الاثنين، 12 يوليو، 2010

التيار الديني ليس عصيا على التغيير

د. توفيق السيف

؛؛ جيل ما بعد الصحوة اقل اهتماما بالسلوكيات التقليدية والهموم الجهادية والدعوية. لا نتوقع انقلابا في التيار الديني انقلابا على المدى القصير ، لكن التعارضات في داخله تتفاقم ، وبعضها يعبر عن نفسه بلغة شبه ليبرالية ؛؛

         زميلنا الاستاذ سعيد الحمد يرى ان التيار الديني لا يستطيع اصلاح خطابه السياسي (الايام 29 يونيو 2010 http://www.alayam.com/Articles.aspx?aid=28016) وان نهاية دعوات الاصلاح لن تكون اكثر من العودة الى "بيت الطاعة" لانه ليس في الامكان ابدع مما كان. راي الاستاذ الحمد ينبيء عن شعور بالمرارة والاسى تجاه التعبيرات السياسية للتيار الديني ، وهذا موقف يمكن تفهمه واحترامه. لكن لا يمكن اعتباره في اي حال تحليلا موضوعيا. التيار الديني مثل جميع الافكار والمواقف التي يصنعها البشر تتغير وتتحول ، لان التغيير طبع في الانسان يستحيل تلافيه.

         عدا الكلام عن الامكانية المنطقية ، فثمة ادلة واضحة ميدانية واقعية تشير الى تحولات في جسم التيار الديني نفسه ، في نوعية المشاركين فيه ، وفي افكارهم ، وفي اهتماماتهم ، وفي المبررات النظرية التي يطرحونها كاساس لمواقفهم الجديدة . هذه وتلك تشير الى تغير مقصود احيانا وعفوي في معظم الاحيان. نعرف من البحوث الاجتماعية ان مواقف الانسان ليست انعكاسا لتقريرات ايديولوجية فقط ، حتى وان حاول تصويرها على هذا النحو. ثمة عوامل كثيرة تتدخل في تشكيل تلك المواقف ويؤدي تكرارها الى بروز "ذهنية جديدة".

         لفت نظري هذا الاسبوع دراسة بعنوان "جيل ما بعد الصحوة" للاستاذ ماجد البلوشي. ويعرف الكاتب نفسه كمنتم الى التيار السلفي او الصحوي كما يسميه. وهي منشورة في موقع لجينيات الذي يعبر عن تيار سلفي/سياسي متشدد. تستهدف الدراسة لفت نظر زعماء التيار الى الحقائق الاجتماعية الجديدة التي تستوجب تغييرا جذريا في خطابهم العام. راينا دراسات مماثلة نشرها اسلاميون اصلاحيون خلال السنوات القليلة الماضية ، لكن هذه الدراسة تحظى باهمية اضافية لانها تصدر من داخل البيت السلفي التقليدي ، وتعبر الى حد ما عن روحية جديدة وغير مألوفة. يركز الكاتب على عنصرين محوريين:

 الاول : ان التيار السلفي لم يعد لاعبا وحيدا على الساحة المحلية ولا متفردا بقيادة المشهد الثقافي، فقد برز اليسار الاسلامي والليبرالي كقوة مؤثرة في الساحة الدينية، كما برز توجه شيعي يحمل خطابا فكريا وحقوقيا عميقا، ويتمتع بتجربة حركية ونضج سياسي، ويقدم وعيا جديدا مبنيا على خطاب تصالحي.

الثاني : نتيجة للعامل الاول ، اضافة الى تطور وسائل الاتصال والانفتاح الاعلامي ، فقد برز جيل جديد يصفه بجيل "ما بعد الصحوة" وهو جيل مختلف تماما عن الجيل السابق في تعاطيه مع الفكرة الدينية وفي علاقته برموزها. ويشير خصوصا الى نزعة فردانية متفاقمة بين الشباب، سببها تنامي قدرتهم على الوصول المباشر الى المعلومات، والتعبير عن الذات من خلال وسائل الاتصال الحديثة، الامر الذي اغناهم عن العلاقة الشخصية مع رجال الدين او العودة الى ارائهم. تطور معرفة الشباب بامور الدين واطلاعهم على الاراء المختلفة اعطاهم ثقة بالنفس وجرأة على مجادلة اراء العلماء التي كانت – قبل ذلك – تتمتع بنوع من القداسة والعصمة عن النقد، فضلا عن شيوع الرجوع الى مصادر غير دينية في مجادلة اراء العلماء.

        كما يلاحظ الكاتب ان الجيل الجديد متجه الى الدراسات العلمية والتقنية الجديدة، خلافا للجيل السابق الذي ركز على الدراسات الشرعية. و يرجع هذا التغير الى هيمنة الاقتصاديات الجديدة وظهور فرص اكبر للاثراء والرفاهية في المجتمع السعودي. جيل ما بعد الصحوة لا يظهر كبير اهتمام بالسلوكيات التقليدية ولا بالهموم الجهادية والدعوية التي كانت شاغلا للجيل السابق.

       يعتقد الكاتب ان هذه التحولات هي نتيجة لانتشار ثقافة دينية اصلاحية يحمل لواءها مفكرون تخلوا عن السلفية التقليدية، واتخذوا منهجا قريبا من الليبرالية. وهو يصفهم باليسار الاسلامي. هؤلاء المفكرون يملكون معرفة دينية عميقة ويجيدون استعمال ادوات الخطاب المؤثرة في الوسط الديني.  وقد ساعدهم على ذلك هامش حرية التعبير النسبي الذي وفرته الصحافة المحلية، واسهم في ايصال رسالتهم الى شريحة واسعة من القراء،  كما مكنهم من ممارسة نقد غير مسبوق للخطاب التقليدي ومؤسساته ورموزه.

        تعبر هذه الدراسة عن سياق من النقاش يدور فعليا في وسط التيار الديني التقليدي والسلفي المتشدد ، فضلا عن التيار الديني المعتدل الذي يتطلع الى تقديم صورة جديدة عن نفسه. لا نتوقع ان نرى انقلابا في التيار الديني خلال وقت قصير ، لكن المؤكد انه ينطوي اليوم على توجهات عديدة ومتعارضة ، يعبر بعضها عن مواقفه بصورة لا تختلف كثيرا عن التعبيرات الليبرالية او شبه الليبرالية المحلية. هذه التوجهات تتمايز عن بعضها تدريجيا. ومن المقدر ان نرى في يوم قريب ظهور تيار ديني لا يختلف عن التيار الاصلاحي في ايران او حزب العدالة والتنمية في  تركيا ، تيارات اقرب الى التيار المحافظ في  اوربا ، يتبنى ابرز المباديء الليبرالية لكنه يحافظ على مكانة رفيعة للقيم الدينية والاخلاقيات واولوية العائلة في التنظيم الاجتماعي.

نشر في الايام البحرينية 12-7-2010