الأحد، 29 سبتمبر، 2013

مكانة العامة في التفكير السياسي الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماع السياسي

ورقة نقاش قدمت امام
المؤتمر العلمى الثانى عن "الاسلاميين وقضايا الحكم الديمقراطى"
 المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات - الدوحة 29 سبتمبر 2013




خلق "الربيع العربي" مجتمعا سياسيا مفتوحا وتعدديا ، واشرع الباب امام بروز قوى سياسية ، اسلامية وقومية وليبرالية وغيرها. لا يمكن لاي من هذه القوى التباهي بتجربة سابقة ، فقديمها ولد في ظل نظام سياسي احادي او غير ديمقراطي ، الامر الذي حصر ممارسة السياسة في الدعاية والبناء الحزبي ، وليس في التنافس السياسي الجدي.
لهذا السبب فان كل المجموعات السياسية ، الاسلامية وغيرها ، تعاني عيوبا متماثلة. ربما تختلف الجماعات الاسلامية عن غيرها في اللغة السياسية او في ديناميات التعبئة والتواصل ، لكن فيما يتعلق بالتنافس السياسي في مجتمع تعددي ، فانها جميعا متاثرة بخلفيتها الاجتماعية او السياسية القديمة.
ينفرد الاسلاميون ببعض الاشكالات الاساسية ، وابرزها اضطرارهم الايديولوجي الى تراث غير متوائم مع مباديء الدولة الحديثة. ليس من الصعب – نظريا – تقليد الكلام السياسي الحديث واستعمال مصطلحاته ، كما فعل التيار المحافظ في ايران والاخوان في مصر والسلفيون في الكويت مثلا . لكن هذا يبقى مجرد قشرة فوقية. تظهر المفارقات حين يخاطب قادة الجماعات انصارهم ، وبشكل اخص حين ينزلقون الى صراع مع منافسيهم. في مثل هذه الحالات يضطر الزعماء الى استعمال المفاهيم الاكثر تاثيرا في الانصار والاكثر  قدرة على تعبئتهم ، اي لغة التراث المرتبطة بخطاب متباين مع خطاب الدولة المدنية والديمقراطية.
العناصر الرئيسية في الخطاب السياسي الديمقراطي والدولة المدنية ، ليس لها نظير في التراث الديني.  وبعضها مطروح فيه على نحو يتعارض جوهريا مع فلسفة النظام الديمقراطي. لاحظ شبستري ان دستور الجمهورية الاسلامية قدم عددا من المفاهيم غير المألوفة في الفكر الديني ، مثل مفهوم الشعب ، مبدأ المواطنة ، سيادة الامة ، الحريات العامة ، الفصل بين السلطات ، الخ .. وهو يرى ان تاييد الفقهاء لهذه المفاهيم يمثل سابقة مهمة[1].
استخدام لغة متوائمة مع مباديء الديمقراطية والدولة الحديثة من جانب الحركة الاسلامية او غيرها ، لا يصنع خطابا ديمقراطيا. الخطاب discourse السياسي مفهوم مختلف عن الخطابة السياسية. وصدقيته تكمن في قيامه على ارضية فلسفية تسمح بتوليد رؤية سياسية ، تتعدد عناصرها وابعادها ، وربما تتنوع مفرداتها اللغوية ، لكنها ستكون - في نهاية المطاف -  منسجمة ومتوائمة ، نظرا لصدورها عن اصل فلسفي واحد.
تجادل هذه المقالة بان التفكير السياسي السائد بين الاسلاميين ومعظم القوى السياسية العربية ، يقوم على ارضية فلسفية متعارضة مع الديمقراطية . كي تتحول هذه القوى الى محركات للتحول الديمقراطي ، فانها بحاجة للتخلي عن المصادر الثقافية والتقاليد الفلسفية ، التي سبق استعمالها كتبرير للاستبداد ، تحت اللافتة الدينية او القومية او الاشتراكية او غيرها. النظام الديمقراطي كما نعرفه في الدول الصناعية ، مثل نقيضه ، النظام الاستبدادي الذي عرفناه في معظم الدول العربية ، ينتمي كل منهما الى ارضية فلسفية توفر مبررات مقنعة لمن اراد الاقتناع بهذا النظام او ذاك. اختيار اي من النظامين يستوجب العودة الى الارضية الفلسفية التي بني عليها.
تبدأ المقالة بعرض ابرز المكونات القيمية للنموذج السياسي الديمقراطي. ثم تعرض الارضية الفلسفية التي ينتمي اليها الخطاب الديمقراطي ، ونظيره السائد بين الاسلاميين التقليديين. ثم تعرض انعكاسات التفارق بين الاتجاهين على ثلاث من ابرز قضايا الاجتماع السياسي ، وهي مضمون الرابطة الاجتماعية وغرض الدولة ، المواطنة ، ومبدأ تفويض السلطة. الغرض من مناقشة هذه العناصر ، هو الكشف عن المصدر العميق للتفارق بين الخطابين ، الديمقراطي والتقليدي. معظم الامثلة الواردة في المقالة مستمدة من التراث الشيعي القديم والمعاصر ، سيما في اطار التجربة الايرانية ، لان الكاتب اكثر اطلاعا عليه ، واقدر على تحديد خلفية الاقوال والامثلة ، واطارها الموضوعي وقيمتها العلمية ، حيثما وردت.
يعتقد الكاتب ان لا جدوى من مطالبة الفقهاء بتطوير نظرية سياسية دينية. لانها خارج الاطار الموضوعي لعلم الفقه ، ولان الموضوع ليس بين انشغالات المجامع الفقهية. ويدعو بدل ذلك الى مشاركة جميع الناس في تطوير الفكرة الدينية ، وخصوصا المنظور السياسي الذي يحقق الجمع المناسب بين القيم الدينية العليا وبين حاجات عصرهم. ويعرض في ختام المقالة امثلة تكشف عن توفر امكانية التوصل الى رؤية جديدة ، حتى من جانب الفقهاء ، شرط تحررهم من قيود الفقه القديم ومنظوراته.

النموذج الديمقراطي المعاصر:

يقوم النموذج الديمقراطي في السياسة على منظومة من المباديء والقيم ، من ابرزها حاكمية الشعب وفوقيته على الدولة ، وكون رضاه المعبر عنه بصورة نظامية مصدرا وحيدا لشرعية السلطة وسياساتها. ومنها الفصل بين السلطات ، والرقابة المتبادلة بينها ، بما يحول دون تمركز مصادر القوة في مجموعة صغيرة  من الاشخاص. ومن مباديء النظام الديمقراطي أصالة الحريات العامة وحقوق المواطنين بالقياس إلى كل مصلحة أخرى ، وكون حمايتها وضمانها ابرز واجبات الدولة. ومن تلك الحقوق تساوي الجميع امام القانون ، وحق كل مواطن في تولي المناصب السيادية والسياسية .
وتقوم الديمقراطية على الاقرار بالتعدد والتنوع في المصالح والعلائق ، بما هي واقع موجود. وهذا اول مستلزمات العدالة. الاساس في حاكمية الشعب هو احترام مفهوم الشعب ، والشعب هو هؤلاء الافراد والمجموعات المتنوعة المشارب والانتماءات والهويات، وليس شيئا آخر . القبول بالتنوع يعني بالضرورة ضمان القانون لحرية التعبير والاعتقاد والتمثيل السياسي لمختلف الناس ، بحيث يصبح احترام المختلف اساسا للتعايش بين الافراد والمجموعات ، وبينهم وبين الحكومة . مفهوم الدولة هذا يفترض سلفا انها غير مسؤولة عن آخرة الناس ، فهي في المقام الاول جهاز لادارة المصالح العامة الدنيوية. الشأن الديني ، شأن اهلي متروك للناس ، وليس للدولة التدخل في تقرير ما هو صحيح في الدين وما هو خطأ.
على مستوى القرار فهو للاكثرية ، شرط ضمان حقوق الاقلية ، عند تجسيد المطالب العامة وعند تقنينها ، ان قيمة راي الاكثرية لا تنفصل عن حقيقة كونها مؤقتة ، لا يجوز لها التوسل بقوى السلطة أو غيرها لسد ابواب المنافسة السياسية ، وحرمان الغير من فرص الوصول إلى السلطة .
هذه القيم والمباديء التي تشكل ابرز عناصر النظام الديمقراطي ، ليست مجرد آليات عمل مستقلة عن بعضها ، كما رأى بعض الاسلاميين المعاصرين. بل هي منظومة متناغمة تقوم على ارضية فلسفية مختلفة جوهريا عن تلك التي وصلتنا من اسلافنا السابقين. تطورت مباديء النظام الديمقراطي بعدما تخلى المفكرون الاوروبيون عن الفلسفة السياسية القديمة. واعتقد اننا لن نستطيع تطوير نظرية سياسية مماثلة ، ما لم نبدأ بنقد هذا الاساس الفلسفي الذي قام عليه حتى الان تفكيرنا الديني في السياسة.

طبيعة الاجتماع السياسي واغراضه:

تبدا المسألة كلها في المقاربة الفلسفية الاولية لطبيعة الاجتماع السياسي واغراضه ، وقيمة العناصر التي يتالف منها. طبقا لماديسون فان اي نظرية حول الوجود السياسي للانسان هي، بصورة مباشرة او غير مباشرة، نظرية حول طبيعة الانسان ذاته، وحول حقيقة الرابطة التي تجمع بينه وبين اعضاء المجتمع الاخرين[2]. كانت هذه المسألة موضوعا لجدل فلسفي قديم ، لا يزال قائما حتى اليوم ، حيث يمكن تمييز تيارين عريضين في معالجة المسالة :
 أ) تيار يتسم بالتشاؤم ازاء الطبيعة الانسانية. ويرى ان الغرائز (الانا السفلى) اكثر تاثيرا في سلوك الفرد ، وان الحياة الاجتماعية هي الظرف الطبيعي الذي يكشف عن هذه الميول. اصل المشكلة يكمن – حسب ارسطو – في فساد طبيعة الانسان[3].  ظروف الندرة وتعارضات المصالح بين اعضاء الجماعة ، تؤدي الى افساد المجتمع ، ما لم ينظم نفسه على نحو يكفل المصلحة الجمعية ، ولو على حساب المصالح الفردية. بعبارة اخرى فان هذا التيار يركز على قيمة الجماعة ويضع مصالحها وهويتها في المرتبة الاولى ، ويتعامل مع وجود الفرد ودوره وحقوقه كموضوع فرعي ، يعرف وفقا لما تتيحه الجماعة له وما تحظره عليه. كما يعتبرها مشروطة باداء الفرد لواجباته تجاه الجماعة. ويضم هذا التيار عددا كبيرا من النظريات القديمة و الشمولية ، وبينها نظريات دينية اسلامية ومسيحية ، وماركسية. نظريات المدينة الفاضلة utopia هي احدى التمثيلات البارزة لهذا الاتجاه.
ب) تيار يتسم بالتفاؤل ازاء طبيعة الانسان. ويرى ان القابليات الذهنية والنفسية للانسان ، قدرته على كشف وتحديد الحسن والسيء ، وقدرته على التواصل والمناقشة تجعله اميل الى الخيرية ، بمعنى تبني الخيارات المتسقة مع ما تعارف عليه العقلاء[4]. يميل هذا التيار الى التركيز على قيمة الفرد ودوره كمؤسس للرابطة الاجتماعية. ويعتبر قبول الافراد لها مبررا اساسيا لوجودها. ومن هنا فهو يدعو الى تقييد سلطة المجتمع والدولة على الفرد ، وحصرها في الضرورات. في هذا السياق يعتبر قيام الفرد بوجباته تجاه الجماعة ، مشروطا بحصوله على حقوقه الطبيعية والمدنية. يضم هذا التيار بشكل رئيسي نظريات حديثة متأثرة بالفلسفة الليبرالية.
ترتب على التفارق بين المقاربتين اختلاف في الرؤية لمكونات الاجتماع السياسي ، الفرد  ، المجتمع ، الدولة ، والعلاقة بين الاطراف الثلاثة.

اولا : الرابطة الاجتماعية وغرض الدولة:

الاتجاه القديم (اولوية الجماعة)

قدم ارسطو (384-322 ق.م) ، ما اظنه ادق تصوير للرابطة الاجتماعية في المقاربة القديمة. في اطار نظريته المعروفة بنظرية النظام  Theory of Design[5] ، قرر الفيلسوف اليوناني ان لكل شيء في الكون غاية ، وان مسيره نحوها هو الذي يحدد قيمته. غاية الحياة الانسانية هي تحقيق السعادة. السعادة الحقيقية عنده ليست ظرفا سيكولوجيا يتمثل في رضا الفرد عن نفسه ، كما رأى الفلاسفة المعاصرون ، بل هي مرحلة من مراحل تطور الوجود الانساني، اجلى سماتها نجاح الفرد في كسب الفضائل مثل المنطق والعقل الذي يمكنه من تشخيص الحسن والقبيح.
الحسن والقبيح قيم موضوعية ثابتة ، يرسخها المجتمع الفاضل وينقلها لاعضائه جيلا بعد جيل.  من هنا اعتبر الفرد صنيعة مجتمعه. كفاءة الفرد وفضائله لا تتبلور ولا تنمو ، الا اذا عاش في مجتمع سياسي او مدينة يحكمها قانون  polis. الانسان – حسب ارسطو - حيوان سياسي، اي مدني ، لا يدرك حقيقة وجوده الا وسط الجماعة[6]. جوهر انسانيته يتجلى حين يكون عضوا فاعلا فيها. ولهذا اعتبر الجماعة حاجة حيوية لانسانية الفرد وكماله. الفرد محتاج الى الجماعة لانه محتاج الى اكتساب الفضائل التي توصله الى الكمال وتحقق سعادته ، اي غرض وجوده.
لم اطلع على مناقشات لهذه الرؤية في كتابات الاسلاميين. ويبدو ان كثيرا منهم يتعاملون معها كمقدمة مقبولة للعديد من مقارباتهم الاخرى المتعلقة بالدولة والمجتمع. حاول محمد جواد لاريجاني ، المفكر الايراني المعاصر ، تقديم رؤية بديلة تختلف في تصوير الرابطة الاجتماعية ، لكنها تنتهي الى نفس مستخلصات ارسطو.
يعتقد لاريجاني ان العنصر المؤسس للرابطة الاجتماعية هو ما يصفه بالعقلانية الجمعية ، المرتبطة بالحاجات المشتركة لاعضاء الجماعة. ويعرف المجتمع السياسي كمنظومة عمل ، غرضها تنظيم الجهد المشترك لانجاز المصالح العامة ، التي جرى تعريفها سلفا على ضوء العقلانية المشتركة – الدين في حالة المجتمعات المسلمة- [7].  ويقترب هذا التحليل نوعا ما من تحليل جون لوك لمجتمع ما قبل الدولة [8].
مثل ارسطو ، رأى لاريجاني ان الفرد ليس شريكا في خلق النظام الاجتماعي او الهوية المستمدة منه ، فقد وجد نفسه في اطاره قبل ان يعي ذاته الخاصة ، او انضم اليه مدفوعا بحاجاته الحيوية التي لا يستطيع انجازها بمفرده[9]. الرسالة الضمنية لهذه الرؤية هي ان حقوق الافراد ليست طبيعية ، مستحقة بالولادة، كما رأى روسو واتباعه ، بل هي ثمرة تكييف اجتماعي يحدد ما هو حق وما هو واجب. وبناء عليه ، فان تلك الحقوق مشروطة ومعرفة وفقا لمعايير العقيدة الاجتماعية ، حيث "تكتسب افعال الانسان معناها بعدما  يعرف الفاعل نفسه وعلاقته مع العالم المحيط". بعبارة اخرى فان الفرد لا يتمتع بهوية مستقلة عن هوية الجماعة ، وان مصالحه الخاصة ليست من موضوعات عمل النظام السياسي. الدولة في حقيقة الامر لا تمثل مصالح المواطنين الافراد ، كما في الرؤية الليبرالية ، بل المصلحة العامة للمجتمع ، وهي وحدة غير قابلة للقسمة[10].
يعتقد فرزين وحدت ان المفكرين الاسلاميين يخشون الحديث عن هوية فردية مستقلة ، وان اصرارهم على هوية مستمدة من الجماعة ، يكشف عن تردد في تحديد العلاقة بين الذات والدين (من يصنع الاخر ، وهل يختار الفرد دينه ، وهل يبقى متحكما في خياره بعد ذلك ام لا). يظهر ذلك التردد غالبا حين يركزون على ان قيمة الانسان مستمدة من خلافته لله وليس كذات مستقلة. كان هذا واضحا في الخطاب الاسلامي خلال الستينات والسبعينات الميلادية. ويشير وحدت خصوصا الى الاعمال الفكرية لعلي شريعتي ، اية الله الخميني ، ومرتضى مطهري ، التي لم تنكر الذاتية الانسانية subjectivity، لكنها لا تتعامل معها كموجود مستقل قائم بذاته ، بل نظرت اليها دائما ككائن مشروط بالحقيقة الالهية ، وهو ما يتجلى في حديث الثلاثة عن المجتمع التوحيدي[11].
يعرف الخطاب الديني التقليدي افعال الانسان رجوعا الى معايير مادية ومعنوية في الوقت ذاته [12]. وان المضمون المعنوي للفعل ليس متروكا لتقييم الفرد ، لان القيم مستمدة من الدين ، والاعتبارات الدينية قد تتجاوز ادراكات الافراد . يجادل لاريجاني بان العقيدة المشتركة هي ارضية الهوية الجمعية ، ومعاييرها تحدد ما اذا كان الفعل حسنا او قبيحا ، كما تحدد منظومة الحقوق والواجبات الضرورية لتسيير النظام الاجتماعي[13]. الانسان – طبقا لراي مصباح يزدي – لا يتمتع بكفاءة ذاتية تمكنه من ادراك جميع حاجاته ، سيما تلك التي يتوقف ادراكها على توفر طاقات فكرية وسيكولوجية ، تتجاوز ما يتوفر عادة للافراد[14].
من ناحية اخرى يعتقد لاريجاني ان فكرة "الحقوق الطبيعية" ، وهي الاساس الفلسفي لمبدأ حقوق الانسان المعاصر ، قاصرة عن استيعاب اهمية المشاركة الشعبية في الشأن العام[15]. ويرى ان مفهوم "التكليف" انسب فلسفيا للرابطة الاجتماعية ، لان المشاركة مسؤولية مستمرة لا تنحصر في زمن دون اخر[16]. الرسالة الضمنية لهذه الرؤية ، هي ان القضية الهامة في علاقة الفرد مع المجتمع ليست حقوقه الشخصية والمدنية ، بل واجباته تجاه المجتمع السياسي.
تبعا لهذا المفهوم ، قرر قدامى الاسلاميين ان قيام السلطة ضروري لسد عجز الناس عن الاجتماع الطبيعي  ، وحاجتهم بالتالي إلى ولي/حاكم يمنعهم من التظالم. الانسان ، حسب تقرير الطباطبائي ، "مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية ، والدار دار تزاحم ، محدودة الجهات [...] فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء"[17]. وحسب العلامة الحلي ، فان "الغالب على أكثر الناس القـوة الشهوية والغضبية والوهمية ، بحيث يستبيح كثير من الجهال ، لذلك ، اختلال نظام النوع الانساني"[18]. ولهذا السبب توجب - حسب راي الكلبايكاني -  ان يكون للمجتمع "زعيم ورئيس وقيم وحاكم ، وان لم يكن نبيا او وصيا"[19].
هذه الرؤية المتشائمة ازاء الطبيعة البشرية تكشف عن واحد من تاثيرات الفلسفة اليونانية على الفكر الاسلامي القديم. وتجدها عند الفقهاء وعند الفلاسفة ، مثل ابي نصر الفارابي (ت- 339 هـ/950م) الذي ندد بالمدن الحرة حين وجد أهلها متساوين ، "سنتهم أن لا فضل لإنسان على إنسان في شيء أصلا. ويكون أهلها أحرارا يعملون ما شاؤوا. [...] حينئذ يكون الجمهور مسلطين على الرؤساء ، وتكون جميع الهمم والأغراض الجاهلية من هذه المدينة على أتم ما يكون وأكثر"[20]. ويظهر في هذا التنظير اثر فلسفة ارسطو، الذي راى انه "لا ينبغي منح الحرية المطلقة لاي رجل ، لانه لن يكون ثمة لجام للشيطان الكامن في نفسه"[21]. لا يطيع الناس القانون – حسب افلاطون –  لان فطرتهم طيبة ، بل لعجزهم عن المخالفة او خوفهم من العقاب[22]. الطريف ان الفارابي يشير لاحقا الى ان المدن الحرة اكثر قابلية للنمو والعمران ، وهي اكثر جاذبية للسكان من مختلف الاصناف والمشارب ، لكنه لم ير في هذا ميزة تثير الاهتمام ، قياسا بما ظنه حرية تقود الى الفوضى ومساواة تهدم التراتب الاجتماعي.
فحوى هذه التقريرات ان الفساد ناتج ضروري للاجتماع الانساني ، بسبب فساد في طبيعة الاصل الذي تكون منه الاجتماع ، أي الانسان الفرد ، أو على الاقل لعجزه عن الاجتماع الكامل. فحينئذ لا بد من قيم عليه يحد من تصرفاته ، ويلزمه بخصوص ما هو صالح. هذا يعني ان الدولة مكلفة بهداية الناس وتقويم اخلاقهم. نعرف طبعا ان مسؤولية كهذه مشروطة بتوفر "ايديولوجيا رسمية" تعرف ما هو حسن وما هو قبيح من الافعال ، وتشكل ارضية فلسفية للقوانين والسياسات التي تتبعها اجهزة الدولة في تعاملها مع الناس.
نظرية التفويض الالهي للملوك هي – على الارجح - ابرز النماذج تمثيلا لهذه الرؤية. وهي تنسب الى القس الكاثوليكي البارز، القديس اغسطين (354-430) الذي قرر ان فساد الطبع الانساني عائد الى ما وصفه بالاثم الاصلي ، الذي انزل ابانا ادم الى الارض ، الامر الذي يبرر قيام سلطة قادرة على اقامة الفضيلة ، ومنع الاثمين من الاستغراق في خطاياهم. من هنا اعتبر الدولة مؤسسة دينية تستمد سلطتها من الله. واعتمد اغسطين على اراء افلاطون، الفيلسوف اليوناني ، وسيسرو، القانوني الروماني. ويعد كتابه الشهير "مدينة الله" اول تصوير متكامل للنظرية السياسية الكاثوليكية[23]. ونرى تمثيلا لهذه النظرية – سطحيا نوعا ما - عند محمد باقر المجلسي (1037-1110 هج) ، شيخ الاسلام في العهد الصفوي ، الذي اعتبر وجود الملك نوعا من اللطف الرباني ، كما اعتبر التزام الناس بطاعته نوعا من التعبير عن الشكر لله على نعمه[24].

الاتجاه الجديد (مجتمع تعاقدي)

مع نهوض "العلم الجديد" في اوربا خلال القرن السابع عشر ، تراجع تاثير الفلسفة اليونانية القديمة ومقولاتها في الحقل السياسي ، ومن بينها الرؤية المتشائمة للطبيعة الانسانية ، لصالح رؤية ميكانيكية ، تقول ان انفعالات الانسان وسلوكه غالبا ما تكون رد فعل او انعكاسا لتاثير خارجي على النفس ، وليس انبعاثا من مكونات النفس ذاتها. الفكرة المحورية التي ظهرت في هذه الحقبة هي ان الانسان ينطوي على نزعات شريرة ، كما يتمتع – في الوقت ذاته - بعقلانية تمكنه من ادراك عواقب افعاله قبل الاقدام عليها. وحسب توصيف راولز فان قابلية الفرد للتفكير في نفسه وافعاله تعني انه مؤهل للاختيار بين البدائل ، وتقديم التزامات للاخرين، وتحديد موقف من المحيط وما ينطوي عليه من ثقافة او دين او قيم او نظم علاقات ومصالح ، وحساب العواقب المادية والادبية التي تترتب على كل من خياراته[25].  ورأى توماس هوبز (1588-1679) ان عقلانية البشر هي التي قادتهم الى انشاء الدولة ، كرد على حاجتهم لهيئة تمثل مجموعهم ، وتنوب عنهم في حماية انفسهم واملاكهم ، من النزعات الشريرة التي قد تتولد في نفوس بعضهم ، وتقودهم الى العدوان على الاخرين[26].
قرر التيار الجديد ان المجتمع والرابطة الاجتماعية نتاج لتوافق مقصود بين افراد عقلاء ، يدركون وجودهم الفردي المستقل ومصالحهم المتعارضة ، وخطوط التواصل والتمايز بين هوياتهم الشخصية واراداتهم. تفترض هذه  الرؤية ان الناس جميعا ، قبل قيام المجتمع وبعده ، احرار متساوون من الناحية المعنوية والقيمية لانهم عقلاء.
عقلانية الافراد قادتهم الى اقامة "المجتمع المدني" الذي يعبر ، في المقام الاول ، عن اقرار متبادل من جانب كل منهم بمصالح الاخر وحقوقه الفردية ، وتمييز مجاله الشخصي عن المجال المشترك بين المجموع. ويستهدف ثانيا ادارة المصالح المشتركة وتقسيم العمل ، وحل المشكلات التي ربما تنشأ عن تعارض المصالح الفردية. التزام الافراد بالرابطة الاجتماعية، والنظام السياسي الذي يقوم عليها، منبعث من قيم توافقية، قبلها الافراد طوعا، والتزموا بموجباتها مقابل ما اعتقدوا انها مكاسب اكبر. وهذه هي ارضية المساواة بين الناس في الحقوق اوالواجبات ورفض الرق واستغلال الغير او حرمانه من ثمرات عمله.
تعزز هذا المنحى مع جان جاك روسو (1712-1778) الذي اعتبر قيام الدولة ثمرة لتطور المجتمع الانساني من حالته البسيطة ، سيما بعد ظهور مفهوم الملكية، وتبلور التمايز الذي كشف لاعضاء الجماعة عن الحاجة الى نوع من العلاقات التعاقدية ،  الضرورية كي يعرف كل فرد حقوقه والتزاماته تجاه الاخرين[27]. افترض الليبراليون نظاما اجتماعيا يقوم على قاعدة التعاقد بين اعضائه من جهة ، وبينهم وبين حكامهم من جهة اخرى[28]. بديهي ان المتعاقدين لم يتخلوا عن حرياتهم وتساويهم مع بعضهم يوم انضموا للعقد. النظام الجديد خلق هوية جمعية، تمثل قاسما مشتركا بين الافراد، لكنها هوية جامعة للهويات الفردية وليست نافيا لها.
وبناء عليه ، تقرر ان الدولة مسؤولة فقط عن دنيا الناس ولا شأن لها بآخرتهم. الدين وسائر القضايا الروحية والاخلاقيات ليست من مهمات الجماعة ولا حكومتها. الفرد هو المسؤول عن اختيار الطريق الذي يوصله الى كماله المعنوي والثقافي والسلوكي. طبقا لهذه الرؤية، فان التكافؤ القيمي والذهني بين الجميع ، يعني انه ليس في الجماعة من يصنف كصاحب حق ذاتي ، يسمح له بالزام الاخرين برأيه او قناعاته او اخلاقياته او طريقة عيشه. جميع القيم تعتبر شخصية يلتزم بها الافراد تبعا لقناعتهم الخاصة ، دون قسر ، مالم تتحول الى قانون عام للجماعة. في كل الاحوال فان الحكومة الملتزمة بمباديء العدالة – يقول راولز – سوف تتحاشى الزام مواطنيها بمفهوم وحيد للغايات ومعنى الحياة[29]. هذا الامر متروك للافراد كي يقرروه وفق ما تمليه عليه عقولهم. ويعتقد كريسمان ان الميل العام لتحييد الموقف الديني للدولة ، كان رد فعل على الحروب الدينية في اوربا ، التي افضت نتائجها الكارثية الى انبعاث لقيم التسامح والاحترام المتبادل للخيارات الروحية والثقافية للافراد[30].
اعتبار شخصية القيم مستمد من مسلمة سابقة فحواها ان جميع ما يؤمن به الناس ، وما يعتبرونه معياريا ، يدور حول الانسان ، هو صانعه وهو غايته. تنصرف هذه الفكرة الى معنيين :
 اولهما ان اي الزام من اي نوع ، سواء صدر عن اساس اخلاقي او قانوني ، لا ينفذ الا اذا حظي بقبول الافراد ، بشكل مباشر او في اطار القانون الذي قبله سلفا.
الثاني : ان تسليم الافراد بالقيم ، هو الذي يضفي عليها سلطة ، او يجعلها مبررا لسلطة تتيح فرض الزامات[31]. ورغم الخلاف حول حدود الفردانية بين الليبراليين[32] ، الا انها اصبحت عنصرا محوريا في الخطاب الليبرالي . طبقا لغيس فان "اي نظرية سياسية علمانية ، يجب ان تنطلق من ان الافراد - او الكائنات العاقلة  حسب تعبير كانت -  يرون افعالهم ذات معنى وقابلة للتقييم . وبناء على هذا فان التوجهات العقلائية ، حرية الاختيار، والاحترام المتبادل ، تمثل مقومات مناسبة للحياة في مجتمع سياسي جيد"[33]
انطلاقا من هذه الرؤية ، تحولت فكرة "الحكومة القائمة على اساس الرضا الجمعي" الى مكون جوهري لمفهوم الدولة الحديث. وان شرعية الدولة منبثقة من تمثيلها للمجتمع ، الذي يفوضها سلطة الامر والنهي ووضع القانون وممارسة الجبر في اطاره. الدولة - بعبارة اخرى - مخلوق ارضي تابع للمجتمع ، وليس مستقلا عنه او سيدا فوقه. اتخذ مفهوم "الرضا الجمعي" - في النظريات الليبرالية خصوصا - معنى فرديا ، اي رضى مجموع الافراد[34]. سياسيا ، تنحو الليبرالية الى معارضة لكل اشكال الهيمنة على الفرد من جانب الافراد الاخرين او المجتمع ككل. ولهذا فقد مالت الى حصر سلطة الدولة في حدود المجال العام ، اي تطبيق القانون وصيانة النظام العام ومعالجة التعارض بين المصالح الفردية[35].

ثانيا : المواطنة

وصف ارسطو المواطن بانه "الرجل المؤهل لتولي المناصب العامة". هذا التوصيف القديم اصبح اساسيا في الفكر الدستوري المعاصر ، لانه يحدد بوضوح جانبا هاما من معادلة المسؤوليات المتبادلة بين المجتمع والافراد [36]. لكن ارسطو لم يعتبر الوصول الى المناصب العامة حقا لجميع المواطنين ، بل يتعلق حصرا باولئك الذين ثبت نجاحهم في اكتساب الفضائل الاخلاقية التي تجعلهم اعلى – ذهنيا وروحيا – من العامة.
 ينطوي مبدأ المواطنة على مجموع منظومي لحقوق دستورية يتمتع بها كل عضو في المجتمع السياسي ، وتعتبر مقابلا لولائه والتزامه بالقانون. وتنسب الصيغة المعاصرة لهذا المفهوم الى الجدالات التي رافقت الثورتين الفرنسية والامريكية. وتستهدف ايضاح التمايز بين مكانة المواطن ذي الحقوق وبين مفهوم "الرعية subject" القديم ، الذي يصنف اعضاء المجتمع كاتباع للملك يتوجب عليهم الطاعة دون حقوق دستورية في مقابلها[37]
في المقابل ، يستمد الخطاب الديني التقليدي رؤيته حول المواطنة من مفهوم "الرعية" ، وهو مفهوم اسلامي كلاسيكي يشير الى علاقة افقية قائمة على الرعاية المتبادلة.
ربما كان بالامكان تطوير اطار متين للواجبات والحقوق المتبادلة بين الدولة والمجتمع ، استنادا الى هذا المفهوم . لكن التجربة التاريخية لدولة المسلمين القديمة ، ذهبت في اتجاه مغاير ، ركز السلطة والحقوق كلها في الحاكم ، واعتبر السكان مجرد رعايا "بمعنى الخاضع او التابع" . والمؤسف ان مفهوم المواطنة في محمولاته الجديدة ، لم يثر اهتمام مجامع العلم الديني الا متاخرا ، ولهذا فان المناقشات حوله لا تزال بسيطة وفقيرة.
فيما يخص الشيعة فان الفكر السياسي تطور في اطار البحث الفقهي ، الامر الذي حقن المضمون الفقهي في معظم القيم المعيارية والمفاهيم التي تعالج عناصر سياسية[38]. نعرف ان الفقه والفقيه منشغل عادة بالواجبات والتكاليف ، اي القيود على الافعال ، ونادرا ما شغلته الحقوق. قلة اهتمام الفقهاء بالحقوق امر طبيعي ، فهي ليست من موضوعات علم الفقه، بل من البحوث السابقة له كما رأى اية الله آملي[39] ، ومحله الطبيعي هو الفلسفة. وبحسب آية الله الحائري فان البحث حول الحقوق لا يترتب عليه أثر عملي فقهي. محل اهتمام الفقيه هو مفهوم الحكم (=التكليف) وتعريفه. ولهذا فان حديثهم في الحق جاء على حاشية نقاشهم حول الحكم والفرق بين الاثنين[40].
زبدة القول ان رؤية الفقهاء التقليديين واتباعهم تركز على عنصر "الواجب" باعتباره جوهر القيم الاجتماعية. فالفرد يحصل على حقوقه مقابل التزامه باداء الواجبات التي يقررها قانون الجماعة واعرافها. مرة اخرى نجد تاثير الفلسفة اليونانية القديمة ، فهذه الرؤية ترجع الى سقراط، استاذ افلاطون، الذي قرر ان المدينة الفاضلة هي تلك التي "يقوم كل فرد من اعضائها بواجباته". ذلك ان الحياة الاجتماعية هي منظومة واجبات متقابلة، فاذا قام كل فرد بواجبه سارت حياة الجميع على اكمل وجه[41].
اخذا بعين الاعتبار الاطار الفقهي للنقاش في قضايا الدولة والمجتمع ، فقد جرى تعريف الفرد كعضو في الجماعة الدينية ، اي كمكلف ومؤمن ، لا كمواطن[42]. يظهر هذا بوضوح عند مصباح يزدي الذي يرى ان المواطنة في مجتمع اسلامي لا تمنح صاحبها حقوقا دستورية متساوية. تولي المناصب العامة مثلا ، تحدده معايير الكفاءة الاخلاقية وليس معايير الحقوق الدستورية:
في الوقت الذي يعتبر المواطنون - من حيث المبدا - متساوين ، فان حقوقهم ولا سيما الحق في اشغال المناصب العامة ليس على هذا النحو [..] رضا الله اولى بان يراعى ويتبع. يجب ان لا يكون هناك اي راي او مطلب او حق يعارض رضا الله وقانون الله[43].
سبب هذا التشدد هو اعتبار المناصب العامة "امانة" كما اشار لنكراني ، لا ينبغي ايكالها لغير الاكفاء الامناء الموثوقين[44]. وخلال ثمانينات القرن المنصرم حاول  رجال الدين التقليديون فرض مفهوم "الامانة" كمعيار عام للحصول على اي وظيفة حكومية ، وطلب من جميع المرشحين للوظائف اثبات تدينهم وولائهم للنظام. لكن هذا التوجه ووجه برد غاضب من جانب آية الله الخميني ، الذي امر بحل جميع اللجان التي شكلت – وفقا لذلك المنظور - للتحقق من صلاحية المرشحين للوظائف[45].
لم ينجح هذا المسعى في وقته. لكن تصاعد نفوذ المحافظين في السياسة الايرانية خلال السنوات الاخيرة ، سمح لهم بالاستفادة من تفسير متشدد للبنود الدستورية الخاصة بالانتخابات ، على نحو يحرم شريحة واسعة من المواطنين من الوصول للمناصب السياسية. في 1995 منح البرلمان ذو الاغلبية المحافظة لمجلس صيانة الدستور ، المشرف على الانتخابات ، سلطة مطلقة في قبول او رفض الترشيحات[46]. واستعمل المجلس هذه السلطة لمنع العديد من المرشحين الاصلاحيين من خوض الانتخابات الرئاسية لعام 2005 و 2013 ، ومن بينهم هاشمي رفسنجاني ، الرئيس السابق واحد ابرز مؤسسي النظام. وفي 2004 استبعد المجلس نحو ثلثي المترشحين للانتخابات النيابية. وضمت قائمة المستبعدين 550 من الروحانيين والوزراء والنواب السابقين ، وبينهم جميع مرشحي حزب مشاركت الاسلامي ، ذي التوجهات الاصلاحية. وحدد المجلس خمسة مؤهلات مطلوبة في المرشح - اضافة لما قرره قانون الانتخابات ، هي الالتزام العملي بالاسلام ، الولاء الملموس للولي الفقيه ، السمعة الحسنة ، الامانة ، والاعتمادية . وبررت اضافة هذه المؤهلات بان مجرد الانتماء للاسلام ليس كافيا ، لان البرلمان مفوض بحماية الدين والاخلاق والقيم السامية ، وهذا يتطلب تدينا كاملا في اعضائه . كما قرر ان الولاء للدستور لا يكفي ايضا ، لانه ربما يفتح الباب لاعضاء في احزاب غيرقانونية [47].
خلافا للاتجاه التقليدي ، فان معظم النظريات الديمقراطية تميل الى الفصل بين حقوق الفرد الدستورية وهويته الدينية او انتمائه الاجتماعي. في بلد مثل الهند ، الذي يطبق ديمقراطية ليبرالية ، يمكن انتخاب رئيس جمهورية مسلم ورئيس حكومة سيخي ، علما بان المسلمين والسيخ لا يشكلون في مجموعهم سوى 18% من الشعب الهندي. وفي بلد كالولايات المتحدة يمكن انتخاب رئيس اسود من اصول اسلامية ، رغم ان هؤلاء يشكلون – بالمعايير الرقمية – اقلية صغيرة فحسب. لكن ليس متصورا ان ترأس سيدة او رجل سني  جمهورية ايران ، او ان يرأس شيعي او قبطي جمهورية مصر. اقول ليس متصورا لان الثقافة السياسية لا تسمح به ، سواء ورد في الدستور ام اغفل.
 زبدة القول ان مفهوم المواطنة الذي تبناه التيار الديني التقليدي ، لا ينطوي على حقوق دستورية كاملة. ورغم اقرارهم بتساوي المواطنين من حيث المبدأ ، فان حق الوصول الى المناصب العامة يخضع – عندهم - لمعايير اخرى ، ابرزها اعتبار الوظيفة العامة امانة ، وليس حقا متاحا لجميع المواطنين.

ثالثا : تفويض السلطة

التعاقد وتفويض السلطة

"العقد الاجتماعي" هو الاساس الذي تقوم عليه علاقة مواطني الدولة الحديثة ببعضهم ،  وعلاقتهم بالحكومة التي تدير مجتمعهم. يفترض مفهوم العقد الاجتماعي حقوقا للمتعاقدين ، اي مجموع اعضاء الجماعة ، ووجبات عليهم ، موثقة في اعراف مستقرة او قوانين مكتوبة ، تشكل في مجموعها نظاما شاملا للعلاقة بين الافراد وتوزيع الموارد المشتركة، وحل التعارضات التي قد تنشب بينهم. وبمقتضى العقد يفوض اعضاء الجماعة حكومتهم لتمثل مجموع الافراد وتنوب عنهم في تنفيذ مفاد تلك الاعراف والقوانين وادارة المصالح المشتركة. من هنا اعتبرت الحكومة هيئة تابعة للمجتمع وخاضعة لارادته، كما ان رجالها يصلون الى مناصبهم ويمارسون عملهم بعد حصولهم على موافقة موكليهم اي اعضاء المجتمع.
بناء على نظرية العقد الاجتماعي ، فان المجتمع هو وعاء للسلطة ، وهو الذي يحدد القيم والمصالح الواجبة الرعاية ، ويضع التشريعات والقوانين من خلال ممثليه في البرلمان. يستمد القانون قيمته والزاميته من تعبيره عن الارادة العامة. كما ان القاضي يحكم في النزاعات باسم المجتمع. وفي كل الاحوال فان تفويض السلطة عقد مؤقت ينعقد في اطار الدستور وشروطه.
في المقابل ذهب معظم الفقهاء التقليديين الى ان السلطة في مختلف تجلياتها: التشريعية والتنفيذية والقضائية ، كيان مستقل عن المجتمع. سواء كانت متعينة بأمر الله ، كما في الخلافة والامامة ، او كانت امرا واقعا كما في حالة التغلب. لهذا حرموا التمرد على الوالي  العادل (الخليفة او الامام) لانه صاحب حق الولاية بالاصالة ، وحرموا التمرد على المتغلب حرصا على النظام العام.
يرفض الاسلاميون التقليديون مقولة التفويض ، لانهم لا يرون المجتمع وعاء للسلطة[48]. الرأي الغالب بينهم ان مشروعية الحكومة متعلقة بتطبيقها لاحكام الشرع ، وكون الفقهاء شركاء في جهازها. ارادة الشعب لا دخل لها في انتاج المشروعية السياسية ، وبالتالي فان تاييدهم أو عدمه لا يزيد أو ينقص من شرعية النظام أو الحكومة [49]. وحسب تعبير مصباح يزدي ، وهو من ابرز منظري التيار المحافظ، فان السلطة لم تكن ابدا حقا للناس كي يفوضوها لمن شاؤوا ، بل هي امر يتعلق بالله وهو يختار ما يشاء[50].
 كان دستور الجمهورية الاسلامية قد نص في المادة 56 على ان "السيادة المطلقة على العالم وعلى الانسان لله ، وهو الذي منح الانسان حق السيادة على مصيره الاجتماعي ، ولا يحق لاحد سلب الانسان هذا الحق الالهي او استغلاله" ، ونص في المادة السادسة على ان شؤون البلاد تدار "بالاعتماد على رأي الامة" الذي يتجلى في انتخاب رئيس الجمهورية والبرلمان والمجالس المحلية. واثارت هذه المواد جدلا يتعلق بطبيعة انتقال السلطة ، سيما فيما يخص تعيين المرشد (الولي الفقيه). في هذا الصدد ، قرر آية الله مشكيني ان اختيار القائد هو وظيفة كبار العلماء ، لان عامة الناس لا يملكون الاهلية اللازمة لتشخيص القائد الكفء. انتخاب المرشد من قبل مجلس الخبراء - المنتخب بدوره من جانب الشعب- لا ينطوي على تفويض سلطة ، ذلك ان المؤهل لهذا المنصب متعين من قبل الله ، وان دور الهيئة الانتخابية محصور في الكشف عن هذا المتعين وليس نقل السلطة من المجتمع اليه[51]. بهذا المعنى فان انتخاب الشعب للقائد هو "علامة" على سلطته – حسب تعبير آملي – وليس "علة" منشئة لها. الشعب ملزم – شرعا – باكتشاف القائد الشرعي والاعتراف بسلطته الحقة[52]. المعنى الضمني لهذه المقاربة ان هناك على الدوام شخص واحد يملك الحق في السلطة ، وان على المجتمع التعرف عليه وتمكينه من بلوغ منصب القيادة[53]. يؤكد اية الله مكارم شيرازي على هذا المعنى رجوعا الى حقيقة ان الانتخابات ليست من التقاليد المتعارفة بين قدامى الفقهاء ، ولم تذكر في كتبهم ، "ولو كان لبان" [54].

الارادة العامة كمرجع للتشريع

فيما يخص الدور التشريعي للبرلمان ، يقترح العرف الجاري بين الاسلاميين اختصاص الفقهاء  بوظيفة التشريع ، نظرا لكون النص الديني هو المصدر الصحيح للتشريعات وكونهم مختصين بتفسيره [55]. وكانت هذه من اكثر المسائل اثارة للجدل خلال الثورة الدستورية في ايران (1906) . طبقا لحجة الاسلام مرندي ، فان الفقهاء هم مصدر التشريع وليس البرلمان ، حتى لو صوت له اكثرية الشعب ، رجوعا الى ايات تعيب التعويل على الاكثرية "ايات مثل {وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون} [...] برهان قاطع على بطلان العمل باراء الاكثرية وذمها . لقد استبدلوا بهذا امر الله الذي يقول {ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون} ، وصرفوا النظر عن طاعة احكام حجج الاسلام مراجع التقليد ونواب الامام" [56]. وحسب اية الله نوري فانه "ليس في الاسلام نواقص كي ياتي احد ليكملها . وفي الوقائع الحادثة يجب الرجوع الى باب الاحكام ، اي نواب الامام عليه السـلام ، وهذا استنباط للاحكام من الكتاب والسنة وليس تقنينا"[57].
يرجع قلق الفقهاء من قيام البرلمان بوضع القانون الى تأثرهم بقدامى المتكلمين ، الذين عالجوا الحكومة باعتبارها امامة ، واعتبروا رئيسها اماما للمسلمين يجمع بين ادارة امور الدنيا والدين. طبقا للقرطبي فان هذه الولاية "من أركان الدين الذي به قوام المسلمين"[58]. رئيس الدولة – حسب هذا التصور- ليس مجرد مدير لمصالح المجتمع ، بل هو ايضا حافظ للدين وهاد للمسلمين ومجتهد في استنباط الاحكام التي يحتاجونها  وقاض يفصل في الخصومات[59].
 تبلور هذا الجدل في وقت مبكر بعد قيام الجمهورية الاسلامية. ويكشف هاشمي رفسنجاني ، اول رئيس للبرلمان بعد الثورة ، عن جانب من التوجس الذي واجه النواب والفقهاء على حد سواء: 
كشف عمل المجلس عن تفاوت هائل بين ما لدينا من فتاوى وآراء فقهية ، وبين ما تحتاجه البلاد من تشريعات لضمان مصالح الناس. [...] طرح أمام المجلس قانون العمل على سبيل المثال وبعد النقاش تم إقراره ، لكن واجهتنا معضلة ان بعض بنوده تبدو غير مطابقة لأحكام شرعية معينة . واجهتنا نفس  المعضلة حين عرض على المجلس قانون الضريبة. وواجهتنا حين عرض على المجلس قانون العقوبات الادارية (التعزيرات) كذلك الحال عندما عرض قانون التعاونيات وقانون ملكية الأرض ، وقانون المدارس الخاصة وغيرها .
كل مسألة مهمة في البلد ، أدى طرحها إلى إثارة الجدل ، حول مطابقة القوانين المقترحة بشأنها لأحكام معينة في الشريعة أو فتاوى لفقهاء. وإذا لم نجد حلا لهذه المعضلات والمفارقات ، فلن نستطيع انجاز اي  عمل مهم على صعيد أسلمة القوانين وتنظيم البلد.[60]

عقم الطريق الفقهي

منذ زمن طويل نسبيا ، لاحظ عدد من الباحثين ان التفكير الديني في قضايا الشأن العام قد تجمد عند نقطة ما في القرون الوسطى. واجه العالم الاسلامي تحديات جسيمة ، سيما في النصف الثاني من القرن العشرين ، لكن مدارس العلم الشرعي لم تنجح في اطلاق حركة اجتهاد تتناسب سعة وعمقا مع جسامة تلك التحديات. يبذل الفقهاء المعاصرون ، مثل اسلافهم - جهودا كبيرة في البحث العلمي ، لكن هذه الجهود ليست – في الاغلب – سوى تكرار لما فعله الاسلاف. لقد تحول البحث الفقهي الى عمل نظري بحت معزول عن محيطه وأغراضه المفترضة[61]. لهذا فان الناظر الى كتب الفقهاء سوف "يظن ان الاسلام دين لا ربط له بالحياة البشرية المتطورة وبالادارة والسياسة والحركات البناءة في العلم والاقتصاد والقضايا الملموسة الجارية في المجتمع والحياة"[62].
يعتقد المرحوم الغزالي ان اغفال الفقهاء لقضايا الدولة والادارة العامة ، كان ثمرة لانسحابهم من الحياة السياسية ،  بعدما تحولت الى نظام غلبة يستمد قوته من العصبيات القبلية واحتكار السلاح[63]. وهذا تفسير مال اليه منتظري وعدد من المعاصرين [64]. ولاحظ زنجاني ان موضوعات الفقه العام ، لا تحظى بقيمة اعتبارية في المجامع العلميـة والحوزات ، مساوية للقيـمة التي تحظى بها موضوعات الفقـه الفردي ، مثل الطهارة والصلاة وما إليها[65]. ويعتقد العروي ان فقر الفكر  السياسي الديني يرجع الى هيمنة نموذج الحكم السلطاني خلال معظم التاريخ الاسلامي[66]. وفي هذا النموذج لا يوجد مكان للفقيه او المجتمع ، فمصادر القوة والسلطة محصورة كلها في يد اصحاب المال والسلاح.
هذه الاعتبارات مبنية على فرضية مسبقة تتألف من جزئين: الاول ان الفقهاء هم المخولون بتشخيص وتطوير الرؤية الاسلامية للدولة وعلاقتها بالمجتمع. الثاني: ان المنهج الفقهي اداة مناسبة لاستنباط النظرية الاسلامية في الدولة ، وان افتقارنا الى نظرية كهذه كان نتيجة لانفصال الفقهاء عن الحياة السياسية.
في رأيي ان الفرضية غير صحيحة. من حيث المبدأ ، ذلك لان الاجتماع السياسي السياسي والدولة موضوع للفلسفة السياسية وليس علم الفقه. علم الفقه موضوعه افعال العباد التي يتعلق بها احد الاحكام الشرعية الفرعية الاربعة "واجب ، حرام ، مكروه ، مستحب". وهو يتجه الى نوعين من الافعال: احدهما يصنف منهجيا تحت عنوان العبادات ويصنف الاخر تحت عنوان المعاملات.
يشير الصنف الاول الى الافعال التي يقوم بها العبد تقربا الى الله ، بغض النظر عن اي جوانب دنيوية. وهي اقرب الى الاخلاقيات واداب السلوك. اما الثاني فهو الافعال التي تنطوي على علاقة مع اشخاص اخرين ، ودور الفقه هنا شبيه لدور القانون ، فهو يقتصر على تحديد المسموح والممنوع من الافعال.
بناء نظرية حول الاجتماع السياسي يبدأ بثلاثة اسئلة:
الاول : ماهي طبيعة هذا الاجتماع وما هي اغراضه؟
الثاني : ماهي الوسائل والطرق التي تحقق هذه الاغراض؟
الثالث: ما هي معايير الفصل في التنازعات التي تنشأ في داخله وقد تهدد بتحويل الوسائل الى اغراض نقيضة؟.
واضح ان هدف الاجتماع هو ضمان العدل بين الناس وحرياتهم الاساسية ، وهو سؤال فلسفي. نحن نسأل احيانا: كيف يحقق الدين العدالة الاجتماعية. وفحوى هذا السؤال ان العدل الاجتماعي هو الهدف وان الدين هو الوسيلة. بمعنى اخر ان العدل من القيم المستقلة السابقة للاديان والقوانين ، ولهذا فان اي جواب مستمد من الدين او غيره ، يحاكم بناء على قيمة العدالة وليس العكس. زبدة القول ان سؤال الهدف (العدالة) سؤال فلسفي وليس دينيا ، ولهذا لا نبحث عن جوابه في علم الفقه.
اما السؤال الثاني (الوسائل التي تحقق العدل) فيتعلق بعلم السياسة ، ومهمته تفسير العلاقة بين البنيات الاجتماعية وما يتولد في اطارها من افعال ، وكيف يقود هذا الطريق الى ذلك الغرض. من المفهوم ان البنيات الاجتماعية وما يتناسب معها من ادوات ووسائل ، في حال تحول مستمر ، تبعا للتحولات الاقتصادية والثقافية والسياسية ، في المجتمع المعني وفي محيطه. حياة البشر حركة دائبة ، تتغير في اطارها الثقافة وقيم الاشياء ومصادر المعيشة وتوقعات الافراد. هذا ما اسماه هانس-جورج غادامر بالافق التاريخي الذي يصنع وعيا متجددا ، دائم التحول ، بالحاجات والتوقعات والوسائل " بقدر ما يكون الافق التاريخي شاهدا ومؤثرا في فهم الحاضر ، فانه بنفس القدر يكون عرضة للزوال والتلاشي"[67]. بديهي ان التعامل مع الواقع المتغير ، يحتاج بدوره الى ادوات متغيرة يبدعها الانسان ويطورها باستمرار ، ولا يمكن اخضاعها لتصور ثابت او ادوات ثقافية نهائية. ومثل ذلك المعايير وادوات القياس ووسائل حل التعارضات والتنازعات.

الطريق البديل : اجتهاد جديد

لا اتصور اننا قادرون على تقديم رؤية اسلامية تستوعب حاجات الاجتماع السياسي المعاصر ، مالم نعد النظر في فهمنا للعلاقة بين الانسان والدين . هذا ينصرف الى اربع مهمات :
الاولى: اعادة تشكيل المنهج المعتمد في الاجتهاد وقراءة النص الديني ، على نحو يجعل النص كله – وليس ايات الاحكام –  مصدرا للفكرة الدينية .
الثانية: اعادة تشكيل العلاقة بين الانسان والدين ، بحيث لا يعود المسلم شريكا سلبيا ، منفعلا بأقوال قدامى الفقهاء وقرائهم من المعاصرين. يجب ان يكون المسلم في كل عصر شريكا في صوغ الفكرة الدينية ونمط التدين المتناسب مع حاجات مجتمعه. لا يصح البحث عن اجوبة لاسئلة اليوم في كتب السابقين. السؤال تعبير عن زمنه وظرفه الخاص ، وجوابه ينبغي ان ينبع من هذا الزمن والظرف. يجب ان نتخلص من الشعور بالذنب اذا تركنا اراء الاسلاف ، فليسوا مقدسين ولا كان علمهم نهاية العلم.
الثالثة: النظر الى الدين كطريق ومنهج للحياة ، لا قيدا عليها. هذا يتطلب اعادة الاعتبار الى القيم الانسانية المستقلة السابقة للدين ، مثل العدل والحرية والنظام ، باعتبارها معايير حاكمة على جميع الاحكام ، الدينية والعرفية ، سيما تلك المتعلقة باستعمال الوسائل الجبرية في التعامل مع الافراد.
الرابعة: الايمان بان عالمية الدين لا تعني الوجه الفاعلي ، اي كونه رسالة لجميع الناس فقط ، بل ايضا الوجه التفاعلي ، اي شراكة جميع البشر في تطوير الظرف الانسب للحياة في الكون وعمران الارض. هذا يعني احترام تجارب البشر في اي مكان كانوا ، وباي دين او مذهب دانوا. كل من هذه التجارب لبنة في عمران الارض ، وكل فرد من سكان الكوكب شريك فيها. بعبارة اخرى فان التفكير في الدين كرسالة كونية متفاعلة مع الناس جميعا ، يعني ان الافكار والاراء التي توصل اليها البشر خلال تاريخ الانسانية الطويل ، لا ينبغي ان تعامل كشيء "اجنبي" عن الدين او غريب. لا عيب ان نأخذ بالمبدأ الديمقراطي اذا وجدنا انه يحقق القيم العليا التي اقرها الدين او جاء بها. وكذلك الحال مع اي فكرة او راي او نظرية.
يقدم الدين الكثير من القيم والمعايير الضرورية لتمكين الانسان والجماعة من جعل حياتهم اكثر انسجاما مع الكون الذي يعيشون فيه. لكن هذا مشروط بتوفر ارضية فلسفية سليمة يقوم عليها النظام الاجتماعي. هذه الارضية لا يوفرها علم الفقه وليست مما يتدرب عليه الفقهاء. سوف نجدها كمباديء عامة في النص الديني ، سيما القرآن الكريم ، وليس في بحوث الفقهاء التي جرى اختصارها في نطاقات محدودة. طبقا للمتعارف فان دائرة عمل الفقهاء لا تتجاوز ما جرى التعارف عليه بآيات الاحكام ، وهي  500 آية ، تشكل نحو 8% من مجموع القرآن الكريم[68].
حين نسعى لفهم الدين في دائرة اوسع من دائرة الفقه ، فسوف نكتشف مسارات تختلف كثيرا عما تعارف عليه الفقهاء. هذا يتطلب الخروج بعلم الدين من الدائرة الضيقة للفقه ، ومشاركة جميع اهل العلم ، ومطالعة التجارب الانسانية في مختلف العصور. الرؤية الدينية ليست كلاما  يقال باللغة المتعارفة في التراث ، وليست حشد الايات والروايات وقصص السابقين ، بل الاجوبة المناسبة – ولو كانت مؤقتة – على الحاجات والتحديات التي ولدت في رحم التحولات المتواصلة للمجتمع الانساني. الاجوبة التي يمكن محاكمتها الى ثلاثة معايير اساسية:
1-      الافق التاريخي للمجتمعات المسلمة في زمنها الحاضر.
2-      القيم العليا الخاصة بالموضوع. فيما يخص مسألة السلطة فان العدالة الاجتماعية هي القيمة العليا.
3-      مرونة الجواب ، اي قابليته لاستيعاب التحولات.

نماذج جديدة

لاحظت خلال دراسات سابقة عن التجربة الايرانية ، ان التيار الاصلاحي هناك قدم ما اظنه اكثر المحاولات النظرية تطورا فيما يخص النظام السياسي. الابحاث والدراسات المتعلقة بفكرة "الديمقراطية الدينية" التي تبناها ذلك التيار ، عرضت مقاربات غير مألوفة حول بعض اهم القضايا الاشكالية في التفكير السياسي الديني. وهي تكتسب قيمة اضافية لصدورها عن تيار مارس السياسة في الحكم والمعارضة ، ويضم في صفوفه رجال دين ومفكرين وسياسيين ، مما يضفي تنوعا ملفتا على المعالجات التي اقترحها لقضايا مثل حاكمية الشعب ، ومكانة الدين في المجال العام ، وحقوق المواطنة ، والحريات المدنية .. الخ[69].
ويهمني في نهاية هذه المقالة الاشارة لمحاولات قام بها فقهاء ومفكرون حاولوا التحرر من الدائرة الضيقة لعلم الفقه القديم ، وقدموا ما يمكن اعتباره مبادرات نموذجية. اعرضها بهدف لفت الانظار الى الامكانات المتاحة في النص او في التجربة الدينية ، الامر الذي يشجع على الانتقال الى مرحلة اعلى:
1)  الحريات الفردية معيار لشرعية النظام:  يعتقد اية الله شبستري ، وهو فقيه وفيلسوف اصلاحي ، ان ضمان حق الفرد في التفكير والتعبير والاعتقاد هو المعيار الاعلى لعدالة اي نظام سياسي.  وفي المقارنة بين النظم القائمة ، يرى ان الديمقراطية هي النظام الوحيد في هذا العصر، الذي يضمن التحقق النسبي لحقيقتين كبيرتين هما العدالة والحرية اللائقة بالانسان، وفي ظلهما يستطيع الانسان تحقيق انسانيته. تجربة الانسان تثبت ان التعويل على العقل الجمعي وتنظيم ادوات رقابة فعالة على السلطة تقود بالتاكيد الى تقليل اخطاء السلطة[70]. وعلى مستوى المنهج يرى شبستري ، ان منهج الاستنباط التقليدي يفتقر للعقلانية بسبب تركيزه الزائد على الاطار اللغوي ، وهو مؤقت ومشروط بظرفه الخاص. وهذا يفسر التفاوت الكبير بين التعاليم الدينية وضرورات الحياة المعاصرة[71].
 2)  الناس شركاء في صناعة الفكرة الدينية:  يدعو د. حسن الترابي ، المفكر والحركي البارز ، الى تجديد جوهري في الفقه والاجتهاد ، يتناول منهج البحث واغراضه ووصف المشاركين فيه. وهو يرى ان التوصل الى رؤى جديدة يتوقف على اطلاق حرية التفكير الديني[72]. صناعة الفكرة الدينية ليست عملا يختص به الفقهاء بل مجال يشارك فيه جميع المسلمين: "الاجتهاد مثل الجهاد ، ينبغي ان يكون لكل مسلم فيه نصيب"[73]. ركز الترابي على الربط بين مبدأ الشورى (المستعمل عادة في الكلام السياسي الديني) وبين اصل الاجماع ، وهو الثالث من مصادرالتشريع الاربعة المتعارفة في الفقه. يعتقد الترابي ان الشورى والاجماع مبدأ واحد ، وان المقصود بهما "اجماع عامة المسلمين". ويعتقد ان الاجماع هو التعبير القديم عما نسميه اليوم بالراي العام.
3) شراكة غير المسلمين شرط لعمومية الشورى: كان العلامة النائيني ، احد زعماء الثورة الدستورية (1905) بين عدد قليل جدا من الفقهاء الذين اعتبروا الشعب صاحبا للسلطة ، وان ارادته منتجة للشرعية السياسية ، وهو يقول في هذا الصدد "نسبة افراد الامة إلى السلطان هي نسبة الشريك إلى شريكه ، [...] كما ان كل المتصدين لامور البلاد العامة هم بمثابة الامناء لا المالكين أو المخدومين ، فهم – مثل غيرهم – مسؤولون امام شعبهم في امور وظيفتهم وخاضعون للمحاسبة والعقاب على أي تقصير"[74]. ويؤكد النائيني دائما على ان المجتمع السياسي هو عامة الشعب ، وان اعضاءه يتمتعون بشراكة متساوية في السلطة ، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الاجتماعية ، ولهذا اعتبر شرعية البرلمان ناقصة ما لم تتمثل فيه الاقليات ، بما فيها الاقليات غير المسلمة ، لان عمومية الشورى تتوقف على مشاركتهم[75].
4) الدور التشريعي للبرلمان تشخيص عقلائي للمصالح وليس وضعا لاحكام شرعية:  قدم اية الله الخميني ما اظنه ادق معالجة فقهية للاشكالية الخاصة بالدور التشريعي للبرلمان. نعرف أن الرؤية الدينية القديمة تميل الى اعتبار التشريع حقا خاصا بالرسول والإمام ومن ثم الفقيه. وقد عالج الخميني هذا الإشكال من خلال صياغة جديدة لمفهوم التشريع، فطرح فكرة "مصلحة النظام" كإطار مفهومي لمعالجة الأحكام المتعلقة بسلطة الدولة والمصالح العامة.
 ضمن هذا الإطار ربط الخميني تطبيق الأحكام الشرعية بالمصلحة المستهدفة من الحكم. ومع الأخذ بمبدأ التعريف والتشخيص العرفي للمصالح، فإن قابلية الحكم الفقهي للتحول إلى قانون ملزم أصبحت مرهونة بما يؤدي إليه من مصلحة. وينطوي هذا المفهوم على إعادة تعريف للدور التشريعي المناط بالبرلمان وكذلك المجتهدين في قضايا الشان العام ، كي يصبح تشخيصا للمصالح العامة وليس إنشاء لإلزام ديني أو تصريحا عن الإرادة الإلهية، كما هو مفهوم التشريع الشائع بين الإسلاميين.
 استفاد الخميني من القاعدة الاصولية المعروفة "الاحكام تدور مع المصالح نفيا او اثباتا"[76] ، وقبول كثير من الفقهاء بإرجاع تشخيص المصالح إلى عرف العقلاء[77]، فأعطى هذا الدور لممثلي الشعب باعتبارهم عقل الأمة وممثلي إجماعها أو عرفها العام. جرى تطبيق هذا المبدا بتشكيل هيئة تحكيم تسمى "مجمع تشخيص مصلحة النظام" تتألف من رجال دولة حاليين وسابقين وبعض الفقهاء ، وترجع اليها مشاريع القوانين التي يختلف حولها البرلمان والحكومة من جهة ، والفقهاء الاعضاء في "مجلس صيانة الدستور" المخولين بالتاكد من مطابقة القوانين لاحكام الشريعة ، من جهة اخرى. دور مجمع تشخيص مصلحة النظام هو الحكم على "وزن" المصالح العامة المنظورة في القانون مقابل نظيرتها المنظورة في اعتراضات الفقهاء ، وترجيح ما يرونه اكثر تحقيقا للمصلحة العامة[78].
5)  المجتمع وعاء السلطة : كان آية الله منتظري رئيسا لمجلس الخبراء ، وهو هيئة منتخبة تولت تدوين دستور الجمهورية الاسلامية لعام 1980. ويقول ان الفهم السائد بين كبار قادة الثورة يومئذ ، كان يميل الى اعتبار جميع السلطات ، بما فيها سلطة الفقيه ، محدودة باحكام الدستور[79]. كما يجادل بان المجتمع يملك حقا غير منازع في وضع ما شاء من الشروط والقيود على حكامه حين يفوضهم السلطة. وهي شروط يمكن ادراجها في الدستور او في اطار اجندة سياسية خاصة ، توضح التعهدات المتقابلة بين المجتمع ورئيسه[80]. يبني منتظري هذه الرؤية على مبدأ سابق فحواه ان المجتمع هو وعاء السلطة. الخالق سبحانه أودع سلطته المطلقة في الأمة التي تفوضها للحاكم بأي طريق يكشف عن إرادتها الصريحة كالانتخابات[81] . ويجادل منتظري بأن الرسول (ص) والائمة ليسوا استثناء من هذه القاعدة، فتوليهم للسلطة السياسية كان مشروطا بالبيعة العامة ، التي يعتبرها عقدا مع الأمة [82].
6)  رضا العامة شرط لشرعية الحكم : تحدث اية الله يوسف صانعي ، وهو تلميذ مقرب للخميني ، عن رضا العامة كاساس لشرعية الحكم ، وعن دور العرف العام في تشخيص المصالح.  وهو يرى ان الفقيه ليس له حق امامة المصلين ما لم يكونوا راضين به ، فضلا عن رئاسة الدولة: "دورنا هو الارشاد الى الطريق الصحيح . لكن ليس بالقهر والظلم والاكراه او العمل بخلاف مقتضيات العدالة او التدخل في حياة الناس [...] دور الفقيه هو بيان الاحكام ، اما تشخيص موضوعات الاحكام وكيفية تطبيقها ، فهو مثل تشخيص المصالح العادية راجع الى عامة الناس. [...] القول بان الناس عاجزون عن تشخيص الصالح والفاسد ، قول مخالف للعقل والنقل معا[83].

خلاصة

خلق "الربيع العربي" مجتمعا سياسيا متنوع التعبيرات ، يوفر فرصة لتطوير حركة تحول ديمقراطي. لكن بلوغ هذه الغاية ، يتوقف على تغيير جوهري في الثقافة السياسية.  ابرز عيوب الثقافة السياسية العربية هو قيامها على ارضية فلسفية تميل الى انكار المضمون التعاقدي للنظام الاجتماعي ، وكون المجتمع وعاء للسلطة ، مؤهلا لممارستها او تفويضها لمن يمثله. وبالنسبة للاسلاميين على وجه الخصوص فان تبني  قدامى الفقهاء والفلاسفة لذلك الارضية ، وظهور انعكاساتها في ارائهم ، اكسبها بعدا دينيا ، وبنيت عليها احكام وقواعد فقهية ، فتحولت الى ما يشبه الثوابت في التفكير السياسي الديني. التزام الحركات الاسلامية بهذا التراث يقود بالضرورة الى "خطاب" اجتماعي- سياسي غير ديمقراطي ، حتى لو عرض بلغة تبدو مشابهة للغة الخطاب الديمقراطي. 
عرضت المقالة انعكاس الخلفية الفلسفية لنظرية السلطة التقليدية ، على تصور التيار الديني التقليدي لثلاث من ابرز قضايا الاجتماع السياسي ، وهي علاقة المجتمع بالدولة ، المواطنة ، ومبدأ تفويض السلطة. فيما يخص النظام الاجتماعي ، فان المنظور التقليدي يميل الى تهوين قيمة الفرد والتاكيد على واجباته تجاه المجتمع السياسي وليس حقوقه المدنية ، كما في الخطاب الديمقراطي. وان الدولة كينونة مستقلة عن المجتمع ، مبرر قيامها الرئيس هو ميل الناس الى الفساد وعجزهم عن الاجتماع الطبيعي. خلافا للرؤية الجديدة التي انطلقت من الاقرار بعقلانية الفرد وقدرته على التواصل ، وهي مؤهلات قادت الافراد الى انشاء رابطة اجتماعية واقامة سلطة تمثل ارادتهم.
لاحظت المقالة ان ما يوصف بالنظرية الاسلامية في الدولة ، ينسب غالبا الى اراء لفقهاء سابقين ومعاصرين. وتبعا لذلك فان معظم الاراء التي عرضت خلال النقاش ترجع الى فقهاء بارزين . وتجادل المقالة ان هذه التجارب النظرية وغيرها تكشف ان الفقه ليس اطارا مناسبا لتطوير نظرية سياسية اسلامية ، بسبب هيمنة التفكير الفلسفي القديم على المدارس الفقهية ، وبسبب تمحور البحث الفقهي حول الواجبات والتكاليف ، اي القيود على الافعال ، بدل الحقوق ، التي تمثل ابرز محاور البحث في علم السياسة الحديث، وهي ايضا ابرز ما يسعى المجتمع العربي لاقراره في العلاقة بين الشعب والدولة.
من هنا فان التوصل الى رؤية اسلامية جديدة يتطلب مراجعة فهمنا للعلاقة بين الانسان والدين ، كما يظهر في اربعة موارد:
1-      اصلاح منهج الاجتهاد وقراءة النص الديني.
2-    جعل العلاقة بين الاسلام والمسلم تفاعلية ، بحيث يصبح المسلم في كل عصر شريكا في صوغ الفكرة الدينية ونمط التدين المتناسب مع ضرورات عصره.
3-    الرجوع الى القيم المستقلة السابقة للدين ، مثل العدل والحرية والنظام كمعايير لجميع الاحكام في المجتمع السياسي.
4-     عالمية الدين تعني الوجه التفاعلي ، اي شراكة جميع البشر في تطوير الظرف الانسب للحياة على الكوكب ، والاخذ بنتائج تجاربهم باعتبارها جزءا من الجهد الديني الهادف الى عمران الكون.
وللتاكيد على توفر الامكانيات الضرورية لاستنباط نظرية دينية تتناسب مع متطلبات المجتمع السياسي الحديث ، عرضت المقالة ستة نماذج لاراء فقهاء بارزين تجاوزوا المنظور التقليدي . فيما يخص :
1-      احترام الحريات الفردية كمعيار لشرعية النظام السياسي.
2-       ان الناس شركاء في صناعة الفكرة الدينية.
3-       ان صحة تطبيق "الشورى" مشروطة بمشاركة جميع اطياف المجتمع السياسي بمن فيهم غير المسلمين.
4-       الدور التشريعي للبرلمان يتجسد بشكل رئيسي في التشخيص العقلائي للمصالح وليس الكلام باسم الله.
5-       ان المجتمع وعاء للسلطة ، يفوضها كيف شاء لمن شاء.
6-       ان رضا العامة شرط لشرعية السلطة السياسية.



[1] محمد مجتهد شبستري ،: نقدى بر قراءت رسمى از دين ، (تهران 2000) ، ص 186
[2] G. B. Madison, The Logic of Liberty (Greenwood Press, 1986), The Introduction.
[3] Madison, ibid., p. 205
[4] John Rawls, Lectures on the History of Political Philosophy, ed. by S. Freeman, Belknap Press. , (Cambridge, MA. 2007). p. 207.
[5] For more, see: John Barrow & Frank Tipler : The Anthropic Cosmological Principle, Oxford University Press, 1988, p. 28
[6] Andres Rosler,  Political Authority and Obligation in Aristotle,  Clarendon Press, 2005, p. 71
[7]  محمد جواد لاريجاني : نقد دينداري ومدرنيسم ، ط. 2 ، اطلاعات (تهران 1997)، ص 192
[8] See J. Locke, (1690) The Second Treatise of Civil Government, Ch. II, retrieved from: www.constitution.org/jl/2ndtr02.htm. 
Somers makes a similar argument to support her theory of civil society. She highlights Locke’s idea of the pre-political society, especially its claimed capacity to be a self-organised, harmonious and fully functioning commercial community independent of the administrative state. Somers, M., ‘Narrating and Naturalizing Civil Society and Citizenship Theory: The Place of Political Culture and the Public Sphere’, Sociological Theory, vol. 13, no. 3 (Nov., 1995) 229-274, p. 249.
[9] محمد جواد لاريجاني: "اسلام : دولت قديم وجديد" ، حكومت اسلامي، العدد 16 (صيف 1379هش=2000م) ن. إ.:     www.rcipt.ir/pdfmagazines/016/03.pdf 
[10]   لاريجاني : نقد دينداري ، مصدر سابق ، صص 141-2
[11] Farzin Vahdat, ‘Post-Revolutionary Islamic Discourses on Modernity in Iran: Expansion and Contraction of Human Subjectivity’, International Journal of Middle East Studies. vol. 35  - issue 4  (Nov., 2003),  599–631, pp. 602-3
[12]  محمد جواد لاريجاني : حديث في ندوة "اسلام ودموكراسى" ، معرفت ، العدد 12 ، (ربيع 1995) ن. إ. http://lib.eshia.ir/46225/1/3
 [13]  محمد جواد لاريجاني : "حكومت اسلامى ومرزهاي سياسي" حكومت اسلامى ، ع 2 ، (شتاء 1375 هش=1996م) ، ن. إ. http://www.rcipt.ir/pdfmagazines/002/04.pdf  
 [14]  مصباح يزدي : نظريه سياسي اسلام (قم 2001) ص 150
[15]  لاريجاني : نقد دينداري ، مصدر سابق. ص 192
[16]  لاريجاني : نقد دينداري ، المصدر السابق  ص 69
[17] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن ، مؤسسة الاعلمي ، (بيروت 1973) ج1 ص 116
[18] العلامة الحلي الحسن بن يوسف : الالفين ، مكتبة الالفين ، (الكويت 1985) ص 26
أيضا : محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد . تحقيق لجنة التحقيق بجمعية منتدى النشر بالنجف ، ط2 دار الاضواء ، (بيروت 1986) ، ص. 183
[19] احمد الصابري: الهداية إلى من له الولاية ، تقرير بحث اية الله الكلبايكاني ، المطبعة العلمية ، (قم 1383) ص.39
[20] ابو نصر الفارابي: السياسة المدنية، تحقيق فوزي نجار، المطبعة الكاثوليكية، (بيروت 1964)  ص.  99
[21] Aristotle, Politics, Tran. by B. Jowett, Bk. VI, Ch. 4, e. edition: http://classics.mit.edu/Aristotle/politics.1.one.html
[22] Plato, The Republic, tr. Henry Davis & George Burges, M. Walter Dunne (New York, 1901), p. 65
[23] Raymond G Gettell,  History of Political Thought,  Century, (New York, 1924), p. 88-90
 [24]  وردت فقرات من خطبة المجلسي في محمد ابراهيم نصيري: دستور شهرياران ، بكوشش محمد نادر نصيري مقدم ، بنياد موقوفات دكتر محمد افشار ، تهران (1373 هـ.ش.) ، ص 21
لمناقشة دفاعية عن مواقف المجلسي السياسية، انظر: ابوالفضل سلطان محمدي: " همكاري با حاكم جائر در نگاه علامه مجلسي" ، حكومت اسلامي (فصلية) ع 20 ، صيف 1380 هـ. ش. http://www.rcipt.ir/pdfmagazines/020/10.pdf
[25] Rawls, op. cit., p. 217
[26] Thomas Hobbes, De Cive, Or, the Citizen (1651), ed. by S. Lamprecht, Appleton-Century-Crofts, (New York, 1949), p. 67, 
[27] Jean-Jacques Rousseau, Discourse on the Origin of Inequality, Trans.by F. Philip, ed. by P. Coleman, (Oxford University Press, 1999), p. 69
[28] David Held, ‘Central Perspectives on the Modern State’, in McLennan, Hall, & Held (eds.).The Idea of Modern State. Open University Press (London 1984), p. 32
[29]Quoted in  Thomas Nagel, ”Rawls and Liberalism”,  in Samuel Freeman (ed.) , The Cambridge Companion to Rawls, ( Cambridge University Press, 2003), p. 72
[30] John Christman, Social and Political Philosophy: A Contemporary Introduction, )Routledge, 2002(, p. 27
[31] Alisa Carse,  ‘The Liberal Individual: A Metaphisical or Moral Embarrassment?’, Noûs, vol. 28, no. 2 (June, 1994) 184-209, p. 185.
[32] انظر مثلا اعتراضات الجماعيين على الفردانية، سيما بالرجوع الى اراء كانت ، في:
 Harvey Mansfield, “Self-Interest Rightly Understood”,  Political Theory, vol. 23, no. 1, (Feb., 1995), pp. 48-66., p. 54.
[33] J. P. Geise, ‘In Defence of Liberalism’, The Western Political Quarterly , vol. 44, no. 3 (Sep., 1991) 583-604, p. 593.
[34] Stuart Hall,  ‘The State in Question’, in McLennan, Hall, & Held, op. cit., p. 24.
[35] John Hall, Liberalism: Politics, Ideology, and the Market , University of North Carolina Press, (Chapel Hill, 1988) p. 185.
[36] R. Scruton, A Dictionary of Political Thought, Macmillan  (London, 1996), p. 71.
[37] For a brief discussion on the topic, see David Held, Models of Democracy, 2nd edition, Polity (Cambridge, 1997), p. 78
[38] انظر مثلا مجادلات النوري في رسالته "حرمت مشروطيت"، في غلام حسين زركري نجاد: رسائل مشروطيت ، كوير، (تهران 1995) ص 160
[39] عبدالله جوادي آملي: حق و تکليف در اسلام، (قم، اسراء، 1384 هـ.ش.)، ص 49
[40] كاظم الحائري : فقه العقود،  ط 2، مجمع الفكر الاسلامي، (قم 1423)،، ص 126
[41] Francis MacDonald Cornford,  The Republic of Plato, Oxford University Press, (London, 1945), p. 114
[42] عباس قائممقامي: قدرت ومشروعيت ، سوره ، (تهران 2000) ص 112
[43] يزدي : نظريه .. مصدر سابق ، ص 311
[44] محمد جواد لنكراني: تئوري عدالت در حكومت اسلامى وولايت فقيه ، موقع شخصي . إ.: http://www.fazellankarani.com/persian/works/article/3484/.
[45]  اصدر الخميني بهذا الصدد بيانا من ثماني نقاط في ديسمبر 1982 . لتفصيلات حوله ، انظر مهريزي : "دولت دينى وحريم خصوصى" ، حكومت اسلامي ،العدد 12 (صيف 1999) . ن. إ.:  http://www.rcipt.ir/pdfmagazines/012/04.pdf.
[46]  حول الانعكاسات السياسية للنظارة الاستصوابية ، انظر حبيب الله بيمان : " نظارت استصوابي مغاير حقوق ملت" في دفتر تحكيم وحدت : نظارت استصوابي ، افكار , (تهران 1999) ، ص 198
[47]  انظر مبررات مجلس صيانة الدستور في رفض التعديلات البرلمانية لقانون الانتخابات . ايسنا (1 ابريل 2003).
[48] محمد تقي مصباح يزدي : پرسش ها و پاسخ ها-1 ص 32. ن. إ. موقع شخصي  http://mesbahyazdi.org/farsi/?../lib/porsesh1/ch02.htm
[49]  نبي الله ابراهيم زاده آملي: منشأ مشروعيت حكومت در انديشه سياسى اسلام و امام خمينى ، فصلنامه حكومت اسلامي . ش 15 ، بهار 1379. http://www.rcipt.ir/pdfmagazines/015/07.pdf
[50] محمد تقي مصباح يزدي : "حكومت ومشروعيت" كتاب نقد ، ش 7 ، صيف 1377 - صص 42-77 ، ص 52. http://www.noormags.com/view/fa/articlepage/9616
[51] علي مشكيني : خطاب افتتاحي امام مجلس الخبراء (تهران ، 20 مارس 2001)
[52] عبد الله جوادي آملي: ولايت فقيه (قم 1988) ص 16-20
[53]  محمد ارسطا: "مجلس خبركان از ديدكاه نظريه ولايت فقيه" ، حكومت اسلامي ، عدد 8 (صيف 1998) ن. إ.: http://www.rcipt.ir/pdfmagazines/008/04.pdf
[54] ناصر مكارم شيرازي : بحوث فقهية مهمة (قم . د. ت) ، ص 472. ن.إ: http://makaremmedia.com/compilation/pdf/arabic/bohuth_feghhiyehto_mohemmeh.pdf
[55] A. Sachedina, The Just Ruler in Twelver Shiism,( New York 1988) p. 25.
[56]  ابو الحسن نجفي مرندي: "دلايل براهين الفرقان"  في زركري نجاد: رسايل مشروطيت ، (تهران 1995) ، ص. 205
[57] فضل الله النوري: "حرمت مشروطه" في نجاد ، المصدر السابق ص 166
[58] محمد بن احمد الانصاري القرطبي: الجامع لاحكام القران ، دار الفكر ، (بيروت 1985) 1/264-265
[59]  عبد الله جوادي آملي: سيري در مباني ولايت فقيه ، فصلنامه حكومت اسلامي ، ش 1 ، تابستان 1375 http://www.rcipt.ir/pdfmagazines/001/03.pdf
[60] فتاوى الامام تطور آخر في الفقه الشيعي ، مجلة حوزه ع 23 آذر ودي 1366 ، جامعة مدرسي الحوزة العلمية ، قم ، ايران .
[61] طه جابر ، أدب الاختلاف في الاسلام  ،كتاب الامة ( الدوحة 1405) ص141
[62] محمد ، محمد وعلي الحكيمي ، الحياة ، الدار الاسلامية ، (بيروت 1410) 2/356
[63] محمد الغزالي : كيف نتعامل مع القرآن ، ط 7 ، مكتبة نهضة مصر (القاهرة 2005) ص. 66

[64] حسين علي منتظري: دراسات في ولاية الفقيه ، ط2 الدار الاسلامية ، بيروت ، 2/300
ايضا د. حسن الترابي وآخرون : حوارات في الاسلام ، الديمقراطية ، الدولة ، الغرب دار الجديد ، (بيروت 1995) ، ص. 151
[65] آية الله عز الدين زنجاني ، مقابلة ، حوزة 23 ، آذر 1366 هـ.ش
[66]  عبد الله العروي: مفهوم الدولة ، ط 6 ، المركز الثقافي العربي ، (بيروت 1998) ص 120
[67] Cited in  T. Seung, Semiotics and Thematics in Hermeneutics, (New York, 1982), p. 189.
([68]) الحكيمي ، المصدر السابق 2/355
وذكر الشهيد الثاني ان القدر الذي يحتاجه المجتهد من القرآن الكريم "نحو خمسمائة آية ، أما بحفظها أو فهم مقتضاها ، يرجع اليها متى شاء .... ومن السنة جميع ما اشتمل منها على الأحكام ، ولو في أصل مصحح رواه عن عدل" (الشهيد الثاني زين الدين العاملي: الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، تحقيق محمد كلانتر ، انتشارات داوري (قم 1410 هج) ،  3/63
ونقل الشوكاني عن صاحب المحصول ان أحاديث الأحكام ثلاثة آلاف ، وعن احمد بن حنبل ان احاديث الرسول (ص) التي يدور عليها العلم ينبغي ان تكون الفا ومائتين (محمد بن علي الشوكاني ، ارشاد الفحول الى تحقيق الحق من علم الاصول، تحقيق شعبان اسماعيل ، دار السلام (القاهرة 1998) 2/719
وقال الغزالي : لا يشترط معرفة جميع الكتاب ، بل ما تتعلق به الأحكام منه ، وهو مقدار خمسمائة آية (ابو حامد محمد بن محمد الغزالي ، المستصفى في علم الاصول ، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي ، دار الكتب العلمية (بيروت 1993) ص 342[69] لتفاصيل حول الايديولوجيا السياسية للتيار الاصلاحي في ايران ، انظر توفيق السيف : حدود الديمقراطية الدينية ، دار الساقي ، (بيروت 2006) ، سيما الفصل الخامس. وحول الامكانية النظرية لفكرة "الديمقراطية الدينية" ، انظر توفيق السيف: الديمقراطية في بلد مسلم (2011) ، مدونة شخصية. http://talsaif.blogspot.no/2011/10/1.html
[70]  محمد مجتهد شبستري: محاضرة في مؤتمر "شريعتي واحياء الفكر الديني"  جامعة طهران 28 خرداد 1380 ، افتاب العدد 7 ، شهريور 1380
[71]  مجتهد شبستري: نقدى بر قراءت رسمى ، مصدر سابق ، ص  65
[72] حسن الترابي: تجديد الفكر الاسلامي ،دار القرافي ، (الرباط 1993) ص 12
[73] حسن الترابي: المصدر السابق، ص 23
[74]  محمد حسين النائيني: تنبيه الامة وتنزيه الملة ، في توفيق السيف :  ضد الاستبداد ، المركز الثقافي العربي ، (بيروت 1999) ص 253- 254
[75]  النائيني : المصدر السابق ، ص 329
[76] لتفاصيل حول هذه القاعدة ، انظر محمد تقي الحكيم : الاصول العامة للفقه المقارن، ط2 ، مؤسسة اهل البيت، (قم 1979) ، 1/269
[77] حول الجدل الخاص بالقيمة الدينية للتشخيص العرفي للمصالح بناء على قاعدة الحسن والقبح العقليين، انظر محمد رضا المظفر: اصول الفقه، مكتب الاعلام الاسلامي ، (قم 1370 هـ.ش) 1/207.
لاراء مختلفة في الموضوع ، انظر توفيق السيف : رجل السياسة ، الشبكة العربية (بيروت 2011) ، الفصل السابع
[78] حول اجتهادات الخميني ، انظر توفيق السيف : حدود الديمقراطية الدينية ، دار الساقي (بيروت 2008) ، الفصل الثاني
[79] حسين علي منتظري: خاطرات ، 1/454 ، ن. إ. موقع شخصي http://www.amontazeri.com/farsi/frame10.asp
[80] حسين علي منتظري: ديدگاهها ، 1/36 ن.إ. موقع شخصي http://www.amontazeri.com/farsi/frame4.asp
[81] حسين علي منتظري: دراسات في ولاية الفقيه ، الدار الاسلامية ، (بيروت 1988) 1/493
[82] منتظري : دراسات ، المصدر السابق ، ص 527
[83]  يوسف صانعى : حديث في المدرسة الفيضية ، قم ، ايسنا (2 يناير 2003)