الثلاثاء، 26 سبتمبر 2006

الحرية والنظام العام



|| الحرية حق للمواطن لانه شريك في ملكية ارض وطنه. من الناحية الاخلاقية والدستورية لا تملك الدولة اي حق في "منح" الحرية او حجبها. الحرية الفردية والحريات العامة ليست ملكا للرئيس كي يمنحها ، وليست ضمن حدود صلاحياته الدستورية كي يحجبها ||

يطالب دعاة الاصلاح بالحرية ، لانها حق لهم ولكل مواطن. ومن دون الحريات الفردية والعامة فان المواطنة تصبح كلمة فارغة من اي مضمون. في ماضي الزمن كان اعضاء القبيلة او سكان القرية اتباعا لرئيسهم. وامتد هذا المفهوم بعد قيام الامبراطوريات الكبرى ، فاصبح عامة افراد المجتمع اتباعا للامبراطور او الحاكم.
 وبقي هذا المفهوم سائدا في دول العالم حتى 1789 ، حين اصدر برلمان الثورة الفرنسية وثيقة حقوق الانسان والمواطن التي مثلت اول تقرير رسمي لشريحتين من الحريات ، تقرر الاولى ما هو حق للانسان باعتباره انسانا ، بينما تعالج الثانية الحقوق التي يتمتع بها المواطن بسبب انتمائه للمجتمع وشراكته فيه.
التمييز بين الحقوق الطبيعية ، اي تلك المرتبطة بانسانية الانسان ، والمدنية او الدستورية المرتبطة بشراكته في المجتمع السياسي ، هو ثمرة للنقاشات الفلسفية والفكرية التي شهدتها اوربا منذ منتصف القرن 17 ، والتي انتهت الى تاسيس ما نعرفه اليوم من فلسفة سياسية حديثة تهتدي بها جميع الدول المتقدمة. في حقيقة الامر فان تطور هذا المفهوم كان حجر الزاوية ، في النهضة العلمية التي قامت على ارضيتها وفي اطارها الحضارة المعاصرة.
ثمة فارق جوهري بين مفهوم الحرية الذي تطور في هذا السياق ، وذلك المفهوم الذي يتبناه التقليديون. هذا الفارق يكمن في فكرة الشراكة في الوطن. ففي الازمان الغابرة لم يكن الانتماء الوطني او الاجتماعي اساسا لحقوق معينة يتمتع بها الافراد. في بعض الحالات كان ثمة امراء صالحون "يتفضلون" على رعاياهم بحقوق او حريات معينة ويفضلون لين المعاملة على التشدد ، وربما استشاروا بعض اهل الراي او نخبة القوم قبل اتخاذ القرارات الرئيسية.
والواضح ان مفهوم الحرية الذي يتبناه التقليديون لا يختلف كثيرا عن هذا السياق ، فهم يفضلون الملاينة على التخاشن والمشورة على الانفراد بالراي. كما يفضلون حل التعارضات بالمعروف بدل استعمال القوة. 
ولا شك ان هذه الميول تستحق التقدير. لكن هذا المفهوم لا يقود – في نهاية المطاف – الى الحريات الفردية والمدنية التي يطالب بها عامة سكان الارض في هذا الزمان. بل هو اقرب الى فكرة التسامح التي تتماثل مع الحرية في بعض الجوانب ، لكنها تختلف عنها في الارضية الفلسفية التي تنبعث منها ، كما تختلف عنها في الاطار القانوني الذي تعالج ضمنه قضاياها ومترتباتها. انها اقرب الى قرار "من فوق" مثل ميل الاب الى استعمال اللين مع ابنائه ، او قرار رئيس شركة بمداراة موظفيه. وهذا يختلف اختلافا بينا عن مفهوم الحرية الذي اطلق النهضة العلمية والصناعية التي يعرفها عالم اليوم .
المفهوم الجديد يعتبر الحرية "حقا للمواطن" يتمتع به لانه شريك في ملكية الارض التي نطلق عليها اسم الوطن. وسواء كان الرئيس كريما او بخيلا ، لينا او خشنا ، متفضلا او ممسكا ، فانه لا يملك من الناحية الاخلاقية او من الناحية الدستورية "منح" الحرية او حجبها. بعبارة اخرى فان الحرية الفردية والحريات العامة ليست ملكا للرئيس كي يمنحها ، وليست ضمن حدود صلاحياته الدستورية كي يحجبها. بل ان وجوده على مقعد الرئاسة وتمتعه بالصلاحيات والامتيازات التي يتفوق بها على غيره ، مشروط بحمايته لحقوق مواطنيه وحرياتهم وتكريس جهده للدفاع عنها ومنع الاضرار بها او تعطيلها من جانب اي هيئة اخرى حكومية او غير حكومية.
لهذا السبب فان دساتير الدول المتقدمة ، تنص صراحة على بطلان اي قانون او قرار او اجراء حكومي يؤدي بصورة من الصور الى تعطيل حريات المواطنين. ولحسن الحظ فان واضعي الدستور العراقي الجديد قد توصلوا الى صيغة مبتكرة ، تمثل حلا لاشكالية العلاقة بين الدين والحرية. اذ تنص معظم دساتير الدول العربية كما هو معروف على ان الاسلام مصدر اساسي للتشريع والقانون. لكن كان ثمة خشية من ان يستثمر بعض المتشددين واصحاب العقول العسيرة هذه المادة في اصدار قوانين او سياسات تعطل الحريات الفردية ، كما هو مشهود في عدد من الدول العربية التي تصدر فيها بين الحين والاخر قرارات حكومية او احكام قضائية تعطل حريات التعبير او العقيدة او العمل تحت مبررات تلبس ثوب الدين او التقاليد.
 الحل الذي توصل اليه المشرعون العراقيون ، هو اضافة مادة تنص صراحة على الغاء اي قانون يعارض المتفق عليه من الدين الحنيف او يضيق حرية المواطن (المادة 2). وهكذا ربطت بين الالتزام باحكام الدين وحماية الحريات الفردية. ومن المأمول ان يسهم هذا التاسيس الدستوري في اطلاق حركة فكرية واجتماعية نشطة بعد ان تستقر الاوضاع في العراق في قادم الايام.
من المفهوم بطبيعة الحال ان مفاد الحرية لا يتحقق على ارض الواقع ما لم يكن الامن والنظام العام مستقرا. ولذا قيل بان الحرية لا توجد الا في مجتمع يحكمه القانون. لكن شتان بين قانون يسعى لحماية الحرية وقانون يسعى لتعطيلها بحجة الامن والاستقرار. ومن المؤسف ان هذا هو الميل الغالب عند الكثير من الحكومات العربية. واذا كان للعلم من فائدة ، فان العديد من الدراسات الجديدة المدعومة باستنتاجات عن تجارب فعلية ، قد توصلت الى ان تعطيل الحريات لم يؤد ابدا الى سيادة الاستقرار ، بل ادت في كثير من الاحيان الى نقل التوتر الاجتماعي من السطح الى تحت الارض وانتجت حالات التمرد والانشقاق التي نعرفها في العالم العربي اليوم. 




مقالات ذات علاقة

الثلاثاء، 19 سبتمبر 2006

الحرية المنضبطة والشرعية: مفهوم الحرية في مجتمع تقليدي




|| المجتمع التقليدي يفرض على الافراد طريقة لبسهم ، فضلا عن معتقداتهم. بدعوى ان هذا عرف عام او مصلحة عامة.. الفرد هنا مكلف ، عليه واجبات والتزامات تجاه المجتمع ، وليس صاحب حق اصلي في اختيار طريقة عيشه||




حين تكون في مجتمع تقليدي يتجادل حول الحرية ، او حين تقرأ مقالة لكاتب تقليدي يتحدث عن الحرية ، فسوف تصادفك بالتاكيد عبارة "لا توجد حرية مطلقة ، لا بد من قيود على الحرية والا انقلبت فوضى وعبثا". او ربما تصادفك الفكرة ذاتها في عبارات اخرى مثل تلك التي تطالب بالضرب "بيد من حديد" على هذه الفرد او تلك الجماعة. تؤثر هذه الفكرة وامثالها في نفوس عامة الناس لانها تخيرهم بين نظام اجتماعي هاديء ، وبين فوضى واضطراب. والمتوقع بطبيعة الحال ان يميل اكثرية الناس ، لا سيما بالنظر الى خلفيتهم المحافظة ، الى الخيار الاول ، اي المجتمع المنضبط.

هناك بطبيعة الحال خيارات بديلة عن خيار الفوضى او خيار الانضباط ، وهناك ايضا معان وحدود للفوضى والانضباط غير تلك التي يعرضها علينا دعاة القيود والايدي الحديدية. لكن معظم الناس يغفلون هذه البدائل في اللحظة التي يعرض عليهم الاختيار ، كما يغفلون الارضية والاساس الاخلاقي الذي يبرر القبول بهذا او ذاك. الضرب بيد من حديد ليس من الخيارات الاخلاقية على اي حال ، كما ان الفوضى ليست قدرا حين تغيب الايدي الحديدية. ومن المهم في ظني ان يبذل السياسيون المصلحون ودعاة الديمقراطية جهدا كبيرا في تأصيل مفهوم الحرية وتنسيجه ضمن ثقافتنا العامة.

نحن بحاجة الى جهد كبير لتاصيل مفهوم الحرية لان تقاليد الاستبداد والعبودية تستند الى جذور راسخة في ثقافتنا السائدة. كما تستند الى مصادر فلسفية كانت مجتمعاتنا عرضة لتاثيرها لزمن طويل ، ومن بينها نظريات دينية وماركسية واخرى متأثرة بالفلسفة اليونانية القديمة. فكرة الحرية في هذا المفهوم هي جزء من رؤية اشمل للحياة والانسان والدولة. وهي تنظر الى هوية الفرد كامتداد لهوية المجتمع اي كجزء من ماكنة كبيرة هي المجتمع وليس كيانا قائما بذاته .
 ومن هنا فان على الفرد ان يقبل بالتعريف الاجتماعي للقيم والمصالح والحق والباطل ويدير حياته على ضوء قوانين واعراف الجماعة.
اتخذ هذا المبدأ اساسا لما يعرف اليوم بالنظام الابوي والشمولي الذي يسمح للمجتمع والحكومة بالتدخل في جميع شؤون الفرد الخاصة والعامة ، وقسره على الالتزام بمرادات المجتمع بغض النظر عن رأيه الخاص.
وتظهر المشكلة بشكل اعمق حين تكون الحكومة متجبرة او ايديولوجية ، تستعمل القانون والموارد العامة في تطبيق وتعميم ايديولوجيتها كحال الحكومات الشيوعية السابقة التي حرمت الفرد من التملك لان الثروة شأن اجتماعي وليست حقا للافراد ، وفي الحكومات الدينية المعاصرة التي تفرض على الناس نوع لباسهم فضلا عن معتقداتهم ، وكذلك الحال في جميع الحكومات الديكتاتورية التي تلزم الناس بخطاب سياسي محدد وتعاقب من يتبنى غيره. هذه الممارسات تتم تحت مبرر ان خيارات المجتمع هي وحدها الصحيحة وان مخالفتها كفر او تمرد او خيانة للجماعة. ينظر هؤلاء الى المجتمع كنظام عضوي جوهره هو الرابطة الاجتماعية ، وليس توافق الافراد او تعاقدهم. بعبارة اخرى فان هذا المفهوم ينظر للفرد كمكلف عليه واجبات والتزامات تجاه المجتمع ، وهو يحصل على حقوقه تبعا لوفائه بتلك الالتزامات ، وليس باعتبارها حقا اصليا ثابتا له لكونه انسانا او مواطنا.
لا يعلن هذا الاتجاه رفضه للحريات الفردية صراحة ، لكنه يقول من دون تحفظ ان الحرية ليست القيمة الاولى او العليا ، وان على الفرد ان يقبل بالتنازل عن حريته كي يعيش في سلام وانسجام. وكان المرحوم جمال عبد الناصر يقترح تأجيل الحريات الفردية والعامة الى ما بعد الانتصار على اسرائيل ، اي انه كان يرى قبول شعبه بالعبودية شرطا للانتصار على اسرائيل. وليس بعيدا عنه ما اقترحه قادة آخرون في العالم العربي بتاجيل الكلام عن الحريات العامة حتى وصول الدخل الفردي الى مستوى مواز لدخل المواطن الامريكي والاوربي ، لان الفقراء لا يستطيعون الاستفادة من الحرية او لان الحرية سوف تقيد من قدرة الحكومة على التخطيط المناسب لتوزيع الثروة. بكلمة اخرى فهم ينصحوننا بالبقاء عبيدا لان هذا سيزيد من دخلنا ويتيح لنا الحصول على بيوت افضل ومعيشة اكثر رفاهية.
اظن ان مقاومة هذا المفهوم الاعوج للعلاقة بين الحرية والنظام هو جوهر فكرة الاصلاح السياسي التي ينبغي لنا جميعا ان نكافح في سبيلها. وبالنظر للتحول الذي تمر به مجتمعاتنا وهي تسعى للاقلاع من المرحلة التقليدية والانضمام الى تيار الحداثة ، فان معظم الصراعات الثقافية والسياسية تنبعث في حقيقة الامر من هذا الجدل ، فالافراد والقوى الحديثة بشكل عام يكافحون للحصول على اقرار قانوني واجتماعي بحقهم في الاختلاف ، بينما تسعى القوى المحافظة لفرض وحدة قسرية في الافكار والتطلعات والتعبيرات ، تظنها اكثر انسجاما مع التقاليد والاعراف السائدة.
يمكن بطبيعة الحال استنباط نظام اجتماعي يكفل قدرا مناسبا من الانضباط من دون ان يضحي بالحريات الفردية والعامة ، ونقول انه ممكن لانه قائم بالفعل في مجتمعات عديدة. وهو ما سنعود الى بيانه في مقال آخر.
 
   مقالات ذات علاقة