الخميس، 29 نوفمبر، 2007

حول الهوية الجامعة والهويات الفرعية ومفهوم الوطن


مهرجانات مزايين الابل وما قيل فيها وعلى حواشيها اعادت احياء النقاش القديم/ الجديد حول التنوع الاجتماعي وعلاقته بالهوية الوطنية، فكتب الاستاذ عبد المحسن الماضي في "الجزيرة" حول العلاقة بين القبيلة والدولة، وكتب الاستاذ جبرين الجبرين حول المسألة ذاتها في "الوطن" وكتب عنها زميلنا الانيق العبارة احمد فقيهي في "عكاظ".

واتفق الجميع – وكتاب اخرون من قبل – على الحاجة الى احتواء الهويات الفرعية، ومنها القبلية في الاطار الاوسع للهوية الوطنية. وركز الاستاذ الماضي على اهمية دور الدولة في ردم الفجوات التي تفصل بين الاطياف الثقافية والجماعات التي يتشكل منها المجتمع، من خلال ترسيخ قيمة المواطنة المتساوية.
ولعل بعض القراء قد التفتوا الى الروح الجديدة التي تسود هذه المعالجات، مقارنة بتلك التي شهدناها حينما اثيرت المسألة ذاتها قبل عامين. اتسمت معالجات المرحلة الماضية بقدر ملحوظ من الضيق بالتعدد ورغبة مبطنة في التخلص منه او تهميشه، مع دعوة اخلاقية الى الاعتراف بالمختلف ومعاملته بالتي هي احسن.

اما كتابات اليوم فهي تنظر الى التعدد كتجسيد للحالة الطبيعية للمجتمع. وهي تتحدث صراحة عن هوية وطنية تحترم الهويات الفرعية، سواء كانت مناطقية او قبلية او طائفية، وتجمعها تحت سقف واحد يتسع للجميع ولا ينفي احدا.  كما انها – من ناحية اخرى – تقرر مسؤولية الدولة عن تعزيز الهوية الوطنية الواحدة كاطار جامع، خلافا لبعض ما كان يطرح قبل عامين، من تحميل المجتمع وحده مسؤولية التخلص من اعباء تاريخه.
هذه المعالجات المتطورة دليل على ان النقاش العلني للمسائل الوطنية العامة هو الطريق الى عقلنة الاراء وتعميقها والاقتراب من الجوهر، بدل التحويم حول الحقيقة او الاكتفاء بالاعتذار عن الاخطاء او تبرير القصور ثم الخروج بدعوات محض اخلاقية تعوم المسؤولية بين جميع الناس حتى لا يشك احد في احتمال كونه بين المعنيين او المسؤولين.

نحن بحاجة الى المزيد من النقاشات حول المسائل التي تشكل خلفية فلسفية او مفهومية للاجماع الوطني. ولعل اولى المسائل الجديرة بالنقاش هي وجوه العلاقة بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية الجامعة. وقد سبق ان اقترحت في هذه الجريدة فكرة "شراكة التراب" كقاعدة مفهومية للبحث في تلك المسألة.

والفكرة باختصار هي ان كل مواطن شريك في كل ذرة من تراب الوطن، وان مجموع المواطنين مالكون لمجموع البلد ملكية اصلية غير قابلة للنزع او التنازل. واضيف على ما سبق ان تلك الملكية هي مصدر جميع الحقوق الثابتة لكل مواطن بمفرده ولمجموع المواطنين في مجموع الامور العامة. وهي ملكية سابقة لقيام القانون، وعندئذ فان القانون لا يوجدها بل يحميها وينظمها.

جدير بالذكر ان فقهاء المسلمين لم يتعرضوا لمفهوم الوطن في معناه الثقافي والقانوني الذي نعرفه اليوم، لكنهم ناقشوا الحقوق المرتبطة بالموارد العامة في بحوثهم حول الخراج بانواعه. والخراج هو التسمية القديمة للاملاك العامة، اي كل  ما لم يتملكه الناس بالعمران او الشراء او سواه من وسائل التملك.

ويشمل جميع المشتركات مثل الاراضي البائرة والبحر وما فيه، والثروات التي في باطن الارض، والغابات والجبال والانهر والمراعي.. الخ. وذهب كثير من الفقهاء الى ان هذه الموارد عائدة لمجموع المسلمين، لاجيالهم الحاضرة ومن ياتي بعدها، وان الحاكم الشرعي مكلف بادارتها والتصرف فيها نيابة عن مجموع اهل البلد ولمصلحتهم فقط، تصرفا يوصل اليهم جميعا اكبر قدر ممكن من المنفعة.

هذا التصوير، رغم سبقه لظهور فكرة الوطن، ولا سيما في صيغته الحديثة، هو نفسه الذي توصلت اليه الفلسفة السياسية الاوربية في القرن السابع عشر وما بعده، كما نراها في فكرة الكومنولث (وهي المعادل اللغوي لمفهوم الموارد المشتركة)، التي صاغها الفيلسوف الانكليزي جون لوك واصبحت قاعدة لمفهوم الوطن القومي الذي نعرفه اليوم.

اظن ان الانطلاق من هذه القاعدة في مناقشة العلاقة بين الاجزاء المكونة للمجتمع الوطني، وكذلك في مناقشة العلاقة بين المجتمع والدولة، سوف تسهم في تفكيك العديد من النقاط الاشكالية، ولا سيما في تحديد مكان الفرد باعتباره "مواطنا قائما بذاته" لا عضوا في قبيلة او طائفة او منطقة.

من ناحية اخرى فان المفهوم يحدد علاقة تفاعلية بين الوطن والمواطن. يحصل المواطن على حقوق معلومة مصدرها شراكته في ملكية، وفي المقابل فهو شريك في تحمل مسؤولية بلده، شريك في بنائه وادارته وحتى الموت من اجله.
اخيرا فانه يؤسس لفكرة المساواة القانونية، لا كدعوة اخلاقية محضة، بل ايضا كاداة عقلائية لتنظيم العلاقة بين المالكين على ارضية المعروف والانصاف.
 29 / 11 / 2007م  

الأربعاء، 14 نوفمبر، 2007

حول المجتمع الاحتفالي



زميلنا الدكتور أنمار مطاوع يخشى من تحول المجتمع السعودي الى ما وصفه بـ«مجتمع احتفالي». المجتمع الاحتفالي حسب تعريفه هو ذلك الذي يبالغ في تصوير الاعمال والانجازات ويحتفي بها على نحو مبالغ. وهو يضرب مثالا على هذا بالتظاهرة الاحتفالية التي رافقت ادخال الكمبيوتر الى المدارس، والتي كانت اكبر من حقيقة المشروع.
كما عرض امثلة منها بكاء الخطباء في المساجد. وركز على الجانب الاتصالي في هذا الفعل، أي كون الاحتفال أو البكاء وسيلة لاثارة تعاطف المستمعين أو المشاهدين مع القضية أو الحدث المطروح.

يتعلق الموضوع اذن بالتناسب بين الفعل والمعنى الذي يولده أو يراد توليده منه، كتمهيد للفكرة نقول ان أي فعل انساني يستمد قيمته من المعنى الداخلي الكامن فيه. لولا معنى الفعل لما كان للفعل أي قيمة. حين تقيم وزارة التربية احتفالا بتدشين مشروع الكمبيوتر فانها تعرف تماما ان هذا الاحتفال هو كلفة اضافية. لكنها تقبل بهذا العبء، لأنها تريد اضفاء قيمة رمزية على عملها، فهو – في رأي الوزارة – ليس مجرد الات واشخاص يجلسون أمام الآلات، بل هو تعبير عن «تحول» ثقافي أو عملي تريد الاشارة اليه، أو هو دليل على «انجاز» أو نجاح لرجال الوزارة. وهي تتوقع ان يقابل المشروع بتقدير من جانب الجمهور لها أو له، كما تريد من الطلاب أو اهاليهم اعتباره مكسبا وفرصة. هذه التعبيرات ليست جزءا من المكونات المادية للمشروع لكنها قيم رمزية، يمثل كل منها جوابا على حاجة قائمة أو سؤال سابق.

تتولد القيمة الرمزية للفعل اذا تولد الفعل نفسه، لكنها دائما اكبر منه، لأن الرمز اكبر من الحقيقة، ولأن توليد الرمز هو عملية سائلة متواصلة يمارسها كل شخص على نحو مختلف عن الاخرين، بينما الفعل محصور في حدوده المادية والموضوعية. الرمز هو كون اسطوري يحيط بالحقيقة، فلا بد أن يكون أضخم منها.

ارتباط الفعل بالمعنى واضح حتى في الافعال الشخصية. فلان يشتري سيارة بربع مليون مع ان سيارة بخمسين الفا تسد حاجته، لأن السيارة الاولى تولد معاني مختلفة عن الثانية، مثل التعبير عن المكانة أو السعادة أو القوة الخ. على نفس النسق فان الخطيب الذي يبكي اثناء حديثه قد لا يكون – بالضرورة – منفعلا أو متألما، لكنه يريد توجيه المستمعين الى الرسالة الداخلية لكلامه، أي الانفعال العاطفي، الذي قد يكون خوفا من الله أو تعاطفا مع الام الناس.. الخ.

يقودنا هذا الى تفسير مختلف للسلوك الاجتماعي الذي يصفه الزميل مطاوع بالاحتفالي. تحتفل الحكومات باليوم الوطني الذي ربما يكون قد مضى على موضوعه عشرات السنين، ويحتفل الناس بالذكرى السنوية لزواجهم أو ولادة – أو وفاة – عزيز عليهم، وتحتفل الشركات بيوبيلها الفضي أو الذهبي، لا لسبب غير التاكيد على المعنى الذي يرتبط به هذا الاحتفال، مثل معنى النجاح أو الاستمرار، أو التواصل أو ربما المطالبة بالتقدير، أو بيان المكانة. في حقيقة الامر فان الرابطة الاجتماعية، أي كون الفرد جزءا من جماعة وليس روبنسون كروسو أو حي بن يقضان في جزيرته المنعزلة، هذه الرابطة ليست شيئا ماديا، أي ليست فعلا، بل هي معنى يتولد عن افعال، مثل اللقاء واظهار التعاطف والتعاون والتجاور والتوافق على فكرة، والقاء تحية الصباح، وتبادل القلق على المصالح، والتفكير المتماثل حول المستقبل الخ..

كل من هذه الافعال يكتسب قيمته من المعنى الذي يولده، وهو في هذه الحالة : الارتباط العاطفي. وعلى هذا الاساس نشأ الفولكلور، أي الثقافة الشعبية التي تجسد وتصور اشكال الحياة الاجتماعية وهموم الناس ورغباتهم. الفولكلور الشعبي هو فعل غرضه توحيد المعنى المفترض ان يتولد عن افعال فردية أو اجتماعية وربطها بالقيمة الكلية للفعل الكلي، أي الحراك المجتمعي، باعتباره تكثيفا لمجموع الافعال الفردية التي غرضها ترسيخ الرابطة الاجتماعية. الفولكور هو احتفال بالجماعة وتاكيد على اهمية الرابطة الاجتماعية.

الاحتفال بالفعل قد يكون تصرفا طبيعيا غير متكلف، يقوم به الناس من تلقاء انفسهم، ويشعرون بسببه بالسعادة وتقدير الذات. وقد يكون اصطناعيا، يستهدف فقط التغطية على قصور الفعل الذي هو موضوع الاحتفال، أو التعجيل في استرداد ثمنه الاجتماعي (مثل الولاء والتقدير). ولعل هذا هو الجانب الذي ازعج زميلنا الدكتور مطاوع، واظنه محقا فيما ذهب اليه.
عكاظ 14-11-2007

الأربعاء، 7 نوفمبر، 2007

المالكي يعود الى وظيفته عبر ديوان المظالم


 اصدر ديوان المظالم حكما بابطال قرار سابق لوزارة التربية التعليم يقضي بفصل الاستاذ حسن المالكي من العمل. وترجع القضية الى اوائل العقد الجاري حين نشر المالكي وهو مفكر ديني معروف سلسلة من المقالات تحدد مواطن الخلل في مناهج التربية الدينية في المدارس العامة. ودخل المالكي بسبب تلك المقالات في جدل علني مع عدد من الشيوخ البارزين. والمالكي هو واحد من مفكرين سعوديين برزوا خلال العقدين الاخرين، واختاروا منهجا يدعو الى تجديد الثقافة الدينية ومناهج التعليم، ولا سيما نبذ التفكير الاحادي والتوجهات المغالية.

وتحمل المالكي بسبب كتاباته كثيرا من العنت والتضييق من جانب اشخاص يرتابون في كل دعوة للتجديد. وفي احدى المناسبات نشر مقالا فند فيه - من زاوية فقهية - فتوى لاحد المشايخ تتضمن تكفيرا الفنان الكويتي عبد الله الرويشد. لكنه ووجه باقصى رد يتوقعه وهو اصدار الشيخ نفسه فتوى بتكفيره رجوعا الى قاعدة "ومن لم يكفر كافرا فهو كافر".  كتب المالكي عددا من الكتب المثيرة للاهتمام لكنه لم يستطع توزيعها في المكتبات المحلية، كما اضطر الى التوقف عن الكتابة في الصحف، واخيرا فصل من وظيفته في قطاع التعليم.

طوال السنوات الخمس الماضية حاول المالكي دون كلل استعادة حقه، لكنه ووجه دائما بالسخرية والاستهانة. وفي هذا الاسبوع اصدر ديوان المظالم حكمه بابطال قرار الفصل واعادته الى وظيفته بعد 48 جلسة خلال اربع سنوات. رغم ان القضية – من الناحية الشكلية على الاقل – تعتبر اعتيادية في اي بلد، الا ان الحكم فيها اكتسب اهمية خاصة وأثار اهتماما واسعا في البلاد، ولعله كان الخبر الاول من حيث اهتمام متابعي الصحف يوم الاثنين المنصرم.

معظم الذين اهتموا بحكم الديوان ينظرون اليه كدليل عملي على التطوير الجاري في جهاز القضاء، ولا سيما في ديوان المظالم. ويمثل الديوان ما يشبه محكمة ادارية، وهو الجهة الوحيدة المخولة بالنظر في دعاوى الافراد ضد الاجهزة الحكومية.

وفي السنوات الماضية لم يكن من السهل اقامة دعاوى من ذلك النوع. لكن الاشهر القليلة الماضية شهدت الاعلان عن عدد من القضايا التي اثارت انتباه الكثيرين. من ذلك مثلا حكم الديوان بسجن رئيس بلدية ومساعده بسبب استيلائهم على قطع سكنية منحت لمواطنين. وكان هذا السلوك قد شاع حتى يئس الناس من لجمه. لكن حكم الديوان سجل سابقة أحيت آمال المواطنين بقدرتهم على الاستعانة بالقضاء العادل في استنقاذ حقوقهم.

ومن بين القضايا قبوله لدعوى رفعتها سيدة ضد هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي المرة الاولى التي تقبل فيها دعوى ضد الهيئة. واخيرا جاء الحكم في قضية المالكي دليلا اضافيا على سياق جديد في النظام القضائي السعودي يأمل الكثيرون ان يتحول الى عرف سائد، يتناغم مع توجهات خادم الحرمين الشريفين في فرض حاكمية القانون وتساوي جميع المواطنين امامه.

من الناحية الفنية فان المالكي هو ابرز المستفيدين من هذا الحكم، لكن من الناحية السياسية فان جهاز القضاء سيكون هو المستفيد الاكبر، فقد برهن على استقلاله وقدرته على التحرر من الضغوط المعتادة في مثل هذا النوع من القضايا، سواء كان مصدرها الشارع الشعبي او علية القوم. ويمثل هذا خير تمهيد لبرنامج الاصلاح الشامل الذي أقره الملك عبد الله الشهر الماضي ويتضمن تعديلات اساسية في بنية النظام القضائي السعودي.

المثقفون والكتاب اعتبروا الحكم انتصارا لحرية التعبير و"يوما تنفست فيه العدالة" كما قال الاديب المعروف صالح الصويان. والمؤمل اليوم ان يعود المالكي الى ممارسة الكتابة في الصحافة بعد انقطاع طويل. ثمة –اضافة الى المالكي – قائمة طويلة من كبار الكتاب اضطروا الى التوقف عن الكتابة بسبب ضغوط مثل التي تعرض لها المالكي، وثمة اساتذة جامعيون ابتعدوا عن طلابهم لاسباب مماثلة. ونأمل ان يكون حكم الديوان بداية لمنهج جديد في التعامل مع قضايا الراي والتعبير.
7 / 11 / 2007م