‏إظهار الرسائل ذات التسميات منى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منى. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 يناير 2006

من يدلنا على فقيه شجاع ؟


 لا بد ان الكثير من الناس قد تساءل بعد الفاجعة الرهيبة التي شهدتها منى ثاني ايام العيد عن الحكمة من الزام الحاج برمي الجمار في هذا الوقت الضيق ، من الزوال الى الغروب . وهو رأي فقهي تركه كثير من الفقهاء من القدامى والمحدثين ، لكنه لازال الحكم المعتبر من جانب الاكثرية . لا يوجد دليل قطعي لا نقاش فيه على منع الرمي في الاوقات الاخرى ، ولهذا فان بعض الفقهاء المعاصرين اجاز الرمي ابتداء من الليل ، وقال آخرون بجوازه بدءا من طلوع الشمس .

حتى اليوم فان العدد الرسمي للقتلى قد تجاوز 360 شخصا ، وهناك المئات غيرهم في المستشفيات ، نسأل الله لهم العافية . وللاسف فان هذه المشكلة قد تكررت في معظم الاعوام الماضية. وهي تجربة تؤكد استحالة السيطرة الكاملة على حركة ما يقرب من مليوني شخص ، يريدون جميعا اداء الرمي خلال اقل من ست ساعات.
ومن المحتمل ان تتفاقم المشكلة ، مع تزايد عدد الحجيج في المستقبل ، حيث تشير التقديرات الى زيادة سنوية ثابتة لا تقل عن خمسة بالمائة . اي اننا نتحدث عن حوالي مائة وخمسين الف حاج اضافي كل عام .
كي نسهل لهذه الاعداد المتزايدة اداء النسك ، فاننا بحاجة الى استعدادات مناسبة ، على مستوى الاسكان والنقل والغذاء والطاقة والامن وغيرها . لكن ماذا عن الجانب الفقهي ؟.

في ازمان سابقة ، حين كان الحجيج قلة ، وكان الامن معدوما ، اجاز الفقهاء الرمي مبكرا او متاخرا اتقاء للحيوانات المفترسة او قطاع الطرق . وهي مشكلة غير قائمة اليوم ، لكن الحكم فيها يعد اشارة الى عقلانية الفقيه في التعامل مع موضوع الحكم الشرعي . من البديهي ان الشارع  يريد حكما قابلا للتطبيق على النحو الامثل . ولهذا قيل بان الاجتهاد لا يعني الحصول على حكم فقط ، بل الحصول على حكم في تطبيقه مصلحة بينة . ولا شك ان ازهاق النفوس هو اكبر المفاسد . اشرت آنفا الى انه لا يوجد سبيل لضمان سلامة مليوني حاج يتحركون في مساحة محددودة في وقت ضيق يقل عن ست ساعات . وليس من الحكمة – ولا من الممكن – منع الناس من الحج . ولهذا فان الحل الوحيد الباقي هو توسيع الفسحة الزمنية المسموح بها لرمي الجمار كي تبدأ من مغرب اليوم السابق ، على القول بان المغرب هو اول اليوم او من منتصف الليل الى منتصف الليل على القول الاخر.

اقول ان هذا الراي الذي توصل اليه بعض الفقهاء الان ، يحتاج الى تعميم ، ونتوقع من جميع الفقهاء الاخرين ان يفتوا به ، خاصة مع عدم الاجماع على خلافه.

نشير لهذه المناسبة ايضا الى مسألة التضحية ، فطبقا لتقديرات شبه رسمية فان سبعمائة الف من الاضاحي تذبح ثم تحرق او تدفن ولا يستفيد منها احد . والسبب في ذلك هو - مرة اخرى - العدد الهائل للاضاحي في وقت ضيق جدا . ومنذ بضع سنوات نظم بنك التنمية الاسلامي مشروعا ضخما لاعادة توزيع الاضاحي المذبوحة على فقراء المسلمين ، لكن هذا المشروع لا يفي بالغرض لا سباب فنية واقتصادية . ان اقصى ما يمكن اعادة نقله الى الدول الفقيرة لا يتجاوز في احسن الحالات ربع الاضاحي ، وتتوزع نسبة قليلة على فقراء الحرم والجوار ، اما النسبة الغالبة فتذهب الى المدافن او المحرقة . 

وفي هذا الوقت فان مئات الالاف من الناس ، من المسلمين وغيرهم يموتون من المجاعة او سوء التغذية في بقاع اخرى من العالم . ترى اليس من العقلاني ذبح بعض هذه الاضاحي في كشمير لمساعدة ضحايا الزلزال الاخير الذين فقدوا كل مقومات حياتهم . وذبح البعض الاخر في النيجر التي مات عشرات الالاف من المسلمين فيها ، ولا سيما من الاطفل بسبب المجاعة وسوء التغذية ؟ . ان الاضاحي التي تدفن او تحرق في منى يمكن ان تطعم ملايين من البشر في الدول الفقيرة طيلة عام كامل ، فتحفظ نفوسا بريئة هناك ، وتعمم بركة الحج على المساكين وذوي الحاجة في كل مكان من العالم .
نتيجة بحث الصور عن ‪sheep cattle‬‏
قبل بضعة اعوام اجاز اية الله الخميني للحجاج الايرانيين دفع قيمة اضاحيهم لضحايا زلزال كان قد ضرب غرب ايران . وسجل بذلك سابقة في الربط بين الحكم الشرعي والمصالح العقلائية المبتغاة من ورائه ، فهل نرى اليوم فقهاء آخرين يتحلون بالشجاعة والقدرة على اعادة تاسيس الاحكام الشرعية على المصالح العقلائية الواضحة للمسلمين ، كي يفتوا للحجاج بتوجيه قيمة اضاحيهم لاعادة اعمار مدن المسلمين المدمرة في اندونيسيا وكشمير وافغانستان والشيشان ، وتوفير المياه الصحية والدواء للمسلمين في النيجر وتشاد ومالي وغيرها من المجتمعات المسلمة التي يموت اهلها بسبب المياه الملوثة وسوء التغذية والفقر ؟.

الاسلام اليوم بحاجة الى نهضة ، ليس في المجال العمراني والثقافي فقط ، بل في المجال الفقهي ايضا ، ولا سبيل الى ذلك غير التحرر من القوالب الضيقة المتوارثة في الفقه ، واعادة الارتباط بين الاحكام الشرعية وواقع حياة المسلمين .

الايام 17 يناير 2006
مقالات ذات علاقة



"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...