الاثنين، 24 أكتوبر 2011

الديمقراطية في بلد مسلم - المقدمة





د. توفيق السيف (محرر)

الديمقراطية في بلد مسلم

د. محمد مجتهد شبستري
د. عبد الكريم سروش
د. محسن كديور
د. علي رضا علوي تبار
د. علي بايا


فهرس

تقــــــــــــــــــــــــــــــــديم
1)  الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية                                                         محمد مجتهد شبستري
2) الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية                                 محسن كديور
3) الديمقراطية الدينية: حاكمية العقل الجمعي وحقوق الانسان                           عبد الكريم سروش
5) في معنى الوصف الديني للديمقراطية                                                  علي بايا
6) جدل فقهي حول الدولة الحديثة                                                          توفيق السيف
      


تقـــــــــديم

يستهدف هذا الكتاب استعراض جانب من الصعوبات التي يواجهها التحول الديمقراطي في الشرق الاوسط . ويركز على تلك الصعوبات المتعلقة بالهوية والثقافة . محور النقاش هنا هو العلاقة الاشكالية بين الدين والديمقراطية والامكانات المتوفرة لاستنباط حلول تسمح بتطوير نظام سياسي يجمع بين قيم الدين الحنيف وفضائل الديمقراطية. عدا عن الاهمية النظرية لمثل هذه البحوث ، فان اهميتها العملية كبيرة هي الاخرى. يعتقد الكاتب ان التخلف المزمن في العالم الاسلامي هو في المقام الاول نتيجة لتحجر النظام السياسي ، الذي من تجسيداته انعدام الاجماع الوطني وتنافر الدولة والمجتمع ، وضمور الارادة العامة ، وانعدام الحريات الفردية ، وتعطيل المشاركة السياسية ، وبالتالي عجز المجتمع عن توليد حلول لمشكلاته. يمكن للديمقراطية ان تعالج هذا المعضل التاريخي من خلال اعادة توليد الطاقة الشعبية الخلاقة وتوجيهها في المسار الصحيح الذي يقود الى التقدم الحضاري وحل المشكلات المزمنة. مشاركة الشعب في ابتكار الحلول يتوقف على وجود نظام سياسي – اجتماعي يوفر الفرص والاطارات الضرورية كي يعبر الشعب عن ذاته وتطلعاته وامكاناته . هذا النظام هو بالضرورة نظام ديمقراطي .
فكرة الديمقراطية ليست جديدة في العالم الاسلامي فقد جربها عدد من المجتمعات المسلمة ونجح قليل منها وأخفق اكثرها . وفي اعتقادنا ان تكرار تعثر التجارب الديمقراطية في البلدان الاسلامية هو – في احد الوجوه على الاقل - ثمرة لغربة النموذج الديمقراطي وتباعده عن النسيج الثقافي الخاص بهذه المجتمعات ، اي التباين الثقافي بين الذهنية العامة للمسلمين والارضية الفلسفية التي تقوم عليها فكرة الديمقراطية . من هنا فثمة ضرورة لتصميم نموذج ديمقراطي محلي قابل للتفاعل مع ثقافتنا الخاصة كشرط اولي لتحقيق مشاركة شعبية ذات معنى ، وتبلور ذهنية تسمح بالتفاعل الايجابي بين الفرد ومحيطه ، اي ذهنية تسمح بالنقد والتبادل المعرفي الحر والتنافس السلمي على الادوار والمصالح المشتركة. تعثر الديمقراطية او فشلها يعني بالضرورة استمرار الخضوع الذليل لنماذج من الحكم مستبدة وعاجزة. الديمقراطية ليست وعدا بالمدينة الفاضلة ، ولا هي الحل السحري لجميع المشكلات ، بل هي ببساطة وسيلة لتنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة ، ثبت بالتجارب المكررة ولمدة طويلة من الزمن ، انها الانجح والاكثر قابلية للتطور والتكامل بين جميع نماذج الحكم الاخرى. الديمقراطية مفيدة لانها توفر الفرصة للناس العاديين كي يعيشوا بسلام ، ويسعوا في الارتقاء بحياتهم في ظل قانون واحد يتعامل معهم كمواطنين اكفاء لبعضهم ، متساوين في الحقوق والواجبات. هذا الامان (وهو التجسيد الاول للحريات الفردية) هو احد العوامل الحاسمة التي ساعدت على تطور العلوم والفنون في المجتمعات الصناعية ونيلها اسباب القوة.
ان طريقنا الى المدنية يحتاج الى تمهيد يتناول جملة من المسائل من اهمها خلق الذهنية القابلة للتفاعل مع العناصر الثقافية والمادية للحداثة ، ووضع نهاية للتازم السياسي الذي يتوارثه المسلمون جيلا بعد جيل.
لماذا نثير هذا النقاش اليوم ؟
لو اخترنا الديمقراطية قبل قرن ، فلربما كنا الان ننافس الامم المتقدمة التي استراحت من هموم السياسة وانصرفت الى هموم العلم والحضارة ، ولربما كان عالم اليوم مختلفا جدا عما هو عليه . لكن الامور مرهونة بأوقاتها ، وليس من المفيد النوح على ما مضى. وعلى اي حال فان زمن السؤال جزء اساسي من محتواه وشرط لفهمه . فكرة "الديمقراطية" مثلا كانت متداولة في الفلسفة اليونانية منذ القرن الرابع قبل الميلاد كوصف لاحد انماط الحكومة . لكنها لم تتحول الى سؤال جدي تتداوله النخبة وتفكر فيه العامة ويطرحه السياسيون على انفسهم الا في القرن السابع عشر الميلادي . زمن السؤال يعنى الظروف الخاصة الاجتماعية او الاقتصادية او السياسية التي تؤدي الى ازاحة بعض الانشغالات الثقافية من التداول اليومي وادراج قضايا اخرى تتحول بالتدريج الى محور للتفكير او جواب محتمل على لغز او مخرج محتمل من ازمة . من هذه الزاوية فقد كانت الديمقراطية جواب المجتمعات الاوربية على ازماتها السياسية – الاجتماعية التي تولدت عن النزاعات بين الملوك من جهة والتطور الاقتصادي – الثقافي وما اثمر عنه من تغير النظام الاجتماعي ، من جهة اخرى .
حين انتصرت الثورة الاسلامية في 1979 لم تكن "الديمقراطية" مطروحة كنموذج محتمل لنظام الحكم المراد اقامته . كان الجميع متفقا على ان حكومة اسلامية سوف تكون البديل الافضل عن كل ما سواها . مثل كل المفاهيم الجديدة ، لم يكن مفهوم "الحكومة الاسلامية" الذي طرح يومئذ واضحا ومحددا . كان الميل في اول الامر الى نظام يقوم بشكل كامل على سيادة الشعب مع دور اشرافي للفقهاء ، ودعا بعض زعماء الثورة الى ما يشبه الديمقراطية الاجتماعية التي كانت قائمة يومئذ في الدول الاشتراكية ، بينما رأى اخرون ان الاسلام لا يحتمل غير نظام شديد التمركز على راسه فقيه يجمع بين يديه كل خيوط السلطة . في نهاية المطاف جرى وضع دستور يتسع لجميع هذه الخيارات ، فثمة دور محوري للنخبة الدينية اي الفقهاء وثمة تاكيد على سيادة الشعب وكونه مصدر السلطة[1].
هذا النموذج مختلف تماما عن معظم ما فكر فيه الاسلاميون قبل ذلك . بالنسبة للشيعة كان النظام السياسي الديني يتمثل حصرا في حكومة يراسها امام معصوم . وقال بعضهم بامكانية حلول الفقيه الجامع لشرائط الاجتهاد والعدالة في مكانه . وقال آخرون بامكانية ترك الحكم للسياسيين ومنح الفقهاء دورا رقابيا[2]. في كلا التصورين لم يكن ثمة نقاش حول دور الشعب الذي هو موضوع السلطة وجوهر الجدل حول الدولة والسياسة . مال قليل من المفكرين السنة الى نموذج الخلافة التي كانت قائمة حتى الربع الاول من القرن العشرين ، ومال اكثرهم الى نموذج حكم النخبة التي توصف باهل الحل والعقد . في هذين النموذجين ايضا كان دور الشعب مغفلا ومنسيا . يمكن القول اذن ان فكرة الدولة الدينية كانت حتى نهاية العقد السابع من القرن العشرين محصورة في "الحاكم" . ولهذا فقد تركزت النقاشات على مؤهلات الحاكم وسلطاته وكيف يصل الى منصبه .. الخ . وكان الاعتقاد السائد ان شرعية الحكم مستمدة من السماء ، وان على الناس اطاعة الحاكم لان الله امر بذلك ، لا لأن الناس اختاروه او رضوا به .
اختيار الايرانيين لنظام يقوم على مصدر شرعية ثنائي ، الشعب من جهة والتفويض الالهي من جهة اخرى ، هو ثمرة لعاملين : الاول هو التطور التاريخي الخاص بالمجتمع الايراني ولا سيما انعكاسات الثورة الدستورية (1905-1906) التي شهدت للمرة الاولى في تاريخ المسلمين تنظيرا فقهيا لسيادة الشعب وكونه صاحب السلطة ومصدر شرعيتها . اما العامل الثاني فهو التركيب المزدوج للنخبة التي قادت الثورة ، من فقهاء يميلون الى نمط الحكم المتعارف في التراث الديني ، ومفكرين يميلون الى الديمقراطية الليبرالية او الاجتماعية . بسبب هذين العاملين فقد شهد النقاش حول دستور الجمهورية الاسلامية الذي اقر في العام 1980 طرح مفاهيم جديدة لم تكن متداولة قبلئذ في المجتمع الديني او على الاقل لم تكن من موضوعات انشغاله . من بين تلك المفاهيم على سبيل المثال الارادة العامة ، الجمهورية ، تقسيم السلطات ، حاكمية القانون ، المواطنة والحقوق الدستورية .. الخ[3].
بدا للوهلة الاولى ان التوليف بين المفاهيم الدينية التقليدية والمفاهيم الديمقراطية الحديثة قد آتى ثماره ، وان نموذجا جديدا للحكم الديني يجمع حسنات التراث والحداثة قد ولد . لكن التطورات السياسية والتحولات البنيوية التي شهدتها ايران خلال العقد الاول من عمر الجمهورية الاسلامية ، كشفت عن العديد من مواطن الغموض والاشكاليات التي تركها هذا النموذج دون حل . ابرز تلك الاشكاليات هو حدود سلطة الفقيه الحاكم ، ما اذا كانت ضمن الدستور او فوقه ، وحقيقة دور الشعب : هل هو صانع للسلطة ومصدر تام لشرعيتها ام هو تكميل وتزيين لها؟. وهل تضمن الدولة الدينية حريات الانسان الطبيعية ، اي الحريم الخاص الذي لا سلطة فيه لاي طرف عليه ام لا ؟ . وهل يتمتع المواطنون بحقوق مدنية ودستورية ام لا ؟. كل هذه القضايا كما هو واضح هي نقاط تماس بين مفهوم الدولة الذي انتقل الينا من الاسلاف ، وذلك الذي تطور في سياق الحداثة الغربية .
بعض هذه الاشكالات تحول الى معضلات بسبب افتقار قادة النظام الاسلامي الى التجربة السياسية ، وبسبب اختلاط المفاهيم والنماذج ، الناتج بدوره عن تباطؤ الفكر الاسلامي في التصدي للاشكالات والمسائل الجوهرية المتعلقة بالدولة والسياسة . لو بقيت تلك المشكلات في حدود الجدل النظري لهان الامر ، لكن الامر لم يكن على هذا النحو ، فقد جرى استعمال السلطة وموارد الدولة بصورة متكررة في التنافس السياسي وقهر المعارضين . وفي كل الحالات كانت هذه المواقف غير المنصفة تبرر بتفسيرات متعسفة لنصوص القانون والدستور والقيم الدينية والوحدة الوطنية وسلامة النظام العام ، وغير ذلك من التبريرات التي تبدو في ظاهرها سليمة .
منذ اواخر الثمانينات توصل العديد من المفكرين الايرانيين الى ان ارقى فكر وافضل دستور في العالم لا يمكنه منفردا ان يضمن حقوق الافراد وحرياتهم . في كل الاحوال سيجد الحاكمون تبريرا من نوع ما للالتفاف على القانون . ويحدث هذا في كثير من الاحيان بحسن نية ، اذ يظن هؤلاء الحاكمون انهم يفعلون خيرا لشعبهم ونظامهم . ثمة وسائل عديدة توصلت اليها مجتمعات العالم لاعاقة تغول الدولة واستخدامها المتعسف للقانون والدستور ، من بينها وجود ثقافة عامة تأبى التسلط وتمانع من نمو النزعات الاستبدادية والاقصائية ، وتبلور مجتمع مدني منظم ونشط يحول دون تمركز مصادر القوة في يد الدولة او نخبة محددة .. الخ . هذه المفاهيم تنتمي جميعا الى نموذج الحكم المسمى بالديمقراطية الليبرالية .
تبعا لتلك القناعة بذل اولئك المفكرون جهودا حثيثة لاقناع مواطنيهم بالحاجة الى تطوير نظامهم السياسي كي يتخلص من العيوب التي ظهرت اثناء الممارسة العملية خلال العقد الاول من عمره . وركزوا خصوصا على مفاهيم مثل حاكمية القانون والمساواة وحقوق الانسان والمواطنة وما يماثلها . لكنهم واجهوا على الدوام من يعارض هذه الدعوة بحجة انها تتنافى مع المباديء الاسلامية . في حقيقة الامر فان بعض الفقهاء والمفكرين المحافظين لم يتردد ابدا في القول صراحة ومن دون اي مواربة ان الاسلام يجيز اقامة حكم استبدادي اذا كان مفيدا لضمان التزام المجتمع بتعاليم الدين[4] . وصرح آخرون بان لا حدود لسلطة وصلاحيات الفقيه الحاكم ولا رقابة لاحد عليه وهو غير مسؤول امام احد سوى الله . كما انكر فريق ثالث اي دور للشعب في تقرير سياسات البلد او اختيار حكامها ، فدور الشعب محصور – حسب هؤلاء – في دعم وتاييد وتشجيع الفقيه الحاكم المفوض من قبل الله . وقال بعضهم ان الاسلام لا يسمح بالمساواة المدنية بين المواطنين . ثمة مواطنون يمكن لهم ان يشغلوا المناصب العامة واخرون لا حق لهم ، فالناس ليسوا سواسية امام القانون . كل هذه الاراء - ونحن ننقلها عن مجتهدين بارزين – تستند الى تبريرات تبدو لاصحابها ولمن يتبعهم معقولة ومتينة وراسخة في التفكير الديني . لم تكن هذه الافكار مشكلة لو اقتصرت على المجادلات النظرية ، لكنها شكلت في واقع الامر مبررا واساسا لسياسات ومناهج عمل وتعرضت بسببها اطياف من الشعب واهل الراي فيه للتهميش والقمع والحرمان من الحقوق المدنية.
لهذا السبب وجد الكثير من الناس امامهم ازاء سؤال جدي: هل نقبل بحكم اسلامي مستبد؟. وهل يمكن ان يكون الحكم اسلاميا ومستبدا في الوقت نفسه؟. وهل تستحق الحكومة الاسلامية ان يتنازل الناس عن حريتهم وحقوقهم من اجل اقامتها واستمرارها ؟.
بالنسبة للمفكرين الاسلاميين فقد كان يشغلهم سؤال جوهري : هل ثمة امكانية لاستنباط نموذج حكم يلتزم بقيم الدين السامية ويحافظ على كرامة وحقوق المواطنين في الوقت نفسه ؟.
يدور هذا السؤال كما هو واضح حول امكانية التناسب بين الدين والديمقراطية ، اي حاكمية الله وسيادة الشعب . في الحقيقة فان طرح هذا السؤال قد اثار اهتمام العديد من اهل الفكر من رجال الدين والاكاديميين والسياسيين . وطرحت في سياق النقاش حوله اراء عديدة قيمة . ركز بعضها على الاطار الفقهي للسؤال ، وركز غيرها على الاطار الدستوري ، او السياسي ، او الاجتماعي . ولا شك ان ما كتب في هذا السياق من بحوث يمثل اضافة هامة للفكر الاسلامي المعاصر . واظن ان النقاشات الايرانية لهذا السؤال قد تجاوزت فعلا مستوى النقاش السائد بين الاسلاميين العرب ، من زاوية تفصيحها لنقاط الجدل والاشكالات ، ومن زاوية الحلول والمعالجات المقترحة .
****
ثمة نقد كثير يمكن ان يوجه للديمقراطية كنظام سياسي واجتماعي . في الحقيقة فانه لا يوجد من يتوهم ان النظام الديمقراطي هو المدينة الفاضلة . كما لا يتوهم احد بانها – كنظرية او نظام عمل - خالية من العيوب ، او انها يمكن ان تناسب جميع الناس في جميع الاوقات . اذا كان ثمة من يسعى لحلول سريعة وكاملة ونهائية ، فلن يجد مثل هذه الحلول في الديمقراطية ، فهي بالتاكيد ليست "عصا موسى". نقول ايضا لمن يسعى للعثور على دليل من القرآن او السنة على فضل الديمقراطية او فائدتها بان يوفر وقته فلن يجد مثل هذا الدليل .
الديمقراطية ببساطة هي منظومة عمل تقوم على قاعدة مفهومية واخلاقية خاصة ، غرضها الرئيس هو حل المعضلة التاريخية المتمثلة في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين والتي يعكسها القول الماثور "من ملك استأثر". الذي جرى في تاريخ المسلمين كله ، ولا سيما في عصرهم الراهن ، ان الذين ملكوا لم يستأثروا بأملاكهم الشخصية دون الفقراء والمحتاجين ، بل استأثروا ايضا باملاك الناس ، اي المال العام والموارد المشتركة التي يتساوى في ملكيتها الغني والفقير والامير والخفير والسافل والنبيل . ولم يتوقف الامر عند هذا الحد ، بل سلبوا ايضا الحريات الطبيعية التي جعلها الله للناس يوم ولدتهم امهاتهم ، فاستأثروا هم ومن يدور في فلكهم بمصادر المعلومات والمعرفة وحرية التعلم والعمل والسفر والاتصال وغيرها .
د. عبد الكريم سروش
القاعدة المفهومية الاولى للنظام الديمقراطي هي ان الدولة ليست ملكا للحاكم او النخبة الغالبة ، بل هي مؤسسة اجتماعية تديرها الحكومة نيابة عن المجتمع ولمصلحته . وان النظام يقوم على عقد اجتماعي بين اعضاء المجتمع انفسهم من جهة وبينهم وبين حكامهم من جهة اخرى . بعبارة اخرى فان الدولة في المفهوم الديمقراطي ليست ملكا لشخص او فريق معين كي يستأثر به دون سائر خلق الله . بل هي هيئة اقامها المجتمع كي تدير مصالحه المشتركة كوكيلة عنه وممثلة له . ورجال الدولة موظفون عند المجتمع مسؤولون امامه وليسوا سادة له او جبابرة فوقه . يصل الحكام الى مناصبهم بارادة الناس ، ويحصلون على سلطاتهم وصلاحياتهم وفق تفويض علني واضح ومحدد الموضوع والزمان . قد يحكم رئيس الدولة او حكومته او نواب الشعب اربع سنين او خمس او اقل او اكثر ، لكنهم في نهاية المطاف بحاجة الى تجديد وكالتهم وتفويضهم ، فان رضي الشعب بهم والا نصب غيرهم في محلهم .
العقد الاجتماعي ليس ورقة تكتب وتنشر ، بل هو مبدأ فلسفي واخلاقي ، فحواه على وجه الدقة ان الناس جميعا شركاء في السلطة السياسية وفي الموارد العامة ، وانهم يديرونها ويقتسمون فوائدها بالرضا والتوافق ، وليس بالقهر والتجبر والغلبة . لا يوجد بين اطراف هذا العقد ، اي جميع افراد المجتمع ، من يتمتع بحق يزيد قليلا او كثيرا عن حقوق الاعضاء الاخرين . فالناس جميعا متساوون في المغانم والفرص كما انهم متساوون في المغارم والمسؤوليات . وهم متساوون لانهم اكفاء لبعضهم ، فليس فيهم ناقص وكامل ولا عادي وديلوكس ولا ابن حرة وابن أمة ، ولا اسود وابيض ، ولا جميل وقبيح ولا قبيلي وخضيري . كل الناس سواسية اكفاء لبعضهم ، وكلهم يتمتعون بنفس القدر من الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية .

فكرة عن فصول الكتاب


يتألف هذا الكتاب من مساهمات لستة كتاب ، تدور جميعا حول التناسب بين الدين والديمقراطية ، ويعالج كل منها المسألة من زاوية خاصة . وأملنا ان تساهم بمجموعها في ايضاح الجوانب الاشكالية الرئيسية التي ينطوي عليها الموضوع . الفرضية الاولية في المقالات الستة جميعا هي ان الديمقراطية الدينية تركيب مفهومي ووظيفي من عنصرين متمايزين عن بعضهما في المصدر والمعنى والتاثير ومجال الاشتغال. كما تفترض ايضا ان هذا التركيب ممكن على المستوى النظري والعملي. بمعنى انه يمكن اقامة نظام سياسي يجمع بين المباديء الكبرى للديمقراطية والقيم العليا للاسلام. الديمقراطية كما هو معروف ليست مفهوما صلبا احادي المعنى. ثمة نماذج عديدة ، لكن الكتاب الستة يركزون جميعا على عنصر "حاكمية الشعب" كجوهر لمفهوم الديمقراطية الذي يتبنونه. ويتضمن هذا المفهوم عددا من العناصر الاساسية ابرزها المشاركة العامة ، حاكمية القانون ، الحريات المدنية ، والمساواة. الدين هو الاخر ينطوي على افهام وتطبيقات عديدة ، يدعى كل منها اصابته لحقيقة التنزيل ومراد الخالق. لكن المساهمين يتفقون على الحاجة الى فهم للدين يتناسب مع النموذج الديمقراطي. الحكومة الدينية يمكن ان تكون فردية او نخبوبة او ديمقراطية ، وما يميز هذه عن تلك هو المنهج المتبع في تفسير القيم الدينية واستنباط الاحكام والقوانين.

بعبارة اخرى فان التوصل الى تركيب مناسب للدين والديمقراطية ، يحتاج الى فهم للدين يسمح بهذا التركيب ، كما يحتاج من جهة ثانية الى تعديل في مفهوم الديمقراطية كي يتناسب مع المضمون الديني الذي سيصبح جزءا من المنظومة القيمية للنظام السياسي. بناء على هذا فان الباحثين الستة يؤكدون على الحاجة الى قراءة جديدة للدين ، مختلفة منهجيا ومن حيث الاغراض عن القراءة الموروثة. ولعل ابرز ما يميز القراءة المقترحة هو خروجها عن اطار الفهم التقليدي للدين الذي يعتبر الفقه محور التدين او تجسيده الرئيسي في الحياة العامة. الفقه هو احد الاجزاء الرئيسية للدين ، لكن الدين اوسع من ان ينحصر في حدوده. تتعامل هذه المقالات مع الدين باعتباره جزءا اساسيا في تشكيل الهوية ، ومصدرا للاخلاقيات والمثل التي تغني الحياة الانسانية ، وهو بالتالي ضرورة لاي نظام سياسي في مجتمع مسلم ، وحسب تعبير سروش فان اي حكومة في مجتمع ديني لا بد ان تكون دينية كي تكون ديمقراطية ، فاول معاني الحكومة الديمقراطية هو تمثيلها لثقافة المجتمع وقيمه وتطلعاته.

Dr. Ali Paya
يبدأ الكتاب بمقالة لاية الله شبستري تمثل مفتاحا للنقاش حول الديمقراطية في مجتمع مسلم ، فهي تعالج السؤال الذي يبدو بديهيا عند الكثير من الناس : لماذا نهتم بالديمقراطية؟ ، هل ثمة داع جدي لمناقشتها وهل نحتاجها كمسلمين ؟ . في الاجابة على هذا السؤال يستعمل الكاتب منهجا يركز على الربط بين الغايات والوسائل . وينطلق في هذه الرؤية من منهج التاويل الفلسفي philosophical hermeneutics الذي يتبناه ويدعو اليه ، وهو منهج في فهم النص الديني شائع بين الفلاسفة الدينين في اوربا. طبقا لهذا المنهج فان الرسالة الداخلية للنص هي الجزء المهم منه وليس بنيته اللغوبة او الرمزية . ويشدد شبستري على الحاجة الى منهج جديد في الاجتهاد والاستنباط وفهم القواعد والقيم الدينية وتفسيرها ، يتمحور حول غايات تلك القيم والقواعد وليس اطارها الشكلي او صورتها الخارجية . ومن هذه الزاوية فهو يدعو الى مقارنة تجريبية تتمثل في سؤال بسيط : اين يمكن للمسلم ان يعيش حياته الدينية بصورة افضل ، في ظل حكم يضمن حقوقه وحريته او حكم استبدادي يحرمه من تلك الحقوق والحريات؟. ويخلص شبستري الى ان الديمقراطية ليست فقط نظاما فاضلا لادارة الشأن العام ، بل هي ايضا ضرورة للحياة الدينية للفرد والجماعة .
اما مقالة الدكتور محسن كديور فتقدم صورة بانورامية عن فكرة الديمقراطية الدينية ، محتواها وما يميزها عن غيرها من الديمقراطيات وغير الديمقراطيات. كما تؤكد على امكانية تنسيجها في نظام القيم الدينية ، بشرط اتباع منهج مناسب في الاجتهاد. وتعرض ايضا مقارنة موجزة بين قراءتين : تقليدية يستحيل التوصل الى قبول للديمقراطية في اطار مستخلصاتها ، وقراءة جديدة يمكن على ضوئها ادماج القيم الدينية في نظام ديمقراطي.
يركز مقال الدكتور عبد الكريم سروش على الاطار المعرفي – الزمني لسؤال السلطة ، فهو يبدأ بالاشارة الى التحولات الكبرى التي اثمر عنها ظهور "العلم الحديث" ، ولا سيما انهيار النظريات الجزمية حول الكون والانسان ، وهيمنة الاتجاه النسبي والنقدي الذي ينظر الى كل شيء في الكون كموضوع للعلم والتحليل. ادى هذا التحول الى تغير قيمة الانسان ونظرته لنفسه ومكانه وبالتالي لمعادلة العلاقة بين حقوقه وواجباته. نتيجة لذلك فقد حل العلم مكان الدين كمرجع للمعرفة والقيمة ، واصبح الانسان – وليس الخالق – محور القيم وغايتها. بعبارة اخرى فان الانسان المعاصر يتطلع الى السلطة السياسية كمخلوق ارضي لا كهبة من السماء منحت لشخص او اشخاص معينين يحكمون كممثلين لله او نوابا عنه. ويعتقد سروش ان جوهر الحكم الديمقراطي الديني يتمثل في الجمع بين رضا الخالق ورضا المخلوقين. ويقترح محورين لتجسيد واختبار هذه المعادلة ، هما الاخذ بفهم ديني يقوم على الجمع بين العقل والشرع ، والالتزام بحقوق الانسان الطبيعية والدستورية.
د. علي رضا علوي تبار
مقالة الدكتور علي رضا علوي تبار هي تكثيف للمفاهيم الفلسفية الاساسية التي يقترح اعتمادها في البحث عن نموذج ديمقراطي ديني. وهو يعرض في هذا الصدد الجانب المتعلق بالسلطة من نظرية الدكتور سروش المعروفة بنظرية "القبض والبسط في الشريعة". ويشير خصوصا الى اربعة عناصر فيها ، هي نفي الرؤية المثالية للعالم ، والتركيز على المجتمع بدلا من الدولة في دراسة السلطة الدينية ، والتاكيد على نسبية وتاريخية المعرفة الدينية ، واخيرا الفصل بين الديمقراطية كمنتج معرفي انساني وبين الاطار التاريخي الذي ولدت فيه. رغم اهتمام علوي تبار بالارضية المادية للنظام الديمقراطي ، فانه يدعو الى عدم التقليل من اهمية الارضية الذهنية والمعرفة التي قد تدعم او تعيق القبول بالديمقراطية كنظام للادارة ، لا سيما في المجتمعات التقليدية المسكونة بطبعها بالريبة تجاه الافكار المستوردة والجديدة. تدور مقالة الدكتور علي بايا حول معنى الوصف الديني للديمقراطية ، وتعالج المسألة من زاوية فلسفية وسوسيولوجية تتمحور حول المضمون الثقافي والرمزي للعلاقة بين المجتمع وما يقيمه من مؤسسات (سياسية مثل الديمقراطية او اقتصادية مثل البنك او غيرها) ، ولا سيما كيفية انتقال المعنى والقيمة من المجتمع الى العناصر والمركبات الفارغة اصلا من اي معنى خاص او قيمة محددة . ويقترح الدكتور بايا معالجة تجريبية لمفهوم الديمقراطية الاسلامية ، اي اعتبارها برنامجا بحثيا متصاعدا وليس مفهوما صلبا او نهائيا . في هذا الاطار فهو يركز على اهمية النقد والكشف عن الاخطاء من خلال الممارسة والتفاعل بين النظرية والتطبيق والتوسع التدريجي . تسعى مقالة توفيق السيف لتحديد بواعث قلق الفقهاء من تحديث النظام السياسي ولا سيما اعادة تاسيسه على حاكمية الشعب وضمان الحريات المدنية للمواطنين . وهي تعرض هذا من خلال مقارنة بين اراء اربعة من الفقهاء البارزين خلال الثورة الدستورية (1905-1906) . هذه المقالة هي اشبه بدراسة حالة ، اذ تعرض اراء فقهاء في مستوى متقارب في ظرف زمني وسياسي واحد يتناقشون جميعا حول نفس المسألة ، وبالتالي فان اراءهم تعبر عن تفاعل مباشر بين المرجعية النظرية والموضوع السياسي القائم . وتستهدف المقالة اضافة الى ما سبق ، بيان ان المجتمع الديني قادر على استنباط حلول ذات اساس ديني متين للاشكالات النظرية التي يطرحها معارضو الديمقراطية وحقوق الانسان .

المشاركون في هذا الكتاب


القاسم المشترك بين كتاب هذه المقالات هو انتماؤهم الى شريحة من المفكرين المهمومين بالاصلاح الديني . وهي شريحة تجمع بين الخلفية الاكاديمية والنشاط في الحقل الاجتماعي والسياسي . فهي من هذه الزاوية بمثابة حلقة وصل بين النخبة وجمهور الشباب المقبل على الحياة . وهي من ناحية ثانية وسيط بين العرف الاجتماعي الملتصق بالتراث والتقاليد الدينية ، وبين دائرة العلم الحديث المليئة بالتحديات لذلك التراث والتقاليد . لكلا السببين فليس من المستغرب ان تجد في كتاباتهم نزعة تجريبية ، تسعى لوضع فرضيات واحتمالات مختلفة وتناقشها من دون ان تعطي احكاما نهائية . بعبارة اخرى فانها تتعامل مع الفكر الديني كعلم قابل للنقد والتطوير لا كفتوى او حكم نهائي. وهي لا تنظر الى المشكلات النظرية كشبهات او غزو ثقافي بل كتحد يتوجب فهمة واستيعابه وتقديم الاجابة عليه . اخيرا فان المقاربات التي يعرضها الكتاب لا تنتمي الى عالم المجردات بل هي قضايا مطروحة للنقاش على المستوى العلمي وعلى المستوى الاجتماعي بين عامة الناس.

ولد عبد الكريم سروش في 1945 ودرس في طهران ولندن. ثم عمل استاذا للفلسفة في جامعة طهران وجامعتي هارفرد ويال الامريكيتين ، وعضوا في مجلس الثورة الثقافية الذي كلفه اية الله الخميني باصلاح مناهج التعليم الجامعي. عبر سروش عن تيار في الاصلاح الديني طالما اثار الجدل . اشتهر بنظريته في المعرفة الدينية التي عرضها في كتاب "قبض وبسط تئوريك شريعت" وهي تركز على دور الظروف الموضوعية في تشكيل مفهوم النص الديني وتطبيقاته. طبقا لهذا الرؤية فان فهم الانسان للنص واعادة انتاج مضمونه من خلال سلوكه اليومي ، يخضع لعوامل موضوعية تتعلق بالشخص والبيئة المحيطة ، وبالتالي فلا بد ان يكون الفهم الناتج شخصيا ، نسبيا ، ومتحولا ، وليس عاما او معياريا او ثابتا على مر الازمان واختلاف الظروف. تأثر سروش بنظرية المعرفة التي طورها الفيلسوف البريطاني كارل بوبر ، ولا سيما تركيزه على مرحلية العلم وكونه احتمالا وليس معرفة نهائية . كما اهتم سروش بتفنيد دعوى السلطة المستندة الى العلم المطلق ، القداسة ، والكمال الانساني ، باعتبارها جميعا تقود الى الاستبداد المغطى بعباءة العلم او الدين. وهي ايضا من اعمدة الفلسلفة السياسية لكارل بوبر . اضافة الى كتابه المذكور اعلاه ، نشر سروش عددا من الاعمال الهامة ، مثل : بسط تجربه نبوي ، فربه تر از ايديولوجي ، صراطهاي مستقيم ، وغيرها .
ولد محسن كديور في 1959 . درس الهندسة الكهربائية في جامعة شيراز وتخرج منها في 1977 . ثم اتجه الى دراسة العلوم الدينية في قم وحصل على درجة الاجتهاد. في الوقت نفسه واصل دراسته الاكاديمية وحصل على درجة الدكتوراه في 1999. عمل مدرّسا في حوزة قم العلمية . ثم في قسم الفلسفة بجامعة اعداد المعلمين – طهران. سجن عاما ونصف بسبب نقده للاستبداد الديني وممارسة العنف باسم الدين. اضافة الى كتابه "نظريات الدولة في الفقه الشيعي" الذي ترجم الى العربية ، كتب كديور نحو عشرة كتب في الفلسفة والفكر السياسي الديني ، من بينها دغدغهاي حكومت ديني ، دفتر عقل ، حكومت انتصابي ، وغيرها .
ولد الدكتور علي رضا علوي تبار في شيراز عام 1960. ودرس الاقتصاد النظري ، وحصل على الدكتوراه في التخطيط العام . عمل في مركز البحوث الاستراتيجية ، لكن سبب شهرته يرجع في المقام الاول الى كتاباته الصحفية التي كشفت عن قدرة مثيرة للاعجاب على تحليل السلوك السياسي وما ينطوي عليه من مضمون ثقافي وعلائقي . ترأس تحرير صحيفة صبح امروز الاصلاحية . وهو يعمل حاليا كاستاذ في المعهد العالي للتخطيط والتنمية ، اضافة الى نشاطه السياسي ضمن حزب مشاركت ، اكبر الاحزاب الاصلاحية في ايران والذي كان بين مؤسسيه عام 1999.
يعتبر محمد مجتهد شبستري واحدا من المفكرين المؤثرين في ايران . ولد في 1936 ، ودرس منذ نعومة اظفاره في حوزة قم العلمية . عمل محررا لمجلة "مكتب اسلام " الصادرة في قم حتى 1975 حين انتقل الى المانيا حيث عمل مديرا للمركز الاسلامي في هامبورغ واطلع على التيارات الفلسفية الرائجة في المانيا ، وتأثر خصوصا بالفلاسفة الدينيين . حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة ومرتبة الاجتهاد في الفقه ، ودرس في جامعة طهران حتى منتصف 2006 حين احيل على التقاعد . من ابرز كتبه : نقد القراءة الرسمية للدين ، الدين والحرية ، وهرمنيوتيك ، كتاب وسنت. وتدور معظم ابحاثه حول نقد مناهج البحث الفقهي التقليدية والدعوة الى منهج جديد في الاجتهاد .
يعمل الدكتور علي بايا استاذا زائرا في جامعة وستمنستر البريطانية ، وعمل قبلها استاذا للفلسفة في جامعة العلامة الطباطبائي – طهران ، اضافة الى عضويته في مركز بحوث التعليم العالي . ويعتبر واحدا من ابرز ممثلي الجيل الجديد من الفلاسفة الايرانيين . اسس حديثا مركزا لدراسة المستقبليات وعلوم المستقبل . نشر العديد من الكتب باللغتين الفارسية والانكليزية يدور معظمها حول الفلسفة التحليلية التي يتبناها . تهتم الفلسفة التحليلية باللغة والمنطق ، وتركز على معاني ومفهومات الاشياء كما تظهر في اللسان واللغة بدلا من البحث في الاشياء ذاتها . وقد ظهرت كرد على الفلسفات المثالية لصامويل كانت وهيجل . بدأ هذا المنهج مع مور وبرتراند راسل ووصل ذروته مع صعود الوضعية المنطقية او فلسفة العلوم ، كما حصلت على رواج بعد بروز ويتكنشتاين. نشر بايا عددا من الكتب والمقالات العلمية بالفارسية والانكليزية ، يدور معظمها حول قضايا الفلسفة التحليلية ، ومن بينها : Dialogue in a Real World (2002), Analytic Philosophy: Problems and Prospects (2003), Models of Explanation (2003).
ولد توفيق السيف في 1959 ودرس العلوم الدينية ، قبل ان تجتذبه هموم السياسة وحقوق الانسان . انتقل اهتمامه منذ اوائل التسعينات الى دراسة الفكر السياسي الديني . حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية ، ونشر عددا من المقالات والكتب تستهدف في مجملها اختبار قابلية المفاهيم الدينية السائدة لاستيعاب تحديات الحداثة والعمل في مجتمع تعددي ديمقراطي . من بينها: هوامش نقدية على واقعنا الثقافي ، ضد الاستبداد ، نظرية السلطة في الفقه الشيعي ، الحداثة كحاجة دينية.
يرغب الكتاب الستة جميعا في اقامة حوار نقدي مع القاريء . ويسعون من خلال مساهماتهم في هذا الكتاب الى اثارة الاسئلة ومشاركة القراء في مناقشتها والتفكير فيها . ولهذا فهم لا يعتبرون مقولاتهم أجوبة نهائية على المسائل المطروحة ، فهي مثل كل المقولات العلمية الاخرى لا تزيد عن كونها احتمالا ، قد يتطابق مع الواقع في جانب او يتعارض معه في كل الجوانب . وقد تبدو صالحة في زمن معين او ظرف معين ، لكنها قطعا ليست كلمة واحدة لكل العصور . انها بمثابة جسر يصعد عليه القاريء في مرحلة من الطريق ، لكن عليه ان يعتمد على عقله في المراحل الاخرى . انها اشبه بعلامات على الطريق غرضها المساعدة في تحديد المسار ، اما الوصول الى النهايات المرجوة فهو يعتمد اولا واخيرا على جهد فكري يشترك فيه الجميع . اول طريق الديمقراطية هو المشاركة وتفعيل العقل الجمعي ، ومقتلها هو التوقف او الجمود عند فكرة او تقديس قائلها والتحرز من نقده والاعتراض عليه .
توفيق السيف



[1] لبعض التفاصيل عن هذه النقاشات ، انظر اموى ، بهمن : اقتصاد سياسى جمهوري اسلامي ، (تهران 2003) ، ص 42
[2] انظر بهذا الصدد السيف ، توفيق: نظرية السلطة في الفقه الشيعي ، ( بيروت 2002) ، ص 135
[3] شبستري ، محمد مجتهد : نقدى بر قراءت رسمى از دين ، (تهران 2000) ، ص 186
[4] انظر مثلا تصريحات الشيخ محسن غرويان في حجاريان ، سعيد : جمهوريت (تهران 2000) ص 786

 

المادة التالية :
الفصل الاول : الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية          محمد مجتهد شبستري



الديمقراطية في بلد مسلم- الفصل الاول



            د . محمد مجتهد شبستري
(  1  )   الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية


القضايا التي نناقشها اليوم كان ينبغي ان تناقش منذ ربع قرن على الاقل . مسائل مثل نوع الحكومة التي نريدها والتنظيم السياسي المناسب لبلدنا هي مسائل اولية ما كان ينبغي ان تترك من دون معالجة جدية حتى اليوم . لو اجرينا مناقشة معمقة ، تحليلية وعقلانية عند تاسيس نظامنا السياسي ، لكان معظم المسائل المثيرة للجدل اليوم قد وجد حلا . لحسن الحظ على اي حال ان هذه المسائل تطرح اليوم ، ومن بينها المسألة التي تناقشها هذه المقالة ، اي "الديمقراطية في مجتمع ديني" .
من المهم تحديد زاوية البحث في سؤال الديمقراطية والديمقراطية الدينية . بديهي ان كل مقاربة للموضوع سوف تعالج جانبا مختلفا عن ذلك الذي تعالجه المقاربات الاخرى . كل مقاربة تنتمي الى اطار علمي مختلف وتستخدم استدلالات ومناهج بحث وزوايا تركيز متمايزة . يمكن مناقشة السؤال من زاوية مفهومية ، فلسفية ، قانونية ، سوسيولوجية ، او سياسية . .الخ .
ربما ظن بعضنا ان سؤال "هل تتلاءم الديمقراطية مع الدين؟" يلخص كل المشكلة ، والحقيقة ان هذا سؤال عن زاوية واحدة من الموضوع فقط . وحتى لو اجبنا عليه فسوف يتوجب معالجة العديد من الاسئلة الاخرى مثل : ما هي الديمقراطية ؟ ، هل نظامنا ديمقراطي ؟ ، هل نحتاج الى الديمقراطية ؟ . كيف نصل الى الديمقراطية ؟ . وهذا يقودنا الى السؤال الذي نحن بصدده ، اي : ماذا يعني وصف الديمقراطية بالدينية ، وهل نتحدث عن ديمقراطية دينية ام ديمقراطية المتدينين ؟ ، وهل يجوز لعامة المسلمين ان يختاروا لانفسهم نظاما سياسيا مثل الديمقراطية ، ام ان الامر متروك لزعمائهم السياسيين والدينيين كي يختاروا النظام المناسب ؟ .
الديمقراطية هي احد المفاهيم الجديدة التي تولدت في اطار المدنية الغربية المعاصرة ، ودخلت حيز النقاش بين المسلمين في السنوات الاخيرة . معظم هذا النقاش يستهدف الحصول على تطمينات حول قدرة الديمقراطية على حل مشكلاتنا ، والتأكد من ملاءمة القيم الديمقراطية لمعتقداتنا الدينية ، اي امكانية اعتبارها خيارا مناسبا لمجتمعاتنا . فيما يتعلق بالتوليف بين الدين والديمقراطية ، ثمة اراء عديدة يدعي بعضها توفر ادلة في النصوص الاسلامية تدعم القيم والمباديء الديمقراطية ، بينما يقتصر الاخر على القول بامكانية الجمع بينهما ، اي وجود فرصة او وسيلة لحل التعارض المحتمل بين الطرفين .
بعض الاسئلة المطروحة في هذا النقاش يعبر عن انشغال ذهني او روحي لعامة الناس ، وبعضها يشغل السياسيين ، او المثقفين او المفكرين وهكذا . ما يشغلني شخصيا هو علاقة هذا السؤال بمعرفتنا الدينية . افترض ان بوسعنا توليف الديمقراطية مع الدين في اطار فهم عقلاني للدين ، وهذا يتوقف على توفر مناهج فهم وتفسير عقلانية . من هنا فسوف اعيد صياغة سؤال العلاقة بين الدين والديمقراطية على النحو التالي : هل لدينا فعلا ، او هل يمكن لنا تطوير فهم جديد للدين قابل لاستيعاب تحديات العصر وتطور الانسان المعاصر ؟ .
الديمقراطية هي سؤال واحد فقط من اسئلة كثيرة مطروحة بالحاح على المسلمين المعاصرين وعلى الفكر الاسلامي ، وبقاؤها مطروحة لزمن طويل يدل صراحة على ان هذا الفكر يفتقر الى منهجية مناسبة لاستيعاب ومعالجة التحديات النظرية وغير النظرية التي تولدت عن تطور الفكر الانساني في العصور الاخيرة . اذا اراد المسلمون ان يردموا الهوة الواسعة التي تفصلهم عن عصرهم ، ويلتحقوا بركب المدنية الحديثة من دون ان يضحوا بايمانهم ، فانهم بحاجة الى ثقافة جديدة قادرة على التسوية بين الدين والمدنية . تأخر المسلمين عن عصرهم هو ثمرة للممانعة التي يجدوتها في قيمهم الدينية ، اي ما يتخيلونه من استحالة الجمع بين ايمانهم من جهة والتقدم العلمي والاجتماعي من جهة اخرى . لكي لا نقع في منزلق التبرير ، فيحب ان نقر صراحة بان ما يفصلنا عن المدنية المعاصرة ليس المسافات ولا مؤامرات الاعداء ، بل عجزنا عن تطوير ارضية ذهنية وثقافية مناسبة تسمح بالتوليف بين متطلبات التقدم ومتطلبات الايمان . سر هذا العجز يكمن في هيمنة مناهج في فهم الدين غير عقلائية ، او غير قادرة على فهم العصر الحاضر وما فيه من قضايا وموضوعات وتحديات .
 المنهج السائد في الساحة الدينية ومجامع العلم الشرعي ، منهج متخلف يقود الى تفسيرات للقيم الدينية غير عقلائية ولا يمكن الدفاع عنها . كما ان الكثير مما يسمى اليوم قيما دينية ، ليس دينيا بالمعنى الدقيق ، كثير من هذه القيم ليس وحيا منزلا ، ولا هي تفسيرات قطعية ونهائية للوحي او القواعد الدينية الاصلية . بل تنظيرات لاعراف وتقاليد وسلائق توافق عليها المجتمع او النخبة الدينية في ازمان معينة او ضمن ظروف خاصة باعتبارها ضرورات للنظام الاجتماعي او مصلحة للمؤمنين ، وبناء على هذه الاعتبارات جرى ضمها الى منظومة القيم الدينية ، وترسخت بمرور الزمن وتلقيها بالقبول من جانب اجيال المسلمين او نخبتهم .
نحن نتفهم بطبيعة الحال الاسباب التي قادت الى تلك التفسيرات والظروف التي فرضتها ، فالازمان الماضية التي شهدت ولادتها لم تعرف مثل ما نواجهه اليوم من تحديات فكرية واجتماعية ، ولم يصل اهلها الى المستوى الذي يعرفه انسان هذا العصر من ثقافة وعلم وتكنولوجيا وانفتاح وسرعة . وعلى اي حال فلم تكن المشكلة يومذاك قصرا على المجتمعات الاسلامية ، فالتفكير الديني في مختلف بلاد العالم كان متخلفا او منفصلا عن الحراك العلمي والتطور العقلي الذي اوجد المدنية المعاصرة .
 ادى ظهور وتطور العلم الحديث خلال القرون الاربعة الاخيرة الى تقدم هائل في مجال العلوم الانسانية والتجريبية ، تغيرت على اثره حياة الانسان ، كما تغيرت ثقافته وتغير فهمه للعالم . وظهرت في هذا السياق مناهج جديدة للمعرفة والتفسير والتفكير ، تسعى لتمكين الانسان من اعادة فهم ما يجده في عالمه وما ورثه عن اسلافه من تراث وافكار وقيم وتجارب ، ونشير هنا خصوصا الى تبلور مناهج جديدة لفهم النص الديني على اسس عقلانية . ولا شك ان المؤمنين بالاديان قد استفادوا من هذه المناهج . وهذا ما يفسر الميل المتصاعد في عالم اليوم لاستبعاد التفسيرات العرفية او الخرافية للدين . واستطيع القول من دون تحفظ ان توفر العلم والمناهج الفلسفية الحديثة وتطور التجربة العقلية للانسان لم تترك اي مبرر لتلك الشريحة من دارسي العلوم الدينية التي غضت الطرف عما توفره المناهج العلمية الجديدة من امكانات هائلة لفهم وتفسير النص الديني ، وكرست نفسها لحراسة المناهج القديمة التي اكل عليها الدهر وشرب ، وظهر عجزها عن الوفاء بحاجات المسلمين الروحية والدنيوية الراهنة .
كثير من مشكلاتنا الثقافية هي نتاج لترددنا في تطوير مناهج الفهم والاستدلال التي يتعارف عليها العلماء باسم الاستنباط او الاجتهاد ، ولا سيما التردد في الاخذ بالمناهج الجديدة في فهم النص واستنطاق مضمونه . وللاسف فعلى الرغم من توفر هذه المناهج ورغم قدرتنا على تطويرها ، الا ان الاهتمام بهذا الامر في مجامعنا العلمية ضئيل او ربما معدوم . في سنوات الثورة الاسلامية الاولى أتاحت الظروف السريعة التغير مجالا للدعوة الى تجديد الفكر الديني ولاسيما مناهج الاستنباط ، ومساءلة اولئك الذين يتصدون للاجتهاد والفتوى عن منهجهم في البحث ، والمعايير التي يقررون على ضوئها خياراتهم . لكن هذه الدعوة واجهت في كل الاحوال معارضة غير منصفة ، وواجه اصحابها انواعا من العنت حتى اضطروا الى السكوت عنها .
زبدة القول ان الاجابة على سؤال العلاقة بين الديمقراطية والدين يتوقف الى حد كبير على المنهج الذي نتبعه في فهم الدين واستنباط قواعد العمل من نصوصه . وارى انه لا يمكن في ظل المناهج الموروثة التوصل الى جواب مناسب ، لان هذه المناهج ليست مؤهلة من الاساس للتعامل مع اسئلة من هذا النوع . ومن هنا فانه لا الديمقراطية ولا القيم والافكار الاخرى التي انتجتها المدنية المعاصرة ، قابلة للفهم او الملاءمة مع تفكيرنا الديني في ظل تلك المناهج . دعنا على اي حال ننتقل من هذه المقدمة الى مسألة اخرى ، احسبها تمهيدا ضروريا للتفكير في العلاقة بين الدين والديمقراطية ، اعني بها الارضية التي يقوم عليها كل من الطرفين .
 قيم الدين وقيم الديمقراطية
حديثنا عن "الديمقراطية" يأخذ بعين الاعتبار كونها مفهوما محددا جرى تعريفه على نحو دقيق من خلال التجربة الفعلية في العالم فضلا عن الابحاث والدراسات في المحافل العلمية المتخصصة . بتعبير اخر فاننا لا نسعى من وراء هذا النقاش الى تخليق مفهوم جديد نطلق عليه اسم "الديمقراطية" ، بل معالجة المفهوم المعروف في العالم وربما تعديل بعض اطرافه بما لا يؤثر على قوامه الاساسي والمباديء الكبرى التي تمثل جوهره . بالنظر لتطورها في محيط معرفي مختلف فان "القيم الديمقراطية" هي تركيب منظومي متمايز عن "القيم الدينية" التي تمثل هي الاخرى تركيبا منظوميا خاصا وقائما على ارضية مختلفة عن تلك التي تقوم عليها القيم الديمقراطية . من ابرز موارد الاختلاف بين المنظومتين على سبيل المثال ، هو ان قيم الديمقراطية تمثل قيما توافقية- ضمنية ، بمعنى انها ثمرة لنوع من التوافق الاجتماعي على معناها ومؤدياتها . وفي الحقيقة فان معظم القيم الديمقراطية – فوق قيامها على التوافق – تستهدف ايضا تعزيز وتعميق علاقات التوافق والتعاقد بين الافراد . من بين القيم التي يظهر فيها كلا البعدين مثلا اصالة التعاقد ، الرضا والقبول الشعبي كمصدر للشرعية ، المساواة المدنية ، حق الفرد في الاختيار المستقل لنمط حياته الاجتماعية والسياسية ، سيادة القانون ، ارتباط الحقوق الدستورية بالمواطنة ، ضمان حقوق الانسان ، حاكمية الشعب . الخ . هذه المفاهيم تنطوي في داخلها على محتوى قيمي – توجيهي ، ومن هنا فان تفعيلها في الحياة العامة هو الذي يعطي للديمقراطية شكلها ومضمونها الخاص .
لا اريد الان الدخول في بحث حول الارضية الفلسفية او الاخلاقية لتلك المفاهيم ، وما اذا كانت مستمدة من القانون الطبيعي او الفطرة او غير ذلك من المصادر . الامر المسلم به هو ان تلك القيم قد حصلت على مكانتها الرفيعة نتيجة لـ "توافق" اعضاء المجتمع على معياريتها ، بعبارة اخرى فان اعضاء مجتمع ما قد "توافقوا" على هذه القيم و "تعاقدوا" على جعلها اساسا للقانون الذي يحكم حياتهم  . تحول هذه القيم النظرية الى معايير حاكمة ومنظمة للعلاقات الاجتماعية هو اذن نتيجة للتوافق والتعاقد بين اعضاء الجماعة ، وليس بفرض او الزام من جانب احدهم او من جانب قوة خارجية فوقهم . من هنا فان الخطوة الاولى التي تمهد لقيام حكومة ديمقراطية ، هو توفر هذا النوع من التوافقات (او القيم الديمقراطية) بين الشعب .
لم يكن توصل المجتمعات الديمقراطية الى تلك التوافقات ثمرة للتامل الفكري المجرد ، بل نتيجة لتحولات في الحياة الاجتماعية واحيانا ازمات طاحنة اوجبت على الناس التفكير في بدائل ومخارج من تلك الازمات . ومن هنا يمكن القول ان ظهور هذا النوع من التوافقات والقيم ، وقبول الناس بها وتعايشهم مع مستلزماتها ، يتطلب تحولات من نوع ما ، اقتصادية او سياسية او ثقافية ، توفر ما يمكن وصفه بتمهيد نفسي او ذهني يسهل على اعضاء المجتمع القبول بمبدأ التوافق كوسيلة قطعية ووحيدة لحل الخلافات والتعارضات في المصالح وادارة الموارد والثروات الطبيعية المشتركة ، ثم الانتقال الى مرحلة التعاقد بين افراده على صورة النظام السياسي الذي يأملون العيش في ظله .
من الممكن بطبيعة الحال ان يعيش الناس من دون هذه القيم . من الممكن مثلا ان يعيش الناس في مجتمع لا يعرف مفهوم المواطنة وما يترتب عليها من حقوق دستورية ، او لا يعرف مفهوم الارادة العامة ، او حقوق الانسان ، او التمييز بين المجال الشخصي والعام ، الخ . . من الانصاف ايضا القول بانه لا يمكن البرهنة باي طريقة فلسفية او تاريخية او غيرها على ان المجتمعات التي لم تتوصل الى تلك التوافقات والقيم ، كانت على خطأ او كانت سيئة او غير متحضرة او غير طبيعية ، او ان حياة الناس فيها كانت خالية من المعاني الانسانية . واقع الامر ان التحولات الاجتماعية والعلمية قد وضعت امام الناس حقائق جديدة على مستوى المعرفة او على مستوى السياسة والاقتصاد ، اي حقائق ذهنية وحقائق مادية . ونتيجة لتعرف الناس على تلك الحقائق ، توصلوا الى قناعة ضمنية او صريحة بان الاخذ بالقيم والمفاهيم الديمقراطية المذكورة اعلاه سوف يجعل حياتهم اكثر انسانية .
خلافا لهذا المعنى فان القيم الدينية ليست توافقية ، اي ان اعتبارها الديني والاخلاقي ليس منبعثا من اتفاق الجماعة على دينيتها او معياريتها . الدين ليس من ذلك النوع من سبل الحياة الذي يتوافق اعضاء المجتمع على صناعة مضمونه او منحه القيمة المعيارية . ربما يقول بعضنا بان القيم الدينية يمكن ان تتولد بصورة من الصور من تجربة روحية . ونقصد بالتجربة هنا معناها العرفاني وليس المادي . التجربة بالمعنى المادي قد تنحصر في ممارسة الشعائر ومظاهر السلوك اليومي التي يقوم بها كل المتدينين . اما المعنى العرفاني الذي يتحدث عنه الفلاسفة والعارفون ، فهو يشير الى نوع خاص من التفاعل بين الانسان والكون ينبعث من وحدة الاصل الذي يرجع اليه الطرفان . هذا التفاعل ينتج معرفة وعلاقة بين داخل الانسان وخارجه ، بينه وبين النظام الكوني الذي يعيش فيه ، وهو قريب من معنى الفطرة الى حد ما . وعليه فاذا كان منشأ الدين هو هذا النوع من التجربة الروحية ، فانه يمكن ان يكون ايضا منشأ للقيم الدينية . لكن حتى لو قلنا بهذا المنشأ للدين او القيم الدينية ، فانه لا يمكن ان يكون من نوع المفاهيم التوافقية ، فالتجربة الروحية بهذا المعنى هي – بالضرورة - تجربة فردية لا يمكن للانسان ان يشرك فيها غيره بل ولا يمكن ان تكون مشتركة مع الغير .
يتميز الدين عن سائر الممارسات الحياتية الاخرى بانطوائه على جانب قدسي هو مصدر فعال للالزام ، بمعنى ان الايمان بذاته يولد في داخل النفس معنى خاصا للافعال ، ويترتب عليه شعور عند المؤمن بان عملا ما هو واجب يلزمه القيام به ، وان عملا اخر ينبغي اجتنابه . القبول بالايمان ومقتضياته وممارستها من جانب الفرد ، تشكل ما يمكن وصفه بتجربة دينية بالمعنى العام للكلمة ، فهي تولد قيما او تسبغ قيمة على اشياء ، وتسلبها من اخرى ، فهي مثلا تلقي رداء القداسة على اماكن او اعمال او اشخاص او كلام ، فتجعلها ذات قيمة استثنائية . توليد هذه القيم لا يجري نتيجة لتوافق اجتماعي كما هو واضح ، بل من خلال علاقة مباشرة بين الفرد وبين المصدر الاعلى الذي ينتسب اليه دينه ، اي من خلال تجربة روحية فردية .
زبدة القول اذن ان الديمقراطية هي منظومة قيمية تقوم على ارضية التوافق الاجتماعي ، فالارادة العامة للمجتمع هي مصدر شرعيتها ومعياريتها . خلافا لهذا فان القيم الدينية مستمدة من الايمان الديني ، وهو ليس قائما على توافق بين الناس ، بل ثمرة للاتصال بين الفرد وربه . حتى لو قلنا بان الدين هو تجربة روحية ، فانها ايضا لا تخرج عن ذلك الوصف ، ذلك ان التجربة الروحية هي في نهاية المطاف تجربة فردية وليست موضوعا للتوافق .
 الديمقراطية كضرورة للحياة الدينية
فيما يتعلق بالتركيب المفهومي "الديمقراطية الدينية" يمكننا تصور معنيين للوصف الديني :
المعنى الاول : ان الديمقراطية الدينية هي اطار يضم في داخله منظومة من القيم الدينية ، اي ان المحتوى القيمي والاخلاقي للديمقراطية هو امتداد للنص الديني او للتجربة الدينية . اذا كان هذا المعنى هو الصحيح فان وصف الديني هو قيد للديمقراطية وليس شرحا عليها . وبالتالي فان اهمية الديمقراطية او قيمتها تنبع من كونها تكليفا دينيا . كما ان قبول المؤمن بها راجع الى ورودها في النص الديني او ارتباطها بالتجربة الدينية .
المعنى الثاني : ان الديمقراطية التي نتحدث عنها (الدينية) هي ذات الديمقراطية المعروفة في العالم من دون ان نتدخل او نغير في مفهومها . اي انها غير مستنبطة من النص الديني وليست موضوعا للاجتهاد والاستنباط على النحو المتعارف اليوم في الحوزة العلمية وغيرها من مجامع العلم الشرعي . مفاد هذا القول انه لا يمكن الحصول على قيم الديمقراطية في الكتاب والسنة او سيرة المعصومين ولا يمكن تاسيس شرعيتها او معياريتها على هذا الاساس . وبالتالي فان الاقتناع بها او التعويل عليها لا يستند الى آية في القرآن او رواية من المأثورات او عملا مسجلا كسيرة للمعصوم .
في رأينا ان المعنى الثاني هو الصحيح . لكن يجب الانتباه الى ان عدم الاشارة الى القيم الديمقراطية في التراث الديني لا يعني ابدا انها مقولة باطلة او مضادة للدين . فورود مفهوم ما في التراث يرتبط بالظرف الزمني والموضوعي الذي شهد ولادة ذلك التراث . بديهي ان المفاهيم والافكار الجديدة ومن بينها الديمقراطية لم تكن سؤالا مطروحا في الزمن الذي نعتبره مرجعيا ، اي زمن حضور المعصوم . وقد اشرنا في السطور السابقة الى ان ظهور قيم الديمقراطية وامثالها من القيم التوافقية رهن بتحولات خاصة في حياة المجتمعات ، وما لم تتحقق هذه التحولات البنيوية فان ظهور تلك القيم ، وخصوصا تحولها الى ضرورة للحياة ، هو امر مستبعد . نعلم ايضا ان مجتمع المسلمين لم يتعرض خلال العصور السابقة التي نرجع اليها في دراسة النصوص الدينية ، لتلك التحولات التي اثرت في وعي الانسان . نحن نعيش اليوم في عالم جديد ، ولدت فيه الكثير من المفاهيم الجديدة ، كما تغيرت كثير من المفاهيم المعروفة سابقا . انظر مثلا الى مفهوم "الدولة" المعاصر وكيف انه مختلف تماما عن مفهومه المتداول في كتب التراث ، وانظر ايضا الى مفهوم القانون ، المواطنة ، حاكمية الشعب ... الخ . هذه المفاهيم وامثالها لم تكن موجودة او معروفة في نظامنا الاجتماعي وثقافتنا السائدة قبل العصور الحديثة . هذه مفاهيم جديدة للحياة الانسانية وعلينا ان نسعى لفهمها ونقدها وتنسيجها في نظامنا الثقافي . اما البحث عن نظائرها في كتب التراث او في تجربة المسلمين الاوائل فهو عمل لا طائل تحته ، لانها بذاتها لم تكن موجودة او ان موضوعاتها لم تكن مطروحة فيما سبق .
السؤال الذي يواجهنا عند هذه النقطة هو : اذا لم يكن ممكنا العثور على دليل يدعم الديمقراطية في النصوص الدينية ، فهل ثمة مرجعية بديلة يمكن الاستناد اليها في الاخذ بالنظام الديمقراطي؟ . بعبارة اخرى كيف نتصور ديمقراطية دينية دون ان يكون لها مرجعية في النص الديني ؟ .
 للجواب على هذا السؤال نحن بحاجة الى التفسير العقلاني للدين الذي سبق الحديث عنه . صحيح انه لا يمكن التوصل الى مرجعية دينية للديمقراطية بالاعتماد على منهج الاجتهاد والاستنباط الموروث ، لكن يمكن العودة الى القيم الدينية والى روح الدين بشكل عام للبرهنة على انه لا يوجد تعارض بين الدين والديمقراطية ، بمعنى انه يمكن لنا ان ناخذ بالنظام الديمقراطي دون ان نخسر ايماننا ، بل يمكن البرهنة على ان الاخذ بالديمقراطية سوف يجعل تطبيق مقتضيات الايمان اكثر يسرا واقرب منالا . المشكلة اذن لا تتعلق بقابلية الدين او الديمقراطية للتلاؤم مع بعضهما ، بل بالمنهج المتبع في فهم وتفسير الدين .
نحن بحاجة الى رصد راسمال كبير في مناقشة هذه المقولات ، فمن دون الانخراط في بحث عميق ومتعدد الابعاد فان مشكلات مثل ما نحن بصدده (اي ما هي الديمقراطية الدينية) لن تكون قابلة للحل . اذا تحدثنا عن الاصلاح في امثال مجتمعنا ، فلا شك ان الافكار الاصلاحية لا يمكن ان تصل الى نتيجة من دون بحوث عقلانية معمقة ومتواصلة في النص الديني وتفسيره .
يجدر الاشارة هنا الى ان مجتمعنا ليس الوحيد الذي تثار فيه هذه الاسئلة او تظهر في صفوفه الحاجة الى مثل هذا البحث . فهي مطروحة حتى في المجتمعات الغربية التي قطعت شوطا بعيدا في الاصلاح السياسي . بالنسبة للمؤسسات الدينية المسيحية مثلا ، نشير الى ان الفاتيكان كان حتى منتصف الستينات من القرن العشرين يتخذ موقفا مرتابا واحيانا معاديا لمواثيق حقوق الانسان الدولية باعتبارها نقيضا للمسيحية . لكنه اقتنع منذ العام 1964 بان اعتماد هذه المواثيق يوفر فرصة افضل للتدين والايمان . الاستدلال الذي جرى الاخذ به يومئذ هو ان هذه المواثيق تعين لكل انسان حريما لا يمكن تجاوزه من جانب اي سلطة ، ويضم هذا الحريم منظومة من الحريات الطبيعية التي ترتبط بانسانية الانسان ، وابرزها حرية الاعتقاد والعبادة وحرية التفكير والعمل الخ . اذا تمتع كل انسان بهذا الحريم فانه – كمتدين ، سواء كان مسيحيا او غيره - يمكن ان يعيش حياته الدينية ويمارس مقتضيات ايمانه بحرية وأمان . ومن هنا فان اي نظام سياسي يحترم حقوق الانسان هو بالضرورة اكثر انسانية واقرب الى جوهر الدين من اي نظام قاهر او شمولي لا يقيم حرمة لحياة الافراد الشخصية ولا يحترم حقوقهم .
حسنا ، لو اتبعنا هذه الطريقة التجريبية في الاستدلال ، فهل ستوصلنا الى توليف مناسب بين الدين والديمقراطية ؟ .
دعنا نفترض ان المسلمين وجهوا هذا السؤال لانفسهم : ما هو ظرف الحياة الاكثر تناسبا مع هويتنا كمسلمين ، العيش في ظل حكومة ديمقراطية ام العيش في ظل حكومة استبدادية او شمولية؟ .
 يمكن صياغة هذا السؤال على نحو آخر : ما هو نوع النظام السياسي – الاجتماعي الذي يوفر فرصة اكبر لنا كي نعيش في انسجام مع ايماننا ومعتقداتنا وقيمنا الدينية ، هل هو النظام الديمقراطي ام الاستبداد ؟ .
نفترض ان كل عاقل سيفضل – بصورة مبدئية على الاقل - الديمقراطية على الاستبداد . اذا اخذنا بهذه الرؤية فلن يكون ثمة حاجة الى تغيير في محتوى مفهوم الديمقراطية او استبدال القيم التي يقوم على اساسها او يسعى الى ترسيخها . من ناحية اخرى فان هذه الرؤية لا تأخذ بالديمقراطية من منطلق الانفلات من حدود الدين واحكامه . على العكس من ذلك فاننا نطرح ذلك السؤال ، وناخذ بهذه الرؤية انطلاقا من كوننا مسلمين مؤمنين ، نريد ان نعيش حياتنا من دون ان نتخلى عن ايماننا . ولهذا فان سؤالنا يدور في جوهره حول البيئة التي توفر فرصة اكبر وافضل للعيش كمؤمنين . رؤيتنا تقول ان القبول التوافقي بقيم الديمقراطية واقامة الحكومة التي تجسدها ، سوف يوفر ظرفا افضل للاعتقاد الحر والممارسة الحرة لمقتضيات الايمان ، ومن هنا فان هذا النظام اكثر انسانية كما انه اكثر دينية من اي نظام استبدادي .
الاخذ بالديمقراطية وتفضيلها على ما سواها ينطلق اذن من مبررات دينية بحتة . لكن هذا ليس نهاية القصة . فالنظام الديمقراطي يوفر - اضافة الى ما سبق - فرصا لتحقيق اغراض الدين واهدافه . من الامور البديهية عندنا ان الدين يسعى الى محو الظلم والقهر وترسيخ العدالة الاجتماعية باعتبارها اهدافا اولية لاي مجتمع ديني . وينظر الى هذه الاغراض كمسؤولية مشتركة يساهم في انجازها جميع الناس . يريد الدين ايضا ان يؤمن به الناس مختارين لا مضطرين او مجبرين ، وان يعيشوا احرارا في دنياهم غير مرتهنين او مقموعين ، لان الحرية هي البيئة التي يزدهر فيها الايمان وتتبلور فيها الطاقات الانسانية ، وتتقدم الحياة . هذه الاغراض هي بعض الثمرات النسبية لنظام ديمقراطي ، ولهذا فان قبولنا بمثل هذا النظام ينطلق من ايماننا الديني ، وهو مبرر على ارضيته . نقبل بالديمقراطية لانها تمكننا من تحقيق الاغراض التي يسعى اليها الدين ونريد تحقيقها كمؤمنين .
ليس ثمة تناقض بين ان نكون مسلمين وان نستعير نظاما حياتيا تبلور خارج اطار الاسلام . في الماضي فعل المسلمون الشيء نفسه واستعاروا انظمة حياة تبلورت خارج اطارهم لانهم وجدوها اكثر تناسبا مع اسلامهم ومع نوعية الحياة التي يريدون ان يحيوها كمسلمين .
من الواضح ان قبول الديمقراطية بالاستناد الى قيم دينية توافقية وتنسيجها ضمن ثقافة المسلمين يستوجب مراجعة وتعديل نظام القيم الخاص بالثقافة الاسلامية لتمكينها من استيعاب القيم الجديدة وهضمها وادراجها ضمن منظوماتها القيمية الخاصة . من ذلك مثلا موقفنا من القهر والعنف ، اذ ليس من المعقول ان تندرج قيم الديمقراطية في نظامنا الثقافي بينما لا نزال نروج للعنف وفرض الاراء والقناعات بالقوة والقهر ونلقي عليها اوصافا قيمية او دينية من نوع اعتبارها امرا بالمعروف ونهيا عن المنكر او جهادا في سبيل الله ، لايمكن ان نقدس الجبر والقهر ونستوعب الديمقراطية في الوقت نفسه . هذا لا يعني بطبيعة الحال التخلي عن المباديء الاسلامية مثل الجهاد او الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل التخلي عن استخدام مثل هذه المباديء في القهر والتجبر او ممارستهما بطريقة تحتوي على قهر او عنف ، مثل قمع حرية التعبير او منع الافراد من ممارسة شعائر او انماط حياة تخالف السياسات الرسمية . اول شروط الديمقراطية هو الاعتراف بالمجال الخاص للانسان الذي هو حريم شخصي لا سلطة للدولة فيه ، ولا يجوز خرقه من جانب اي طرف .
ليس من العسير على اي مجتمع ان يراجع منظوماته القيمية . في الحقيقة فان هذه العملية تجري في كل الاوقات في كل مجتمع . الناس يتفاعلون مع التحولات التي تجري في حياتهم ومن حولهم ، كما يتفاعلون مع التحديات التي تواجههم ، فيغيرون اراءهم وقناعاتهم ، اي يستبدلون قيما قائمة باخرى جديدة من اجل تحسين كفاءة نظامهم الاجتماعي وتحسين مستوى معبشتهم ، وهكذا تجري الامور على الدوام ، وبصورة عفوية في الغالب . القيم الدينية التي نتحدث عنها ولدت قبل اربعة عشر قرنا ، لكنها تعرضت طوال هذه الفترة لمراجعات عديدة حتى وصلت الينا على الصورة التي نعرفها اليوم ، وهي صورة تختلف قطعا عما كانت عليه قبل قرون . لا يوجد اي مانع شرعي او عقلي يحول دون مراجعة القيم التي نرجع اليها في تنظيم حياتنا ، بل يمكن القول ان هذا هو موطن الاجتهاد في معناه الدقيق .
لو نظرنا الى ثقافتنا السائدة وما ينطوي عليه تراثنا ، نظرة نقدية ، فسوف نجد الكثير مما يحتاج الى اصلاح في نظامنا القيمي وفي اعرافنا وتقاليدنا . هناك على سبيل المثال تمييز بين الناس وتصنيف لهم كمواطنين من الدرجة الاولى والثانية . ثمة طبقات او اصناف اجتماعية تعتبر نفسها ممتازة على غيرها ، وتحسب لنفسها حقوقا على الاخرين ، وهذا بطبيعة الحال خلاف اصل التكافؤ والتساوي بين بني الانسان . هذه القيم وامثالها تحتاج الى اصلاح يقود الى الاقرار بالتكافؤ التام بين الناس والمساواة المدنية بينهم كمواطنين اكفاء لبعضهم . لا يمكن اغفال هذه العيوب في نظامنا الثقافي لان التغافل لا يحل اي مشكلة .
زبدة القول اذن ان التوليف بين الدين والديمقراطية ليس بالامر العسير . لكنه مشروط بالنظر في الاسلام ، في روحه وفي قيمه ، وانتهاج منهج عقلاني انساني في فهمه وتفسيره . وهذا يتطلب بالضرورة عدم الاقتصار على اراء الفقهاء ، وعدم الاخذ بمنهج الاجتهاد والاستنباط الموروث . ان رؤية جديدة وانسانية للدين سوف تمكننا من بسط ارضية فكرية وقيمية دينية جديدة تستوعب التحديات الفكرية والحياتية التي تتجه الينا . نحن في امس الحاجة الى هذه الارضية كي نعيش عصرنا ونحافظ على ايماننا في الوقت ذاته .


بقية فصول الكتاب


تقــــــــــــــــــــــــــــــــديم 
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/1.html
1)  الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية                                                         محمد مجتهد شبستري
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_8707.html
2) الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية                                 محسن كديور
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_9060.html
3) الديمقراطية الدينية: حاكمية العقل الجمعي وحقوق الانسان                           عبد الكريم سروش
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_6931.html
4) من المدينة الفاضلة الى مدينة الانسان :
 الفرضيات الاولية لبحث الديمقراطية الدينية                                             علي رضا علوي تبار
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_7868.html
5) في معنى الوصف الديني للديمقراطية                                                  علي بايا
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_24.html
6) جدل فقهي حول الدولة الحديثة                                                          توفيق السيف
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post.html