الاثنين، 28 نوفمبر، 1994

فضائل القـرية وحقائق المدينة


في منتصف السبعينات دعا الرئيس المصري الراحل انور السادات الى ما اسماه بالعودة الى اخلاق القرية ، وعزز هذه الدعوة بوضع عدد من التنظيمات التي تحقق هذا الغرض ، من ضمنها القانون المشهور باسم (قانون العيب) الذي الغي قبل اسابيع ، وقد قيل في تبرير هذه الدعوة ، بانه ثمة حاجة الى التصدي للتراجع المتفاقم في الاخلاقيات العامة ، الناتج عن انهيار الضوابط الاجتماعية التي يتمتع بها مجتمع القرية .

وتكشف هذه الدعوة والكثير من المقالات ، التي تنشرها الصحف حول فضائل القرية وفضائل الماضي ، عن الفزع الذي ينتاب كثيرا من الناس ، ازاء شيوع النزعة المادية وثقافة الاستهلاك في المجتمع المديني ، حيث اصبحت المعنويات والفضائل المتفق عليها ، مجرد حكايات للتفاخر او الذكرى ، تكافح ببسالة للحفاظ على ما تبقى لها من مواقع  في ميدان الحياة العملية .

لكن ـ مع هذا ـ لم يتوقع احد ان تحظى هذه الدعوة بنصيب من النجاح ، بل وصمت بانها مجرد تغطية لموقف غير عادل تجاه القوى الاجتماعية المدينية المعارضة لسياسات الرئيس .

اتجاه الهجرة
 والحق ان قليلا جدا من الناس في العالم العربي ـ ممن عاشوا حياة المدينة ـ يرغب في العودة الى القرية ـ كمكان او كأسلوب حياة ـ على الرغم من توافق الاكثرية على ان اخلاقياتها ، ماتزال اكثر استقامة من اخلاقيات المدينة ، وعلاقاتها الاجتماعية ماتزال اكثر دفئا .

ويمكن الاستدلال على هذا الاتجاه بالتضخم المضطرد ، في عدد المهاجرين القرويين الى المدن في معظم الاقطار العربية ، مما ادى الى تضخم مواز في حجم معظم المدن الرئيسية ، يقابله انكماش للريف ، وصل في بعض الحالات الى تفريغ قرى بأكملها من السكان ، وفي مثال ملفت للنظر نشرت صحيفة محلية في الاسبوع المنصرم ، اعلانا اصدرته بلدية احدى القرى ، يطلب من بعض الاشخاص ازالة بيوت لهم مهددة بالانهيار ، بعد تركها خالية لسنين طويلة ، الملفت في هذا الاعلان هو قول البلدية بان مناشدتها لهؤلاء الاشخاص على وجه التحديد ، اعتمد على شهادة اهل الخبرة بانهم يملكون تلك البيوت ، وتضمن الاعلان قائمة باسماء الملاك المشهود لهم ، اضافة الى مساكن وصفت بانها مجهولة المالك ، ويشير هذا الى التغير الكبير الذي طرأ على وضع القرية ، بسبب هجرة معظم سكانها ، بحيث اصبحوا منسيين من جانب الاخرين الذين فضلوا البقاء فيها ، الامر الذي ينطوي على مفارقة مثيرة .

وراء الدفء
ان عدم الرغبة في العودة الى القرية ، مبرر عند معظم المهاجرين ، بان المقارنة بينها وبين المدينة  ـ كموضوع اجتماعي ـ يتجاوز موضوع الاخلاقيات ، ويتجاوز العلاقات الدافئة الى فلسفة الاخلاق وارضية العلاقات الاجتماعية ، التي فيها من الفضائل بقدر مافيها من المعوقات ، بحيث يمكن القول ان النهوض الذي شهده العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين ، ترافق مع نقلة في الحياة الاجتماعية لمعظم العرب ، ابرز عناوينها هو التحول من حياة القرية ـ كظرف اجتماعي وثقافة ـ الى حياة المدينة ، بكل ماتتضمنه هذه من عناصر افتراق عن سابقتها .

ويبدو لي ان معظم الذين انتقلوا بين المكانين ، انما كانوا يسعون الى القبض على فرصتهم في الحياة ، فرصتهم الفردية التي تتيحها لهم كفاءتهم وطموحاتهم الى حياة ارقى واكمل ، ان سعة افق المدينة وتنوع مجتمعها ، وما يستتبعه من تعدد الفرص فيها ، هو المبرر الرئيسي لصيرورتها محلا لتحقيق الآمال .

الفرد والجماعة
ان مكانة الفرد هي ابرز الامثلة التي تجسد الفارق بين القرية والمدينة ، فالفرد في القرية منسوب ـ في اغلب الحالات ـ الى عائلته أو قبيلته ، اي الى هوية يرثها ، وعليها يتقرر مكانه الاجتماعي ، بخلاف المدينة التي تقيم الاعتبار الاكبر لانجاز الفرد ذاته ، ويعني ذلك ان الفرصة الحقيقية للتعبير عن الطموح عند عامة الناس ، انما توجد في المدينة ، حيث يتاح للفرد ـ بغض النظر عن موروثه ـ ان يعبر عن نفسه وكفاءته ، وحيث يكون هذا سبيلا لنيل المكانة التي يطمح الى تحقيقها على الصعيد الاجتماعي .
ان دفء العلاقات القروية ، وقوة النظام الاخلاقي فيها ، يعبر ـ ضمنيا ـ عن صورة من صور السلطة الاجتماعية ، التي تستثمر في احيان كثيرة للتسلط على الفرد ، ويتجسد هذا التسلط على صورة (العيب) الذي يقابل كل خروج ـ ولو جزئي ومحدود ـ على مجموعة الاعراف والتقاليد ، التي يتسالم عليها المجتمع القروي.

وتلعب الاعراف والعادات دور الاطار الذي يطبق ضمنه هذا النظام ، وفي ظروف التطور الاجتماعي ، فان هذه العادات تلعب دورا فعالا ، في اعاقة محاولات التكيف الفردي مع متطلبات التطور ، ذلك ان بعضها ، بل جلها في الحقيقة ، تبلور كاستجابة لظروف مرت على المجتمع في وقت من الاوقات ، ظروف تتعلق بمعيشته او بأمنه الداخلي ، لكن تلك الاعراف  تجردت ـ بمرور الزمن ـ عن الظروف التي نشأت في ظلها ، واصبحت مطلقة تطبق باعتبارها قيمة مستقلة ولازمة من لوازم الحياة الاجتماعية ، تقوم بدور المنظم  والضابط لسلوك الافراد واختياراتهم .

مكان الجماعة
مجتمع القرية اذن هو مكان الجماعة ، وهو تجسيد لحاكمية الجماعة على الفرد ، حيث فرصته للتعبير عن ذاته ، مرهونة بتوافقه التام مع ارادة الجماعة ، وحيث ارادته ذائبة فيها والا فهي مقموعة ، بخلاف المدينة التي لاتوجد فيها جماعة  ـ بالمعنى القروي ـ لكي تكون فيها ارادة جماعية حاكمة ، اي ان الفرد متحرر من الضوابط الاجتماعية غير المحمية بالقانون ، فالطريق مفتوح امامه للكفاح في سبيل فرصة الحياة ، التي يتمناها ويطمح الى نيلها .

على ان لهذا التباين بين قوة الجماعة وقوة الفرد ، في مجتمع القرية فضيلة ليست قليلة الاهمية ، هي التكافل والتضامن بين ابناء المجتمع الواحد او القبيلة الواحدة ، حيث يشعر الفرد بانه ـ في صراعه مع متطلبات الحياة ـ ليس نبتا صحروايا يجاهد وحيدا للبقاء منتصب القامة ، فثمة من اهله وعشيرته من يستطيع دعمه واسناده عندما يحتاج .

 وقد جرى تطوير هذه الفضيلة على يد المهاجرين الى المدن ، على صورة عرف يقضي بان كلا منهم مسئول بدرجة او بأخرى ، عن مساعدة ابناء جماعته على النجاح في حياتهم الجديدة .
على ان لهذه الممارسة الفاضلة وجهها السلبي ، اذا استعملت كوسيلة للاستئثار ، شأنها في ذلك  شأن معظم الممارسات الاجتماعية ، التي هي في الاساس فضائل ، لكنها لاتخلو ـ اذا استعملت في غير محلها ـ من الاشكالات ، لكن دعنا نوكل الحديث عن هذا الجانب الى مقالة أخرى قادمة .
نشر في (اليوم ) 28نوفمبر 1994

مقالات ذات علاقة 
المحافظة على التقاليد .. اي تقاليد ؟
اعادة بناء القرية .. وسط المدينة

الاثنين، 21 نوفمبر، 1994

اعادة بناء القرية .. وسط المدينة



خلال تجربتها الانمائية الحديثة حصدت بلادنا الكثير من ثمار النمو الاقتصادي ، على اصعدة عديدة منها اتساع القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني ، وارتفاع مستوى المعيشة ، فضلا عن تكامل الحد الادنى المطلوب من الخدمات المدنية ، وقد تغيرت صورة البلاد  بسرعة كبيرة ، قياسا الى التجارب المماثلة في بلدان أخرى ، فخلال السنوات القليلة الفاصلة بين أواخر الستينات ومنتصف الثمانينات ، تحولت من دولة يغلب عليها الطابع الصحراوي الخشن ، الى دولة حديثة المظهر حيوية الاقتصاد .
كان لهذا النمو السريع والشامل ، تكاليفه على الصعيد الاجتماعي كما كان له ثماره ، وتلك معادلة في الحياة الاجتماعية لايمكن التنكر لها او تغافلها .

على اننا غير مضطرين في كل الاحوال ، لمواجهة جميع الانعكاسات السلبية للنمو الاقتصادي ، فثمة انعكاسات هي ناتج قسري عن تغير طبيعة العمل ومستوى المعيشة ، واخرى ناتجة عن اغفال المعالجة الضرورية ، للتطورات الاجتماعية المحتملة خلال مرحلة الانماء وما يليها ، فلننظر الى بعض الامثلة.

اعوام العزلة
حتى منتصف الثلاثينات الميلادية كانت معظم اقاليم المملكة ـ باستثناء المدن الثلاث الرئيسية في الحجاز ، التي ياتيها الناس مرة او مرات قليلة في العمر ـ منعزلة عن الاخرى على المستوى الاجتماعي ، فلا طرق معبدة ولا وسائل انتقال ، ولا وسائل اتصال ميسرة ليجول الناس بين هذا الاقليم وذاك ، أو يعرف اهل هذا الاقليم عن جيرانهم في الاقليم الاخر ، ولهذا فقد كانت المجتمعات المتعددة التي تألفت منها المملكة ، غريبة عن بعضها ، مختلفة في وسائل تدبير لقمة عيشها ، وبالتالي في العديد من وسائل تعبيرها عن ذاتها ، وتقرير خياراتها الحياتية .
لكن وصول بعثات  التنقيب الاجنبية الاولى ، ثم تدفق البترول وما اوجده من فرص عمل غير متوقعة ، وما جاء به من ثروة ومكانة ، غير هذه الصورة  ،  فقد بدأ الالاف من الناس من مناطق مختلفة يتحركون صوب منطقة البترول ، التي يوفر العمل فيها عائدا مجزيا ومريحا ، بالقياس الى مصادر  العيش الضيقة المعتادة ، أو صوب المدن الرئيسية التي استقبلت ثمار الدفعات الاولى من عوائد البترول ، على شكل زيادة في الطلب على الخدمات والسلع ، مما ادى الى تنشيط سوق العمل.

توسع المدينة
 لعلها من المفارقات ان المئات من اهل بلادنا ، الذين غادروها في الربع الاول من القرن العشرين ، الى الهند والبحرين والعراق والشام بحثا عن الرزق ، اصبحوا الان قادرين على استقدام اعداد متزايدة من اهل تلك البلاد للعمل هنا ، فلقمة العيش كبرت واصبحت قريبة .

في الرياض ـ على سبيل المثال ـ لم يستطع الاستاذ محمد المانع ، كما يخبرنا في بعض كتاباته ، العثور على سكن خاص له ولموظفين آخرين ، عملوا في الديوان الملكي في ثلاثينات القرن ، الا بعد جهد جهيد ، فلم تكن المدينة لتستقبل من الاغراب الا قليلا ، يحلون ضيوفا على اهلها ، ولم يتوقع احد ان احدا من خارج اقليمها بحاجة الى السكن الدائم فيها ، اما الاستاذ سعيد الغامدي الذي درس تطور المجتمع القروي في قرى بلحمر الجنوبية ، فيروي ان واحدا من اهلها استقدم عاملا يمانيا لمساعدته ، فكانت هذه الخطوة موضوع حديث المجالس لعدة اشهر ، وعقدت لاجلها اجتماعات ودارت مناقشات بين شيوخ القرية ، انتهت الى (قرار) بان يقيم الرجل سكنا خاصا لأجيره على اطراف القرية ، لان القرية لاتحتمل رؤية (اجنبي) بل وتخشى منه .

اما اليوم فهذه القرية ، كما هو الحال في الرياض ، تضم بين جنباتها من غير سكانها ، مايوازي عدد هؤلاء او ربما يزيد ، لقد تغير التركيب السكاني في مدن المملكة وقراها خلال العقود الثلاثة الماضية ، بحيث اصبحت قادرا على ان ترى في كل مدينة ، نماذج اجتماعية لكل اقليم من اقاليم المملكة .

تأثير الهجرة
يؤدي خروج عدد كبير من الناس من مجتمعاتهم الاصلية ، الى اهتراء في النظام الداخلي لهذه المجتمعات ، يتجسد في صورة انحلال لقوة الضبط الاجتماعي للافراد ، ثمة قرى كانت تعتبر الراديو اداة من ادوات الشيطان ، وتعليم العلوم الحديثة تهيئة للكفر بالله ، اما السفر الى البلاد الغريبة فهو رضى بالكفر عن الايمان ، لكن العشرات من الشباب الذين خرجوا الى المدن الكبرى ، لاجل العمل اكتشفوا عادة الاستماع الى الراديو ، ومن ثم الانخراط في الصف المدرسي ، ولحقتهم اخواتهم او بناتهم ، ثم استطاع بعضهم السفر الى البلاد المبغوضة ، فوجدوا ان متعة الاكتشاف تستحق التمرد على الضوابط القديمة .

ولان الامر لايبقى سرا على الدوام ، فقد انتهى ذلك التمرد الابتدائي ، الى تلاشي قدرة المجتمع على ضبط ابنائه ، ضمن الاطارات السلوكية السائدة ، والتي يحميها توافق اجتماعي ، هو مانسميه بالقيم او التقاليد ، بكلمة اخرى فان هذه التقاليد التي سادت عشرات من السنين ، اصبحت عاجزة عن الصمود في وجه رياح التغيير .

الفرصة والقصور
هل كان هذا الامر طيبا بصورة مطلقة ؟
ربما كان ضروريا ، له نتائجه الحسنة وهي كثيرة لكنه لايخلو من بعض الاشكالات ، من بين نتائجه الطيبة هو ظهور الفرصة التي تحتاجها البلاد ،  لتحقيق مفهوم التواصل الثقافي والاندماج الاجتماعي بين سكانها ، فلم يكن من الصحيح بقاء ابناء البلد الواحد ، غرباء عن بعضهم متجاهلين احوالهم ، بينما تفرض عليهم الحقائق الموضوعية ، ان يكونوا شركاء في سرائهم وفي ضرائهم .

ومن النتائج السلبية هو قيام مجتمعات جديدة غير متعارفة . في المدن الكبرى على سبيل المثال ، ستجد المهاجرين من الاقاليم ، اكثر ميلا الى اقامة شكل جديد عن مجتمعهم الاصلي ، يعبر عنه في صورة تكتلات اجتماعية لابناء قرية واحدة او قبيلة واحدة ، وينطوي هذا الاتجاه على مبررات للانعزال عن شركائهم في هذه المدينة ، ممن ينتمون الى الاقاليم والقرى الاخرى .

ولا ارى لهذا التوجه الانعزالي مبررات كافية ومعقولة ، ماخلا الشعور الطبيعي بالتوافق الثقافي ، بين ابناء القرية او القبيلة الواحدة ، وهو توافق يوفر لاصحابه الاطمئنان والامان النفسي ، ويندر تحققه بسهولة بين اشخاص ينتمون الى اقاليم مختلفة.

على ان هذا التبرير يكشف ـ اذا صح ـ عن حالة غير مقبولة ، من ضعف التكيف الاجتماعي والثقافي لدى المواطن ، يعبر عنه بالهروب من المجتمع الواسع والمتنوع الذي تمثله المدينة ، الى مجتمع ضيق وأحادي ، هو اعادة انتاج متكلف لصورة القرية ، وهذا بدوره ناتج عن قصور في المنهج التعليمي والاعلامي ، الذي ينبغي ان يعيد صناعة صورة المجتمع في ذهن الفرد ، منذ طفولته وحتى يكبر ، المجتمع الكبير المتمثل في الوطن ، بديلا عن مجتمع القرية الصغير والسابق للدولة ، ان التواصل بين الافراد من مختلف الاصول والانتماءات الاجتماعية ، هو الذي يحقق مفهوم المواطنة ، ويقيم علائقها بين ابناء الوطن الواحد ، اما الانقطاع ـ ايا كان سببه ـ فهو سبب قوي لقيام حالة من الشتات الاجتماعي ، يصعب في ظلها بناء وطن للجميع .
نشر في (اليوم) 21نوفمبر 1994

مقالات ذات علاقة 

الاثنين، 14 نوفمبر، 1994

يتحرك الاقـتصـاد والناس واقـفون


في الاسبوع المنصرم كرس الاستاذ محمد العلي زاويته الظريفة في هذه الجريدة ، لاثارة التساؤل عن امكانية جمود الانسان على قديمه بينما تتطور الاشياء من حوله ، وهو اجاب على تساؤله على صورة عنوان مع وعد بالتفصيل في المستقبل ، ومضمون الفكرة كما يبدو من العنوان ، ان هذا الاحتمال ممكن ، لان تطور الانسان يعني في حقيقته تطور شبكة العلاقات الاجتماعية ، اطارها ومضمونها.
 
ثلاثـة اسئلـة
لقد سبق الاستاذ العلي الى اثارة هذا السؤال عديد من الباحثين ، الذين درسوا قضية التنمية والتحديث في العالم الثالث ، وفي هذا الاطار بالذات فمن الممكن اعادة طرح السؤال على صيغ ثلاث :
1/ هل يمكن تحقيق تنمية اقتصادية دون تنمية اجتماعية موازية ؟ .
2/ هل يمكن للانماء الاقتصادي ان يكون فعالا ، في وضع البلاد على ابواب المدنية والتحضر ، في ظل استمرار الحياة الاجتماعية على انماطها القديمة.
3/ هل يمكن الاعتماد على النشاط الاقتصادي كقاطرة لتحريك عجلة التغيير الاجتماعي؟.
 عن السؤال الاول يمكن الجواب بنعم ، اذا اخذنا المقاييس الكمية للنمو الاقتصادي ، دليلا في تحديد مستوى النمو المتحقق ، فثمة مجتمعات حققت معدلات جيدة من النشاط الاقتصادي ، وحظيت بنسبة نمو سنوي معقولة في ناتجها القومي الاجمالي ، على الرغم من انها لم تقم باي خطوة رئيسية ، في اتجاه تحديث وتطوير حياتها الاجتماعية ، بل ثمة بلدان قليلة السكان اقامت اقتصادا فعالا ، بالاعتماد شبه الكامل على اليد العاملة الاجنبية ، وهذا بذاته دليل على ان الحاجة الى المجتمع المحلي في تنشيط الاقتصاد ، غير حرجة الى الحد الذي يقال ان تنشيط هذا يتوقف على ذاك.

حيـاة مزدوجـة
ان السر في هذه الازدواجية ، يكمن في وجود قدرة حقيقية لدى اي انسان للفصل بين دائرتين في حياته ، هما دائرة العمل وكسب الرزق في جانب ،  ودائرة الحياة الاسرية والاجتماعية في جانب آخر ، فهو في عمله يستعمل احدث مافي العالم من وسائل ، بينما يرتاح لكل ماهو قديم وموروث في حياته الاجتماعية.

 وفي تاريخ بلادنا ثمة امثلة غير  قليلة على امكانية هذا الفصل ، في الثلاثينات الميلادية ـ على سبيل المثال ـ استطاعت ارامكو ، شركة الزيت العربية الامريكية التي كانت قد حصلت للتو ، على امتياز التنقيب عن الزيت في شرق المملكة ، استطاعت استقطاب الالاف من العمال المحليين ، على الرغم من وجود تيار قوي يدعو لعدم العمل عند النصارى والخضوع لامرهم ، وفي الوقت الراهن تجتذب البنوك المحلية ، مئات من الموظفين الذين يتساءل بعضهم عن امكانية ابراء ذمته ، بالنظر لكونه يعمل في مؤسسة ربوية.

بكلمة أخرى فان الناس قادرين على ايجاد قدر من التوليف ، بين ادائهم للمتطلبات المادية ، للحياة الجديدة التي تترافق مع النمو الاقتصادي ، مع اغفال متطلباتها الثقافية ، بل ومحافظتهم الحازمة على انماط من العلاقات الاجتماعية ، تنتمي الى مراحل زمنية سابقة ، وهذا الحال مشاهد ومحسوس يوميا ، بحيث لايحتاح الى بحث عن ادلة نظرية.

الاقـتصـاد والمدنيـة
اما السؤال الثاني فهو لب القضية والاجابة عليه تعتمد كليا على تعريفنا لمعنى المدنية والتحضر ، ومستوى التناسب بينها وبين النمو الاقتصادي ، وثمة اتفاق على ان المدنية بمفهومها المتداول ، غير قابلة للتحقق دون تحديث مواز للحياة الاجتماعية ، بما فيها من انماط تفكير وشبكة علاقات وقيم ناظمة لشئون الحياة المختلفة.
ويظهر الفرق بين المجتمعات المتمدنة ونظيرتها المتخلفة ، متجسدا في اربع صفات:

1 ـ الاستثمار الامثل للطاقات والامكانات المادية والبشرية المتوفرة في البيئة .
2 ـ الكفاية المعيشية لعامة الناس .
3 ـ ارتفاع مكانة الفرد ، وقدرته على التعبير عن ذاته ، واستثمار كفاءاته الشخصية في الارتقاء الاجتماعي .
4 ـ  قدرة المجتمع على تطوير امكاناته القائمة بما يلبي حاجاته الجديدة بأقل قدر من الاعتماد على الخارج.

واضح ان تحقق هذه الصفات في المجتمع ، لايأتي اذا اقتصر النمو على الجانب الاقتصادي ، وهذا يقودنا الى السؤال الثالث ، فهل يمكن اعتبار النشاط الاقتصادي محركا للتغيرات الاخرى المطلوبة ، لاسيما على المستوى الثقافي والاجتماعي؟.

يختلف الباحثون من العالم الثالث عن نظرائهم الغربيين ، في الاجابة على هذا السؤال ، وهم اميل الى القول بان تحديث المجتمع هو ثمرة لوجود ارادة محددة وقرار بالتغيير ، بينما يعتقد اكثر الباحثين الغربيين ، ان وجود اقتصاد نشط من شأنه ان ينتج اعتبارات وقيم جديدة ، تحتل مكان الثقافة التقليدية السائدة ، ويبدو لي ان الاتجاه الاول صحيح في حالة الدولة المنفصلة عن السوق الدولية ، وقد كان هذا هو التوجه السائد في معظم البلدان النامية ، في الفترة بين نهاية الحرب الثانية الى منتصف السبعينات الميلادية ، اما في حالة الاقتصاد الوطني المتواصل والمفتوح على السوق الدولية ، فان للاقتصاد فاعلية ملحوظة في التغيير الثقافي والاجتماعي ، لاتقل عن فاعلية القرار والارادة الوطنية ، على الرغم من ان التغيير لاياتي على صورة منظمة وخلال وقت قصير.

تكلفـة النمــو
ويرد على هذا التوجه اشكالات رئيسية ، اهمها ان استثمار آلية الانفتاح الاقتصادي في التغيير ، قد يؤدي ـ جبرا ـ الى تهشيم المقومات الثقافية الخاصة بالمجتمع النامي ، ومن بينها هويته ومتبنياته التي تعبر في مجموعها عن شخصيته الوطنية.

وبالنسبة للباحثين الغربيين فان هذه النتيجة ليست مؤلمة ، نظرا لسيادة فكرة العالم الواحد ، الذي لاتفصل بين اجزائه حدود ثقافية ولاتعيق معاملاته حدود سياسية ، لكن بالنسبة للعالم النامي فان هذا الانفتاح لايعني في خلاصته ، سوى تبعية دول الاطراف النامية ، للحواضر الرئيسية في الغرب  الذي يحتل الان مكان المركز.

يبدو ـ اذن ـ ان هناك امكانية لتطور ذي مسارين في اطار واحد ، احدهما سريع للاقتصاد ، والآخر بطيء للانسان الذي يعيش في نفس الاطار ، لكن هل تؤدي هذه المسيرة الى المدنية؟.
فلنقل انها ربما تؤدي الى الرفاهية ، والفرق بينها وبين المدنية في غاية الوضوح.
نشر في (اليوم) 14نوفمبر1994


الاثنين، 7 نوفمبر، 1994

عـلم الوقـوف على الاطـلال



ينتمي كل انسان الى تاريخه بدرجة من الدرجات ، بحيث يندر ان تجد شخصا ، منفصلا عن تاريخه تمام الانفصال ، والمقصود بالتاريخ هنا ليس سيرة حياة الشخص على وجه التحديد ، بل مجمل التجربة التاريخية للبيئة الاجتماعية ، التي تربى وسطها وتشرب ثقافتها ، ومقومات نظرتها الى الحياة والاشياء .

ان ثقافة المجتمع لاتتكون دفعة واحدة ، بل عبر مسايرة طويلة الامد للتحديات المختلفة التي تواجهه ، يقوم خلالها بتشكيل نظرته الى من حوله وماحوله ، كما يقرر على ضوئها اسلوب عمله ، ومواجهته لمتطلبات الحياة ، وبدوره يحصل الفرد على هذه الثقافة بصورة تدريجية ، من خلال معايشته المستمرة لمحيطه الاجتماعي ، منذ ان يفتح عينيه على الحياة ، وحين يشب ويستوي رجلا ، فيتمثلها على صورة سلوك يومي ، او وعي اجتماعي ، او نمط في التفكير والتصور .
فلننظر الآن الى ثمرة هذا الموضوع ، وقد اخترت منه زاوية محددة ، تتعلق بنظرة الشخص الى تاريخه وتعامله معه ، والظروف التي تدفعه للعودة اليه .

تجربة متنوعة
ينتمي المسلمون الى تاريخ مليء بأسباب الفخر والاعتزاز ، لكنه كأي مسيرة طويلة الامد ، لاي أمة من الامم لايخلو من عناصر الضعف ومسببات الاذى النفسي ، نتذكر على سبيل المثال ان الامتداد الاسلامي الى الاندلس ، قد أوجد اساسات متينة للتقدم العلمي في اوربا ، ونتذكر في موازاة هذا ان اسلافنا قد اضاعوا هذا المجد ، بسبب نزاعاتهم الشخصية ، ومحاولة بعضهم الاستبداد بالامر ونفي الغير ، ونتذكر ان الحقبة الاولى من العصر العباسي ، قد شهدت وصول الدولة الاسلامية الى قمم من الحضارة ، غاية في العظمة والسمو ، لكن هذه الحقبة لم تخل من كثير من المنغصات ، ليس اقلها اضطهاد العديد من ائمة العلم ، وبينهم معظم رؤساء المذاهب الفقهية المعروفة ، فهذا الجانب وذاك هو الصورة الكاملة للتاريخ ، وأيا كان مرادنا من النظر فيه ، فان رغباتنا لاتغير من حقيقة كونه قد حدث ، واصبح جزء من الصورة .

وتحتاج كل امة الى قراءة تاريخها بين حين وآخر ، ليس لمجرد التسلي بالقصص والغرائب التي قد يحتويها في طياته ، بل للبحث عن عناصر للتعبئة واعادة شحن الههمم الخائرة ، فضلا عن استثمار مرجعية التاريخ ، في اضفاء المشروعية على توجه مرغوب ، او نزعها عن توجه مرفوض ، ان التاريخ بالنسبة لاي مجتمع هو النسب وشجرة العائلة ، التي من دونهما يشعر المجتمع بانه مستفرد وبلا جذور .

 ونلاحظ ان ثمة تناسبا طرديا ، بين تصاعد التحديات الخارجية في وجه المجتمع ، وبين سعيه لاستعادة تاريخه ، وأمامنا ثلاثة نماذج تمثل حالات لمجتمعات في ظروف مختلفة :

1/ محورية الحاضر
المجتمعات المستقرة المنشغلة بالتقدم هي اقل اهتماما بما مضى ، واشد تركيزا على استثمار عناصر الحاضر وامكاناته ، وهي لهذا اكثر واقعية واعتدالا في التعامل مع الغير ، اذ ان محورية الحاضر تكرس قيمة العناصر التي يشملها ، بما فيها الشراكة مع الاخرين .

2/ الهروب الى الماضي
المجتمعات الهامشية او الضعيفة ، تعود الى التاريخ هروبا من صعوبات الحاضر ، وملجأ يقيها مشقة الاعتراف بالعجز عن تغيير احوالها ، وفي مثل هذا الحال تتحول حوادث التاريخ الى اقاصيص منتقاة ، ومعدلة بما يناسب المزاج الشعبي ، ويكرس عدم مسئولية الجيل الحاضر عن اوضاعه ، باضفاء صورة الاسطورة على شخصيات تاريخية معينة  ، اتصفت بالبطولة والاقدام ، والباسها رداء القوة الخارقة ، بحيث تتشكل الرسالة الاخيرة لهذا التحوير ، على صورة ان الوضع البائس ، غير ممكن التغيير ، الا اذا وجدت معجزة او ظهر رجل خارق ، وتجد مثال هذه الحالة في المجتمعات التي تنتشر فيها اقاصيص الرجال الاقوياء ، كعنترة بن شداد وابي زيد الهلالي .

 3/ مقاومة الاغتراب
المجتمعات المقهورة ، تطور ميلا اشد الى الاحتماء بتاريخها ، وتكرسه على صورة حد يميز بينها وبين الغير ، وفي هذه الحالة فان أهل الحاضر يعيدون تصوير التاريخ ، باهمال بعض جوانبه ، والتركيز على جوانب أخرى ، بما يخدم فكرة تميز هذا المجتمع بثقافته وهويته ، بكلمة أخرى فان التاريخ هنا لايعامل باعتباره ميدانا لتجربة سابقة للاسلاف ، ينبغي دراستها والاعتبار بنتائجها ، بل باعتباره مصدرا لتبرير الحاجات الراهنة ، واهمها حاجة الحفاظ على الهوية .

وثمة في الحاضر امثلة عديدة على اتجاه المجتمعات الى التاريخ ، كوسيلة لتجذير شخصيتها الخاصة ، والتاكيد على خصوصيتها ، في مقابل محاولات الغاء الهوية ، التي يقوم بها المحيط الاكثر قوة ، في القارة الامريكية على سبيل المثال ، كان من الوسائل التي اعتمدتها جماعات الحقوق المدنية للزنوج ، هو اعادة تأكيد الاصل الافريقي لزنوج القارة الامريكية ، ومايتضمنه هذا من تعظيم مبالغ فيه احيانا ، لقيمة الثقافة ووسائل التعبير الخاصة بالشعوب الافريقية .

لايمكن الادعاء ـ بطبيعة الحال ـ ان تاريخ الامم الافريقية ، قابل للمقارنة بحاضر الافارقة الذين اصبحوا امريكيين ، بالنظر الى المعاني الحقيقية للحضارة وموقع الانسان الفرد في مجتمع متحضر ، لكن التاكيد على الاصل ، حتى لو كان اقل شأنا من الحاضر ، يعتبر وسيلة فعالة في استعادة الثقة بالذات ، ومقاومة اشكال الاغتراب النفسي والاجتماعي ، التي يعانيها الانسان المقهور ، وسط مجتمع يعامله باستعلاء وتفاخر .

من هذا وذاك نستنتج ان الناس يعودون الى تاريخهم بين حين وآخر ، بحثا عن تعضيد لتوجهاتهم الراهنة ، أو هروبا من معاناة غير محتملة لهذا الراهن ، وتتعاظم هذه العودة عندما يتفاقم التصارع بين الحاجات النفسية للانسان ، والمتطلبات الصعبة للتعايش العادل مع المحيط.

التاريخ والايديولوجيا
في بعض الحالات ، يجري تبرير العودة الى التاريخ على اساس ايديولوجي بحت ، بل يجري تصوير التاريخ ، باعتباره جزء من الايديولوجيا حينا ، ومصدرا لقواعدها في بعض الاحيان ، ويعرض العائدون للتاريخ انفسهم في صورة المثال الحي المعاصر لاسلافهم ، وهم في هذه الحالة يستلبون عمومية الشخص التاريخي ، ويفرغونها في فرد واحد معاصر ، ثم يستعملون هذا التحويل القسري لمحاكمة الاخرين ، وما يتضمنه هذا من ادعاء الانفراد بالقدرة على عرض الحقيقة المطلقة ، ومنح المشروعية او حجبها عن الغير .