود) للانسان الفرد ، لكن ظهر لاحقا ان هذا التوقع كان متفائلا جدا ، رغم انه لا يخلو من صحة ، فلنقل على سبيل التحفظ ، ان عددا من الأفراد استطاعوا ان يفرضوا اعتبارهم الخاص ، وان يجعلوه مقدما على نسبهم أو انتمائهم ، وثمة عدد ملحوظ من الشخصيات البارزة اليوم في مجتمعنا ، ترجع إلى اصل متواضع ، لكن على الوجه الثاني ، فان الأفراد الذين لم يستطيعوا ابراز قدرات استثنائية ، ما زالوا يواجهون ذات المشكلة ، ومنهم من يعوّل كثيرا على استثمار انتمائه الاجتماعي للحصول على ما يريد ، بل وفي بعض الأحيان للاسـتـئـثار بالفوائد على حساب الغير ، فالانتماء يلعب هنا دور المرجح ، مقابل الكفاءة والصفات الفاضلة الأخرى .
وتجد أحيانا ان معظم الموظفين في إدارة من الادارات ، ينتهي اسمهم بلقب واحد ، يعكس الانتماء إلى قبيلة محددة أو منطقة محددة ، وليس ثمة تفسير لهذا الوضع ، سوى ان الانتماء الاجتماعي لعب الدور الرئيس ، بل ربما الوحيد في فوز هؤلاء بالوظيفة ، ضمن قانون (شيلني واشيلك) وهو قانون غير مكتوب ، لكنه قوي جدا وفعال على المستوى العملي . وهذا من أسباب التشاؤم الذي عبر عنه د. خلدون النقيب ، الذي توصل إلى ان انتشار التعليم في الأقطار العربية ، لم يؤد إلى تجسير الفجوة بين الكيانات الاجتماعية ، بل ربما ساعد على ابرازها وتسليط الضوء على خواصها ، التي هي نقاط افتراق لكل منها عن الغير .
في 6-12-1998

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...