الثلاثاء، 22 ديسمبر، 1998

عن الحاجة إلى تجديد الفقه الإسلامي



الاجتماع الأخير لمجمع الفقه الإسلامي الذي عقد في البحرين ، شهد دعوة شبه عامة ، إلى توسيع نطاق الاجتهاد ومعالجة العقد النظرية ، التي توقف عندها قطار التجديد في الفقه الإسلامي المعاصر .

تطبيق الشريعة الاسلامية هو المبرر الرئيس والأهم لتجديد الفقه ، فلكي تتحول القواعد العامة والنصوص الاجمالية ، إلى أنطمة تفصيلية تستجيب للتحديات والحاجات ، الناتجة عن تغير ظروف الحياة ، فلابد من وجود فقه نشط ومتحرك ، يتفاعل مع عصره ومع المجتمع الذي يريد تطبيقه ، ان مصادر الشريعة محدودة من حيث الحجم ، لكن إذا نظرنا اليها كقواعد ونواظم ، فانها توفر فرصا لا متناهية لاجتهاد نشط ومتواصل مع العصر .

بديهي ان أي علم يتأثر من حيث ضيقه أو سعته ، ومن حيث جموده أو حركته ، بالبيئة الاجتماعية التي يشتغل ضمن إطاراتها ، بكل ما فيها وما يسودها من تيارات فكرية واجتماعية وتطلعات ، ذلك ان حركة العلم ومن ضمنه علم الفقه ، هي وجه من وجوه الحياة الاجتماعية ملتصق بالبيئة وظروفها ، فلا يمكن ان يتطور في معزل عن الزاماتها ، كما لا يمكن ان يتخلف دون حركتها ، ولهذا السبب فان النهوض الذي تبدو تباشيره في افق العالم الاسلامي ، لا بد ان ينعكس ايجابيا على النشاط العلمي ، والفقهي منه خاصة ، في صورة نهوض يتناول تجديد مفاهيمه ووسائل عمله ، وعلاقته بالحياة من حوله .
يشتغل علم الفقه في مربع ذي أربعة زوايا هي :

1-الاصول  أي المصادر الاولية التي يؤخذ منها الحكم الشرعي في موضوع معين .
2-الموضوعات وهي موارد تطبيق الاحكام الشرعية .
3- الاحكام وهي الموقف أو العلاج الشرعي لموضوع معين .
4-الاستنباط وهو عملية البحث الهادفة لاستخراج الحكم الشرعي من المصادر الاولية ، تمهيدا لتطبيقه على المورد المطلوب.

ان دعوة التجديد لا تتناول الاصول لا سيما الكتاب والسنة ، فهي أدلة يحميها اتفاق ، وجزم بقدرتها على توفير حاجات المجتمع المستجدة من الاحكام ، اذا ما وجدت ادوات استنباط ذات كفاءة ، وثمة نقاش في تفصيلات تتعلق بالأدلة العقلية ، لكنه نقاش فرعي ، ومتى تم اصلاح الاستنباط لم يعد لهذا النقاش مكان .

أما الموضوعات فليست محل جدل في موضوع التجديد ، لأنها ليست ضمن دائرة التصرف من جانب أهل الفقه ، فهي توجد نتيجة لتطورات خارج نطاق عمل الفقهاء ، وانما تقوم العلاقة بينها وبين الفقه ، بعد ان توجد وتصبح موضع حاجة للناس .
وعليه فان التجديد المقصود يتركز بالدرجة الاساسية في الاستنباط ، اي عملية البحث عن الادلة ، وفي التكييف الفقهي للموضوعات ، أي تحديد النطاق الذي يندرج الموضوع المعين ضمن دائرته .

ويقوم الاستنباط الصحيح على أربعة أركان :
الاول : المعرفة الدقيقة للموضوع المطروح ، ثم تكييفه ضمن دائرة محددة .
الثاني : المعرفة التفصيلية لمصادر الشريعة .
الثالث : استيعاب مقاصد الشريعة ،  أي روح التشريع .
الرابع : اتقان استعمال الأدوات المنهجية للاستنباط .

وإذا توفرت هذه الاركان الاربعة في طالب العلم ، فقد استكمل عدته العلمية للاجتهاد ، ويبقى عليه حينئذ ان يستكمل ما هو مطلوب من المتقين ، من الفضائل النفسية والروحية ، ان كمال تلك الاركان الاربعة أو نقصها ، يرجع إلى عوامل عديدة ، من بينها نظام التدريس للعلوم المتصلة بالفقه واعداد الفقهاء ، كما يتصل باعادة التقييم التي ندعو اليها للعلوم الحديثة ، باعتبارها ذات مدخلية كبرى في تحديد موضوعات الفقه ، كما يؤثر حاصل خبرتها على نتائج الاستنباط ، فيما لو اخذت بعين الاعتبار .

ويعتبر طالب العلم مجتهدا  أي مالكا لناصية الاستنباط ، اذا ما اثبت من خلال التجربة ان اجتهاداته صحيحة في مسائل ، يراها استاذه أو من يتابع اعماله من الفقهاء ذوي الخبرة ، كافية للتدليل على تمتعه بملكة الاستنباط ، وفيما بعد فان الفقيه يواصل عملية الاجتهاد حتى يكون له رأي في كل مسألة .

لكن بعد هذه المرحلة ، لا توجد حدود لنطاق عمل الفقيه ، فهو ـ في أغلب الحالات ـ لا يركز على مجال معين ، حتى يصبح صاحب اختصاص فيه ، كما لا يقبل ـ حسب العرف الجاري ـ رأي أصحاب الاختصاص في الموضوعات التي هي مجال اختصاصهم ، ماداموا لا ينتمون إلى سلك طلبة العلم الشرعي ، بل ان التقليد السائد في مدارس العلم الشرعي ، يذهب إلى اعتبار المجتهد في الفقه ، قادرا على استنباط الاحكام في كل موضوع ، في أي جانب من جوانب الحياة ، دون تقدير لحدود الاختصاص العلمي في مجالات الحياة المتنوعة .

ومع الاخذ بعين الاعتبار ان الفقه الاسلامي يعالج مختلف جوانب الحياة ، وان العلم التفصيلي بكل جانب ، يتطلب جهدا علميا كبيرا ، قد لا يتسع له العمر الطبيعي للانسان ، فقد نحتاج إلى الاقرار بالحاجة إلى التخصص ، أي ان يتخصص كل فقيه في جانب من جوانب الحياة ، فيتقن العلوم المتصلة بموضوعاته ، حتى يتأهل للفتوى فيها على وجه الخصوص ، ويترك غيرها من الموضوعات لغيره ممن هو مختص بها .
عكاظ 22-12-1998

الثلاثاء، 15 ديسمبر، 1998

هل نحتاج حقا إلى طريق ثالث ؟



جاري في هذه الصفحة الأستاذ عبد الله القفاري ، صياد أفكار لا يشق له غبار ، وقد تحدث الثلاثاء المنصرم عن الحاجة إلى طريق ثالث ، بديل عن الاشتراكية التي فقدت صلاحيتها ، والليبرالية التي تتكشف عيوبها ، ولا يبعد ان تواجه مصير أختها في وقت قريب ، وهو طرح اقترحه في صورة سؤال يفيد تقرير الجواب ، على طريقة المتنبي في قوله :

 وكثير من السؤال اشتياق     وكثير من رده تعليل

فكرة الطريق الثالث التي تحدث عنها بعض المفكرين في الغرب ، هي اصلاح لليبرالية بادماج بعض فضائل الاشتراكية ضمن نسيجها ، وهو يقتضي تعديل بعض ما قامت عليه من أسس ، ولا سيما في موضوع العلاقة بين الفرد والمجتمع ، والعلاقة بين المجتمع والدولة ، وإعادة النظر في دور الدولة وتعريفها الوظيفي ، وهي فكرة خلفيتها اعتبار الليبرالية نهاية حقيقية للتاريخ ، وتقرير لها كأيديولوجيا نهائية للبشرية ، حتى لو اعترض البعض على اعتبارها أيديولوجيا .
لكن الاستاذ القفاري يدعونا إلى طريق ثالث نبدعه أو نشارك في إبداعه ، بغض النظر عما يسعى اليه توني بلير ، الذي يريد ارتداء عباءة المنظرين ، بعد ان  شارك بكفاءة في إبعاد حزبه عن النظرية ، وتحويله إلى حزب سياسي صرف .

والمفهوم من سياق الكلام ، ان القفاري سيتوصل إلى ان الاسلام هو الطريق الثالث المقترح ، وهي فكرة سبقه  اليه كثير من الكتاب في العالم الإسلامي ، بعضهم بطروحات مجردة هي أقرب إلى الدعوة ، منها إلى اثبات المدعى ، وقليل منهم كلف نفسه عناء عرض الأدلة التي تناسب القضية ، ومن المساهمات الحديثة التي لفتت نظري ، دراسة رئيس الوزراء الجزائري السابق ، د. عبد الحميد براهيمي (العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي) الصادرة في سبتمبر 1977 عن مركز دراسات الوحدة العربية ، التي حاول فيها تحديد أطراف الموضوع ، الذي سيكون مجالا للبحث في أي دراسة لاحقة حول فرص اشتغال نظرية العدالة الاجتماعية ، وقد أصاب في هذا الاختيار ، لأن العيب الاساسي في أكثر الدراسات والدعوات التي عالجت القضية ، هو عدم تحديد الموضوع ، ومعالجة قضايا في غاية السعة والتشعب ، هي عند التحديد العلمي موضوعات كثيرة ، لا يمكن ان تدرج في بحث واحد ، أو ان يقترح لها ضابط أو نظام واحد للبحث .

عدا عن هذا الاستطراد ، فقد لفت نظري في مقال الاستاذ القفاري مسمى (الطريق الثالث) وكنت اتساءل في نفسي كلما قرأت مساهمة حول الموضوع : هل ينبغي حقا التفكير في طريق ثالث ؟ .

المسلمون الذين سبق لهم الدعوة إلى طريق ثالث ـ معظمهم على الأقل ـ افترضوه شيئا جديدا ، مستقلا ومختلفا عن الطروحات السائدة ، الليبرالية والاشتراكية وما هو تجميع من هذي وتلك ، وهذا الاقتراح يثير إشكالين كبيرين :
الأول : هل لدينا مشروع اسلامي جاهز ليحل مكان أحد الطريقين؟.

الثاني : على افتراض ان الاسلام هو الطريق الثالث ، فما هو حجم الفجوة التي تفصله عن كل من الطريقين السابقين ، وهي فجوة تتضح خصوصا في حال الانتقال ، وليس بعيدا عنا ما حدث في روسيا منذ أن بدات الانتقال من الاشتراكية إلى الليبرالية ، في بداية التسعينات ، وهي فجوة تحولت إلى هوة قاتلة ، ما تزال تحصد الضحايا حتى هذا اليوم .

والمراد من السؤال الأول ، تقرير ان ثمة فرق بين مشروع العمل الذي يقوم على فلسفة الاسلام وفي إطاره ، وبين صورة الاسلام المتداولة عند عامة المسلمين وكثير من الدعاة ، وهي صورة تميل بشدة نحو التبسيط ، ان صورة الاسلام التطبيقي في أذهاننا ، هي تركيب غير تاريخي لبعض مشاهد التاريخ ، وعامل التركيب الذي جمع بين هذه المشاهد ، هو الشوق إلى تصور المثال ، وليس المعرفة أو الدليل ، ولا يخفى اننا بحاجة إلى فقه جديد ، متصل مع العصر وتحدياته ، لا سيما في المجالات التي أهملها الفقه التقليدي .

أما المراد من السؤال الثاني ، فهو تقرير الحاجة إلى طرح المشروع الإسلامي المعاصر ، باعتباره متصلا ومتواصلا مع تجربة الانسان المعاصر ، وليس إقحاما للتاريخ في الحاضر ، ونحتاج هنا إلى إعادة فهم المشروع الإسلامي ، باعتباره حلقة أعلى في مسيرة البشرية ، وليس قفزة خارج هذا المسار ، ويؤول تقرير هذا الفهم إلى احترام ما توصل اليه الانسان من معرفة لذاته وللطبيعة ، وتقرير لمكانته بين مجمل المخلوقات ، وفي مقابل أخيه الانسان ، واعتبار محصلة هذه المعرفة ، أساسا يسهم في حمل المشروع ، ضمن هذا الفهم فقد لا نكون بحاجة إلى طريق ثالث ، بل إلى استكمال ما ينقص منظومة افتراضية ، نتفق على اعتبارها نقطة الاتصال بين ما هو سائد وما هو مطلوب.
عكاظ 15-12-1998

الأحد، 6 ديسمبر، 1998

قاعدة شيلني واشيلك


حتى أواخر القرن الثامن عشر كان معظم الاجتماعيين الغربيين يتقبل فكرة ان الاستقامة أو الانحراف في السلوك الفردي هي صفة وراثية ، بل أن بعض العلماء بذل جهدا كبيرا لاثبات امكانية تمييز الشخص المستقيم أو المنحرف ، من تفاصيل وجهه وشكل جمجمته ، وان هذه الصفات تنتقل الى الأبناء من الآباء ، وبقيت فكرة تأثير الأصل سائدة في الابحاث المتعلقة بالمجتمع والانسان ، حتى وقت متقدم من هذا القرن .

في العام 1939 سئل كارل يونغ عن رأيه في ردة فعل الشبية الالمانية على صعود هتلر السياسي ، فقال ان هتلر هو ( مكبر الصوت الذي يجسم الهمسات الخفية للروح الالمانية) ومن الطريف ان بعض الدارسين العرب قد ابتلع الطعم ، فدلل على هذا المنحى بالروايات التي تدعو الانسان إلى تحري الأصول الطيبة عند الزواج والجيرة ، أو تلك التي تمتدح أقواما بعينهم ، فصرفوها إلى ذلك المفهوم ، رغم ان الدعوة الاسلامية قد قامت على اعتبار الانسانية جامعا مشتركا ، يفرض التسوية بين كل انسان والآخر بما هو انسان ، وأحالت التفاضل على الفضائل الأخلاقية والعقلية ، التي يجتهد الفرد في اكتسابها والتحلي بها ، فتتحدد قيمته تبعا لها .

أما في العصور الاسلامية المتقدمة ، فقد اهتم عدد من العلماء بالعلاقة بين البيئة الطبيعية والنشاط الذهني ، وكان القاضي صاعد الاندلسي (1029-1070) أول من طرح هذه الفكرة فقرر ان الامم المؤهلة لاكتساب العلم ، هي التي تعيش في المناطق المعتدلة الهواء ، بينما انسان المناطق  الحارة  انفعالي غير متزن ، وانسان المناطق الباردة خامل ، وذهب إلى هذا المذهب ـ مع عكس النتيجة ـ المفكر الفرنسي  مونتسيكيو ( 1689-1755) الذي قرر ان السخونة تأتي بالاستبداد بينما البرودة تجعل العقل مسيطرا على الحواس .

 لكن هذا النوع من التصنيف لم يجد رواجا في المجتمع العربي ، لتزاحمه مع مفهوم آخر يقوم على نسبة الأفراد إلى بيئاتهم الاجتماعية ، أي النظر إلى الفرد من خلال انتمائه الاجتماعي ، وليس من خلال صفاته البيولوجية ، أو صورة أسلافه ، أو بيئته الطبيعية ، فضلا عن تزاحمه مع الصورة الدينية للفرد ، التي سبق الاشارة اليها ، ونعلم ان الدين الاسلامي هو المكون الرئيس لثقافة العرب ، منذ البعثة النبوية .

مع مرور الزمن وتطور علم الانسان ، أهملت نظريات الوراثة والتأثر بالبيئة الطبيعية ، لصالح تعظيم قيمة الفرد ، فيما يمكن اعتباره اكتشافا متأخرا للمفهوم الاسلامي ، الذي بدأ بالنظر إلى الفرد الواحد كمخاطب للشريعة ، ومسؤول عما كسب في دنياه ، حيث يتساوى في هذا الاعتبار والقيمة مع كل فرد آخر ، بغض النظر عن أصله ونسبه وبيئته .

لقد احتاج الانسان في الغرب إلى قرون طويلة من الكفاح ، حتى يسترد اعتباره الذاتي ، فيتحول من محمول على غيره إلى حامل لذاته ، قادر على تقرير قيمته الخاصة ، بناء على اجتهاده وانجازه ، مما حمل العالم البريطاني ادوار كار ، على القول بان (تاريخ البشرية هو بوجه من الوجوه ، تاربخ صراع الفرد من أجل استعادة قيمته) . 

لكن على خلاف هذا فان المجتمع العربي ، وكثيرا من المجتمعات النامية الأخرى ، ما تزال تقاوم فكرة استقلال الفرد بقيمته ، الفرد في عالمنا ما يزال مجهولا كذات مستقلة قائمة بمفردها ودون نسبة إلى الغير ، الفرد في العالم النامي معروف بقبيلته أو طائفته أو بلده ،  أي بانتمائه الاجتماعي ، ولهذا فانك تواجه كثيرا من الحالات ، التي يعرف فيها زيد باعتباره من أهل البلد الفلاني أو القبيلة أو الطائفة الفلانية ، ويتقرر مكانه أو الموقف منه بناء على هذا الاعتبار .

وفي سنوات ماضية كتب دارسون عرب ، ان التحضر والنشاط الاقتصادي وانتشار التعليم ، سوف يقضي على هذا النوع من التصنيف ، الذي ينطوي على (احتقار غير مقصود) للانسان الفرد ، لكن ظهر لاحقا ان هذا التوقع كان متفائلا جدا ، رغم انه لا يخلو من صحة ، فلنقل على سبيل التحفظ ، ان عددا من الأفراد استطاعوا ان يفرضوا اعتبارهم الخاص ، وان يجعلوه مقدما على نسبهم أو انتمائهم ، وثمة عدد ملحوظ من الشخصيات البارزة اليوم في مجتمعنا ، ترجع إلى اصل متواضع ، لكن على الوجه الثاني ، فان الأفراد الذين لم يستطيعوا ابراز قدرات استثنائية ، ما زالوا يواجهون ذات المشكلة ، ومنهم من يعوّل كثيرا على استثمار انتمائه الاجتماعي للحصول على ما يريد ، بل وفي بعض الأحيان للاسـتـئـثار بالفوائد على حساب الغير ، فالانتماء يلعب هنا دور المرجح ، مقابل الكفاءة والصفات الفاضلة الأخرى .
وتجد أحيانا ان معظم الموظفين في إدارة من الادارات ، ينتهي اسمهم بلقب واحد ، يعكس الانتماء إلى قبيلة محددة أو منطقة محددة ، وليس ثمة تفسير لهذا الوضع ، سوى ان الانتماء الاجتماعي لعب الدور الرئيس ، بل ربما الوحيد في فوز هؤلاء بالوظيفة ، ضمن قانون (شيلني واشيلك) وهو قانون غير مكتوب ، لكنه قوي جدا وفعال على المستوى العملي . وهذا من أسباب التشاؤم الذي عبر عنه د. خلدون النقيب ، الذي توصل إلى ان انتشار التعليم في الأقطار العربية ، لم يؤد إلى تجسير الفجوة بين الكيانات الاجتماعية ، بل ربما ساعد على ابرازها وتسليط الضوء على خواصها ، التي هي نقاط افتراق لكل منها عن الغير .
في 6-12-1998

الاثنين، 30 نوفمبر، 1998

اشكالية التعدد في اطار الوحدة



عندما تنظر إلى مجتمع عربي من الخارج ، فسوف تراه شريحة واحدة ، يشبه كل فرد فيه الآخر ، في ملامحه وفي كلامه وتفكيره ، وفي نمط حياته ، وهذا من طبيعة العقل الابتدائي ، الذي يميل إلى التعميم ويتفادى التفاصيل ، إذ التفصيل يحتاج إلى تأمل وبذل شيء من الجهد الذهني .

وبالنسبة لكل عربي فان هذا التقدير الأولي ، مرغوب ومطلوب ، كصورة نهائية للمجتمع الذي يود أن يراه ، فهو يعكس ـ ولو على مستوى الاستعارة والمجاز ـ فكرة الوحدة التي تعتبر ثابتا من ثوابت التفكير العربي والاسلامي ، وأملا عزيزا على قلب كل عربي ومسلم .
ربما كان الاستعمار ابغض شيء عند المسلمين المعاصرين ، فهم يرونه تجسيدا مقاربا لمفهوم الشيطان ، الذي يؤكد النص الديني على عداوته المطلقة للانسان وخالق الانسان ، ويحتفظ كل مسلم في ذاكرته بفكرة تعد من الثوابت والبديهيات ، خلاصتها أن الاستعمار سعى بكل دأب إلى تفريق الأمة الاسلامية وتقسيمها ، فكأن الاستعمار هو الشيطان الذي يقول عنه القرآن (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) ولهذا فان كل مبادرة أو مسعى ، يشم منه رائحة الاختلاف عن التيار السائد ، فانه ينسب إلى خطة استعمارية .

 لقد تحول العداء للاستعمار ، إلى موضوع إجماع بين المسلمين ، فكل من تصدى لهذا الأمر أو دعا إليه ـ ولو على مستوى الخطابة ـ حصل على تقدير العامة وتأييدهم ، ذلك لان مقاومة الاستعمار هي الوجه الثاني للكفاح من اجل الوحدة .
والوحدة ، فوق أنها مطلب إنساني فطري ، فهي إحدى الأولويات الدينية الكبرى ، التي دعا إليها القرآن بصورة مباشرة وغير مباشرة .

ومع كل التأكيد على ضرورة الوحدة ووجوب الحفاظ عليها ، فان المجتمع المسلم لم يكن في يوم من الأيام ، موحدا بالمفهوم الذي يتخيله معظم الناس ، فقد كان هناك على الدوام آراء متباينة وتفسيرات مختلفة واجتهادات متعددة ، على المستوى الفكري والعقيدي ، وعلى المستوى الاجتماعي حافظت القبائل والطوائف والأعراق ، على قدر من الخصوصية والتميز عن غيرها ، وعلى المستوى السياسي كان الوصول إلى السلطة وممارستها ، موضوعا ثابتا للخلاف بين مراكز القوى ومجموعات الضغط المختلفة ، وعلى المستوى المعيشي كان هناك فقراء وأغنياء ومتوسطون .

في ظل هذه التباينات التي هي من سنن الحياة ، بقي المسلمون أمة واحدة ، ذلك أن الوحدة في حقيقتها هي اجتماع المختلفين على قواسم مشتركة ، وكانت شهادة أن لا اله إلا الله ، والشعور بالمصير المشترك ، والمصلحة الظاهرة في الوحدة ، هي هذه القواسم .

العجز عن تصور معنى التعدد في إطار الوحدة  ، هو واحد من ثمار انقطاعنا الثقافي عن تجربة اسلافنا في العصور الاسلامية السابقة . وبسبب هذا العجز فاننا نتطلع اليوم إلى وحدة قوامها انصهار المجموع في بوتقة واحدة ، اجتماعية وثقافية واقتصادية ، انصهارا يذيب الفروقات الفردية ، ويلغي ذاتية كل فرد واستقلاله .

 نجد هذا الشعور الخفي ـ لكن المسيطر على سلوكنا ـ في الضيق بالآراء المختلفة حتى لو لم تكن متناقضة أو متعارضة ، ونجدها في التوجس من تعبير الطوائف الاجتماعية أو الجماعات السياسية ، عن ذاتها وأفكارها بصورة صريحة أو من خلال رموزها الخاصة ، حتى ضمن السياق الايجابي الذي يتحاشى نقد الغير ، ونجدها في القلق الشديد من كل تشكل اجتماعي ـ سياسي أو فكري ـ متميز عن التيار العام .

وبصورة عامة فان مفهوم الوحدة الذي نحمله ويتبادر إلى أذهاننا ، يختلف عن مفهوم الوحدة الحقيقية ، كما لا يطابق حقيقة الوحدة التي كانت سائدة في عصور الاسلام السابقة . يصعب علينا اليوم فهم إمكانية ان يكون هناك تعبيرات عن الدين مختلفة ، وهي في نفس الوقت صحيحة ، أو ـ على اقل التقادير ـ مبرئة للذمة ، ويصعب علينا تصور ان الطريق إلى الله ليس محددا في مذهب معين ، أو اجتهاد مخصوص ، كما يصعب علينا أن نتعايش ، إذا كنا على خلاف في بعض المعتقدات أو الفروع الفقهية .

 ويضيف القلق الدفين من مؤامرات الاستعمار على الوحدة الاسلامية ، زيتا على نار الرغبة المحمومة في التماثل ، فكلما رأينا مختلفا يعبر عن رأيه ، أو يعلن عن نفسه ، استذكرنا سياسة (فرق تسد) التي سار عليها الاستعمار ، فنسبنا ظهور هذا الاختلاف إلى مؤامرة استعمارية جديدة ، أو رميناه بالتعاون مع الاستعمار أو ـ مع إحسان الظن ـ خدمة أغراض الاستعمار دون وعي .

الخميس، 5 نوفمبر، 1998

في الحوار النقدي مع التراث



أظهر الاستاذ عبد الله الحصين جلدا بينا وحصافة محمودة ، في مناقشة الملاحظات التي كتبتها ضمن مقال الخميس الأسبق ، تعقيبا على مقاله (لماذا الهجوم على الثوابت) المنشور في 27 جمادى الثاني المنصرم ، وقد طوق عنقي بالاحسان إذ مدحني وأنا غير مستحق للمدح ، فيحسن بي انتهاز الفرصة للاشادة بسعة صدره وخلقه الرفيع ، واحتماله مجادلة من هو في مقام ابنه أو تلميذه علما وشأنا .
أثار الاستاذ الحصين في مقاله الأول ورده التالي مسائل هامة ، تتعلق بمنهج النقد ونظرتنا إلى تراثنا الفكري وموقفنا من المساهمات الفكرية المعاصرة ، لا سيما هذه التي تحاول وضع تشكيل للثقافة الاسلامية ، جديد وقادر على الاستجابة لتحديات العصر ، هذه الاثارات هي الأولى بالنقاش ، أما الشواهد التي تفضل الاستاذ بايرادها فهي مقبولة على أي حال ، حتى لو اختلفنا في صحة الاستشهاد ببعضها ، أو التعويل عليها في اتخاذ موقف محدد من الاساتذة الذين خصص المقال لنقد آرائهم . فليسمح لي بالتعرض لبعضها على وجه الايجاز :

أولى المسائل هي التدرج الزمني للعلم ، يتساءل الاستاذ الحصين عما إذا كان شخص معين من كتاب هذا العصر قادرا على كشف ما لم يكتشفه الصحابة والسلف الصالح من العلماء الأجلاء ، ومفهوم هذا السؤال ، ان السلف لم يتركوا شيئا من العلم إلا وطرقوه وخلصوا إلى ما فيه ، فلم يتركوا لمن بعدهم ما يستحق النظر أو ما يعول عليه ، وبالتالي فان المواقف التي عبر عنها السالفون هي المواقف التي يجب على الخلف تبنيها والأخذ بها ، وليس لهم نقضها أو نقدها أو البحث عن احتمالات في غيرها ، وهذا رأي قال به كثير من أهل العلم في هذا العصر وفي الماضي ، وتدعمه نظرية السير  التراجعي للتاريخ التي يتبناها بعض أهل العلم ، وخلاصتها ان الزمان والخيرية يسيران في اتجاهين متعاكسين ، فكل زمن يأتي يكون أقل خيرا مما سبقه وهكذا .

 وكلا الرأيين مخالف للمنطق ، وما يهمنا هو الرأي الأول ، فالعلم قد يتوقف في أمة من الأمم زمنا ، وقد يبطيء الحركة ، وقد يذهب موضوع معين أو اتجاه علمي معين إلى هامش الاهتمام ، لكن لا يمكن الحكم على المحصلة العامة للعلم ، في أزمان متوالية ، بأنه تخلف أو توقف ، ولا يخرج العلم بالدين والشريعة عن هذا التعميم .

ومهما افتقرنا إلى جرأة الادعاء بوجود علماء في هذا العصر ، أو في سابقه ، ممن يجاوز ـ عمقا في الدين وفهما للشريعة ـ بعض السلف ، إلا انه لا مناص من الاصرار على أن ما يتوفر في هذا العصر ، من علوم ومناهج وأدوات بحث ، تزيد كثيرا عما توفر في الأزمان الماضية ، وتهيء  الفرصة للتوصل إلى آراء تجاوز ما وصل اليه السلف . ان فضل  السلف لا يرجع إلى كثرة علمهم وعمق نظرهم ، بل إلى سبقهم واحتمالهم وكفاحهم في سبيل تثبيت أركان الشريعة المقدسة ، وواضح ان هذه مسألة أخرى لا علاقة لها بالعلم على  وجه الضرورة .

وأظن أن جلال قدر السابقين قد أخذ بتلابيب أفهامنا ، فانتزع منا الجرأة التي يحتاجها صاحب العلم ، لكي يبحث أمرا سبقه اليه من يعلوه شأنا ، ونتيجة لهذا الخوف من المخالفة ، فقد اصبح انتاجنا العلمي مجرد جمع مكرور لما قاله السابقون ، وأصبحنا نعجب إذا سمعنا قولا يخالف ما ينقل من آراء السابقين .

الثانية : ان الدين في معناه الأخص والدقيق هو ما في القرآن والسنة المطهرة (ما ان تمسكتم به لن تضلوا) أما آراء الصحابة والتابعين والعلماء الأجلاء ، فهي شروح وتفسيرات وتنزيل للنصوص على الموارد الموضوعية الخاصة ، وليس لنا ولا لغيرنا ، الحق في وضع أحد من هؤلاء الأجلاء في مقام الرسول صلوات الله عليه ، فنأخذ كلامه كما نأخذ كلام الرسول . ان الله سائلنا في غد عما بين دفتي كتابه ، وما وصلنا من أقوال نبيه عليه الصلاة والسلام .

 لكن آراء الصحابة والعلماء قد تعامل معاملة الدين في معناه الأعم ، إذا اطمأن المكلف إلى كون الشرح أو التفسير أو الاجتهاد أو الارشاد ، مطابقا لمقاصد النص القرآني أو النبوي . والمكلف نوعان المجتهد والعامي ، فالمجتهد يأخذ برأي من سبقه إذا وافق على مبانيه وأدلته ، والعامي يأخذ بهذا الرأي إذا اطمأنت نفسه إلى قول محدد لعالم ، أو جملة ما قاله عالم معين ، فهو لعجزه عن البحث عن الادلة ، محتاج إلى ابراء ذمته بأخذ الرأي ممن يمكن الاحتجاج برأيه يوم السؤال ، ولا شك ان اجلاء الصحابة والتابعين والعلماء ، كثير منهم ، من هذا النوع ، فالاخذ بأقوالهم وتفسيراتهم على الوجه الأول أو الثاني ، لا غبار عليه .

لكن إذا استثنينا الحاجة الشخصية المحددة زمنا وموضوعا ، فان هذه الآراء تبقى في مكانها الطبيعي كآراء علمية ، ولا ترقى إلى مستوى النص المعصوم ، الملزم لكافة الناس في كل الأزمان والأمكنة ، وقد وضع الأصوليون لها تعريفا خاصا ، فأدرجوها تحت عنوان (الاحكام الظاهرية)  لتمييزها عن (الأحكام الواقعية) التي هي المراد الواقعي للخالق سبحانه ، بكلمة أخرى فان تلك  الاراء هي فهم اصحابها للدين ، وليست دينا بالمعنى الخاص . والفهم البشري ـ كما نعلم بالضرورة ـ قاصر عن بلوغ المراد الرباني ، فهو يصيب مرة ويخطيء أخرى ، وفي الأزمان السابقة اختلف العلماء في تحديد القيمة الشرعية لرأي المجتهد ، فقال الأكثر بالتخطئة ، وقال بعضهم ـ كالامام الغزالي في المستصفى ـ بالتصويب ، بل اعتبر قول المجتهد خلقا لخطاب التكليف ، لكن لم يذهب إلى هذا الرأي غير القليل .

والخلاصة ان أقوال العلماء السابقين ، في كل أزمانهم ، لها قيمة رفيعة ومرجعية ، لكنها قيمة علمية ومرجعية علمية ، فمخالفتها لا ترقى إلى مرتبة الخلاف في الدين ، ومن خالفها لا يعتبر خارجا عن الدين .

الثالثة : لكل من العلم والايمان مكانه الخاص ، الايمان مستقره القلب ، والعلم محله العقل ، طبيعة الايمان التمكن من النفس والتداخل مع نسيج العاطفة ، حتى يتحول المؤمن وما يؤمن به إلى شيء واحد ، والعاطفة قد تتحول في فروعها ويبقى الأساس ثابتا مكينا ، يحوم الانسان محاولا الابتعاد عنه ثم يعود ، وقديما قالت العرب (كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل).

أما العلم فهو دائم التحول ، لا يستقر على حال ، وهذه طبيعة العقل وما يحل فيه ، وتجد الانسان منذ نعومة أظفاره إلى أن يبلغ من الكبر عتيا ، مستقر الايمان بما عرفه أولا ، بغض النظر عن مصادر هذه المعرفة ، لكن لا تجد أحدا توقف عند حد معين في العلم ، فهو يتعرف كل يوم على جديد يحل في مكان ما حصل عليه بالأمس .

أردت من هذا ، الاشارة الى ان ايمان الناس لا يتزعزع لمجرد قراءتهم كتابا لمؤلف ، أو تعرفهم على رأي لعالم ، ما حصل في العالم الإسلامي من انسلاخ بعض أبنائه عن الالتزام بالدين القويم ، لم يكن نتيجة كتب قرأوها ، بل لأنهم لم يقرأوا ، ولو بكرنا قليلا في طرح مختلف الاراء تحت مظلة الاقرار بمرجعية القرآن وقطعيته ونهائيته ، لربما ساهمنا في الحفاظ على كثير ممن تباعد أو اتخذ طريقا آخر ، هؤلاء الذين ذهبوا بعيدا لم يجدوا سعة فيما هو متعارف ، فبحثوا عن غيره ، ولو تركنا فسحة لربما بقوا ضمن الاطار . وأخشى ان تؤدي المبالغة في التحوط والقلق إلى مزيد من التضييق . خاصة وأن ما نريده من الناس هو الاتفاق على الأصول ، أما الفروع ففيها سعة ، ولا يلام على الخلف فيها مخالف .
5 نوفمبر 1998



مقالات  ذات علاقة
-------------------


الخميس، 29 أكتوبر، 1998

وعي المستقبل



استمعت البارحة إلى متحدث يقترح أنماطا بديلة للمعيشة ، تبدأ من موارد العيش ، إلى نظام البناء والتعليم ومصادر الثقافة ، وغيرها من حقول الحياة ، وقد انطلق المتحدث من زاويتين محددتين ، الأولى هي الحاجة إلى التكيف مع دورة اقتصادية مختلفة ، يتوقع أن تبدأ في الظهور والتبلور قبل نهاية العقد الأول من القرن الجديد ، أما الثانية فهي الحاجة إلى استيعاب مناسب للجيل الجديد ، الذي سيدخل ميدان الحياة العامة خلال السنوات العشر القادمة .
قلت للمتحدث ان التغير في طبيعة المعيشة وفي حقول الحياة الأخرى ليس حدثا جديدا ، فحلـقاته تتوالى وتتسع ، ولا سيما في الربع الأخير من القرن العشرين ، فما السر في تحديد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين على وجه الخصوص ؟ .

قال الرجل ان العالم العربي خرج بحصيلة طيبة من تطورات الربع الثاني من هذا القرن ، لكن النتائج الكاملة للمواجهة بين تحدي التغيير والاستجابة للتغيير ، أو التكيف مع ضروراته ، لم تتبلور تماما ، وحين يمضي ربع قرن أو ما يعادل قفزة جيلية واحدة ، سيكون لدينا رجال ولدوا وترعرعوا وانضموا إلى الحياة العامة ، في ظل نمط الحياة الجديد ، وسيكون لدينا جيل فتح عيونه على عالم تنفتح آفاقه بسعة ، وتنكمش المسافات بين أطرافه بسرعة ، عالم يشترك سكان الكوكب كلهم في صناعته ، بعد ان كان عالم الانسان الشرقي شرقيا بالدرجة الأولى ، كما للناس في الغرب وفي كل بقعة أخرى عوالمهم الخاصة المنفصلة .

سيكون الجيل الجديد قادرا ، بل راغبا أيضا ، في استقبال التيارات الثـقافية من شتى الأنواع والألوان ، وسيكون قادرا على التفاعل معها عبر شبكات الاتصال التي لا تحدها القوميات ولا الحدود الاقليمية ، ولا سيما شبكة المعلومات الدولية (الانترنت).

يتميز هذا الجيل عن جيلنا الحاضر بميزتين أساسيتين : الأولى انه لم يعاصر أبدا فترة النهوض الاقتصادي التي شهدتها بلداننا خلال الربع الأخير من القرن ، ولم يعرف كيف عاش الناس قبل هذه الفترة ، اللهم إلا ان يقرأ عنها في الكتب أو يسمعها في حكايات المتحدثين ، كما نقرأ اليوم عن أجدادنا وكيف كانوا يعيشون ، لكننا لا ندرك عمق الفارق بين أحوالنا وأحوالهم ، وإن تخيلناه  (فما راء كما سمعا)  كل ما نعرف هو الظرف الذي عاصرناه فعلا ، نحن اليوم نتـقبل ونتفهم الضرورات التي نتجت عن الارتباط الوثيق بين ظرفنا الراهن والظرف الذي سبقه ، قد لا نرتاح لكثير مما نراه ، لكننا نحتمل بصبر ، هو نتيجة للمقارنة بين ما كنا عليه في سالف أيامنا ، وما نحن فيه اليوم ، أما الجيل الآتي فلم يعرف ولم ير ، ولهذا فهو لا يتقبل ولا يتفهم تلك الضرورات ، بل ربما عجب لقبولنا بها أو سكوتنا عنها .

جيلنا متنازع بين هوية تنتمي إلى ماض لم نستطع الفكاك منه ، وحاضر لا نريد التفريط فيه ، أما هوية الجيل الآتي فهي تنتمي إلى الحاضر والمستقبل ، وإن بقيت فيها خيوط أو آثار من ماض

، لا يستطيع مزاحمة الايقاع السريع للحياة الجديدة والزاماتها ، بكلمة أخرى فاننا ننتمي إلى مجتمع توسط حقبتين ، ولهذا فهو يتلقى تحديات الحقبة الجديدة ، ولديه من وثاق قديمه ما يخفف من سرعة التغيير وشدة التباين ، بين ماض ذهب وحاضر يأتي ، أما الجيل الآتي فهو ينتمي إلى حقبة جديدة ، تقود إلى ما هو أكثر منها جدة واختلافا ، وليس لديه وثاق ، سوى ما يتلقاه اليوم من مصادر المعلومات والثقافة ، التي هي في مجملها نتاج الحاضر وسلم المستقبل ، وهذا يعني أن الكثير مما نقبله اليوم وما نعتبره محتملا أو طيبا ، سيكون غير محتمل عند أبنائنا .

أما الميزة الثانية التي تميز الجيل الجديد ، فهي دخوله الحياة  العامة بعد انكماش الموارد ، التي كفلت لجيلنا رغدا من العيش وسهولة في مصادر الرزق ، قل أن يجود بمثلها الزمان ، في وقت من الأوقات كان يكفي الانسان القليل من الكفاءة والتعليم ، حتى يحصل على وظيفة مرموقة أو تجارة عظيمة المردود ، أما اليوم فنحن نرى رأي  العين كيف يخرج تجار الأمس من السوق ، واحدا بعد الآخر ، وكيف تضيق الأبواب والطرق على غير الأكفاء والمتعلمين ، بل حتى على بعض  المتعلمين ، ممن بارت سوق اختصاصاتهم ولم يعد لها طالب .

 ونقرأ اليوم في الصحف ونسمع في المجالس ، عن عشرات من خريجي الجامعات يقضون شهورا في البحث عن وظيفة فلا يجدون ، فيقبلون  أي وظيفة دون شروط ، وأمامي قصص كثيرة عن مثل حامل الدكتوراه الذي انتظر عاما ونيف حتى عثر على وظيفة ، وقد كان معروضا عليه أن يعمل بشهادة البكالوريوس ، والمهندس الذي قبل فعلا بالعمل بشهادة الثانوية ، بعد أن بقي بضعة أشهر في انتظار وظيفة تناسب كفاءته ، ويسمع كل واحد منا كثيرا من هذه الأمثلة ، مما كان مستحيلا قبل عقد ونصف من الزمان .

في ذلك الوقت كان المواطن قادرا على بناء بيت بتحرير ورقتين فقط ،  واحدة يطلب فيها منحة ارض ، وأخرى يطلب فيها قرضا ، أما اليوم فلا هذا يتيسر ولا تلك ، وهذه طبيعة الحياة التي تدور إلى الأعلى ثم تنحني ، ولعل الأقدار تعيدها دورتها من جديد ، رغم ان طبائع الأمور تأبى تكرر القفزات في الأزمان المتقاربة .

أمام الجيل الآتي حياة صعبة  المراس ، طرقها ضيقة ، مواردها قليلة ، والتزاحم فيها شديد ، ولهذا سيجد نفسه مضطرا للكفاح الدؤوب من أجل القبض على فرصة لائقة ، وسيكون مضطرا للاعتماد الكامل على ذاته ، دون اتكال على سياسة الدعم أو سياسة الارضاء .

في مثل تلك الظروف يتطلب التكيف مع مقتضيات الحياة استجابة واسعة وجدية ، بقدر ما تحدي التغيير شامل ونتائجه قاسية ، ولكي يتمكن أبناؤنا من النجاح في مواجهة هذا التحدي ، ينبغي أن نكون جادين في إعدادهم وتجهيزهم بما يلزم من العتاد ، وأهم عناصره الكفاءة العلمية ، وتناسب الاختصاص العلمي مع حاجات السوق المتوقعة يوم يدخلون ، ومن عناصره أيضا تجهيزهم بالعتاد المعنوي ، والقيم الأخلاقية التي تحميهم من الانجراف وراء دواعي الرغبة والغضب ، حين يجدون أنفسهم محصورين في مضايق العيش ، من بينها خصوصا قيم التواصل مع الغير ، مثل الملاينة ، والتعاون والمشاركة ، وتحمل المسؤولية عن الأعمال والمبادرات الشخصية والأخطاء .

وإذا أردنا الحديث عن مجموع الجيل  الجديد من أبناء الوطن فقد لا يكفي توجيه النصيحة للآباء ، فليس كل أب قادرا على استيعاب حقائق المستقبل ، وليس كل أب قادرا على إدراك الخيط الذي يصل بين يوم أبنائه وغدهم يوم يصبحون رجالا ، فلعله يكتفي بمواعظ إجمالية ، تفيد في الجملة ، دون أن تطابق  المطلوب على وجه التحديد .

التخطيط العام لحياة الجيل الآتي يتطلب دراسات مستفيضة ، يستهدف كل منها رسم جزء من الصورة الكاملة ، في كل حقل من حقول الحياة ، نحن الآن لا نعرف على وجه الدقة ، كيف سيكون وضعنا الاقتصادي بعد عشر سنوات ، هل سيبقى البترول محورا أول للنشاط الاقتصادي ، أم سيكون لدينا غيره ، في كل يوم تقذفنا وسائل الاعلام بكل نقيض فهذه تعد بالمن والسلوى وتعد الأخرى بعظائم الأمور ، نحن لا نعرف أيضا مدى تأثر أوضاع مجتمعنا بانتشار التعليم ، وسرعة تدفق المعلومات و التواصل مع العالم ، والتغيرات الاقتصادية ، كما لا نعرف كيف سيكون محيطنا الاقليمي وانعكاساته علينا في ذلك الوقت ، اننا ـ بصورة عامة ـ لا نعرف الوجهة التي تسير نحوها مراكبنا ، ولهذا فقد لا نستطيع أعداد أبنائنا للرسو الآمن على الشاطيء المقصود .
عكاظ 29 اكتوبر 1998