الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

الديمقراطية في بلد مسلم - المقدمة

  ==== ملاحظة للقاريء العزيز : هذي هي المقدمة ويتلوها  6 فصول هي النص الكامل للكتاب ====  
د. توفيق السيف (محرر)

الديمقراطية في بلد مسلم

د. محمد مجتهد شبستري
د. عبد الكريم سروش
د. محسن كديور
د. علي رضا علوي تبار
د. علي بايا









فهرس


تقــــــــــــــــــــــــــــــــديم
1)  الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية                                                         محمد مجتهد شبستري
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_8707.html
2) الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية                                 محسن كديور
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_9060.html
3) الديمقراطية الدينية: حاكمية العقل الجمعي وحقوق الانسان                           عبد الكريم سروش
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_6931.html
4) من المدينة الفاضلة الى مدينة الانسان :
 الفرضيات الاولية لبحث الديمقراطية الدينية                                             علي رضا علوي تبار
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_7868.html
5) في معنى الوصف الديني للديمقراطية                                                  علي بايا
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_24.html
6) جدل فقهي حول الدولة الحديثة                                                          توفيق السيف
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post.html      










تقـــــــــديم


يستهدف هذا الكتاب استعراض جانب من الصعوبات التي يواجهها التحول الديمقراطي في الشرق الاوسط . ويركز على تلك الصعوبات المتعلقة بالهوية والثقافة . محور النقاش هنا هو العلاقة الاشكالية بين الدين والديمقراطية والامكانات المتوفرة لاستنباط حلول تسمح بتطوير نظام سياسي يجمع بين قيم الدين الحنيف وفضائل الديمقراطية. عدا عن الاهمية النظرية لمثل هذه البحوث ، فان اهميتها العملية كبيرة هي الاخرى. يعتقد الكاتب ان التخلف المزمن في العالم الاسلامي هو في المقام الاول نتيجة لتحجر النظام السياسي ، الذي من تجسيداته انعدام الاجماع الوطني وتنافر الدولة والمجتمع ، وضمور الارادة العامة ، وانعدام الحريات الفردية ، وتعطيل المشاركة السياسية ، وبالتالي عجز المجتمع عن توليد حلول لمشكلاته. يمكن للديمقراطية ان تعالج هذا المعضل التاريخي من خلال اعادة توليد الطاقة الشعبية الخلاقة وتوجيهها في المسار الصحيح الذي يقود الى التقدم الحضاري وحل المشكلات المزمنة. مشاركة الشعب في ابتكار الحلول يتوقف على وجود نظام سياسي – اجتماعي يوفر الفرص والاطارات الضرورية كي يعبر الشعب عن ذاته وتطلعاته وامكاناته . هذا النظام هو بالضرورة نظام ديمقراطي .
فكرة الديمقراطية ليست جديدة في العالم الاسلامي فقد جربها عدد من المجتمعات المسلمة ونجح قليل منها وأخفق اكثرها . وفي اعتقادنا ان تكرار تعثر التجارب الديمقراطية في البلدان الاسلامية هو – في احد الوجوه على الاقل - ثمرة لغربة النموذج الديمقراطي وتباعده عن النسيج الثقافي الخاص بهذه المجتمعات ، اي التباين الثقافي بين الذهنية العامة للمسلمين والارضية الفلسفية التي تقوم عليها فكرة الديمقراطية . من هنا فثمة ضرورة لتصميم نموذج ديمقراطي محلي قابل للتفاعل مع ثقافتنا الخاصة كشرط اولي لتحقيق مشاركة شعبية ذات معنى ، وتبلور ذهنية تسمح بالتفاعل الايجابي بين الفرد ومحيطه ، اي ذهنية تسمح بالنقد والتبادل المعرفي الحر والتنافس السلمي على الادوار والمصالح المشتركة. تعثر الديمقراطية او فشلها يعني بالضرورة استمرار الخضوع الذليل لنماذج من الحكم مستبدة وعاجزة. الديمقراطية ليست وعدا بالمدينة الفاضلة ، ولا هي الحل السحري لجميع المشكلات ، بل هي ببساطة وسيلة لتنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة ، ثبت بالتجارب المكررة ولمدة طويلة من الزمن ، انها الانجح والاكثر قابلية للتطور والتكامل بين جميع نماذج الحكم الاخرى. الديمقراطية مفيدة لانها توفر الفرصة للناس العاديين كي يعيشوا بسلام ، ويسعوا في الارتقاء بحياتهم في ظل قانون واحد يتعامل معهم كمواطنين اكفاء لبعضهم ، متساوين في الحقوق والواجبات. هذا الامان (وهو التجسيد الاول للحريات الفردية) هو احد العوامل الحاسمة التي ساعدت على تطور العلوم والفنون في المجتمعات الصناعية ونيلها اسباب القوة.
ان طريقنا الى المدنية يحتاج الى تمهيد يتناول جملة من المسائل من اهمها خلق الذهنية القابلة للتفاعل مع العناصر الثقافية والمادية للحداثة ، ووضع نهاية للتازم السياسي الذي يتوارثه المسلمون جيلا بعد جيل.
***
لماذا نثير هذا النقاش اليوم ؟
لو اخترنا الديمقراطية قبل قرن ، فلربما كنا الان ننافس الامم المتقدمة التي استراحت من هموم السياسة وانصرفت الى هموم العلم والحضارة ، ولربما كان عالم اليوم مختلفا جدا عما هو عليه . لكن الامور مرهونة بأوقاتها ، وليس من المفيد النوح على ما مضى. وعلى اي حال فان زمن السؤال جزء اساسي من محتواه وشرط لفهمه . فكرة "الديمقراطية" مثلا كانت متداولة في الفلسفة اليونانية منذ القرن الرابع قبل الميلاد كوصف لاحد انماط الحكومة . لكنها لم تتحول الى سؤال جدي تتداوله النخبة وتفكر فيه العامة ويطرحه السياسيون على انفسهم الا في القرن السابع عشر الميلادي . زمن السؤال يعنى الظروف الخاصة الاجتماعية او الاقتصادية او السياسية التي تؤدي الى ازاحة بعض الانشغالات الثقافية من التداول اليومي وادراج قضايا اخرى تتحول بالتدريج الى محور للتفكير او جواب محتمل على لغز او مخرج محتمل من ازمة . من هذه الزاوية فقد كانت الديمقراطية جواب المجتمعات الاوربية على ازماتها السياسية – الاجتماعية التي تولدت عن النزاعات بين الملوك من جهة والتطور الاقتصادي – الثقافي وما اثمر عنه من تغير النظام الاجتماعي ، من جهة اخرى .
حين انتصرت الثورة الاسلامية في 1979 لم تكن "الديمقراطية" مطروحة كنموذج محتمل لنظام الحكم المراد اقامته . كان الجميع متفقا على ان حكومة اسلامية سوف تكون البديل الافضل عن كل ما سواها . مثل كل المفاهيم الجديدة ، لم يكن مفهوم "الحكومة الاسلامية" الذي طرح يومئذ واضحا ومحددا . كان الميل في اول الامر الى نظام يقوم بشكل كامل على سيادة الشعب مع دور اشرافي للفقهاء ، ودعا بعض زعماء الثورة الى ما يشبه الديمقراطية الاجتماعية التي كانت قائمة يومئذ في الدول الاشتراكية ، بينما رأى اخرون ان الاسلام لا يحتمل غير نظام شديد التمركز على راسه فقيه يجمع بين يديه كل خيوط السلطة . في نهاية المطاف جرى وضع دستور يتسع لجميع هذه الخيارات ، فثمة دور محوري للنخبة الدينية اي الفقهاء وثمة تاكيد على سيادة الشعب وكونه مصدر السلطة[1].
هذا النموذج مختلف تماما عن معظم ما فكر فيه الاسلاميون قبل ذلك . بالنسبة للشيعة كان النظام السياسي الديني يتمثل حصرا في حكومة يراسها امام معصوم . وقال بعضهم بامكانية حلول الفقيه الجامع لشرائط الاجتهاد والعدالة في مكانه . وقال آخرون بامكانية ترك الحكم للسياسيين ومنح الفقهاء دورا رقابيا[2]. في كلا التصورين لم يكن ثمة نقاش حول دور الشعب الذي هو موضوع السلطة وجوهر الجدل حول الدولة والسياسة . مال قليل من المفكرين السنة الى نموذج الخلافة التي كانت قائمة حتى الربع الاول من القرن العشرين ، ومال اكثرهم الى نموذج حكم النخبة التي توصف باهل الحل والعقد . في هذين النموذجين ايضا كان دور الشعب مغفلا ومنسيا . يمكن القول اذن ان فكرة الدولة الدينية كانت حتى نهاية العقد السابع من القرن العشرين محصورة في "الحاكم" . ولهذا فقد تركزت النقاشات على مؤهلات الحاكم وسلطاته وكيف يصل الى منصبه .. الخ . وكان الاعتقاد السائد ان شرعية الحكم مستمدة من السماء ، وان على الناس اطاعة الحاكم لان الله امر بذلك ، لا لأن الناس اختاروه او رضوا به .
اختيار الايرانيين لنظام يقوم على مصدر شرعية ثنائي ، الشعب من جهة والتفويض الالهي من جهة اخرى ، هو ثمرة لعاملين : الاول هو التطور التاريخي الخاص بالمجتمع الايراني ولا سيما انعكاسات الثورة الدستورية (1905-1906) التي شهدت للمرة الاولى في تاريخ المسلمين تنظيرا فقهيا لسيادة الشعب وكونه صاحب السلطة ومصدر شرعيتها . اما العامل الثاني فهو التركيب المزدوج للنخبة التي قادت الثورة ، من فقهاء يميلون الى نمط الحكم المتعارف في التراث الديني ، ومفكرين يميلون الى الديمقراطية الليبرالية او الاجتماعية . بسبب هذين العاملين فقد شهد النقاش حول دستور الجمهورية الاسلامية الذي اقر في العام 1980 طرح مفاهيم جديدة لم تكن متداولة قبلئذ في المجتمع الديني او على الاقل لم تكن من موضوعات انشغاله . من بين تلك المفاهيم على سبيل المثال الارادة العامة ، الجمهورية ، تقسيم السلطات ، حاكمية القانون ، المواطنة والحقوق الدستورية .. الخ[3].
بدا للوهلة الاولى ان التوليف بين المفاهيم الدينية التقليدية والمفاهيم الديمقراطية الحديثة قد آتى ثماره ، وان نموذجا جديدا للحكم الديني يجمع حسنات التراث والحداثة قد ولد . لكن التطورات السياسية والتحولات البنيوية التي شهدتها ايران خلال العقد الاول من عمر الجمهورية الاسلامية ، كشفت عن العديد من مواطن الغموض والاشكاليات التي تركها هذا النموذج دون حل . ابرز تلك الاشكاليات هو حدود سلطة الفقيه الحاكم ، ما اذا كانت ضمن الدستور او فوقه ، وحقيقة دور الشعب : هل هو صانع للسلطة ومصدر تام لشرعيتها ام هو تكميل وتزيين لها؟. وهل تضمن الدولة الدينية حريات الانسان الطبيعية ، اي الحريم الخاص الذي لا سلطة فيه لاي طرف عليه ام لا ؟ . وهل يتمتع المواطنون بحقوق مدنية ودستورية ام لا ؟. كل هذه القضايا كما هو واضح هي نقاط تماس بين مفهوم الدولة الذي انتقل الينا من الاسلاف ، وذلك الذي تطور في سياق الحداثة الغربية .
بعض هذه الاشكالات تحول الى معضلات بسبب افتقار قادة النظام الاسلامي الى التجربة السياسية ، وبسبب اختلاط المفاهيم والنماذج ، الناتج بدوره عن تباطؤ الفكر الاسلامي في التصدي للاشكالات والمسائل الجوهرية المتعلقة بالدولة والسياسة . لو بقيت تلك المشكلات في حدود الجدل النظري لهان الامر ، لكن الامر لم يكن على هذا النحو ، فقد جرى استعمال السلطة وموارد الدولة بصورة متكررة في التنافس السياسي وقهر المعارضين . وفي كل الحالات كانت هذه المواقف غير المنصفة تبرر بتفسيرات متعسفة لنصوص القانون والدستور والقيم الدينية والوحدة الوطنية وسلامة النظام العام ، وغير ذلك من التبريرات التي تبدو في ظاهرها سليمة .
منذ اواخر الثمانينات توصل العديد من المفكرين الايرانيين الى ان ارقى فكر وافضل دستور في العالم لا يمكنه منفردا ان يضمن حقوق الافراد وحرياتهم . في كل الاحوال سيجد الحاكمون تبريرا من نوع ما للالتفاف على القانون . ويحدث هذا في كثير من الاحيان بحسن نية ، اذ يظن هؤلاء الحاكمون انهم يفعلون خيرا لشعبهم ونظامهم . ثمة وسائل عديدة توصلت اليها مجتمعات العالم لاعاقة تغول الدولة واستخدامها المتعسف للقانون والدستور ، من بينها وجود ثقافة عامة تأبى التسلط وتمانع من نمو النزعات الاستبدادية والاقصائية ، وتبلور مجتمع مدني منظم ونشط يحول دون تمركز مصادر القوة في يد الدولة او نخبة محددة .. الخ . هذه المفاهيم تنتمي جميعا الى نموذج الحكم المسمى بالديمقراطية الليبرالية .
تبعا لتلك القناعة بذل اولئك المفكرون جهودا حثيثة لاقناع مواطنيهم بالحاجة الى تطوير نظامهم السياسي كي يتخلص من العيوب التي ظهرت اثناء الممارسة العملية خلال العقد الاول من عمره . وركزوا خصوصا على مفاهيم مثل حاكمية القانون والمساواة وحقوق الانسان والمواطنة وما يماثلها . لكنهم واجهوا على الدوام من يعارض هذه الدعوة بحجة انها تتنافى مع المباديء الاسلامية . في حقيقة الامر فان بعض الفقهاء والمفكرين المحافظين لم يتردد ابدا في القول صراحة ومن دون اي مواربة ان الاسلام يجيز اقامة حكم استبدادي اذا كان مفيدا لضمان التزام المجتمع بتعاليم الدين[4] . وصرح آخرون بان لا حدود لسلطة وصلاحيات الفقيه الحاكم ولا رقابة لاحد عليه وهو غير مسؤول امام احد سوى الله . كما انكر فريق ثالث اي دور للشعب في تقرير سياسات البلد او اختيار حكامها ، فدور الشعب محصور – حسب هؤلاء – في دعم وتاييد وتشجيع الفقيه الحاكم المفوض من قبل الله . وقال بعضهم ان الاسلام لا يسمح بالمساواة المدنية بين المواطنين . ثمة مواطنون يمكن لهم ان يشغلوا المناصب العامة واخرون لا حق لهم ، فالناس ليسوا سواسية امام القانون . كل هذه الاراء - ونحن ننقلها عن مجتهدين بارزين – تستند الى تبريرات تبدو لاصحابها ولمن يتبعهم معقولة ومتينة وراسخة في التفكير الديني . لم تكن هذه الافكار مشكلة لو اقتصرت على المجادلات النظرية ، لكنها شكلت في واقع الامر مبررا واساسا لسياسات ومناهج عمل وتعرضت بسببها اطياف من الشعب واهل الراي فيه للتهميش والقمع والحرمان من الحقوق المدنية.
لهذا السبب وجد الكثير من الناس امامهم ازاء سؤال جدي : هل نقبل بحكم اسلامي مستبد ؟. وهل يمكن ان يكون الحكم اسلاميا ومستبدا في الوقت نفسه ؟. وهل تستحق الحكومة الاسلامية ان يتخلى الناس عن حريتهم وحقوقهم من اجل اقامتها او استمرارها ؟.
بالنسبة للمفكرين الاسلاميين فقد كان يشغلهم سؤال جوهري : هل ثمة امكانية لاستنباط نموذج حكم يلتزم بقيم الدين السامية ويحافظ على كرامة وحقوق المواطنين في الوقت نفسه ؟.
يدور هذا السؤال كما هو واضح حول امكانية التناسب بين الدين والديمقراطية ، اي حاكمية الله وسيادة الشعب . في الحقيقة فان طرح هذا السؤال قد اثار اهتمام العديد من اهل الفكر من رجال الدين والاكاديميين والسياسيين . وطرحت في سياق النقاش حوله اراء عديدة قيمة . ركز بعضها على الاطار الفقهي للسؤال ، وركز غيرها على الاطار الدستوري ، او السياسي ، او الاجتماعي . ولا شك ان ما كتب في هذا السياق من بحوث يمثل اضافة هامة للفكر الاسلامي المعاصر . واظن ان النقاشات الايرانية لهذا السؤال قد تجاوزت فعلا مستوى النقاش السائد بين الاسلاميين العرب ، من زاوية تفصيحها لنقاط الجدل والاشكالات ، ومن زاوية الحلول والمعالجات المقترحة .
****
ثمة نقد كثير يمكن ان يوجه للديمقراطية كنظام سياسي واجتماعي . في الحقيقة فانه لا يوجد من يتوهم ان النظام الديمقراطي هو المدينة الفاضلة . كما لا يتوهم احد بانها – كنظرية او نظام عمل - خالية من العيوب ، او انها يمكن ان تناسب جميع الناس في جميع الاوقات . اذا كان ثمة من يسعى لحلول سريعة وكاملة ونهائية ، فلن يجد مثل هذه الحلول في الديمقراطية ، فهي بالتاكيد ليست "عصا موسى". نقول ايضا لمن يسعى للعثور على دليل من القرآن او السنة على فضل الديمقراطية او فائدتها بان يوفر وقته فلن يجد مثل هذا الدليل .
الديمقراطية ببساطة هي منظومة عمل تقوم على قاعدة مفهومية واخلاقية خاصة ، غرضها الرئيس هو حل المعضلة التاريخية المتمثلة في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين والتي يعكسها القول الماثور "من ملك استأثر". الذي جرى في تاريخ المسلمين كله ، ولا سيما في عصرهم الراهن ، ان الذين ملكوا لم يستأثروا بأملاكهم الشخصية دون الفقراء والمحتاجين ، بل استأثروا ايضا باملاك الناس ، اي المال العام والموارد المشتركة التي يتساوى في ملكيتها الغني والفقير والامير والخفير والسافل والنبيل . ولم يتوقف الامر عند هذا الحد ، بل سلبوا ايضا الحريات الطبيعية التي جعلها الله للناس يوم ولدتهم امهاتهم ، فاستأثروا هم ومن يدور في فلكهم بمصادر المعلومات والمعرفة وحرية التعلم والعمل والسفر والاتصال وغيرها .
القاعدة المفهومية الاولى للنظام الديمقراطي هي ان الدولة ليست ملكا للحاكم او النخبة الغالبة ، بل هي مؤسسة اجتماعية تديرها الحكومة نيابة عن المجتمع ولمصلحته . وان النظام يقوم على عقد اجتماعي بين اعضاء المجتمع انفسهم من جهة وبينهم وبين حكامهم من جهة اخرى . بعبارة اخرى فان الدولة في المفهوم الديمقراطي ليست ملكا لشخص او فريق معين كي يستأثر به دون سائر خلق الله . بل هي هيئة اقامها المجتمع كي تدير مصالحه المشتركة كوكيلة عنه وممثلة له . ورجال الدولة موظفون عند المجتمع مسؤولون امامه وليسوا سادة له او جبابرة فوقه . يصل الحكام الى مناصبهم بارادة الناس ، ويحصلون على سلطاتهم وصلاحياتهم وفق تفويض علني واضح ومحدد الموضوع والزمان . قد يحكم رئيس الدولة او حكومته او نواب الشعب اربع سنين او خمس او اقل او اكثر ، لكنهم في نهاية المطاف بحاجة الى تجديد وكالتهم وتفويضهم ، فان رضي الشعب بهم والا نصب غيرهم في محلهم .
العقد الاجتماعي ليس ورقة تكتب وتنشر ، بل هو مبدأ فلسفي واخلاقي ، فحواه على وجه الدقة ان الناس جميعا شركاء في السلطة السياسية وفي الموارد العامة ، وانهم يديرونها ويقتسمون فوائدها بالرضا والتوافق ، وليس بالقهر والتجبر والغلبة . لا يوجد بين اطراف هذا العقد ، اي جميع افراد المجتمع ، من يتمتع بحق يزيد قليلا او كثيرا عن حقوق الاعضاء الاخرين . فالناس جميعا متساوون في المغانم والفرص كما انهم متساوون في المغارم والمسؤوليات . وهم متساوون لانهم اكفاء لبعضهم ، فليس فيهم ناقص وكامل ولا عادي وديلوكس ولا ابن حرة وابن أمة ، ولا اسود وابيض ، ولا جميل وقبيح ولا قبيلي وخضيري . كل الناس سواسية اكفاء لبعضهم ، وكلهم يتمتعون بنفس القدر من الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية .
****
يتألف هذا الكتاب من مساهمات لستة كتاب ، تدور جميعا حول التناسب بين الدين والديمقراطية ، ويعالج كل منها المسألة من زاوية خاصة . وأملنا ان تساهم بمجموعها في ايضاح الجوانب الاشكالية الرئيسية التي ينطوي عليها الموضوع . الفرضية الاولية في المقالات الستة جميعا هي ان الديمقراطية الدينية تركيب مفهومي ووظيفي من عنصرين متمايزين عن بعضهما في المصدر والمعنى والتاثير ومجال الاشتغال. كما تفترض ايضا ان هذا التركيب ممكن على المستوى النظري والعملي. بمعنى انه يمكن اقامة نظام سياسي يجمع بين المباديء الكبرى للديمقراطية والقيم العليا للاسلام. الديمقراطية كما هو معروف ليست مفهوما صلبا احادي المعنى. ثمة نماذج عديدة ، لكن الكتاب الستة يركزون جميعا على عنصر "حاكمية الشعب" كجوهر لمفهوم الديمقراطية الذي يتبنونه. ويتضمن هذا المفهوم عددا من العناصر الاساسية ابرزها المشاركة العامة ، حاكمية القانون ، الحريات المدنية ، والمساواة. الدين هو الاخر ينطوي على افهام وتطبيقات عديدة ، يدعى كل منها اصابته لحقيقة التنزيل ومراد الخالق. لكن المساهمين يتفقون على الحاجة الى فهم للدين يتناسب مع النموذج الديمقراطي. الحكومة الدينية يمكن ان تكون فردية او نخبوبة او ديمقراطية ، وما يميز هذه عن تلك هو المنهج المتبع في تفسير القيم الدينية واستنباط الاحكام والقوانين.
بعبارة اخرى فان التوصل الى تركيب مناسب للدين والديمقراطية ، يحتاج الى فهم للدين يسمح بهذا التركيب ، كما يحتاج من جهة ثانية الى تعديل في مفهوم الديمقراطية كي يتناسب مع المضمون الديني الذي سيصبح جزءا من المنظومة القيمية للنظام السياسي. بناء على هذا فان الباحثين الستة يؤكدون على الحاجة الى قراءة جديدة للدين ، مختلفة منهجيا ومن حيث الاغراض عن القراءة الموروثة. ولعل ابرز ما يميز القراءة المقترحة هو خروجها عن اطار الفهم التقليدي للدين الذي يعتبر الفقه محور التدين او تجسيده الرئيسي في الحياة العامة. الفقه هو احد الاجزاء الرئيسية للدين ، لكن الدين اوسع من ان ينحصر في حدوده. تتعامل هذه المقالات مع الدين باعتباره جزءا اساسيا في تشكيل الهوية ، ومصدرا للاخلاقيات والمثل التي تغني الحياة الانسانية ، وهو بالتالي ضرورة لاي نظام سياسي في مجتمع مسلم ، وحسب تعبير سروش فان اي حكومة في مجتمع ديني لا بد ان تكون دينية كي تكون ديمقراطية ، فاول معاني الحكومة الديمقراطية هو تمثيلها لثقافة المجتمع وقيمه وتطلعاته.

يبدأ الكتاب بمقالة لاية الله شبستري تمثل مفتاحا للنقاش حول الديمقراطية في مجتمع مسلم ، فهي تعالج السؤال الذي يبدو بديهيا عند الكثير من الناس : لماذا نهتم بالديمقراطية؟ ، هل ثمة داع جدي لمناقشتها وهل نحتاجها كمسلمين ؟ . في الاجابة على هذا السؤال يستعمل الكاتب منهجا يركز على الربط بين الغايات والوسائل . وينطلق في هذه الرؤية من منهج التاويل الفلسفي philosophical hermeneutics الذي يتبناه ويدعو اليه ، وهو منهج في فهم النص الديني شائع بين الفلاسفة الدينين في اوربا. طبقا لهذا المنهج فان الرسالة الداخلية للنص هي الجزء المهم منه وليس بنيته اللغوبة او الرمزية . ويشدد شبستري على الحاجة الى منهج جديد في الاجتهاد والاستنباط وفهم القواعد والقيم الدينية وتفسيرها ، يتمحور حول غايات تلك القيم والقواعد وليس اطارها الشكلي او صورتها الخارجية . ومن هذه الزاوية فهو يدعو الى مقارنة تجريبية تتمثل في سؤال بسيط : اين يمكن للمسلم ان يعيش حياته الدينية بصورة افضل ، في ظل حكم يضمن حقوقه وحريته او حكم استبدادي يحرمه من تلك الحقوق والحريات ؟. ويخلص شبستري الى ان الديمقراطية ليست فقط نظاما فاضلا لادارة الشأن العام ، بل هي ايضا ضرورة للحياة الدينية للفرد والجماعة .
اما مقالة الدكتور محسن كديور فتقدم صورة بانورامية عن فكرة الديمقراطية الدينية ، محتواها وما يميزها عن غيرها من الديمقراطيات وغير الديمقراطيات. كما تؤكد على امكانية تنسيجها في نظام القيم الدينية ، بشرط اتباع منهج مناسب في الاجتهاد. وتعرض ايضا مقارنة موجزة بين قراءتين : تقليدية يستحيل التوصل الى قبول للديمقراطية في اطار مستخلصاتها ، وقراءة جديدة يمكن على ضوئها ادماج القيم الدينية في نظام ديمقراطي.
يركز مقال الدكتور عبد الكريم سروش على الاطار المعرفي – الزمني لسؤال السلطة ، فهو يبدأ بالاشارة الى التحولات الكبرى التي اثمر عنها ظهور "العلم الحديث" ، ولا سيما انهيار النظريات الجزمية حول الكون والانسان ، وهيمنة الاتجاه النسبي والنقدي الذي ينظر الى كل شيء في الكون كموضوع للعلم والتحليل. ادى هذا التحول الى تغير قيمة الانسان ونظرته لنفسه ومكانه وبالتالي لمعادلة العلاقة بين حقوقه وواجباته. نتيجة لذلك فقد حل العلم مكان الدين كمرجع للمعرفة والقيمة ، واصبح الانسان – وليس الخالق – محور القيم وغايتها. بعبارة اخرى فان الانسان المعاصر يتطلع الى السلطة السياسية كمخلوق ارضي لا كهبة من السماء منحت لشخص او اشخاص معينين يحكمون كممثلين لله او نوابا عنه. ويعتقد سروش ان جوهر الحكم الديمقراطي الديني يتمثل في الجمع بين رضا الخالق ورضا المخلوقين. ويقترح محورين لتجسيد واختبار هذه المعادلة ، هما الاخذ بفهم ديني يقوم على الجمع بين العقل والشرع ، والالتزام بحقوق الانسان الطبيعية والدستورية.
مقالة الدكتور علي رضا علوي تبار هي تكثيف للمفاهيم الفلسفية الاساسية التي يقترح اعتمادها في البحث عن نموذج ديمقراطي ديني. وهو يعرض في هذا الصدد الجانب المتعلق بالسلطة من نظرية الدكتور سروش المعروفة بنظرية "القبض والبسط في الشريعة". ويشير خصوصا الى اربعة عناصر فيها ، هي نفي الرؤية المثالية للعالم ، والتركيز على المجتمع بدلا من الدولة في دراسة السلطة الدينية ، والتاكيد على نسبية وتاريخية المعرفة الدينية ، واخيرا الفصل بين الديمقراطية كمنتج معرفي انساني وبين الاطار التاريخي الذي ولدت فيه. رغم اهتمام علوي تبار بالارضية المادية للنظام الديمقراطي ، فانه يدعو الى عدم التقليل من اهمية الارضية الذهنية والمعرفة التي قد تدعم او تعيق القبول بالديمقراطية كنظام للادارة ، لا سيما في المجتمعات التقليدية المسكونة بطبعها بالريبة تجاه الافكار المستوردة والجديدة.
تدور مقالة الدكتور علي بايا حول معنى الوصف الديني للديمقراطية ، وتعالج المسألة من زاوية فلسفية وسوسيولوجية تتمحور حول المضمون الثقافي والرمزي للعلاقة بين المجتمع وما يقيمه من مؤسسات (سياسية مثل الديمقراطية او اقتصادية مثل البنك او غيرها) ، ولا سيما كيفية انتقال المعنى والقيمة من المجتمع الى العناصر والمركبات الفارغة اصلا من اي معنى خاص او قيمة محددة . ويقترح الدكتور بايا معالجة تجريبية لمفهوم الديمقراطية الاسلامية ، اي اعتبارها برنامجا بحثيا متصاعدا وليس مفهوما صلبا او نهائيا . في هذا الاطار فهو يركز على اهمية النقد والكشف عن الاخطاء من خلال الممارسة والتفاعل بين النظرية والتطبيق والتوسع التدريجي .
تسعى مقالة توفيق السيف لتحديد بواعث قلق الفقهاء من تحديث النظام السياسي ولا سيما اعادة تاسيسه على حاكمية الشعب وضمان الحريات المدنية للمواطنين . وهي تعرض هذا من خلال مقارنة بين اراء اربعة من الفقهاء البارزين خلال الثورة الدستورية (1905-1906) . هذه المقالة هي اشبه بدراسة حالة ، اذ تعرض اراء فقهاء في مستوى متقارب في ظرف زمني وسياسي واحد يتناقشون جميعا حول نفس المسألة ، وبالتالي فان اراءهم تعبر عن تفاعل مباشر بين المرجعية النظرية والموضوع السياسي القائم . وتستهدف المقالة اضافة الى ما سبق ، بيان ان المجتمع الديني قادر على استنباط حلول ذات اساس ديني متين للاشكالات النظرية التي يطرحها معارضو الديمقراطية وحقوق الانسان .
القاسم المشترك بين كتاب هذه المقالات هو انتماؤهم الى شريحة من المفكرين المهمومين بالاصلاح الديني . وهي شريحة تجمع بين الخلفية الاكاديمية والنشاط في الحقل الاجتماعي والسياسي . فهي من هذه الزاوية بمثابة حلقة وصل بين النخبة وجمهور الشباب المقبل على الحياة . وهي من ناحية ثانية وسيط بين العرف الاجتماعي الملتصق بالتراث والتقاليد الدينية ، وبين دائرة العلم الحديث المليئة بالتحديات لذلك التراث والتقاليد . لكلا السببين فليس من المستغرب ان تجد في كتاباتهم نزعة تجريبية ، تسعى لوضع فرضيات واحتمالات مختلفة وتناقشها من دون ان تعطي احكاما نهائية . بعبارة اخرى فانها تتعامل مع الفكر الديني كعلم قابل للنقد والتطوير لا كفتوى او حكم نهائي. وهي لا تنظر الى المشكلات النظرية كشبهات او غزو ثقافي بل كتحد يتوجب فهمة واستيعابه وتقديم الاجابة عليه . اخيرا فان المقاربات التي يعرضها الكتاب لا تنتمي الى عالم المجردات بل هي قضايا مطروحة للنقاش على المستوى العلمي وعلى المستوى الاجتماعي بين عامة الناس.
ولد عبد الكريم سروش في 1945 ودرس في طهران ولندن. ثم عمل استاذا للفلسفة في جامعة طهران وجامعتي هارفرد ويال الامريكيتين ، وعضوا في مجلس الثورة الثقافية الذي كلفه اية الله الخميني باصلاح مناهج التعليم الجامعي. عبر سروش عن تيار في الاصلاح الديني طالما اثار الجدل . اشتهر بنظريته في المعرفة الدينية التي عرضها في كتاب "قبض وبسط تئوريك شريعت" وهي تركز على دور الظروف الموضوعية في تشكيل مفهوم النص الديني وتطبيقاته. طبقا لهذا الرؤية فان فهم الانسان للنص واعادة انتاج مضمونه من خلال سلوكه اليومي ، يخضع لعوامل موضوعية تتعلق بالشخص والبيئة المحيطة ، وبالتالي فلا بد ان يكون الفهم الناتج شخصيا ، نسبيا ، ومتحولا ، وليس عاما او معياريا او ثابتا على مر الازمان واختلاف الظروف. تأثر سروش بنظرية المعرفة التي طورها الفيلسوف البريطاني كارل بوبر ، ولا سيما تركيزه على مرحلية العلم وكونه احتمالا وليس معرفة نهائية . كما اهتم سروش بتفنيد دعوى السلطة المستندة الى العلم المطلق ، القداسة ، والكمال الانساني ، باعتبارها جميعا تقود الى الاستبداد المغطى بعباءة العلم او الدين. وهي ايضا من اعمدة الفلسلفة السياسية لكارل بوبر . اضافة الى كتابه المذكور اعلاه ، نشر سروش عددا من الاعمال الهامة ، مثل : بسط تجربه نبوي ، فربه تر از ايديولوجي ، صراطهاي مستقيم ، وغيرها .
ولد محسن كديور في 1959 . درس الهندسة الكهربائية في جامعة شيراز وتخرج منها في 1977 . ثم اتجه الى دراسة العلوم الدينية في قم وحصل على درجة الاجتهاد. في الوقت نفسه واصل دراسته الاكاديمية وحصل على درجة الدكتوراه في 1999. عمل مدرّسا في حوزة قم العلمية . ثم في قسم الفلسفة بجامعة اعداد المعلمين – طهران. سجن عاما ونصف بسبب نقده للاستبداد الديني وممارسة العنف باسم الدين. اضافة الى كتابه "نظريات الدولة في الفقه الشيعي" الذي ترجم الى العربية ، كتب كديور نحو عشرة كتب في الفلسفة والفكر السياسي الديني ، من بينها دغدغهاي حكومت ديني ، دفتر عقل ، حكومت انتصابي ، وغيرها .
ولد الدكتور علي رضا علوي تبار في شيراز عام 1960. ودرس الاقتصاد النظري ، وحصل على الدكتوراه في التخطيط العام . عمل في مركز البحوث الاستراتيجية ، لكن سبب شهرته يرجع في المقام الاول الى كتاباته الصحفية التي كشفت عن قدرة مثيرة للاعجاب على تحليل السلوك السياسي وما ينطوي عليه من مضمون ثقافي وعلائقي . ترأس تحرير صحيفة صبح امروز الاصلاحية . وهو يعمل حاليا كاستاذ في المعهد العالي للتخطيط والتنمية ، اضافة الى نشاطه السياسي ضمن حزب مشاركت ، اكبر الاحزاب الاصلاحية في ايران والذي كان بين مؤسسيه عام 1999.
يعتبر محمد مجتهد شبستري واحدا من المفكرين المؤثرين في ايران . ولد في 1936 ، ودرس منذ نعومة اظفاره في حوزة قم العلمية . عمل محررا لمجلة "مكتب اسلام " الصادرة في قم حتى 1975 حين انتقل الى المانيا حيث عمل مديرا للمركز الاسلامي في هامبورغ واطلع على التيارات الفلسفية الرائجة في المانيا ، وتأثر خصوصا بالفلاسفة الدينيين . حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة ومرتبة الاجتهاد في الفقه ، ودرس في جامعة طهران حتى منتصف 2006 حين احيل على التقاعد . من ابرز كتبه : نقد القراءة الرسمية للدين ، الدين والحرية ، وهرمنيوتيك ، كتاب وسنت. وتدور معظم ابحاثه حول نقد مناهج البحث الفقهي التقليدية والدعوة الى منهج جديد في الاجتهاد .
يعمل الدكتور علي بايا استاذا زائرا في جامعة وستمنستر البريطانية ، وعمل قبلها استاذا للفلسفة في جامعة العلامة الطباطبائي – طهران ، اضافة الى عضويته في مركز بحوث التعليم العالي . ويعتبر واحدا من ابرز ممثلي الجيل الجديد من الفلاسفة الايرانيين . اسس حديثا مركزا لدراسة المستقبليات وعلوم المستقبل . نشر العديد من الكتب باللغتين الفارسية والانكليزية يدور معظمها حول الفلسفة التحليلية التي يتبناها . تهتم الفلسفة التحليلية باللغة والمنطق ، وتركز على معاني ومفهومات الاشياء كما تظهر في اللسان واللغة بدلا من البحث في الاشياء ذاتها . وقد ظهرت كرد على الفلسفات المثالية لصامويل كانت وهيجل . بدأ هذا المنهج مع مور وبرتراند راسل ووصل ذروته مع صعود الوضعية المنطقية او فلسفة العلوم ، كما حصلت على رواج بعد بروز ويتكنشتاين. نشر بايا عددا من الكتب والمقالات العلمية بالفارسية والانكليزية ، يدور معظمها حول قضايا الفلسفة التحليلية ، ومن بينها : Dialogue in a Real World (2002), Analytic Philosophy: Problems and Prospects (2003), Models of Explanation (2003).
ولد توفيق السيف في 1959 ودرس العلوم الدينية ، قبل ان تجتذبه هموم السياسة وحقوق الانسان . انتقل اهتمامه منذ اوائل التسعينات الى دراسة الفكر السياسي الديني . حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية ، ونشر عددا من المقالات والكتب تستهدف في مجملها اختبار قابلية المفاهيم الدينية السائدة لاستيعاب تحديات الحداثة والعمل في مجتمع تعددي ديمقراطي . من بينها: هوامش نقدية على واقعنا الثقافي ، ضد الاستبداد ، نظرية السلطة في الفقه الشيعي ، الحداثة كحاجة دينية.
يرغب الكتاب الستة جميعا في اقامة حوار نقدي مع القاريء . ويسعون من خلال مساهماتهم في هذا الكتاب الى اثارة الاسئلة ومشاركة القراء في مناقشتها والتفكير فيها . ولهذا فهم لا يعتبرون مقولاتهم أجوبة نهائية على المسائل المطروحة ، فهي مثل كل المقولات العلمية الاخرى لا تزيد عن كونها احتمالا ، قد يتطابق مع الواقع في جانب او يتعارض معه في كل الجوانب . وقد تبدو صالحة في زمن معين او ظرف معين ، لكنها قطعا ليست كلمة واحدة لكل العصور . انها بمثابة جسر يصعد عليه القاريء في مرحلة من الطريق ، لكن عليه ان يعتمد على عقله في المراحل الاخرى . انها اشبه بعلامات على الطريق غرضها المساعدة في تحديد المسار ، اما الوصول الى النهايات المرجوة فهو يعتمد اولا واخيرا على جهد فكري يشترك فيه الجميع . اول طريق الديمقراطية هو المشاركة وتفعيل العقل الجمعي ، ومقتلها هو التوقف او الجمود عند فكرة او تقديس قائلها والتحرز من نقده والاعتراض عليه .

توفيق السيف


[1] لبعض التفاصيل عن هذه النقاشات ، انظر اموى ، بهمن : اقتصاد سياسى جمهوري اسلامي ، (تهران 2003) ، ص 42
[2] انظر بهذا الصدد السيف ، توفيق: نظرية السلطة في الفقه الشيعي ، ( بيروت 2002) ، ص 135
[3] شبستري ، محمد مجتهد : نقدى بر قراءت رسمى از دين ، (تهران 2000) ، ص 186
[4] انظر مثلا تصريحات الشيخ محسن غرويان في حجاريان ، سعيد : جمهوريت (تهران 2000) ص 786

الديمقراطية في بلد مسلم- الفصل الاول



            د . محمد مجتهد شبستري
(  1  )   الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية


القضايا التي نناقشها اليوم كان ينبغي ان تناقش منذ ربع قرن على الاقل . مسائل مثل نوع الحكومة التي نريدها والتنظيم السياسي المناسب لبلدنا هي مسائل اولية ما كان ينبغي ان تترك من دون معالجة جدية حتى اليوم . لو اجرينا مناقشة معمقة ، تحليلية وعقلانية عند تاسيس نظامنا السياسي ، لكان معظم المسائل المثيرة للجدل اليوم قد وجد حلا . لحسن الحظ على اي حال ان هذه المسائل تطرح اليوم ، ومن بينها المسألة التي تناقشها هذه المقالة ، اي "الديمقراطية في مجتمع ديني" .
من المهم تحديد زاوية البحث في سؤال الديمقراطية والديمقراطية الدينية . بديهي ان كل مقاربة للموضوع سوف تعالج جانبا مختلفا عن ذلك الذي تعالجه المقاربات الاخرى . كل مقاربة تنتمي الى اطار علمي مختلف وتستخدم استدلالات ومناهج بحث وزوايا تركيز متمايزة . يمكن مناقشة السؤال من زاوية مفهومية ، فلسفية ، قانونية ، سوسيولوجية ، او سياسية . .الخ .
ربما ظن بعضنا ان سؤال "هل تتلاءم الديمقراطية مع الدين؟" يلخص كل المشكلة ، والحقيقة ان هذا سؤال عن زاوية واحدة من الموضوع فقط . وحتى لو اجبنا عليه فسوف يتوجب معالجة العديد من الاسئلة الاخرى مثل : ما هي الديمقراطية ؟ ، هل نظامنا ديمقراطي ؟ ، هل نحتاج الى الديمقراطية ؟ . كيف نصل الى الديمقراطية ؟ . وهذا يقودنا الى السؤال الذي نحن بصدده ، اي : ماذا يعني وصف الديمقراطية بالدينية ، وهل نتحدث عن ديمقراطية دينية ام ديمقراطية المتدينين ؟ ، وهل يجوز لعامة المسلمين ان يختاروا لانفسهم نظاما سياسيا مثل الديمقراطية ، ام ان الامر متروك لزعمائهم السياسيين والدينيين كي يختاروا النظام المناسب ؟ .
الديمقراطية هي احد المفاهيم الجديدة التي تولدت في اطار المدنية الغربية المعاصرة ، ودخلت حيز النقاش بين المسلمين في السنوات الاخيرة . معظم هذا النقاش يستهدف الحصول على تطمينات حول قدرة الديمقراطية على حل مشكلاتنا ، والتأكد من ملاءمة القيم الديمقراطية لمعتقداتنا الدينية ، اي امكانية اعتبارها خيارا مناسبا لمجتمعاتنا . فيما يتعلق بالتوليف بين الدين والديمقراطية ، ثمة اراء عديدة يدعي بعضها توفر ادلة في النصوص الاسلامية تدعم القيم والمباديء الديمقراطية ، بينما يقتصر الاخر على القول بامكانية الجمع بينهما ، اي وجود فرصة او وسيلة لحل التعارض المحتمل بين الطرفين .
بعض الاسئلة المطروحة في هذا النقاش يعبر عن انشغال ذهني او روحي لعامة الناس ، وبعضها يشغل السياسيين ، او المثقفين او المفكرين وهكذا . ما يشغلني شخصيا هو علاقة هذا السؤال بمعرفتنا الدينية . افترض ان بوسعنا توليف الديمقراطية مع الدين في اطار فهم عقلاني للدين ، وهذا يتوقف على توفر مناهج فهم وتفسير عقلانية . من هنا فسوف اعيد صياغة سؤال العلاقة بين الدين والديمقراطية على النحو التالي : هل لدينا فعلا ، او هل يمكن لنا تطوير فهم جديد للدين قابل لاستيعاب تحديات العصر وتطور الانسان المعاصر ؟ .
الديمقراطية هي سؤال واحد فقط من اسئلة كثيرة مطروحة بالحاح على المسلمين المعاصرين وعلى الفكر الاسلامي ، وبقاؤها مطروحة لزمن طويل يدل صراحة على ان هذا الفكر يفتقر الى منهجية مناسبة لاستيعاب ومعالجة التحديات النظرية وغير النظرية التي تولدت عن تطور الفكر الانساني في العصور الاخيرة . اذا اراد المسلمون ان يردموا الهوة الواسعة التي تفصلهم عن عصرهم ، ويلتحقوا بركب المدنية الحديثة من دون ان يضحوا بايمانهم ، فانهم بحاجة الى ثقافة جديدة قادرة على التسوية بين الدين والمدنية . تأخر المسلمين عن عصرهم هو ثمرة للممانعة التي يجدوتها في قيمهم الدينية ، اي ما يتخيلونه من استحالة الجمع بين ايمانهم من جهة والتقدم العلمي والاجتماعي من جهة اخرى . لكي لا نقع في منزلق التبرير ، فيحب ان نقر صراحة بان ما يفصلنا عن المدنية المعاصرة ليس المسافات ولا مؤامرات الاعداء ، بل عجزنا عن تطوير ارضية ذهنية وثقافية مناسبة تسمح بالتوليف بين متطلبات التقدم ومتطلبات الايمان . سر هذا العجز يكمن في هيمنة مناهج في فهم الدين غير عقلائية ، او غير قادرة على فهم العصر الحاضر وما فيه من قضايا وموضوعات وتحديات .
 المنهج السائد في الساحة الدينية ومجامع العلم الشرعي ، منهج متخلف يقود الى تفسيرات للقيم الدينية غير عقلائية ولا يمكن الدفاع عنها . كما ان الكثير مما يسمى اليوم قيما دينية ، ليس دينيا بالمعنى الدقيق ، كثير من هذه القيم ليس وحيا منزلا ، ولا هي تفسيرات قطعية ونهائية للوحي او القواعد الدينية الاصلية . بل تنظيرات لاعراف وتقاليد وسلائق توافق عليها المجتمع او النخبة الدينية في ازمان معينة او ضمن ظروف خاصة باعتبارها ضرورات للنظام الاجتماعي او مصلحة للمؤمنين ، وبناء على هذه الاعتبارات جرى ضمها الى منظومة القيم الدينية ، وترسخت بمرور الزمن وتلقيها بالقبول من جانب اجيال المسلمين او نخبتهم .
نحن نتفهم بطبيعة الحال الاسباب التي قادت الى تلك التفسيرات والظروف التي فرضتها ، فالازمان الماضية التي شهدت ولادتها لم تعرف مثل ما نواجهه اليوم من تحديات فكرية واجتماعية ، ولم يصل اهلها الى المستوى الذي يعرفه انسان هذا العصر من ثقافة وعلم وتكنولوجيا وانفتاح وسرعة . وعلى اي حال فلم تكن المشكلة يومذاك قصرا على المجتمعات الاسلامية ، فالتفكير الديني في مختلف بلاد العالم كان متخلفا او منفصلا عن الحراك العلمي والتطور العقلي الذي اوجد المدنية المعاصرة .
 ادى ظهور وتطور العلم الحديث خلال القرون الاربعة الاخيرة الى تقدم هائل في مجال العلوم الانسانية والتجريبية ، تغيرت على اثره حياة الانسان ، كما تغيرت ثقافته وتغير فهمه للعالم . وظهرت في هذا السياق مناهج جديدة للمعرفة والتفسير والتفكير ، تسعى لتمكين الانسان من اعادة فهم ما يجده في عالمه وما ورثه عن اسلافه من تراث وافكار وقيم وتجارب ، ونشير هنا خصوصا الى تبلور مناهج جديدة لفهم النص الديني على اسس عقلانية . ولا شك ان المؤمنين بالاديان قد استفادوا من هذه المناهج . وهذا ما يفسر الميل المتصاعد في عالم اليوم لاستبعاد التفسيرات العرفية او الخرافية للدين . واستطيع القول من دون تحفظ ان توفر العلم والمناهج الفلسفية الحديثة وتطور التجربة العقلية للانسان لم تترك اي مبرر لتلك الشريحة من دارسي العلوم الدينية التي غضت الطرف عما توفره المناهج العلمية الجديدة من امكانات هائلة لفهم وتفسير النص الديني ، وكرست نفسها لحراسة المناهج القديمة التي اكل عليها الدهر وشرب ، وظهر عجزها عن الوفاء بحاجات المسلمين الروحية والدنيوية الراهنة .
كثير من مشكلاتنا الثقافية هي نتاج لترددنا في تطوير مناهج الفهم والاستدلال التي يتعارف عليها العلماء باسم الاستنباط او الاجتهاد ، ولا سيما التردد في الاخذ بالمناهج الجديدة في فهم النص واستنطاق مضمونه . وللاسف فعلى الرغم من توفر هذه المناهج ورغم قدرتنا على تطويرها ، الا ان الاهتمام بهذا الامر في مجامعنا العلمية ضئيل او ربما معدوم . في سنوات الثورة الاسلامية الاولى أتاحت الظروف السريعة التغير مجالا للدعوة الى تجديد الفكر الديني ولاسيما مناهج الاستنباط ، ومساءلة اولئك الذين يتصدون للاجتهاد والفتوى عن منهجهم في البحث ، والمعايير التي يقررون على ضوئها خياراتهم . لكن هذه الدعوة واجهت في كل الاحوال معارضة غير منصفة ، وواجه اصحابها انواعا من العنت حتى اضطروا الى السكوت عنها .
زبدة القول ان الاجابة على سؤال العلاقة بين الديمقراطية والدين يتوقف الى حد كبير على المنهج الذي نتبعه في فهم الدين واستنباط قواعد العمل من نصوصه . وارى انه لا يمكن في ظل المناهج الموروثة التوصل الى جواب مناسب ، لان هذه المناهج ليست مؤهلة من الاساس للتعامل مع اسئلة من هذا النوع . ومن هنا فانه لا الديمقراطية ولا القيم والافكار الاخرى التي انتجتها المدنية المعاصرة ، قابلة للفهم او الملاءمة مع تفكيرنا الديني في ظل تلك المناهج . دعنا على اي حال ننتقل من هذه المقدمة الى مسألة اخرى ، احسبها تمهيدا ضروريا للتفكير في العلاقة بين الدين والديمقراطية ، اعني بها الارضية التي يقوم عليها كل من الطرفين .
 قيم الدين وقيم الديمقراطية
حديثنا عن "الديمقراطية" يأخذ بعين الاعتبار كونها مفهوما محددا جرى تعريفه على نحو دقيق من خلال التجربة الفعلية في العالم فضلا عن الابحاث والدراسات في المحافل العلمية المتخصصة . بتعبير اخر فاننا لا نسعى من وراء هذا النقاش الى تخليق مفهوم جديد نطلق عليه اسم "الديمقراطية" ، بل معالجة المفهوم المعروف في العالم وربما تعديل بعض اطرافه بما لا يؤثر على قوامه الاساسي والمباديء الكبرى التي تمثل جوهره . بالنظر لتطورها في محيط معرفي مختلف فان "القيم الديمقراطية" هي تركيب منظومي متمايز عن "القيم الدينية" التي تمثل هي الاخرى تركيبا منظوميا خاصا وقائما على ارضية مختلفة عن تلك التي تقوم عليها القيم الديمقراطية . من ابرز موارد الاختلاف بين المنظومتين على سبيل المثال ، هو ان قيم الديمقراطية تمثل قيما توافقية- ضمنية ، بمعنى انها ثمرة لنوع من التوافق الاجتماعي على معناها ومؤدياتها . وفي الحقيقة فان معظم القيم الديمقراطية – فوق قيامها على التوافق – تستهدف ايضا تعزيز وتعميق علاقات التوافق والتعاقد بين الافراد . من بين القيم التي يظهر فيها كلا البعدين مثلا اصالة التعاقد ، الرضا والقبول الشعبي كمصدر للشرعية ، المساواة المدنية ، حق الفرد في الاختيار المستقل لنمط حياته الاجتماعية والسياسية ، سيادة القانون ، ارتباط الحقوق الدستورية بالمواطنة ، ضمان حقوق الانسان ، حاكمية الشعب . الخ . هذه المفاهيم تنطوي في داخلها على محتوى قيمي – توجيهي ، ومن هنا فان تفعيلها في الحياة العامة هو الذي يعطي للديمقراطية شكلها ومضمونها الخاص .
لا اريد الان الدخول في بحث حول الارضية الفلسفية او الاخلاقية لتلك المفاهيم ، وما اذا كانت مستمدة من القانون الطبيعي او الفطرة او غير ذلك من المصادر . الامر المسلم به هو ان تلك القيم قد حصلت على مكانتها الرفيعة نتيجة لـ "توافق" اعضاء المجتمع على معياريتها ، بعبارة اخرى فان اعضاء مجتمع ما قد "توافقوا" على هذه القيم و "تعاقدوا" على جعلها اساسا للقانون الذي يحكم حياتهم  . تحول هذه القيم النظرية الى معايير حاكمة ومنظمة للعلاقات الاجتماعية هو اذن نتيجة للتوافق والتعاقد بين اعضاء الجماعة ، وليس بفرض او الزام من جانب احدهم او من جانب قوة خارجية فوقهم . من هنا فان الخطوة الاولى التي تمهد لقيام حكومة ديمقراطية ، هو توفر هذا النوع من التوافقات (او القيم الديمقراطية) بين الشعب .
لم يكن توصل المجتمعات الديمقراطية الى تلك التوافقات ثمرة للتامل الفكري المجرد ، بل نتيجة لتحولات في الحياة الاجتماعية واحيانا ازمات طاحنة اوجبت على الناس التفكير في بدائل ومخارج من تلك الازمات . ومن هنا يمكن القول ان ظهور هذا النوع من التوافقات والقيم ، وقبول الناس بها وتعايشهم مع مستلزماتها ، يتطلب تحولات من نوع ما ، اقتصادية او سياسية او ثقافية ، توفر ما يمكن وصفه بتمهيد نفسي او ذهني يسهل على اعضاء المجتمع القبول بمبدأ التوافق كوسيلة قطعية ووحيدة لحل الخلافات والتعارضات في المصالح وادارة الموارد والثروات الطبيعية المشتركة ، ثم الانتقال الى مرحلة التعاقد بين افراده على صورة النظام السياسي الذي يأملون العيش في ظله .
من الممكن بطبيعة الحال ان يعيش الناس من دون هذه القيم . من الممكن مثلا ان يعيش الناس في مجتمع لا يعرف مفهوم المواطنة وما يترتب عليها من حقوق دستورية ، او لا يعرف مفهوم الارادة العامة ، او حقوق الانسان ، او التمييز بين المجال الشخصي والعام ، الخ . . من الانصاف ايضا القول بانه لا يمكن البرهنة باي طريقة فلسفية او تاريخية او غيرها على ان المجتمعات التي لم تتوصل الى تلك التوافقات والقيم ، كانت على خطأ او كانت سيئة او غير متحضرة او غير طبيعية ، او ان حياة الناس فيها كانت خالية من المعاني الانسانية . واقع الامر ان التحولات الاجتماعية والعلمية قد وضعت امام الناس حقائق جديدة على مستوى المعرفة او على مستوى السياسة والاقتصاد ، اي حقائق ذهنية وحقائق مادية . ونتيجة لتعرف الناس على تلك الحقائق ، توصلوا الى قناعة ضمنية او صريحة بان الاخذ بالقيم والمفاهيم الديمقراطية المذكورة اعلاه سوف يجعل حياتهم اكثر انسانية .
خلافا لهذا المعنى فان القيم الدينية ليست توافقية ، اي ان اعتبارها الديني والاخلاقي ليس منبعثا من اتفاق الجماعة على دينيتها او معياريتها . الدين ليس من ذلك النوع من سبل الحياة الذي يتوافق اعضاء المجتمع على صناعة مضمونه او منحه القيمة المعيارية . ربما يقول بعضنا بان القيم الدينية يمكن ان تتولد بصورة من الصور من تجربة روحية . ونقصد بالتجربة هنا معناها العرفاني وليس المادي . التجربة بالمعنى المادي قد تنحصر في ممارسة الشعائر ومظاهر السلوك اليومي التي يقوم بها كل المتدينين . اما المعنى العرفاني الذي يتحدث عنه الفلاسفة والعارفون ، فهو يشير الى نوع خاص من التفاعل بين الانسان والكون ينبعث من وحدة الاصل الذي يرجع اليه الطرفان . هذا التفاعل ينتج معرفة وعلاقة بين داخل الانسان وخارجه ، بينه وبين النظام الكوني الذي يعيش فيه ، وهو قريب من معنى الفطرة الى حد ما . وعليه فاذا كان منشأ الدين هو هذا النوع من التجربة الروحية ، فانه يمكن ان يكون ايضا منشأ للقيم الدينية . لكن حتى لو قلنا بهذا المنشأ للدين او القيم الدينية ، فانه لا يمكن ان يكون من نوع المفاهيم التوافقية ، فالتجربة الروحية بهذا المعنى هي – بالضرورة - تجربة فردية لا يمكن للانسان ان يشرك فيها غيره بل ولا يمكن ان تكون مشتركة مع الغير .
يتميز الدين عن سائر الممارسات الحياتية الاخرى بانطوائه على جانب قدسي هو مصدر فعال للالزام ، بمعنى ان الايمان بذاته يولد في داخل النفس معنى خاصا للافعال ، ويترتب عليه شعور عند المؤمن بان عملا ما هو واجب يلزمه القيام به ، وان عملا اخر ينبغي اجتنابه . القبول بالايمان ومقتضياته وممارستها من جانب الفرد ، تشكل ما يمكن وصفه بتجربة دينية بالمعنى العام للكلمة ، فهي تولد قيما او تسبغ قيمة على اشياء ، وتسلبها من اخرى ، فهي مثلا تلقي رداء القداسة على اماكن او اعمال او اشخاص او كلام ، فتجعلها ذات قيمة استثنائية . توليد هذه القيم لا يجري نتيجة لتوافق اجتماعي كما هو واضح ، بل من خلال علاقة مباشرة بين الفرد وبين المصدر الاعلى الذي ينتسب اليه دينه ، اي من خلال تجربة روحية فردية .
زبدة القول اذن ان الديمقراطية هي منظومة قيمية تقوم على ارضية التوافق الاجتماعي ، فالارادة العامة للمجتمع هي مصدر شرعيتها ومعياريتها . خلافا لهذا فان القيم الدينية مستمدة من الايمان الديني ، وهو ليس قائما على توافق بين الناس ، بل ثمرة للاتصال بين الفرد وربه . حتى لو قلنا بان الدين هو تجربة روحية ، فانها ايضا لا تخرج عن ذلك الوصف ، ذلك ان التجربة الروحية هي في نهاية المطاف تجربة فردية وليست موضوعا للتوافق .
 الديمقراطية كضرورة للحياة الدينية
فيما يتعلق بالتركيب المفهومي "الديمقراطية الدينية" يمكننا تصور معنيين للوصف الديني :
المعنى الاول : ان الديمقراطية الدينية هي اطار يضم في داخله منظومة من القيم الدينية ، اي ان المحتوى القيمي والاخلاقي للديمقراطية هو امتداد للنص الديني او للتجربة الدينية . اذا كان هذا المعنى هو الصحيح فان وصف الديني هو قيد للديمقراطية وليس شرحا عليها . وبالتالي فان اهمية الديمقراطية او قيمتها تنبع من كونها تكليفا دينيا . كما ان قبول المؤمن بها راجع الى ورودها في النص الديني او ارتباطها بالتجربة الدينية .
المعنى الثاني : ان الديمقراطية التي نتحدث عنها (الدينية) هي ذات الديمقراطية المعروفة في العالم من دون ان نتدخل او نغير في مفهومها . اي انها غير مستنبطة من النص الديني وليست موضوعا للاجتهاد والاستنباط على النحو المتعارف اليوم في الحوزة العلمية وغيرها من مجامع العلم الشرعي . مفاد هذا القول انه لا يمكن الحصول على قيم الديمقراطية في الكتاب والسنة او سيرة المعصومين ولا يمكن تاسيس شرعيتها او معياريتها على هذا الاساس . وبالتالي فان الاقتناع بها او التعويل عليها لا يستند الى آية في القرآن او رواية من المأثورات او عملا مسجلا كسيرة للمعصوم .
في رأينا ان المعنى الثاني هو الصحيح . لكن يجب الانتباه الى ان عدم الاشارة الى القيم الديمقراطية في التراث الديني لا يعني ابدا انها مقولة باطلة او مضادة للدين . فورود مفهوم ما في التراث يرتبط بالظرف الزمني والموضوعي الذي شهد ولادة ذلك التراث . بديهي ان المفاهيم والافكار الجديدة ومن بينها الديمقراطية لم تكن سؤالا مطروحا في الزمن الذي نعتبره مرجعيا ، اي زمن حضور المعصوم . وقد اشرنا في السطور السابقة الى ان ظهور قيم الديمقراطية وامثالها من القيم التوافقية رهن بتحولات خاصة في حياة المجتمعات ، وما لم تتحقق هذه التحولات البنيوية فان ظهور تلك القيم ، وخصوصا تحولها الى ضرورة للحياة ، هو امر مستبعد . نعلم ايضا ان مجتمع المسلمين لم يتعرض خلال العصور السابقة التي نرجع اليها في دراسة النصوص الدينية ، لتلك التحولات التي اثرت في وعي الانسان . نحن نعيش اليوم في عالم جديد ، ولدت فيه الكثير من المفاهيم الجديدة ، كما تغيرت كثير من المفاهيم المعروفة سابقا . انظر مثلا الى مفهوم "الدولة" المعاصر وكيف انه مختلف تماما عن مفهومه المتداول في كتب التراث ، وانظر ايضا الى مفهوم القانون ، المواطنة ، حاكمية الشعب ... الخ . هذه المفاهيم وامثالها لم تكن موجودة او معروفة في نظامنا الاجتماعي وثقافتنا السائدة قبل العصور الحديثة . هذه مفاهيم جديدة للحياة الانسانية وعلينا ان نسعى لفهمها ونقدها وتنسيجها في نظامنا الثقافي . اما البحث عن نظائرها في كتب التراث او في تجربة المسلمين الاوائل فهو عمل لا طائل تحته ، لانها بذاتها لم تكن موجودة او ان موضوعاتها لم تكن مطروحة فيما سبق .
السؤال الذي يواجهنا عند هذه النقطة هو : اذا لم يكن ممكنا العثور على دليل يدعم الديمقراطية في النصوص الدينية ، فهل ثمة مرجعية بديلة يمكن الاستناد اليها في الاخذ بالنظام الديمقراطي؟ . بعبارة اخرى كيف نتصور ديمقراطية دينية دون ان يكون لها مرجعية في النص الديني ؟ .
 للجواب على هذا السؤال نحن بحاجة الى التفسير العقلاني للدين الذي سبق الحديث عنه . صحيح انه لا يمكن التوصل الى مرجعية دينية للديمقراطية بالاعتماد على منهج الاجتهاد والاستنباط الموروث ، لكن يمكن العودة الى القيم الدينية والى روح الدين بشكل عام للبرهنة على انه لا يوجد تعارض بين الدين والديمقراطية ، بمعنى انه يمكن لنا ان ناخذ بالنظام الديمقراطي دون ان نخسر ايماننا ، بل يمكن البرهنة على ان الاخذ بالديمقراطية سوف يجعل تطبيق مقتضيات الايمان اكثر يسرا واقرب منالا . المشكلة اذن لا تتعلق بقابلية الدين او الديمقراطية للتلاؤم مع بعضهما ، بل بالمنهج المتبع في فهم وتفسير الدين .
نحن بحاجة الى رصد راسمال كبير في مناقشة هذه المقولات ، فمن دون الانخراط في بحث عميق ومتعدد الابعاد فان مشكلات مثل ما نحن بصدده (اي ما هي الديمقراطية الدينية) لن تكون قابلة للحل . اذا تحدثنا عن الاصلاح في امثال مجتمعنا ، فلا شك ان الافكار الاصلاحية لا يمكن ان تصل الى نتيجة من دون بحوث عقلانية معمقة ومتواصلة في النص الديني وتفسيره .
يجدر الاشارة هنا الى ان مجتمعنا ليس الوحيد الذي تثار فيه هذه الاسئلة او تظهر في صفوفه الحاجة الى مثل هذا البحث . فهي مطروحة حتى في المجتمعات الغربية التي قطعت شوطا بعيدا في الاصلاح السياسي . بالنسبة للمؤسسات الدينية المسيحية مثلا ، نشير الى ان الفاتيكان كان حتى منتصف الستينات من القرن العشرين يتخذ موقفا مرتابا واحيانا معاديا لمواثيق حقوق الانسان الدولية باعتبارها نقيضا للمسيحية . لكنه اقتنع منذ العام 1964 بان اعتماد هذه المواثيق يوفر فرصة افضل للتدين والايمان . الاستدلال الذي جرى الاخذ به يومئذ هو ان هذه المواثيق تعين لكل انسان حريما لا يمكن تجاوزه من جانب اي سلطة ، ويضم هذا الحريم منظومة من الحريات الطبيعية التي ترتبط بانسانية الانسان ، وابرزها حرية الاعتقاد والعبادة وحرية التفكير والعمل الخ . اذا تمتع كل انسان بهذا الحريم فانه – كمتدين ، سواء كان مسيحيا او غيره - يمكن ان يعيش حياته الدينية ويمارس مقتضيات ايمانه بحرية وأمان . ومن هنا فان اي نظام سياسي يحترم حقوق الانسان هو بالضرورة اكثر انسانية واقرب الى جوهر الدين من اي نظام قاهر او شمولي لا يقيم حرمة لحياة الافراد الشخصية ولا يحترم حقوقهم .
حسنا ، لو اتبعنا هذه الطريقة التجريبية في الاستدلال ، فهل ستوصلنا الى توليف مناسب بين الدين والديمقراطية ؟ .
دعنا نفترض ان المسلمين وجهوا هذا السؤال لانفسهم : ما هو ظرف الحياة الاكثر تناسبا مع هويتنا كمسلمين ، العيش في ظل حكومة ديمقراطية ام العيش في ظل حكومة استبدادية او شمولية؟ .
 يمكن صياغة هذا السؤال على نحو آخر : ما هو نوع النظام السياسي – الاجتماعي الذي يوفر فرصة اكبر لنا كي نعيش في انسجام مع ايماننا ومعتقداتنا وقيمنا الدينية ، هل هو النظام الديمقراطي ام الاستبداد ؟ .
نفترض ان كل عاقل سيفضل – بصورة مبدئية على الاقل - الديمقراطية على الاستبداد . اذا اخذنا بهذه الرؤية فلن يكون ثمة حاجة الى تغيير في محتوى مفهوم الديمقراطية او استبدال القيم التي يقوم على اساسها او يسعى الى ترسيخها . من ناحية اخرى فان هذه الرؤية لا تأخذ بالديمقراطية من منطلق الانفلات من حدود الدين واحكامه . على العكس من ذلك فاننا نطرح ذلك السؤال ، وناخذ بهذه الرؤية انطلاقا من كوننا مسلمين مؤمنين ، نريد ان نعيش حياتنا من دون ان نتخلى عن ايماننا . ولهذا فان سؤالنا يدور في جوهره حول البيئة التي توفر فرصة اكبر وافضل للعيش كمؤمنين . رؤيتنا تقول ان القبول التوافقي بقيم الديمقراطية واقامة الحكومة التي تجسدها ، سوف يوفر ظرفا افضل للاعتقاد الحر والممارسة الحرة لمقتضيات الايمان ، ومن هنا فان هذا النظام اكثر انسانية كما انه اكثر دينية من اي نظام استبدادي .
الاخذ بالديمقراطية وتفضيلها على ما سواها ينطلق اذن من مبررات دينية بحتة . لكن هذا ليس نهاية القصة . فالنظام الديمقراطي يوفر - اضافة الى ما سبق - فرصا لتحقيق اغراض الدين واهدافه . من الامور البديهية عندنا ان الدين يسعى الى محو الظلم والقهر وترسيخ العدالة الاجتماعية باعتبارها اهدافا اولية لاي مجتمع ديني . وينظر الى هذه الاغراض كمسؤولية مشتركة يساهم في انجازها جميع الناس . يريد الدين ايضا ان يؤمن به الناس مختارين لا مضطرين او مجبرين ، وان يعيشوا احرارا في دنياهم غير مرتهنين او مقموعين ، لان الحرية هي البيئة التي يزدهر فيها الايمان وتتبلور فيها الطاقات الانسانية ، وتتقدم الحياة . هذه الاغراض هي بعض الثمرات النسبية لنظام ديمقراطي ، ولهذا فان قبولنا بمثل هذا النظام ينطلق من ايماننا الديني ، وهو مبرر على ارضيته . نقبل بالديمقراطية لانها تمكننا من تحقيق الاغراض التي يسعى اليها الدين ونريد تحقيقها كمؤمنين .
ليس ثمة تناقض بين ان نكون مسلمين وان نستعير نظاما حياتيا تبلور خارج اطار الاسلام . في الماضي فعل المسلمون الشيء نفسه واستعاروا انظمة حياة تبلورت خارج اطارهم لانهم وجدوها اكثر تناسبا مع اسلامهم ومع نوعية الحياة التي يريدون ان يحيوها كمسلمين .
من الواضح ان قبول الديمقراطية بالاستناد الى قيم دينية توافقية وتنسيجها ضمن ثقافة المسلمين يستوجب مراجعة وتعديل نظام القيم الخاص بالثقافة الاسلامية لتمكينها من استيعاب القيم الجديدة وهضمها وادراجها ضمن منظوماتها القيمية الخاصة . من ذلك مثلا موقفنا من القهر والعنف ، اذ ليس من المعقول ان تندرج قيم الديمقراطية في نظامنا الثقافي بينما لا نزال نروج للعنف وفرض الاراء والقناعات بالقوة والقهر ونلقي عليها اوصافا قيمية او دينية من نوع اعتبارها امرا بالمعروف ونهيا عن المنكر او جهادا في سبيل الله ، لايمكن ان نقدس الجبر والقهر ونستوعب الديمقراطية في الوقت نفسه . هذا لا يعني بطبيعة الحال التخلي عن المباديء الاسلامية مثل الجهاد او الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل التخلي عن استخدام مثل هذه المباديء في القهر والتجبر او ممارستهما بطريقة تحتوي على قهر او عنف ، مثل قمع حرية التعبير او منع الافراد من ممارسة شعائر او انماط حياة تخالف السياسات الرسمية . اول شروط الديمقراطية هو الاعتراف بالمجال الخاص للانسان الذي هو حريم شخصي لا سلطة للدولة فيه ، ولا يجوز خرقه من جانب اي طرف .
ليس من العسير على اي مجتمع ان يراجع منظوماته القيمية . في الحقيقة فان هذه العملية تجري في كل الاوقات في كل مجتمع . الناس يتفاعلون مع التحولات التي تجري في حياتهم ومن حولهم ، كما يتفاعلون مع التحديات التي تواجههم ، فيغيرون اراءهم وقناعاتهم ، اي يستبدلون قيما قائمة باخرى جديدة من اجل تحسين كفاءة نظامهم الاجتماعي وتحسين مستوى معبشتهم ، وهكذا تجري الامور على الدوام ، وبصورة عفوية في الغالب . القيم الدينية التي نتحدث عنها ولدت قبل اربعة عشر قرنا ، لكنها تعرضت طوال هذه الفترة لمراجعات عديدة حتى وصلت الينا على الصورة التي نعرفها اليوم ، وهي صورة تختلف قطعا عما كانت عليه قبل قرون . لا يوجد اي مانع شرعي او عقلي يحول دون مراجعة القيم التي نرجع اليها في تنظيم حياتنا ، بل يمكن القول ان هذا هو موطن الاجتهاد في معناه الدقيق .
لو نظرنا الى ثقافتنا السائدة وما ينطوي عليه تراثنا ، نظرة نقدية ، فسوف نجد الكثير مما يحتاج الى اصلاح في نظامنا القيمي وفي اعرافنا وتقاليدنا . هناك على سبيل المثال تمييز بين الناس وتصنيف لهم كمواطنين من الدرجة الاولى والثانية . ثمة طبقات او اصناف اجتماعية تعتبر نفسها ممتازة على غيرها ، وتحسب لنفسها حقوقا على الاخرين ، وهذا بطبيعة الحال خلاف اصل التكافؤ والتساوي بين بني الانسان . هذه القيم وامثالها تحتاج الى اصلاح يقود الى الاقرار بالتكافؤ التام بين الناس والمساواة المدنية بينهم كمواطنين اكفاء لبعضهم . لا يمكن اغفال هذه العيوب في نظامنا الثقافي لان التغافل لا يحل اي مشكلة .
زبدة القول اذن ان التوليف بين الدين والديمقراطية ليس بالامر العسير . لكنه مشروط بالنظر في الاسلام ، في روحه وفي قيمه ، وانتهاج منهج عقلاني انساني في فهمه وتفسيره . وهذا يتطلب بالضرورة عدم الاقتصار على اراء الفقهاء ، وعدم الاخذ بمنهج الاجتهاد والاستنباط الموروث . ان رؤية جديدة وانسانية للدين سوف تمكننا من بسط ارضية فكرية وقيمية دينية جديدة تستوعب التحديات الفكرية والحياتية التي تتجه الينا . نحن في امس الحاجة الى هذه الارضية كي نعيش عصرنا ونحافظ على ايماننا في الوقت ذاته .


بقية فصول الكتاب


تقــــــــــــــــــــــــــــــــديم 
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/1.html
1)  الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية                                                         محمد مجتهد شبستري
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_8707.html
2) الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية                                 محسن كديور
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_9060.html
3) الديمقراطية الدينية: حاكمية العقل الجمعي وحقوق الانسان                           عبد الكريم سروش
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_6931.html
4) من المدينة الفاضلة الى مدينة الانسان :
 الفرضيات الاولية لبحث الديمقراطية الدينية                                             علي رضا علوي تبار
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_7868.html
5) في معنى الوصف الديني للديمقراطية                                                  علي بايا
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_24.html
6) جدل فقهي حول الدولة الحديثة                                                          توفيق السيف
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post.html      


الديمقراطية في بلد مسلم- الفصل الثاني


           
           د . محسن كديور
(   2  )  الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية

مفهوم الديمقراطية الدينية او الاسلامية واحد من المفاهيم التاسيسية في الفكر السياسي للاسلام المعاصر لا سيما في ايران . وبالنظر الى حداثة المفهوم فانه يحتاج الى ايضاح ابعاده ومبانيه وما يترتب عليه من انعكاسات ، طمعا في تحديد القواسم المشتركة بينه وبين المفاهيم السياسية الاخرى وخطوط التمايز التي تفصله عنها .
"الديمقراطية الاسلامية" عنوان لنظام سياسي يناظر النماذج الاخرى للديمقراطية مثل الديمقراطية الليبرالية ، الديمقراطية الاجتماعية (او الاشتراكية) ، المسيحية ، المباشرة . . الخ . وهو يشاركها في بعض الخصائص ويتمايز عنها في خصائص اخرى . يستحق كل واحد من هذه النماذج اسم "الديمقراطية" تبعا لتوفر منظومة خاصة من المباني والمباديء والمعايير التي تحدد كيفية عمل النظام السياسي . هذه المنظومة هي صفة مشتركة بين جميع الديمقراطيات على اختلاف انواعها . ثمة – اضافة الى ذلك – خصائص يمتاز بها كل نموذج ديمقراطي عن النماذج المماثلة ، هي انعكاس للهموم او الخصائص الثقافية والاجتماعية للقطر الذي يطبق فيه هذا النظام . من هنا فان فهم "الديمقراطية الاسلامية" يتوقف على وضوح المشتركات التي تجمعها مع الديمقراطيات الاخرى من جهة ووضوح الخواص التي تتميز بها عنها .
سؤال الديمقراطية
الديمقراطية هي جواب عن سؤال محوري في الحياة السياسية ، يمكن وضعه على صور مختلفة مثل : ما هو النظام الافضل لادارة البلاد والمجتمع ؟ . او : من هو المسؤول عن تدبير الامور في المجال العام ؟ . او : من الذي يتخذ القرار فيما يتعلق بامور البلاد ككل ؟ . بتعبير اخر : من هو صاحب السلطة العامة في البلاد ؟ .
ثمة ثلاثة اجوبة محتملة على هذا السؤال:
الجواب الاول : نظام حكم فردي autocracy يقوم على راسه شخص واحد يمسك بكل السلطات ويتخذ القرارات نيابة عن الجميع لانه اكثرهم علما او فهما ، او لانه اقدر من بقية الناس على تشخيص مصالح المجتمع والخير العام للشعب . او ربما لانه الشخص الاقوى والاكثر حيلة ، اي الاقدر على الغلبة . وابرز خصائص هذا النوع من الحكم هي أ) تنحصر سلطات الدولة جميعها وتتركز في شخص الحاكم الذي يستمد شرعية حكمه من ذاته . ب) سلطة الحاكم الفرد مطلقة ولا تخضع للقانون كما انه شخصيا يعتبر فوق القانون ، فلا يخضع لرقابة الشعب ولا اي جهة رقابية اخرى ، ولا يتعرض للنقد او المحاسبة ، اي انه ليس مسؤولا امام احد . ج) يصل الحاكم الفرد الى منصبه بالتغلب والاستيلاء ، او بالوراثة ، او من خلال الاعراف الاجتماعية والتقاليد الدينية ، وليس بانتخاب الشعب او اختياره . وبقاؤه في هذا المنصب غير محدود بزمن معين ، ولا يتخلى عنه طوعيا واختياريا .
الجواب الثاني : نظام حكم نخبوي ارستقراطي aristocracy ، تهيمن على السلطة فيه مجموعة محددة من الاشخاص او صنفا معينا من اصناف المجتمع ، لأن اعضاء هذه المجموعة اقرب الناس الى الكمال الانساني ، او باعتبارهم ارقى نسبا او اكرم عائلة ، او لتخصصهم في علم من العلوم كالفلسفة او الفقه ، او لكونهم اغنى الناس واكثرهم املاكا . بعبارة موجزة فان مفهوم حكومة النخبة يعني حصر السلطة في يد طبقة من المجتمع تعتبر نفسها الطبقة الاعلى بين سائر الناس . من هنا فان بقية شرائح المجتمع وطبقاته لا تستطيع المشاركة في الحياة السياسية مشاركة ذات تاثير . ولا يخضع اعضاء الحكومة لرقابة الشعب او محاسبته ، وهم ليسوا مسؤولين امامه ، بل امام الطبقة الحاكمة فقط ، وهي المخولة بمراقبة عملهم ومحاسبتهم والتاكد من انسجام سياساتهم مع توجهاتها .
الجواب الثالث : نظام تمثيلي ديمقراطي representative democracy يؤمن المشاركة المتساوية لجميع افراد الشعب في صناعة السياسة واتخاذ القرار ، والوصول الى المناصب العامة او انتخاب من ينوبون عنه فيها . تقوم الديمقراطية على مبدأ اساسي هو حاكمية الشعب . بمعنى ان الغرض الاول للعمل السياسي وممارسة السلطة هو تحقيق رضا العامة ، وليس تامين رضا شخص واحد او طبقة خاصة . وينظر الى شاغلي المناصب السياسية والادارية كوكلاء او ممثلين للشعب ، لا كسادة له او قيمين عليه . وهم خاضعون في هذا العمل لرقابة موكليهم ومسؤولون امامهم ، وهم يحصلون على مناصبهم هذه بارادة الناس ورضاهم ، كما يتركونها لغيرهم بنفس الطريقة . القوانين السارية في المجتمع هي الاخرى ثمرة للارادة العامة وقائمة بوجودها وهي تستمد مشروعيتها وقوتها من قبول الشعب بها ، وبالتالي فان وضعها او تغييرها او استبدالها يتم وفقا لنفس الطريقة وعلى ذات الاساس .
من الواضح - بناء على هذه المواصفات - ان كلا من نماذج السلطة الثلاثة لا يقبل الجمع مع الاخر . ويجب التاكيد خصوصا على ان الثالث ، اي النموذج الديمقراطي لا يقبل الجمع مع الثاني (نشير الى هذا خصوصا لان لدينا في ايران من يدعي هذه الامكانية) ، وهو بطبيعة الحال لا يقبل الجمع مع الحكم الفردي . النظام الديمقراطي اذن هو نظام يقوم على مبدا حاكمية الشعب ، حيث يستمد القانون مشروعيته من الارادة العامة الصريحة ، كما يحصل الحاكمون على سلطتهم من خلال التفويض الشعبي .
يبدو ان كل الحكومات في العالم تتبع واحدا من النماذج الثلاثة السابقة ، فهي اما حكومة فرد او حكومة اقلية او حكومة الشعب . يميل بعض الناس الى القول بامكانية وجود نموذج رابع هو الحكومة الالهية او حكومة الدين او ربما حكومة الفقه . لكني لا ارى هذا النموذج ممكنا او قابلا للتحقيق . فليس من المتوقع ان ينزل الخالق سبحانه عن عرشه كي يمارس السلطة السياسية بنفسه . وعندئذ فان اي صورة من صور هذا النموذج سوف تتجسد في نظام بشري يقوم عليه فرد واحد او افراد معدودون ، يمارسون الحكم باعتبارهم وكلاء او ممثلين لله سبحانه . فاذا قلنا بان الله قد عين شخصا واحدا كي ينوب عنه في تدبير امور مخلوقاته ، فنحن اذن نتحدث عن حكومة هذا الشخص ، اي الحكم الفردي autocracy ، وربما نضيف اليه وصف الرباني او الديني للاشارة الى مصدر سلطته ، فنقول مثلا الحكم الفردي الديني theo-autocracy . ومن هذا القبيل حكومة البابا عند المسيحيين الكاثوليك وحكم الخليفة عند المسلمين السنة وحكم الولي الفقيه عند الشيعة .
اما اذا قلنا بان الخالق قد فوض تدبير الارض في كل زمان الى صنف خاص من علماء الدين كالفقهاء مثلا ، فنحن نتحدث اذن عن حكومة النخبة الدينية theo-aristocracy مثل حكومة اباء الكنيسة او حكومة الروحانيين او الفقهاء . واذا قلنا بان يد الله مع الجماعة ، وان ارادته ورضاه تتجسد في ارادة الامة ورضاها ، وان الخالق سبحانه قد فوض الى البشر حق تقرير مصيرهم السياسي ، فاننا نتحدث اذن عن نوع من الديمقراطية يمكن ان نصفه بالديمقراطية الدينية theo-democracy . من الواضح اذن ان الحكومات الثيوقراطية او الدينية لا تخرج عن واحد من تلك النماذج الثلاثة المذكورة اعلاه . ومن هنا ايضا فانه لا يمكن وضع الحكم الديمقراطي في مقابل الحكم الديني ، او وضع حاكمية الشعب في مقابل حاكمية الله . الديمقراطية او حاكمية الشعب تقع في مقابل حاكمية الفرد او الاتوقراطية كما تقع في مقابل حكومة النخبة او الارستوقراطية . غني عن القول ان كلا من انواع الحكومة الثلاثة يمكن ان يكون دينيا كما يمكن ان يكون علمانيا .

الديمقراطية والشعبوية
 الديمقراطية ليست مجرد اسم او وصف يضاف الى اي نظام سياسي بغض النظر عن محتواه . ثمة كثير من الانظمة الديكتاتورية والاحزاب الفاشية تصف نفسها بالديمقراطية ، لكنها لا تستحق هذا الوصف ، لانه لا يعبر عن محتواها وحقيقتها . يستحق النظام او الحزب او المجتمع وصف الديمقراطية اذا تبنى المباديء الاساسية التي يقوم عليها هذا النموذج ، واحترم المعايير الضرورية للعمل السياسي الديمقراطي . وكما لا يصح اطلاق وصف "الديمقراطي" على اي نظام ، فانه لا يصح كذلك اطلاق وصف "الاسلامي" عليه ما لم يكن ملتزما بالمعايير الاساسية للحكم الديني . كي تكون الحكومة ديمقراطية – دينية ، فيجب ان تتوفر فيها معايير النموذج الديمقراطي جنبا الى جنب مع معايير الحكم الديني .
النموذج الديمقراطي هو منظومة من المفاهيم والمعايير واليات العمل التي جربها العالم وآمن بفضائلها وفوائدها . وهي بهذه الاجزاء والاركان تعتبر كلا ضروريا لا يمكن التصرف فيه وتغيير عناصره من دون المس بالاغراض التي يرمي اليها ، وبالتالي الخواص التي اعطته قيمته . الديمقراطية ليست عنوانا لاطار فارغ كي نملأه بما نشاء من افهامنا او مصالحنا او رغباتنا . بل هي نموذج واضح الحدود والاركان ومطبق في الكثير من بلاد العالم ، وقد ترسخ واتضحت قسماته وضروراته من خلال التجارب الكثيرة والنقد والمراجعة . ونتيجة لهذا المسار الطويل فانه لم يعد مفهوما غائما او ملتبسا او محتاجا الى اعادة تعريف ، كما اصبح من اليسير مقارنة تطبيقاته مع المباديء النظرية والمفاهيم التي ينطوي عليها النموذج ويسعى لتجسيدها ، والعناصر التي تميزه عن سواه من انظمة الحكم . على هذا الاساس فان سعينا لصياغة نسخة اسلامية من هذا النموذج لا يستهدف استبدال اركانه ومبادئه ومعاييره الاساسية ، اي العناصر التي يجب ان تتوفر في كل نموذج ديمقراطي مهما كانت نسبته او صفته .
من المهم ايضا الاشارة الى الفارق الجوهري بين الديمقراطية والشعبوية . ينبغي الحذر من الخلط بين الديمقراطية اي النظام السياسي القائم على حاكمية الشعب ، وبين الصور العديدة من الحكم الشعبي ، اي الانظمة التي تبدو عليها بعض ملامح الديمقراطية ، لكنها في الجوهر حكومات فردية او استبدادية . قد نجد حكومة متساهلة ، يتقرب رؤساؤها الى الشعب او يمتدحونه او يميلون الى ملاينته وربما خداعه . الحكم الشعبي قد ينطوي على حسن معاملة مع الشعب ، او تلطفا وتادبا في السلوك ، او رحمة بضعفاء الناس ، او مسايرة لرغباتهم او مداراة لهم . ثمة زعماء لا يرغبون في التعامل الفظ والخشن مع جمهورهم ، ويفضلون الحكم باللين على الحكم بالعنف والشدة . لقد عرف التاريخ الكثير من هذا النوع من الحكومات ، وقد التفت اليها علماء السياسة ووصفوها وحللوا طبيعتها وقدموا نماذج تحليلية لكل منها . من اشهر تلك النماذج وربما اكثرها اثارة للالتباس هو النموذج المعروف بالحكم الشعبوي populist . الانظمة الشعبوية تمجد الشعب او الجماهير وتبالغ في تصوير مطالب الشعب ومراداته كما لو انها عين الحق والحقيقة . لكن ما يهم الباحث ليس هذا التعظيم اللفظي ، بل كيفية انعكاس "الارادة الشعبية" على السياسات والبرامج والقرارات وتركيب السلطة . ما يميز بين انواع الحكومات هو كيفية تجسيد الارادة الشعبية ، ومن الذي يقيم محتواها ويختار العناصر التي سوف تدخل حيز التطبيق من بينها . في النموذج الشعبوي يعين شخص او مجموعة من الاشخاص او طبقة معينة انفسهم متحدثين باسم الشعب ، ويقررون انهم هم المعنيون بتحقيق الارادة الوطنية والمطالب العامة او ضمان الخير العام ومصالح الشعب ، على النحو الذي يشخصونه ويرجحونه . ويحصرون دور الشعب في الموافقة والتصفيق والخروج الى الشوارع في مظاهرات التاييد وتاكيد الولاء . هذا النموذج لا يمكن اعتباره ديمقراطيا حتى لو حصل على تاييد الجمهور . وتمتليء كتب التاريخ بقصص العديد من الزعماء الذين سلكوا هذا السبيل ، وادعوا انهم اقدر على تامين مصالح الشعب من الشعب نفسه ، لكنهم – في الوقت نفسه – لم يسمحوا للشعب بمراقبتهم ومحاسبتهم ، او تقرير ما يريد ابناء الشعب ان يفعلوه لانفسهم ومستقبلهم . في حقيقة الامر فقد ظلموا الشعب وقهروه تحت لافتة الحكم باسمه او السعي لخيره . هذا النوع من الحكومات يقود بالضرورة الى خداع الجمهور او ما يعرفه علماء السياسة بالديماغوجية demagogy . الديماغوجية هي ببساطة استغلال احاسيس الشعب وهمومه وتطلعاته ، واستغلال معتقداته ورموز ثقافته وعصبيته ، من اجل المصالح الخاصة بالحاكم اوالمجموعة الحاكمة . وربما تجد حكاما من هذا النوع يتحدثون عن الديمقراطية او يسبغون هذا الوصف على انظمتهم ، لكن ما يقصدونه في الحقيقة ليس اكثر من الحكم الشعبوي ، البعيد عن الديمقراطية كل البعد .

المباديء الكبرى للديمقراطية
السر وراء الميل العام لشعوب العالم المعاصر الى تبني النموذج الديمقراطي يكمن في اكتشافهم لابرز ثمراته ، اعني بها الارتفاع بكفاءة الادارة السياسية الى اعلى مستوى ممكن وتقليل احتمالات الخطأ . هذه المعادلة الذهبية تعتمد على توسيع مشاركة الشعب الى اعلى نسبة ممكنة ، وخفض التاثير الشخصي لفرد معين او بعض الافراد على القرار السياسي الى اقل نسبة ممكنة . تؤدي المشاركة الشعبية الى تنوع المصادر المؤثرة في صناعة القرار ، ومساهمة عدد اكبر من العقول في وضع السياسات والتخطيط للمستقبل . كما تقود ايضا الى اعادة توزيع مصادر القوة والسلطة في المجتمع على نحو سليم ومتساو ، وتحول دون حصرها في نطاقات صغيرة او محدودة . يتعلق مفهوم الديمقراطية اذن بطريقة اتخاذ القرار في المجال العام ، وجوهر هذا المفهوم هو الرجوع الى المجتمع في القرارات التي تؤثر عليه . بكلمة موجزة فان الديمقراطية هي الحكومة التي تؤمن مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات المتعلقة بهم جميعا ، بصورة مباشرة او عن طريق ممثليهم .
يقوم النظام السياسي الديمقراطي على عدد من المباديء الكبرى ، هي بمثابة ارضية مفهومية وقيمية تحمل بنيته ومؤسساته ، واهمها :
أ ) اصل المساواة : ويقصد بها المساواة المدنية في الجانب السياسي والحقوقي ، فجميع افراد الشعب وشرائحه وطبقاته يتمتعون بحق متساو في الوصول الى المناصب السياسية والسيادية وجميع الوظائف العامة الاخرى . وكذلك التدخل في الامور العامة والمشاركة في صناعة القرار او التاثير عليه . هذه المساواة مضمونة ومحمية بالقانون ، بحيث لا يمنح احد او فريق محدد امتيازات تفضيلية على غيره في اي من الجوانب المذكورة . الفرضية الاصلية في الديمقراطية هي ان ممارسة السلطة ليست حقا خاصا لاحد على وجه التحديد ، وانه لا يحق لاي مجموعة او صنف اجتماعي ادعاء هذا الحق بناء على كونهم ارفع من سائر الناس تكوينيا او فكريا . المساواة في الفرص تتطلب عدم التمييز بين افراد المجتمع من اي وجه ، ولا سيما التمييز على اساس العرق او القومية او الدين والمذهب ، او العقيدة السياسية .
ب) اصل سيادة الشعب : المصدر الوحيد للشرعية السياسية هو ارادة الشعب . ولا يوجد اي مصدر اخر للسلطة غير اجماع ورضا الشعب . يصل الحاكمون الى مسند السلطة بارادة الناس ويرحلون عنها بارادة الناس .
ج ) اصل المشاركة والرضا العام : يعتمد النظام الديمقراطي على مشاركة الشعب في جميع مستويات القرار وتامين الرضا العام في كل الامور السياسية . ويعتبر رضا الجمهور معيار سلامة القرار في الحكومة الديمقراطية .
د ) اصل سيادة القانون : يطيع الافراد القوانين والانظمة التي وضعوها بانفسهم او رضوا بها . كي تكون الحكومة ديمقراطية فيجب ان تكون سلطاتها محدودة ، وخاضعة للقانون . وهذا يتطلب وجود دستور يحدد سلطات الحاكم ، كما يوضح كيفية تعديل او تغيير القوانين بواسطة ممثلي الشعب .
هـ) حقوق الانسان : وتشمل هذه مجموعة الحقوق "الطبيعية" التي يتمتع بها الناس بحكم انسانيتهم ، وكذلك الحقوق "المدنية" التي يكتسبها الافراد بحكم انتمائهم للنظام الاجتماعي والسياسي . ضمان هذه الحقوق هو معيار عدالة القانون وسلامة المجتمع ، وابرز تلك الحقوق هي الحرية الفردية ولا سيما حرية التعبير .
هذه الاصول الخمسة تمثل مباديء اولية ومضمونا قيميا للنظام ، وهي التي تميز الديمقراطية عن غيرها . اما تطبيق النموذج الديمقراطي في الحياة السياسية الواقعية فيحتاج الى عدد من الاليات التي تجسد تلك المباديء والقيم ، من اهمها :
1- عقد الانتخابات العامة الحرة والعادلة بصورة منتظمة . ويجب ان يضمن القانون حق المشاركة لجميع افراد الشعب في الترشح والتصويت ، وحرية التنافس بينهم .
2- وضع نظام مؤسسي لضمان العلنية في ممارسة الحكم ، بحيث يستطيع افراد الشعب معرفة ما تفعله حكومتهم وكيف تتخذ قراراتها . العلنية او الشفافية هي العامل الحاسم في تمكين الشعب من مراقبة الحكومة ومحاسبة مسؤوليها .
3- توفير الاساس القانوني لتامين وحماية الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين وحرياتهم الفردية ، والفصل بين "المجال العام" الذي تعمل فيه الدولة و"المجال الخاص" بالحياة الشخصية للافراد التي لا يجوز للدولة التدخل فيها .
4- توفير الاساس القانوني لتشجيع وحماية المجتمع المدني بمختلف تمثلاته وتنظيماته ، وتمكينه من القيام بدوره كوسيط بين السلطة والمجتمع من جهة وكتعبير عن ارادة المجتمع ووسيلة لتعزيز مشاركته في صناعة السياسة والقرار وحماية حريات الافراد وحقوقهم .
على اي حال فان جوهر الديمقراطية هو المشاركة العامة ، وبمقدار سعة هذه المشاركة تتوسع الديمقراطية والعكس بالعكس . يمكن قياس مستوى الممارسة الديمقراطية في مجتمع ما بالنظر الى ثلاثة ابعاد متمايزة :
أ) السعة الافقية للمشاركة الشعبية في القرار السياسي ، اي التناسب بين عدد الافراد المشاركين في القرار السياسي وبين مجموع القادرين على المشاركة . كمثال على ذلك فان سعة المشاركة تظهر من خلال مقارنة عدد المشاركين في الانتخابات العامة مع عدد المؤهلين او المسجلين في سجلات الناخبين . كما تظهر من خلال المقارنة بين القوة البشرية المنضوية في اطار احزاب او مجموعات منظمة والعدد الاجمالي للسكان .
ب) عمق المشاركة التي تظهر من خلال القياسات الكيفية للمشاركة الشعبية . مثل المقارنة بين تاثير البرامج والسياسات وبين تاثير العلاقات الشخصية على خيارات المواطنين السياسية ، ولا سيما في مواسم الانتخاب . يمكن معرفة ذلك بمقارنة عدد المنتخبين على اسس قبلية او طائفية مثلا وعدد المنتخبين على اساس برامج سياسية . اضافة الى مساهمة منظمات المجتمع المدني في نقد ومراجعة سياسات الدولة واقتراح سياسات وبرامج بديلة ، وما اذا كان نشاطها محصورا في المواسم الانتخابية او كان نشاطا حيويا متواصلا . ومن بين القياسات الكيفية مراقبة التغير في تركيب النخبة السياسية ولا سيما توسعها بانضمام افراد جدد وتوجهات سياسية وثقافية جديدة ، فضلا عن سعة تمثيل المكونات والاطياف الاجتماعية المختلفة في اجهزة الدولة .
ج) تقدم العملية الديمقراطية التي تظهر من خلال قياس التناسب بين الحقول وموضوعات العمل التي يتخذ فيها القرار بمشاركة الشعب الى مجموع الحقول والموضوعات في المجال العام . كمثل على هذا فلو ان 20% من موضوعات الحقل العام تتقرر بمشاركة 80% من المواطنين ، فان الديمقراطية في هذا المجتمع تعتبر متاخرة . الوضع الامثل هو ان تتخذ القرارات في 100% من موضوعات الشأن العام بمشاركة كل الشعب . او على الاقل مع فتح المجال وتوفير الفرص لهم للمشاركة . وعلى هذا الاساس يمكن وصف المجتمعات بانها متطورة او متخلفة سياسيا على ضوء ارتفاع او انخفاض معيار المشاركة في القرار ، حيث تنقسم الى غير ديمقراطية او ديمقراطية جزئيا او ديمقراطية كاملة بحسب نسبة الموضوعات التي يتخذ فيها القرار مع توفر المشاركة الشعبية .

الديمقراطية والايديولوجيا
الديمقراطية نظام عمل system ، يمكن ان يستخدم من جانب ايديولوجيات مختلفة ، كما يمكن ان يحمل صفات ايديولوجية مختلفة . في كل الاحوال فان عنصر الايديولوجيا يضيف ما يمكن وصفه بلمسة محلية او صبغة خاصة تجعل اليات الديمقراطية اكثر قربا من البيئة المحلية التي تطبق فيها ، واقدر على الاندماج في نسيجها الثقافي . بعبارة اخرى فان اضافة اللمسة الايديولوجية لا تعني استبدال آليات الديمقراطية ومبادئها الاساسية بأخرى مستقاة من الايديولوجيا ، لان النظام سيفقد في هذه الحالة صفته الديمقراطية . ونجد في عالم اليوم نماذج ديمقراطية عديدة ، تتمايز عن بعضها بتركيز النموذج على خواص معينة او تعديل سلم اولويات النظام بحسب ما يراه اصحابه من تمايز في حاجات مجتمعهم . كمثال على ذلك فان الفلسفة السياسية الليبرالية او الفلسفة البراغماتية تستعمل الديمقراطية لانتاج ما يعرف اليوم بالديمقراطية الليبرالية التي تركز على الحريات الفردية كاولوية سابقة للعدالة الاجتماعية . وحين تستعمل الديمقراطية من جانب الاشتراكيين فانها تنتج نظام الديمقراطية الاجتماعية او – في مراحل اخرى - الديمقراطية الاشتراكية ، الذي يركز على الدور المركزي للدولة في توزيع الثروة والموارد العامة ، وضمان مستوى معيشي معقول يتساوى فيه الجميع . وبنفس الطريقة فان استخدام الديمقراطية على ارضية الثقافة المسيحية او الرجوع الى اصولها الدينية كمصدر الهام للنظام ، سوف ينتج ذلك النوع الذي تعرفه اوربا اليوم باسم الديمقراطية المسيحية والذي يتمثل غالبا في الاحزاب الديمقراطية المسيحية (في ايطاليا والمانيا وفرنسا مثلا) .

الديمقراطية الدينية : الفرضيات الاولية
الديمقراطية الدينية او – بتعبير ادق - الديمقراطية الاسلامية ، هي كما اشرنا سابقا ، مفهوم مركب من جزئين ، جزء يتعلق بطبيعة النظام السياسي وكيفية عمله ، وجزء يتعلق بالثقافة التي يقوم في اطارها والقيم التي تشارك في تشكيل هويته الخاصة كنظام سياسي محلي ، اي منبعث من البيئة الخاصة للمجتمع المسلم . في هذا السياق فمن المهم فهم الفرضيات الاولية التي ينطلق منها هذا التركيب ، كي تتضح حدوده والخطوط التي تميزه عن غيره من النماذج .
الفرضية الاولى تتعلق بالتمايز بين الدين والديمقراطية . يجب ان لا يتوهم القاريء بان الديمقراطية هي عين الدين او ان الدين هو عين الديمقراطية . الديمقراطية نظام عمل قابل للاشتغال في نطاق خاص ، هو الادارة السياسية للمجتمع . بينما الدين هو منظومة قيم يمكن ان تكون مضمونا لمختلف جوانب الحياة ، بما فيها النظام السياسي الديمقراطي . لكن على رغم هذا التمايز فان الدين والديمقراطية ليسا متنافرين ، بل يتمتع كل منهما بقابلية للتوافق مع الاخر . من الانصاف التاكيد على ان دعوى التوافق تفترض قراءة معينة للدين ، وليس كل قراءة ، فمن الواضح ان هناك قراءات واجتهادات في الدين تتعارض مع الديمقراطية . من هنا فان من الاسلم القول بان الدين المقصود ، اي الذي يمكن ان يقوم على ارضيته نظام ديمقراطي ، هو الدين الذي لا يتعارض – على اقل التقادير - مع اصل ومبررات سيادة الشعب . نضيف الى هذا ان التوافق بين الدين والديمقراطية لا يقود بالضرورة الى ديمقراطية دينية ، بعبارة اخرى فان الديمقراطية الدينية هي مقولة يتجاوز مداها ومتطلباتها وانعكاساتها مجرد التوافق بين الدين والديمقراطية كما سيأتي لاحقا .
الفرضية الثانية هي ان حاكمية الشعب الدينية او الديمقراطية الاسلامية تمثل مفهوما متمايزا عن ديمقراطية المتدينين . لو ان مجتمعا متدينا تبنى الاليات الديمقراطية لادارة اموره العامة من دون ان يضيف اي عنصر جديد على اصول او مباني اومعايير نموذج الحكم الديمقراطي المتعارف في العالم ، فان نظام الحكم الناتج يمكن وصفه بديمقراطية المتدينين . وهذه كما سلف مقدمة لحاكمية الشعب الدينية والديمقراطية الاسلامية ، لكنها متمايزة عنها وليست هي ذاتها . الديمقراطية الدينية او الاسلامية هي مقولة تتجاوز مفهوم ديمقراطية المتدينين . وصف "الديني" او "الاسلامي" في هذا المفهوم هو وصف للديمقراطية وليس المجتمع الذي يتبناها . بمعنى ان الديمقراطية الاسلامية هي نوع من انواع الديمقراطية ، يضيف الى مفهوم الديمقراطية الاصلي لونا ورائحة اسلامية ، ويزيد في هذا المفهوم او ينقص منه بعض المباني والمعايير بالرجوع الى الثقافة الاسلامية . وبالتالي فان المفهوم الجديد قد يوسع بعض جوانب المفهوم الاصلي ، او يضيق بعضها الاخر كي تتطابق مع مباديء وضرورات الشريعة الاسلامية . بديهي ان العامل الحاسم وراء اتباع هذا النموذج من الديمقراطية وتطبيقه في الحياة السياسية الفعلية ، هو اقتناع المسلمين به ورغبتهم فيه ، وبالتالي فانه يشمل مفهوم "ديمقراطية المتدينين" ، لكنه يتجاوزه الى ما هو ابعد . بكلمة موجزة فان "ديمقراطية المتدينين" هي نموذج يتضمن اليات عمل ديمقراطية محايدة وفارغة من المضمون القيمي الديني ، يتبناها مجتمع مسلم او متدين . اما الديمقراطية الدينية ، فهي نموذج يتضمن اليات عمل ديمقراطية ، كما ينطوي في الوقت نفسه على منظومات قيمية ومعايير مستمدة من الشريعة الاسلامية ، ويتبناه ايضا المجتمع المسلم او المتدين .

الدين المناسب للديمقراطية
من نافل القول ان عالم الاسلام يعج بالعديد من القراءات والاجتهادات في الدين . من البديهي ان بعض هذه القراءات لا يقبل بالديمقراطية او حاكمية الشعب او الديمقراطية الاسلامية ، بل يزعم ان اجتماع حاكمية الشعب مع الدين مستحيل لانه جمع بين نقيضين ، كما يزعم ان الديمقراطية لا تتلاءم – مبدئيا - مع الاسلام . ولهذا فمن المفيد التطرق الى مواصفات القراءة الدينية التي ترفض الديمقراطية ، ونقارنها بتلك التي سنسميها القراءة الديمقراطية للدين .
 القراءة الدينية الرافضة للديمقراطية :
ظهرت هذه القراءة منذ البدايات الاولى لتعرف العالم الاسلامي على مفهوم الديمقراطية . وهي ترى ان اتباع الاسلام يعني الخضوع لحاكمية الله والتسليم لامره ونهيه ، اما الديمقراطية فهي حاكمية الرغبات والشهوات ، والتسليم لاهواء الاكثرية الذين يصفهم القرآن بمثل الاية المباركة "اكثرهم لا يعقلون" او "لا يؤمنون" وما يماثلها . ويقول اصحاب هذا المذهب ان المجتمع الديني ينبغي ان يدار طبقا للمعايير الالهية . وهي معايير محددة وثابتة ، ولا يمكن تغييرها بناء على راي الجمهور القليل المعرفة بمبانيها وادلتها الشرعية . الاسلام ايضا هو علم لادارة المجتمع وحياة الانسان من المهد الى اللحد . وهو واسع وشامل لم يهمل جانبا من جوانب الادارة الاجتماعية كي يحتاج تكميله الى مناهج البشر واختراعاتهم مثل الديمقراطية . بعبارة اخرى فان الدين كامل وليس ناقصا كي يمد يده الى الديمقراطية ليستعين بها في ادارة المجتمع . من ناحية اخرى فان الديمقراطية – طبقا لهذه الرؤية – هي ثوب يناسب قامة المتغربين ، او بضاعة غربية لا يمكن استخدامها لاقامة احكام الشريعة الغراء . ويقدم اصحاب هذه الرؤية صورة متكاملة عن نظام الحكم الذي يرون فيه البديل الحق عن الديمقراطية ، وهو نظام يقوم على مجموعة من المفاهيم القاعدية ، من اهمها :
أ – الانسان كائن ناقص ، ضعيف وعاجز عن مقاومة وسوسة الشيطان وشهوات النفس . ولهذا فهو محتاج دائما الى من يتولى امره كي لا يزل ، ويرشده الى طريق الكمال حتى يبلغ السعادة الحقيقية . بناء على هذه الرؤية فان المجتمعات الانسانية التي تفتقر الى ولي من قبل الله ، سائرة في طريق الانحراف والسقوط .
ب – الاسلام دين شامل وقادر على سد جميع حاجات الانسان في المجال الفردي كما في المجال الاجتماعي منذ خروج الفرد الى الحياة وحتى يموت . وهو قادر على هداية المجتمع الاسلامي الكبير ، وحل جميع مشكلاته السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والاجتماعية ، بل لديه حلول لمشكلات المجتمعات غير الاسلامية ايضا .
ج – الطرق التي وضعها الدين لحل المشاكل التي تواجهها المجتمعات البشرية ، مضمرة في النصوص الدينية . لهذا فاننا بحاجة الى علماء الدين والفقهاء لاستنباط تلك الحلول واستخراجها من الكتاب والسنة ، وتوفيرها للمؤمنين .
د – لم يحصل ابدا ان تخلى الاسلام عن قيادة المجتمع او تركه في حال سبيله في اي وقت من الاوقات . بل اهتم على الدوام بتحديد سبيل الادارة والقيادة وشخص كيفية الاشراف والولاية على الحياة الاجتماعية . في زمن الرسول والائمة عليهم السلام كانت الولاية والقيادة بيدهم ، ومن بعد غيبة الامام الثاني عشر ، فوض الشارع المقدس الولاية وقيادة المجتمع الى الفقهاء العدول ، وكلف عامة الناس بطاعتهم واتباعهم .
هـ - افراد الشعب ليسوا سواء من الناحية الشرعية . ثمة تمايزات يقررها الشرع بين الاصناف المختلفة من الناس . ثمة فرق مثلا بين المسلم وغير المسلم ، وبين المؤمن وغير المؤمن ، وبين الرجل والمرأة ، وبين الفقيه والعامي ، وما اشبه . ومن هنا فان القول بالحقوق المدنية المتساوية للمواطنين وتطبيقاتها القانونية والسياسية تتنافى مع ضروريات الفقه .
و – الاحكام الشرعية ، سواء الملزمة او غير الملزمة ، لا يمكن وضعها او تعيين تطبيقاتها بناء على راي الاكثرية او رضا عامة الناس . سواء اراد الشعب ام لم يرد ، فانهم – باعتبارهم مسلمين – مكلفون بالاذعان لتلك الاحكام . الثابت من هذه الاحكام يستنبط من جانب الفقهاء جميعا ، والمتغير منها (المتعلق بادارة البلاد) يستنبط من جانب الفقيه الحاكم ، وهو الذي يأمر اجهزة الدولة بتنفيذها . في كل الاحوال ليس للشعب اي دور في التشريع ووضع القوانين او نظم الادارة والعمل في المجال العام . وليس لرضا الشعب او رأيه دخالة في تطبيق تلك القوانين والنظم . تقوم هذه الرؤية على القول بان جميع موضوعات الحياة الخاصة او العامة هي موضوعات دينية ، اي مجالا محتملا للتكليف الشرعي ، وهذا يشمل حتى الموضوعات المصنفة ضمن دائرة المباحات . لا يوجد موضوع حياتي خارج عن التكييف والتكليف الشرعي – بالقوة او بالفعل - . قد يكون هذا التكليف الزاميا او غير الزامي ، وقد يكون حكما اوليا او ثانويا ، ارشاديا او ولائيا . بعبارة اخرى فانه لا يوجد مجال او موضوع خارج دائرة الشرع حتى يمكن الرجوع فيه الى راي الشعب .
ز – راي ولي الامر هو المعيار في القضايا والقرارات المتعلقة بالمجال العام ، والجمهور المتدين مكلف شرعا باتباع امر الولي الفقيه وطاعته على نحو يرضيه ويعزز مكانته .
هذا المذهب هو الفهم العام للدين الرائج بين الاسلاميين التقليديين في مصر والجزائر وافغانستان وايران . وهم يعتبرون ان حاكمية الشعب ايا كان نوعها تمثل غصبا وعدوانا على حاكمية الله وسيادته . ومن ابرز من ذهبوا هذا المذهب الشيخ فضل الله النوري في ايران وسيد قطب في مصر ، وهو اليوم شائع في المنابر الرسمية في ايران ونسمع عناصره تتكرر على لسان المتحدثين فيها ، ولا سيما في خطبة الجمعة في طهران .

القراءة الديمقراطية للدين
لعل ابرز سمات هذه القراءة هو انفتاحها على العلم وتعظيمها من شأن العقل ومحورية دوره في فهم الدين ، وتركيزها على الاجتهاد المتجدد الذي يقوم على تركيب ودمج العناصر القيمية والموضوعية في آن واحد . القراءة الديمقراطية للدين لا تنظر الى منطوق النص في معزل عن عقل الفقيه او الباحث وهمومه ، ولا تغفل تاثير البيئة والثقافة السائدة على فهم النص وتحديد اغراض الحكم الناتج ، كما لا تقبل بالفصل بين الحكم الشرعي وبين احكام العقل ومقتضيات العدالة . وهي تنطلق من فرضية ان غرض الدين هو انعتاق الانسان وليس عبوديته ، والارتقاء بالحياة الانسانية وليس تضييقها وتعقيدها . كما انها تلحظ دورا محوريا للعقل الفردي والجمعي في صياغة الفكرة الدينية ، وتعتبر التفاعل والحوار الدائم بين العقل والنص ، الطريق الوحيد لضمان حياة دينية نشطة وخلاقة . ظهرت هذه القراءة منذ اواخر القرن التاسع عشر ، وظهرت اهميتها وتاثيرها خلال الثورة الدستورية (1905-1906) . وخلال القرن العشرين شكلت محور استقطاب بارز للشرائح الحديثة من المجتمع الديني ، وتبلور على ضوئها تيار عريض يدافع عن حقوق الانسان ويسعى لتجريد الدولة من ميلها التاريخي للقهر والتجبر . كما يدعو لتطوير الفكر الاسلامي والاجتهاد واصلاح الحياة الدينية بشكل عام .
فيما يتعلق بالنظام السياسي ، تقدم هذه القراءة عددا من المفاهيم القاعدية التي تشكل ارضية مناسبة لنموذج الديمقراطية الدينية . ومن ابرزها :
أ – الانسان في نظر الاسلام كائن مكرم وحامل للروح الالهية ، يقوده العقل الذي اعتبره الاسلام بمثابة الرسول الباطن . ولهذا فهو محل للثقة والاعتمادية ، وقد جعله الله – كما في النص القرآني - كفؤا ومؤهلا لخلافته في ارضه  .
ب - كمال الدين هو كمال ارشادي ، بمعنى انه قادر على هداية الانسان في كل جوانب حياته ، لا انه دخيل في كل جانب . للدين دور في حياة الانسان وللعلم دور آخر . قد يوفر الدين بعض المعارف التي لا يستطيع الانسان التوصل اليها بمفرده ، او ان الوصول اليها يتطلب امكانات او زمنا يتجاوز قدرة الانسان . اما في الجوانب التي يمكن بلوغها عن طريق التجربة البشرية او العقل الجمعي فغاية ما ينتظر من الدين توفيره هو الارشاد وحسب . ولهذا لا نتوقع من الدين ان يتدخل في الامور العلمية ، الرياضية او التجريبية ، او ينشغل بحل مشكلاتها العلمية ، وهكذا الحال في مجالات العلوم الانسانية .
ج – بالنظر لاختصاص الدين بوظائف معينة واختصاص العلم بوظائف اخرى ، فان موارد اهتمام النص الديني وما يستخرج منه من احكام ومعارف ، تتعلق حصرا بالموارد التي تدخل ضمن وظائف الدين ، والتي يتوقع منه ان يحدد للناس كيفية التعامل معها . اما ما يخرج عن نطاق هذه الوظيفة مثل الامور العلمية البحتة الرياضية او التجريبية او الانسانية (مثل الاقتصاد والمجتمع . . الخ) فلا يمكن الحصول على احكام او استنتاجات علمية فيها عن طريق منهج الاجتهاد والاستنباط المتعارف في علم الفقه .
د - السياسة ، اي التدبير في المجال العام ، عمل عقلائي يعتمد على التجربة الانسانية والعقل الجمعي ويستفيد منهما . وهي بطبيعتها متغيرة ، ليس فيها حكم تاسيسي او ثابت او تعبدي . يحدد الدين الاهداف العليا للعمل السياسي ، ويقدم معايير كلية لاخلاقيات هذا العمل ، ويعرف بعض المسارات السلبية والايجابية وبعض الجزئيات على سبيل التمثيل فقط . وتصاغ السياسة الدينية على ضوء هذه العناصر . واذا كان الاسلام لا يتلاءم مع كل الانماط السياسية ، فانه في الوقت نفسه لا يقدم شكلا واحدا ثابتا للممارسة السياسية . ومن الممكن صياغة اشكال سياسية عديدة في زمن واحد تنسجم مع القيم والمعايير الدينية ، او لا تتعارض مع تعاليم الدين . بعبارة موجزة فان الاسلام لم يحدد نموذجا خاصا وثابتا للادارة السياسية او النظام السياسي .
هـ – الاحكام الثابتة هي جزء من قواعد العمل في المجتمع الديني . اما الجزء الاخر فهو الاحكام المتغيرة ، وهو مجال وسيع توضع احكامه على يد المجتمع وبالاستفادة من العقل الجمعي . واكثر الاحكام المتعلقة بالحياة السياسية هي من النوع الثاني وهي تصنف ضمن دائرة المباحات او منطقة الفراغ التشريعي التي تركها المشرع مفتوحة وحرة للمسلمين كي يكيفوا حاجاتهم القانونية والحياتية ضمنها باستخدام المناهج والطرق الاكثر عصرية وكفاءة .
و - تعول هذه القراءة بشكل اساسي على الاجتهاد المستمر الذي يلعب فيه عنصر الزمان دورا محوريا في فهم النص وموضوعاته . ومفهوم الاجتهاد هنا يتجاوز حدود مصطلحه المتعارف في الحوزة العلمية . التركيز على عنصر الزمان يكشف عن حقيقة ان بعض الاعراف والتقاليد الخاصة بزمن الوحي قد دخلت في التراث الديني ، ومع مرور الزمان جرى اعتبارها من ثوابت الدين . ولهذا فان منهج الاجتهاد في القراءة المقترحة للدين يسعى الى تنقية الاسلام من الاضافات التي تعكس العرف المحلي . ان هدف التعاليم الدينية – في هذه الرؤية – هو تعميق المعرفة والضمير الديني والتحول الداخلي للانسان .

كيف يصبح النظام الديمقراطي اسلاميا
الديمقراطية الاسلامية هي نظام للحياة السياسية للمسلمين في العالم الحديث . وليس المراد من نسبتها الى الاسلام استنباطها من الكتاب والسنة ، بل الاشارة الى انها منهج عقلاني لا يتنافى مع قيم الاسلام ، وانها وسيلة يمكن للمسلمين الاخذ بها لتنظيم حياتهم ، وان الفكر الاسلامي قادر على توفير المباني الفلسفية للديمقراطية الدينية . من ناحية اخرى فان الديمقراطية الاسلامية هي نوع من انواع الحكومة الدينية ، فالحكومة الاسلامية يمكن ان تكون – كما اشرنا سلفا - ديمقراطية تستند الى سيادة الشعب ، ويمكن ان تكون فردية اوتوقراطية او نخبوية ارستقرطية .
ترى كيف تتحقق اسلامية الحكم ؟
يتضح الان ان الجواب على هذا السؤال سيكون متفاوتا بقدر تفاوت فهم الدين واستنباط احكامه ، طبقا للقراءة المعارضة للديمقراطية او القراءة الاخرى . اذا اخذنا بالقراءة الاولى ، فان النظام السياسي الديني سيكون فرديا اوتوقراطيا او نخبويا اريستوقراطيا ، اما النظام الديمقراطي فهو ممتنع ومتناف مع الدين . وبالعكس من هذا فان الدين في القراءة الثانية لا يتناسب مع اي من النوعين الاولين ، بل يتناسب فقط مع نظام سياسي ديمقراطي . لكي نفهم طبيعة الانتساب الديني لكل من انظمة الحكم الثلاثة ، من المفيد الاشارة الى مفهوم "المشروعية = legitimacy" ، فكل من القراءتين لها تصور خاص عن المصدر الذي يستمد منه النظام شرعيته . الشرعية هي الاساس القيمي الذي يبرر سلطة الحكومة ، ويعطيها الحق في الامر والنهي واصدار القوانين والسياسات وفرض الالتزامات على المواطنين . بناء على هذا المبرر ، يمكن للحكومة ان تحضى بطاعة الشعب وولائه ، ويعتبر عمل الحاكمين اخلاقيا ومقبولا . تذهب القراءة الاولى الى ما يوصف بالشرعية الالهية المباشرة . بمعنى ان الله سبحانه قد فوض حق الحاكمية والتصرف في المجال العام الى الفقهاء مباشرة ومن دون وساطة الشعب . بعبارة اخرى فان الشعب لا دور له في توليد الشرعية السياسية . سلطة الحكم – بناء على هذه الرؤية – في يد الفقيه الذي نصبه الله حاكما على الناس ، وهذا النصب الالهي هو مبرر حكمه واساس شرعيته .
خلافا لهذا ، تذهب القراءة الثانية الى ما تصفه بالشرعية الالهية - الشعبية ، او الشرعية الشعبية مع رعاية المعاييرالالهية . طبقا لهذه الرؤية فان الخالق سبحانه قد فوض التدبير في المجال العام والادارة السياسية الى الشعب كي يتصرف فيها ويمارس سيادته في موضوعاتها على النحو الذي يؤمن مصالحه ويرعى في الوقت نفسه المعايير الدينية . يتمتع الانسان وفقا لهذه القراءة بحق مطلق في تقرير مصيره واختيار نمط حياته . وهو حق اعطاه الله للانسان كفرد وللمجتمع كمجموع . ولا يحق لاحد سلب هذا الحق الالهي . يمارس الشعب هذا الحق من خلال تحديد السياسات الرئيسية للحكومة وانتخاب منفذيها ، اي اعضاء الحكومة .
يتضح اذن ان الله سبحانه ، طبقا لكلا القراءتين ، هو المصدر الاعلى لشرعية السلطة . لكن الفارق بينهما يكمن في اعتبار دور الشعب . فالقراءة الاولى تنكر هذا الدور كليا وجزئيا ، بينما تعتبره القراءة الثانية جوهريا واساسيا وهي تعتبر الشعب نائبا عن الله سبحانه في تفويض السلطة ، اي توليد الاساس الشرعي لممارستها . بناء على هذه الرؤية فان سلطة الحاكم لا تكون مشروعة الا اذا فوضها الشعب اليه ، بعبارة اخرى فان الارادة الشعبية العامة هي مصدر الشرعية السياسية .
اضافة الى ارتباط النظام الديمقراطي بمصدر شرعية سليم ، يتمثل في الامة التي منحها الله حقا قطعيا في تقرير مصيرها كما فوضها خلافته في ارضه ، فان هذا النظام يستمد صفته الدينية من اصلين متوافقين : الاول هو سعيه الى تحقيق الاهداف السامية للدين ، والثاني هو التزامه بتعاليم الشريعة في ادارة المجتمع والدولة . طبقا للقراءة الدينية التي نقترحها فان احكام الشريعة ينبغي ان تستنبط من خلال منهج اجتهادي سليم ياخذ بنظر الاعتبار مقتضيات الزمان والمكان ومتغيراتها .
 خصائص الديمقراطية الدينية
اولا : الديمقراطية الاسلامية هي نظام قابل للتطبيق في المجتمعات التي يميل اكثرية اعضائها اليه ، اي انه لا يفرض بالقوة او الخديعة على مجتمع لا يريده او لا يعرف فحواه . وفي راينا ان اكثر المجتمعات الاسلامية تريد نظاما من هذا النوع .
ثانيا : في اطار نظام ديمقراطي اسلامي ، يتمتع جميع افراد المجتمع ، بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وجنسهم وعرقهم وعقيدتهم السياسية ، بالمساواة في الفرص والحقوق كما انهم متساوون في الواجبات وامام القانون . المساواة المدنية تعني ان لكل مواطن حقا يضمنه القانون في المشاركة المتكافئة في الحياة السياسية والتنافس على جميع المناصب العامة وممارسة السلطة في كل مستوياتها . وليس هناك اي ميزة لاي مواطن على غيره في هذا الصدد ، اذ لا يمتاز الشيعي على غيره ولا الفقيه على سواه ، فالكل سواسية في الحقوق والواجبات على ارضية المواطنة .
ثالثا : اعتمادا على الاذن الالهي فان ارادة الشعب هي المصدرالوحيد لشرعية الممارسة السياسية ، اي تولي السلطة . فالحكومة تصل الى مقعد الحكم من خلال الانتخابات التي تكشف عن ارادة الشعب ، كما ترحل عنها بنفس الطريقة .
رابعا : كل قرار لا يشارك الشعب فيه فهو باطل ولا اعتبار له . يجب العمل على تعزيز مشاركة الشعب في جميع مستويات ومراحل اتخاذ القرار وصولا الى الصورة المثالية للممارسة الديمقراطية ، اي اوسع مشاركة في اكبر عدد من القرارات التي تغطي اوسع نطاق ممكن من الحياة العامة .
خامسا : تطبق الاحكام الشرعية في المجال العام بعدما تلبس ثوب "القانون" . ونظرا لان القانون يشرع ويوضع موضع التنفيذ بناء على موافقة الشعب او ممثليه ، فان الهيئة التشريعية (البرلمان) تختار بين الاراء المختلفة في كل مسألة الرأي الذي يحظى بقاعدة اجتماعية اكبر . وبناء على هذا يتحول الراي المنظور الى قانون . هذا بالنسبة للموضوعات التي يتوجب العودة فيها الى اراء الفقهاء ، اما بالنسبة للموضوعات الداخلة ضمن اطار المباحات ، وكذلك بالنسبة الى كيفية تنفيذ الاحكام والقوانين من كلا النوعين ، فان المرجع فيها هو العقل الجمعي ، اي عامة الشعب او نواب الشعب .
سادسا : من ابرز الفوارق بين الديمقراطية الدينية وبقية انواع الديمقراطية هو التزام المجتمع باخلاقيات الدين وتعاليمه وقبولها كاساس للقانون العام . الالتزام بالدين هو احد المكونات الاصلية للنظام الاجتماعي التي لا يمكن حذفها ، شأنه في ذلك شأن الحريات والحقوق المدنية وبقية المباديء الدستورية الحيوية للنظام واستمراريته .
سابعا : تدير الدولة الموارد العامة للبلاد وجميع ما هو مشترك بين المواطنين بصفتها وكيلة عن الشعب وممثلة لمصالحه . ويجب ان تتحقق هذه الوكالة من خلال نظام واضح لتفويض السلطة مثل الانتخابات العامة . كما ان صلاحيات المسؤولين عن ادارة الشأن العام سواء في الفرع التشريعي او التنفيذي للحكومة مقيدة ومحدودة في اطار ما يسمح به الدستور . وليس لاي مسؤول صلاحيات مطلقة او غير خاضعة للرقابة الشعبية والمحاسبة . من ناحية اخرى فان التفويض الشعبي محدد بزمن ، ولا يمنح اي مسؤول تفويضا او سلطة مدى الحياة او مربوطة بشروط او ظروف لا يمكن تحديد نهايتها زمنيا .
 ثامنا : اهم الشروط اللازمة لتولي المناصب العامة هو الكفاءة وثقة الشعب ، والطريق الطبيعي للوصول الى تلك المناصب هو الحصول على التفويض الشعبي في انتخابات حرة وعادلة .
تاسعا : علماء الدين المنتخبون من قبل الشعب او نوابه هم المكلفون بتأمين العنصر الاول ، اي الاعتبار الديني للنظام ، او على الاقل التاكد من عدم تنافي سياساته مع تعاليم الشريعة الاسلامية . في تفصيل هذا البند نشير الى ان صفة علماء الدين تشمل الفقهاء لكنها لا تقتصر عليهم ، فهي تشمل ايضا بقية الخبراء في الشأن الديني مثل الفلاسفة الدينيين وعلماء الاخلاق وامثالهم من المختصين في المعارف الدينية ، من الرجال والنساء .
عاشرا : الديمقراطية الدينية نظام مقيد بالقانون ، وقادته خاضعون للقانون ، وليس لاي فرد فيه ان يعتبر نفسه او يعتبره الاخرون فوق القانون او غير خاضع لاحكامه .

احتمالات التفارق بين الديمقراطية والدين
يتألف نموذج الديمقراطية الدينية من مجموع الحقوق المدنية للمواطنين زائدا التزام النظام بالقيم الدينية . لو حدث في وقت من الاوقات ان قررت اكثرية المجتمع العدول عن الالتزام بالمعايير الدينية ، وذهبت في اتجاه معاكس لعرف علماء الدين في وقت معين ، فهذا يعني ان الشعب قد قرر الغاء الديمقراطية الدينية . في هذه الحالة فان النظام السياسي يبقى ديمقراطيا لكنه غير ديني (لان الديمقراطية تقوم على سيادة الشعب) . اذا وجدت هذه الحالة (اي التقابل بين الراي العام وبين التعاليم الدينية) فسوف يكون امامنا طريقان : الاول هو استعمال السلطة الجبرية والزام الشعب باحكام الدين رغما عن انوفهم حتى لو اقتضى ذلك استعمال العنف والقمع ، والثاني : هو الخضوع لمشيئة الراي العام على المستوى السياسي من دون التخلي عن التنبيه الى خطأ هذا التوجه والتمسك بالحق في العودة الى المسار الديني من خلال الطرق السلمية ، اي التركيز على العمل الثقافي والتوعوي لاصلاح الزلل في الضمير الشعبي ، ونقد التجربة السابقة لاستعادة ثقة الجمهور في النهج الديني .
 في اعتقادي ان الطريق الاول غير صحيح ولا هو مفيد ، ذلك ان الايمان الديني يرتبط عضويا بالضمير الحر . ولا يمكن للدين ان يترك تاثيره في جوانب الحياة المختلفة ما لم يصدر عن اختيار واع وكامل ، اي تجربة روحية خالصة ينعدم فيها الجبر او القهر . اما الطريق الثاني فهو المتبع في نموذج الديمقراطية الدينية . النظام الديمقراطي الديني هو ثمرة الارادة الحرة للشعب ، وهو قائم ومشروع طالما اراده الشعب ورغب في الحفاظ عليه ، فاذا ادبر الشعب عنه فقد مشروعيته وبالتالي قابليته للاستمرار في ادارة المجتمع .
وما دمنا قد وصلنا الى هذه النقطة ، فقد يكون مفيدا الاشارة الى ان الراي العام ، اي الراي المتفق عليه بين اكثرية الشعب هو معيار لشرعية الممارسة السياسية ، وليس معيارا لصحة العمل من الناحية النظرية . بعبارة اخرى فان قبول الشعب او ممثليه براي معين ورفضه لراي اخر لا يعني ان الاول حق والثاني باطل . ذلك ان المدار في ممارسة السلطة ليس الحق والباطل بل رضا الشعب او عدمه . لكن في كل الاحوال فان اسلامية النظام تقتضي عدم تنافي السياسات المختارة مع القيم الاسلامية الاساسية . بناء على هذا فان استمرارية الديمقراطية الدينية رهن بتوفر عنصرين جوهريين هما : بقاء اعتباره الديني او على الاقل عدم تنافيه مع التعاليم الدينية ، وفي الوقت نفسه تمتع النظام بثقة ورضى اكثرية الشعب .
بطبيعة الحال فان انتفاء اي من هذين العنصرين سيؤدي بالضرورة الى انتفاء الديمقراطية الدينية . غياب العنصر الاول سينفي الصفة الدينية عن النظام مع بقاء الديمقراطية ، وغياب العنصر الثاني سينفي الديمقراطية ويبقي النظام دينيا . وقد سبق الاشارة الى ان نظاما دينيا غير ديمقراطي لا يفيد الدين بشيء ، فمن الممكن دائما المحافظة على الشكل الديني الخارجي للمجتمع من خلال اقامة الشعائر ورعاية المظاهر الدينية باستعمال القوة والقهر . لكننا نرى ان ظرفا من هذا القبيل لا يعزز القيم الدينية ، فالايمان الديني لا يسكن في الضمير ولا يتاصل في وجدان الانسان بالقهر والجبر . ولهذا فان السلطة الدينية القائمة على الجبر والقهر هي بالضرورة سلطة غير مشروعة . وهذا ما جرت عليه سيرة الاباء المؤسسين لدين الاسلام بمن فيهم رسول الله والائمة عليهم الصلاة والسلام .


بقية فصول الكتاب


تقــــــــــــــــــــــــــــــــديم 
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/1.html
1)  الديمقراطية كحاجة للحياة الدينية                                                         محمد مجتهد شبستري
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_8707.html
2) الديمقراطية والديمقراطية الدينية : المباديء الاساسية                                 محسن كديور
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_9060.html
3) الديمقراطية الدينية: حاكمية العقل الجمعي وحقوق الانسان                           عبد الكريم سروش
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_6931.html
4) من المدينة الفاضلة الى مدينة الانسان :
 الفرضيات الاولية لبحث الديمقراطية الدينية                                             علي رضا علوي تبار
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_7868.html
5) في معنى الوصف الديني للديمقراطية                                                  علي بايا
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post_24.html
6) جدل فقهي حول الدولة الحديثة                                                          توفيق السيف
http://talsaif.blogspot.com/2011/10/blog-post.html