الأحد، 30 أكتوبر، 1994

من ثقافة النخبة الى ثقافة الشارع


تدل احصاءات التعليم على ان معظم الاقطار العربية ، قد تقدمت بصورة حسنة في مكافحة الامية ، وحصل نحو ثمانين بالمائة من الذكور الذين تقل اعمارهم عن 30 سنة ، على قدر من التعليم الاولي او المتوسط في خمس عشرة دولة عربية ، وهذا تطور يعتبر طيبا ، بالقياس الى الوضع الذي كان قائما عند نهاية النصف الاول من القرن العشرين .

ترى هل ادى هذا التطور الى جعل العلم موضع اهتمام لعامة الناس ، وهل ادى الى جعل العلم قاعدة نؤسس عليها حياتنا ؟ من الواضح ان هذه النتيجة المتوخاة لم تتحقق الى اليوم ، وهي ربما تتحقق في المستقبل ، لكن ليس اذا بقينا في حالة الاسترسال الراهنة ، ان أي تطور مهما قل شأنه ، لايتحقق الا بوجود محرك يدفعه ويقود عناصره الى غايتها.

بضـاعة بائـرة
 فعلى الرغم من تلك الجهود لايزال العلم بضاعة بائرة في عالم العرب ، ربما يرجع هذا الى ارتفاع نسبة صغار السن قياسا الى مجمل السكان ، وربما الى الفقر الذي من شأنه ان يشغل الفرد بهموم تدبير المعيشة عن هم الارتقاء العلمي ، او لظروف عدم الاستقرار السياسي التي تسود بعض البلاد ، او لاسباب اخرى ، ايا كانت فانها لاتغير من النتيجة شيئا ، فتراخي الاهتمام بالعلم ينتج تأثيراته السلبية ، التي من اهمها تراخي الاندفاع نحو التطور ، او انحراف الحركة في طريق غير قويمة ، ان العلم هو الدليل الامين لحركة المجتمع ، ومتى ماغاب فلا يأمن السائرون ان يضلوا درب السلامة.

وليس من الصعب العثور على مشجب ، نعلق عليه وزر ماحدث من قصور او تقصير ، لكن ليس هذا موضع التحقق من مسئولية التقصير ، فالذي ينبغي ان يأخذ اهتمامنا هو سبل العلاج ومسئولية القادرين عليه .

مسئولية المثـقفين
من الواضح ان جميع الفئات الاجتماعية تتحمل بدرجة او باخرى ، قدرا من مسئولية نشر العلم وتعميمه ، نظرا لانها تستفيد كغيرها من نتائج هذا العمل ، لكن فئة المثقفين واصحاب الفكر تتحمل في هذا الميدان مسئولية اكبر من غيرها ، لا تخصيصا لها بهذا الحمل الثقيل ، بل لانها اول مستفيد من تصحيح الوضع الخاطيء ، فقد استتبع انكماش الاهتمام بالثقافة ، انحدارا في الاعتبار الاجتماعي الذي هو حق لاهل العلم ، فاصبحوا ياتون ـ من حيث التسلسل الواقعي للمراتب الاجتماعية ـ في المرتبة الثالثة أو الرابعة ، وربما ادنى من ذلك ، خلافا لماينبغي ان يكون عليه الحال ، من تقديم للعلم واهله ، ووضعهم في مواضع الشرف والريادة الاجتماعية .

الحلول والاحلام
ثمة وسائل عديدة لاستعادة هذه المكانة اهمها ـ في تقديري ـ الاقتراب من قضايا الناس الصغيرة واليومية ، والاقتراب من الفهم العام عند معالجة القضايا المختلفة ، ان الانصراف الى معالجة القضايا الكبرى واقتراح الحلول التاريخية ، والاقتصار على مخاطبة المختصين ، انما ينتج في حقيقة الامر ضيقا في المساحة الاجتماعية التي تتعامل مع النتاج العلمي .

 المسألة هنا ليست صعوبة الفكرة أو سهولتها فقط ، المسألة هي ايضا في ابتعاد الفكرة عن المعاناة اليومية للناس ، او غربتها من طموحاتهم القصيرة الأمد ، ستجد الكثير من الكتب التي تبحث في مشكلات الأمة العربية وهي تطرح لذلك حلولا تاريخية جذرية ، فالعديد من الباحثين الذين عالجوا اسباب الفشل الذي منيت به تجارب التطور الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي ـ على سبيل المثال ـ شخصوا المشكلة باعتبارها نتيجة مباشرة لوضع التنمية في اطار الإقليم أو الدولة الواحدة ، التي لاتستطيع نتيجة لضيق الموارد او المساحة او الكفاية السكانية ، ان تواجه التحديات الضخمة لمتواليات التخلف ، وعلى ذلك فان حل هذه المشكلة لن يكون ميسرا إلا بتنمية في إطار قومي .

بكلمة أخرى فان الرسالة التي تنطوي عليها مثل هذه المعالجة ، هي ان على كل دولة من دول العالم العربي ان تنام على وسادة الانتظار حتى تتحقق الوحدة العربية ، أو نمطا جزئيا من أنماطها على الأقل ، حتى تتوفر الفرصة للاقلاع من مستنقع التخلف ، مثل هذا الحل الذي ربما ينظر اليه أهل الإختصاص باعتباره جذريا وتاريخيا ، لاعيب فيه سوى ان أحدا من الناس حكاما ومحكومين لايستطيع القيام به ، في المدى المنظور على الأقل ، ليس لأن الشعب العربي لايريد الوحدة ، بل لأن همومه اليومية وهموم حكوماته كثيرة وضاغطة ، بحيث يبدو هذا المطلب بالنسبة اليهم مؤجلا الى زمن بعيد في المستقبل ، اي انه قابل للتصنيف ضمن دائرة الاحلام ، وليس الاهداف والمخططات ، ولهذا السبب فان المعالجة التي تشترط قيام الوحدة قبل التنمية ، تعتبر بالضرورة غير ذات قيمة على الصعيد التطبيقي ، لانها تعجز عن اثارة اهتمام الناس ، فضلا عن اصحاب القرار ، فتبقى مجرد محاولة حظها الوحيد هو الحفظ على الرفوف .

ثقافة للشارع
وفي منتصف القرن كان المفكر المصري سلامة موسى يدعو في مقالات صحفية الى خطة وطنية لتوفير المراحيض الصحية للفلاحين في القرى ، قائلا ان انعدامها أدى الى استيطان الأمراض في الريف ، فعاب عليه نظراؤه من المثقفين هذه الدعوة ، لأنها ـ كما قالوا ـ نزول بالثقافة من عليائها الى أوساخ الشارع ، وكتب احدهم مقالا عنوانه (الثقافة المراحيضية) كرسه للسخرية من دعوة الكاتب ، كما دعا بعضهم ـ على سبيل التهكم ـ الى تحويل المعاهد العلمية الى معاهد سمكرية ، انسجاما مع دعوة سلامة موسى تلك .
لكن هذا يرتبط بتشخيص المثقف العربي لدوره في المجتمع ، فأمثال سلامة موسى يتطابق جدا مع مثقف يعتبر ان دوره تحريضي في المقام الأول ، هو قد يدعو الى أمور مختلفة ، بحسب مايناسب الزمان والمكان ، ولدينا أمثلة على قصائد شعراو مقالات أو كتب الهبت حماس الناس لمقاومة مستعمر ظالم ، أو عالجت مشكلة مستعصية لأنها جاءت في وقتها ، ولأنها انطلقت من تشخيص دقيق للداء وتحديد مماثل في الدقة للدواء ، فالمثقف هنا مارس دوره كمحرض للمجتمع ، واستعمل قلمه ليس لاظهار مقدرته الابداعية ، او استعراض عضلاته العلمية ، بل للتعبير عن حاجات الناس .

ولابد من افتراض ان مثل هذه المعالجة على بساطتها ، هي احد الاساليب الفضلى لتجسير الفجوة بين اهل العلم وعامة الناس ، هناك بطبيعة الحال عشرات من القضايا ، هي هموم قائمة لاكثرية الناس ، بعضها نظري واكثرها عملي ، تمثل ميدانا يستطيع المثقف من خلاله التدليل على الفائدة الحقيقية للعلم ، بدل التحويم حول الخيالات والرموز أو الدعوة الى الاحلام .
نشر في (اليوم) الاحد 30 ـ10ـ 1994

الاثنين، 24 أكتوبر، 1994

يوكل علم ؟ ... يعني مايفيد !



أصبح تقليديا القول بان الاسلام قد خص العلم وأهل العلم ، بالمكانة الارفع في سلسلة المراتب الاجتماعية ، وتعارف المسلمون على هذا المفهوم ، حتى استحال ثابتا من ثوابت العلاقات الاجتماعية .

لكن المسلمين ـ مع هذا ـ بين اقل شعوب العالم ، استفادة من العلم واستثمارا لنتائجه ، في شئون حياتهم المختلفة ، وتدل احصائية نشرتها اليونسكو قبل اعوام قليلة ، على ان نصيب الدول  العربية من انتاج الكتب ، يقل في مجموعه السنوي عن مثيله في معظم الدول المتقدمة ، كما توصل باحث لبناني في دراسة عن تجارة الكتاب في العالم العربي ، الى نفس الاستنتاج ، ولاحظ ايضا ان نسبة تفوق الثلث ، من الكتب التي تحتويها الاحصاءات الوطنية ، هي اعادة طباعة لكتب قديمة ، ويؤيد هذا المنحى استطلاعات نشرتها الصحف عن معارض للكتب ، اقيمت في اربع عواصم عربية ، خلال عامي 1988 و 1989 ، تضمنت تصريحات للناشرين ، تشير جميعها الى ان الكتب التي تحظى باكبر قدر من المبيعات ، هي الكتب التراثية على اختلاف موضوعاتها وانواعها .

وباستثناء الكتب المدرسية وكتب الدعاية الرسمية ، فان ايا من الكتب التي صدرت باللغة العربية في الاعوام الاخيرة ، لم يتجاوز توزيعه بضعة الاف ، ولم نسمع عن كتاب وصل توزيعه الى المائة الف نسخة ، اما في الغرب فان بعض الكتب تطبع لاول مرة ، بما يجاوز هذا الرقم ، ولدي معلومات عن كتب طبعت نصف مليون نسخة .

ويرجع هذا التباين بيننا وبين الغرب ، الى الفارق في مستوى التعليم ومستوى المعيشة ، فضلا عن الصعوبات السياسية ، التي تحول دون انتشار المصنفات الفنية ، وهذه وغيرها ناتجة بدروها عن عدم تحول العلم الى جزء من الحياة اليومية لمعظم الناس في بلادنا.

واذا كنت ممن اتيحت له زيارة اي قطر اوربي ، فلابد انك شاهدت مدى اهتمام الناس بالمعرفة ، فهم يستثمرون اي وقت يحصلون عليه في القراءة ، في القطار او الباص او على مقعد في الطريق فضلا عن المنزل ، وهذا هو السبب الذي يجعل صحيفة يومية توزع مليون نسخة في اليوم ، رغم انها ليست وحدها في الميدان ، فثمة عشرات اخرى غيرها ، يوزع بعضها مليونا ويوزع بعض آخر نصف هذا الرقم او ثلثه .

ان الثقافة والعلم لايزال على رغم انتشار التعليم في العالم العربي ، حرفة اقلية من العرب ، بينما يشك اكثر الناس في جدواها ، أو على الاقل في قدرتهم على استنباط فائدة منها . واتذكر بهذا الصدد حادثة قديمة عميقة المعنى ، شهدتها قبل عقدين من الزمن ، كنت اتشاغل بتصفح ديوان شعر جديد للشاعرة العراقية نازك الملائكة ، ريثما يحين دوري عند احد المصورين ، وعندما وصلني الدور نظر المصور من فوق نظارته متسائلا : ما هذا ؟ واشار الى الكتـاب ، فاجبته بانه ديوان شعر ، فقال مستهجنـا (يوكل خبز ؟) اي  هل يطعم خبزا ؟ اجبته ضاحكا : يوكل علم ... قال : يعني مايفيد.

ليس غريبا بعد هذا ان تعقد المؤتمرات ، وتلقى الخطب والمحاضرات ، في الشكوى والتحذير مما يطلق عليه الغزو الثقافي والغزو الاعلامي ، والغزو الاخير مصطلح ابتكر خصيصا ، لمناسبة انتشار الاطباق اللاقطة للقنوات التلفزيونية الاجنبية .

ـ لماذا نشعر بالقلق من الثقافة الاجنبية ؟
ـ اليس لما عندنا من ارضية خصبة تستقبل الغث والسمين ؟
ـ واليس هذا بسبب الفراغ الثقافي الكبير الذي نحن فيه ، والا فما الذي يجعلنا في قلق من امرنا ، ولانجد مثل هذا القلق عند المجتمعات المصدرة للثقافة ؟ .

لقد مضى على قيام التعليم الحديث في العالم العربي نحو قرن من الزمن ، وثمة عشرات الالاف من الناس يتخرجون من الجامعات كل عام ، ولازلنا ـ مع ذلك ـ نحتاج الى الخبرة الاجنبية في كل مشروع جديد ، وفي اي مخطط للتطوير ، ثم ـ من بعد ذلك ـ نرفع اصواتنا بالشكوى من مظاهر الغزو الخارجي لمجتمعاتنا .

هل نتخلى عن سعينا لتطوير حياتنا مع مايتطلبه هذا من استيراد للخبرات والمعارف ؟ ام نتحمل ـ بالرضى او القهر ـ النتائج المترتبة على خيار التطوير ، لابد لنا ان نختار ، ولابد لنا ان نختار مواجهة التحدي ، لان الحياة لاتقبل التوقف او النظر الى الوراء .

مواجهة التحدي تعني ان نتعلم ما استطعنا من الاخرين ، وان نسعى في الوقت نفسه لمعالجة الاسباب ، التي تجعلنا عاجزين عن الوفاء بحاجاتنا ، مضطرين الى التطلع لما عند الغير .
ان قصورنا العلمي هو مايجعلنا مهددين بالغزو الثقافي والغزو الاقتصادي ، وكل انواع الغزو الاخرى ، وهو ايضا مايجعلنا عاجزين عن التحرك الحثيث ، نحو مهماتنا الوطنية الكبرى ، من تصحيح مسارات الحياة الاجتماعية ، الى الاكتفاء في ميدان الانتاج الصناعي ، الى تطوير الامكانات القائمة في مجال الغذاء ، فضلا عن ضمان استمرار القدر المعقول من اسباب الحياة الكريمة ، اذا لم نطمع في بلوغ قدر من الرفاهية لعامة الناس ، مشابه لما هو موجود في دول العالم الاخرى الغنية .

ويقتضي هذا اعادة نظر في الاسباب ، التي ادت الى التباعد الفعلي بين عامة المواطنين العرب وبين الممارسة العلمية ، اني اتحدث بالتحديد عن اهتمام عامة الناس بالعلم ، لان خاصتهم مهتمون فعلا ، لكن هذا الاهتمام ـ كما راى المرحوم مالك بن نبي قبـل ثلاثـين عاما ـ لايجدي فتيلا ، فما الذي يستطيعه رئيس عالم اذا كان اعوانه اميين .

نستطيع البداية بالمدرسة ، فالاهتمام المبكر بالشبيبة ضمان لانتظام الجيل الاتي ، وهذا مشروط بتمكين طلاب المدارس ، من قراءة اي شيء خارج المنهج الدراسي ، بتخفيف العبء الدراسي المرهق ، وبوضع منهج توجيهي خاص لتشجيع الطلاب على القراءة الخارجية.

وحسب تجربتي الشخصية الراهنة ، فلا ارى اي مجال للطلاب لكي يقرأوا شيئا خارج المقررات ، بل يعز علي ان أرى اطفالي الذين اعتادوا تخصيص وقت للقراءة ووقت للهو ، وقد اصبحوا سجناء للمذاكرة والواجبات التي لاتنتهي  ، وهذا وضع لا اظنه صالحا او مفيدا في تطوير قدرات الطالب الذهنية او تعويده الاستراحة الى الكتاب ، خاصة مع الطريقة العجيبة التي يتبعها معظم المدرسين ، في اجبار الطالب على حفظ النصوص بدل فهمها واعادة انتاجها بلغته الخاصة .

اما الخطوة الثانية فهي جعل العلم ـ على اختلاف فروعه وموضوعاته ـ مرغوبا من عامة الناس ، قريبا من مجالات حياتهم الاعتيادية ، وهذا يقتضي اعادة النظر في بعض التقييمات التي اكل عليها الدهر وشرب ، والتي يحتاج البحث فيها الى مجال اوسع ، فلنتركها  لمقال قادم بعون الله .
نشر في (اليوم ) 24-10-1994

الاثنين، 17 أكتوبر، 1994

حول المضمون القومي للصحوة الدينية



يقول المفكر الهندي المعروف وحيد الدين خان ان الصحوة الدينية المعاصرة ، هي في عمقها صحوة قومية ، وهي اتت كرد فعل على الاضرار التي لحقت بالاقطار الاسلامية ، من جراء العلاقة غير المتوازنة بينها وبين الدول القوية في العالم ، منذ بداية الحقبة الاستعمارية .


 وحسب مارأى وحيد ـ وهو مفكر بارز في حقل الاسلاميات ـ فان الحركات التي ظهرت في العالم العربي ، انما هي رد فعل المجتمع على الاحتلال اليهودي لفلسطين ، كما ان الحركات التي قامت في شبه القارة الهندية ، تكونت كنتيجة لتبلور الشعور بعدم الامان ، في ظل النظام الاجتماعي الذي يفرض سيطرة الاكثرية الهندوسية ، على ازمة الامور في البلاد .

ويعتبر وحيد الدين خان ، واحدا من اكثر المفكرين الاسلاميين اثارة للجدل ، بافكاره الجريئة والفريدة  ، ولاسيما الافكار التي عرضها خلال السنوات العشر الاخيرة ، ولذلك فان قليلا من الناس ، لاسيما بين النشطين في العمل الاسلامي سيوافق على هذه الفكرة الاخيرة ، مع انها كأي فكرة اخرى جديدة تستحق العناية والنقاش .


الشريعة والحركة
ويبدو لي ان الاساس الذي ينطلق منه وحيد ، هو التمييز بين الاسلام كشريعة ، والحركة الدينية كمشروع اجتماعي ، وهو يقول بهذا الصدد ان المنطلق الوحيد الذي يسمح لنا  باعتبار الصحوة دينية على وجه الحقيقة ، هو منطلق الايمان بانها امتداد للعمل التنويري والتحضيري الذي قام به رسول الله (ص) اي الايمان بان مهمة حمل الرسالة وابلاغها قد انتقلت الينا ، حسب فهمه للاية المباركة (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) .
وعلى خلاف ذلك ، فان الصحوة التي يتمحور مشروعها في صناعة نظام سياسي بديل في دولة من الدول ، او مصارعة قوة من القوى الاجتماعية او السياسية المنافسة ، ان هذه انما تنطلق من نقطة رد الفعل التي اشرنا اليها في السطور السابقة .

والتمييز الذي يعرضه وحيد بين الشريعة والحركة ، تمييز مقبول عند الاكثرية الساحقة من النشطين في العمل الاسلامي ، حيث لايجادل احد في ان المشروع الذي تطرحه الحركة الاسلامية ، هو محض اجتهاد في فهم النص الشرعي وتطبيقاته ، وفي تحديد العلاقة بين مقاصد الشريعة ومكونات المشروع او خطابه الاجتماعي ، وليس هناك من يدعي ـ حسب علمنا على الاقل ـ بان المشروع الفكري او الاجتماعي الذي يدعو اليه ، هو عين مرادات الخالق سبحانه وتعالى ، او انه هو الصورة الوحيدة الصحيحة للدين ، فالكل يرى نفسه مجتهدا يحتمل عمله الاصابة كما يحتمل الخطأ ، بل ان معظم العلماء من شتى المدارس الاسلامية ، يميلون ـ اليوم ـ الى ماكان يطلق عليه منذ تاسيس علم اصول الفقه بالتخطئة ، وهو اعتبار النتائج التي يتوصل اليها المجتهدون (محتملة الصحة) ، رغم ثبوت حجيتها شرعا ، بخلاف الاتجاه الاخر الذي اطلق عليه التصويب ، اي اعتبار نتيجة الاجتهاد (ضرورية الصحة) في كل الاحوال ، بل سببا لايجاد الحكم الشرعي كما يشرح الامام الغزالي .

مصدر الحرج
على ان القبول بهذا التمييز لايعني القبول بالفكرة نفسها ، فمعظم الاسلاميين يجد حرجا في اعتبار حركته رد فعل للخسائر الناتجة عن العلاقات الحرجة مع الغرب ، او نتيجة لتفاقم التهديد الخارجي ، بل على العكس من ذلك ، فان معظم العاملين في الحقل الديني ، يؤمن بانه يتحرك لايمانه بوجوب السعي لانجاز الاهداف الدينية ، ضمن اطار بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر او ضمن اطار الجهاد في سبيل الله ، وكلاهما من الواجبات التي ينبغي للمؤمن ان يقيمها باعتبارها فعلا ابتدائيا مطلوبا من المسلم ، لاباعتبارها رد فعل سياسي الجوهر يتغطى بالشعار الديني ويتوجه نحو الخارج بالدرجة الاولى ، كما هو فحوى كلام الاستاذ وحيد .

من ناحية أخرى فان فكرة الجوهر القومي في الصحوة ، تثير حرجا مصدره صعوبة المواءمة بين الايمان الديني والانتماء القومي ، ولوازم كل من الخيارين ، ان الاسلام ـ كما هو متفق عليه ـ لايعتبر الانتماء  القومي مصدرا للالتزام او قاعدة للتقييم ، بخلاف الايمان الديني  ، ويزيد الامر حرجا ان العلاقة بين دعاة الفكرة القومية ودعاة الفكرة الدينية ، في معظم المجتمعات المسلمة ، لم تكن حتى الان قائمة على الود ، ولذلك فان اعتبار الصحوة الدينية قومية في العمق ، سيثير الحرج عند الذين يؤمنون بوقوف القومية والدين على طرفين مختلفين ، على الرغم من ان مناقشة الاشكال ، ربما ساعدت على فهم اعمق للعلاقة بين المضمون الديني في الاطار الاجتماعي للحركة ، وبين المقومات المادية والتاريخية لهذا الاطار.

علاقة متكلفة
والذي نعتقد ان التمييز الذي يعرضه وحيد الدين خان ، بين المظهر الديني والجوهر القومي للصحوة الاسلامية ، ينطوي على شيء من التكلف ،  في اصطناع العلاقة بين الطرفين ، وثمة صعوبة في العثور على براهين قوية ، لاثبات صحة تفريقه الحازم بين المضمون القومي والمضمون الديني ، ففي عديد من الدول الاسلامية كان الكفاح ضد الاستعمار ، ينطلق من منطلقات دينية ، وكانت المحافظة على الهوية القومية جزءا من هذا الكفاح ، لالخصوصية ذاتية في الهوية القومية ، ولكن لكونها احدى رموز وحدة المجتمع ، وهي في الوقت ذاته الوعاء المتفق عليه لثقافة المجتمع وذاكرته التاريخية ، بما فيها الثقافة التي توفر الدوافع نحو استمرار مقاومة المستعمر ، ففي شمال افريقيا على سبيل المثال ، كان السعي للحفاظ على اللغة العربية ومقاومة الفرنسة ، جزء لايتجزأ من الجهاد للاستقلال ، وكان ذلك ضروريا لابقاء الهوية الاسلامية ، وثقافتها المحفوظة في الوعاء اللغوي العربي فعالة ، في منع محاولات اختراق المجتمع وضرب التوجهات الاستقلالية داخله ، اما في شبه القارة الهندية ، فان الشعور القومي الذي اقام باكستان ، في اواخر النصف الاول من هذا القرن ، لم يكن سوى الاسلام بذاته ، فقد جرى اعتباره مجسدا لتمايز قومي ، بين الاقلية المسلمة والاكثرية الهندوسية في شبه القارة ، اي مبررا لقيام دولة قومية مستقلة .

ونستطيع القول ـ كخلاصة ـ ان الاسلام كما يفهمه معظم ابنائه ، ليس ايمانا مجردا عن اطاره الاجتماعي او التاريخي ، بل هو متجسد بصورة ما ، في تفاصيل حياة المجتمع المسلم ، يلعب دوره كناظم للحركة الاجتماعية حينا ، وكأطار لها حينا آخر ، وهو يوفر في كل الاحوال المادة الثقافية والروحية ، الضرورية لتعبئة امكانات المجتمع ، في سبيل حياة امثل واكثر انسجاما مع طموحاته .

نشر في (اليوم) 17/10/1994

الاثنين، 10 أكتوبر، 1994

من طموح التغيير الى الحرب الاهلية


قريبا من هذا الوقت من العام المنصرم سئل الشيخ محفوظ النحناح ، السياسي الجزائري المعروف ، عن طريق الخروج من الدائرة الدموية التي سيطرت على الجزائر ـ وكانت الازمة بين الاسلاميين والجيش في ذروتها ـ فأجاب باختصار (كفوا ايديكم واقيموا الصلاة) .

 فحين يتحول الجدل السياسي او الفكري الى حرب اهلية تسيل فيها الدماء انهارا ، فالحل الوحيد هو ان يتوقف الجميع  عن اراقة الدماء ، او البعض ان لم يقبل البقية ، وان ادى الى فنائه ، ولم يكن الامر موصلا الى هذه النتيجة على وجه التاكيد ، فخروج المصارع من الميدان مغلوبا ، لكنه غير متورط في دماء المسلمين ، خير له وانجى من ان يسير الى النصر عبر بحر من الدم ، لايدري اي بعض منه اريق عدلا واي بعض اريق ظلما .

لربما كان الشيخ ـ مثل اكثر المؤمنين الاخرين ـ تواقا الى رؤية الشريعة الاسلامية حاكمة في بلاده ، مسيرة لامورها ، على يده كان تحقيق هذا التحول التاريخي ، او على يد آخرين من دعاة الاسلام ، لكن هذا الهدف الغالي لاينبغي ان يتحقق عبر نفق من الويلات والمصائب .
 ان بلوغ الهدف ولاسيما في مرحلة الكمال المأمول ، يبقى حتى يوم تحققه الفعلي ضمن دائرة المحتملات ، أما الدماء الغزيرة التي يسيلها الصراع من يوم شروعه وحتى يوم حسمه ، فهي نتائج متحققة وفعلية ، انها ايضا دماء المسلمين  المشاركين في الصراع ، بلا فرق بين اولئك الذين شاركوا عن وعي بموضوعه ومؤدياته ، وبين الذين جرجروا اليه قسرا او اضطرارا .

ثمن الهدف
يعتقد بعض الناس ان الاهداف الغالية تستحق انهارا من الدماء تسال لانجازها ، وربما تعاطف اهل الحماسة مع هذا التصوير ، سيما اذا ارتسمت في اذهانهم صور التناقض الشديد ـ الحقيقي او المصطنع ـ بين ماهو واقع في حياتهم ، وما يتصورونه من كمال مطلق في ظل دولة الفكرة المأمولة .
لكن المشكلة ليست في هذا الثمن الغالي ، فلعل هناك الكثير ممن لايمانع في ان يدفع ويضحي ، المشكلة فيما يلي الدخول في حلقة الدم ، حيث الخروج منها ليس بسهولة الدخول فيها ، وحيث تتمدد آثار الصراع على شكل تعقيد في النسيج الاجتماعي ، من مظاهره سيادة الخوف والشك وانعدام الثقة والامان ، وتراجع احتمال الخير من الاخرين وازدياد احتمال الشر والسوء ، وانتشار التفسيرات المتشائمة او المشككة لكل حركة من حركات من يصنف بانه طرف آخر ، واستحسان عقلية التآمر ، بدل عقلية التعاون ، وبصورة عامة انعدام حالة التوافق والتراضي ، التي تؤسس للمحبة واالشراكة بين فرقاء المجتمع المختلفين ، اي استبدال السلام الاجتماعي القائم على شعور كل طرف بالحاجة الى الاخر ، بتوازن القوى القائم على بديل نقيض ، هو سعي كل طرف للاستقلال والاستغناء بامكانياته عن الاخر ، اي تحول المجتمع الى مجتمعات متعددة وان جمعتها ارض واحدة .

وعلى صعيد المعيشة يؤدي انعدام الاطمئنان المترافق مع ظرف الانقسام ، الى تعطيل العديد من عناصر الحركة التقدمية في الحياة ، فالخوف على المستقبل او الخوف من التقلبات السياسية يؤدي الى تباطؤ النشاط الاقتصادي ، ويعيق الاستثمارات الكبرى الضرورية للنمو والرفاهية ، كما يختزل الحياة الثقافية في الصراع اللفظي والخطابي بدلا من النشاط العلمي ، ويقلص مساحة الاعتدال في المجتمع لصالح التطرف على كل صعيد.

وثمة بين الطامحين من لايهاب المغامرة ، حيث يوفر ظرف الانقسام هذا لبعض الناس  فرصة الارتقاء الاجتماعي السريع ، مما لايتحقق بنفس السهولة في المجتمع المتوحد المتوافق ، فهو من هذه الناحية سبيل الى تبديل في توازن القوى الاجتماعي ، ليس لصالح الاكفاء بل لصالح الاقوياء والمغامرين .

هذه النتائج المأساوية هي التي توفر المبررات للتساؤل الملح عن ثمن الانجاز ، اذ يحكم العقل الطبيعي بفساد الصفقة التي تكلف مايزيد عن المكاسب المرجوة منها ، ونحن في اي نشاط حيوي انما نتعقب مصاديق المصالح التي يتعارف عليها العقلاء ، كما نتجنب المفاسد ، فهل يستحق السعي الى الهدف المنظور كل هذا الثمن؟ .

  سيجيب العديد من الناس بان اسلمة الدولة يستحق فعلا هذا الثمن وما هو اعلى منه ، وهو صحيح على افتراض ان الوصول الى الهدف بكماله المأمول مؤكد او هو ضمن دائرة الاحتمالات الغالبة ، ثم انه قد يعتبر صحيحا اذا ثبت انحصاره في هذا السبيل دون غيره ، اما اذا كان المتحصل دون مستوى الكمال ، كما يظهر من بعض التجارب السابقة ، او مع وجود سبل أخرى لايترتب عليها تقديم الخسائر الباهضة ، فان القبول بخيار الصراع المسلح والانجرار من ثم الى الحرب الاهلية ، يصبح مغامرة غير عقلانية .

اخلاقيات الاختلاف
في سبيل الارتقاء الحضاري فان الحاجة ماسة الى جو متوتر في النطاق العلمي ، يتحقق بتوفير الحرية والاعتبار الاجتماعي للباحثين واهل العلم ، وهذا يختلف اختلافا بينا عن التوتر في النطاق الاجتماعي ، اي التنازع بين القوى الاجتماعية على المكانة والنفوذ ، لاسيما اذا كان ثمة امكانية لبعض هذه القوى لتحويل النزاع من مستواه السلمي الى المستوى العنيف والدموي .

ومن المؤسف ان معظم مجتمعات العالم الاسلامي والعالم الثالث عموما ، هي من هذا النوع من المجتمعات التي لاتفصل بين الجدل الفكري والصراع الاجتماعي ، ولاتفصل بين حق الانسان في التفكير والتعبير عن الراي ، وبين موقعه ضمن نظام العلاقات الاجتماعية ، فما ان يبدي احد ، شخصا او جماعة ، رايا مخالفا لشخص آخر أو لجماعة اخرى ، حتى يتنادى هؤلاء الى تصنيفه ثم مجابهته ، ليس بمناقشة ارائه ودحضها امام الملأ ، بل بعزله والسعي الى تحطيم شخصيته .

في كل النزاعات فان الالتزام التام برعاية الاسس التي يقوم عليها المجتمع ، واولها بقاؤه جماعة واحدة موحدة ، ورعاية حقوق الافراد الاساسية ، هو الميزان الدقيق لتقييم  النشاطات العامة ، وهو السبيل لتشخيص صلاحية القوى الفاعلة على الصعيد الاجتماعي ، وتمييز المخلصة منها عن الانتهازية او الجاهلة ، ان هذا الالتزام هو مانسميه التراضي والتوافق الاجتماعي ، وهو الذي يضمن وقاية المجتمع من الانزلاق الى دوامة الشك والفتنة .

نشر في (اليوم) 10-10-1994

الاثنين، 3 أكتوبر، 1994

المحافظة على التقاليد .. اي تقاليد ؟



في كل مجتمع تلعب التقاليد دورالناظم للعلاقات بين افراده ، كما تحمي القيم والثوابت الاخلاقية الضرورية لسيرورة لينة للحياة الاجتماعية .

 التقاليد ليست تشريعات دينية او قوانين رسمية ، بل هي اقرب الى الاتفاقات الجمعية غير الصريحة ، على الرغم من ان تاثيرها العملي في غاية الوضوح والصراحة ، ومتى ما اصبحت محمية بقوة القانون او بضوابط الشريعة ، فانها تخرج  من صفتها الاولى كتقاليد تتمتع بديناميكية استمرار وتاثير ذاتية .


ومع انها كذلك فان لها من القوة والفاعلية ، مايجعلها قادرة على الحلول محل القانون المحمي بوسائل الضبط المادية  ، ذلك انها تتحول مع الزمن الى جزء من النسيج الثقافي للمجتمع ، يتلقاها الانسان منذ نعومة اظفاره ، من خلال التلقين احيانا ، وبمحاكاة الاكبر منه سنا في اغلب الاحيان ، بحيث يضحي الالتزام بمضمونها ارادة واختيارا للفرد ، بغض النظر عن وجود قوة ضغط خارجية توجب عليه الامتناع عن تحديها .

ولاتلعب التقاليد هذا الدور البارز في كل التجمعات الانسانية ، فاتساع المجال الحيوي لفاعليتها ، وقوة تاثيرها ، انما يرجع لوجود استمرارية لنمط محدد في الحياة الاجتماعية ، تتحقق من خلال استمرارية موازية لعلاقات القرابة العائلية او التجاور الجغرافي  ، بين اعضاء جماعة بشرية معينة ، ولمدة طويلة زمنيا ، يتأسس بموجبها مانطلق عليه اسم المجتمع ،  أو المجتمع التاريخي كما أسماه الاستاذ مالك بن نبي ، وهو العنوان الاصطلاحي للجماعة التي ينتظم جميع افرادها في نسق ثقافي وقيمي واحد  ، وهذا مالا يصدق على المجتمعات الحديثة التشكل والتي ماتزال العلاقة بين افرادها سطحية او محدودة بالقرابة والجيرة ، كما انه لايصدق على المجتمعات التي تعرضت للتفتت بسبب الهجرة ـ على سبيل المثال ـ حيث لم تعد قادرة على صيانة تقاليدها في المهجر ، على الرغم من ميل كبارها ـ خاصة ـ للحفاظ على المستطاع منها ولو بصورته الشكلية .

التقاليد كحاجة نفسية
ان المجتمع التاريخي هو الظرف الطبيعي لتبلور التقاليد ، لكونه الاطار الذي يوفر فرصة للحياة المشتركة ، بل يوجبها في اكثر الاحيان ، بما ينطوي عليه معنى الشراكة من استثمار مشترك للطاقات ، ومواجهة مشتركة للهموم والتحديات .

من ناحية أخرى فان قيام نظام مقبول للسلوك في المجتمع التاريخي ، ليس وليد اتفاق صريح بين افراده ، بل هو تشكل عفوي لمنظومة قيمية متناسبة مع بعضها ، تمثل في مجموعها الوسيلة المختارة لتلبية حاجات المجتمع او طموحاته ، او مجابهة التحديات التي يتعرض لها خلال تاريخه .
ويلعب الزمن دورا فاعلا في انضاج هذا النظام ، من خلال مايوفره التقارب بين الاسر والافراد لفترة طويلة ، ضمن النطاق الجغرافي للقرية اوالمدينة الصغيرة ، والتي تتوج بالتداخل القرابي بين العائلات ـ عن طريق الزواج خاصة ـ بحيث يصبح كل فرد في هذا النطاق الاجتماعي (نسيبا) للاخر.

هذا التداخل ومايترافق معه من تركيز للتقاليد ، يعتبر بالنسبة لمعظم الناس وعاء للقيم الاجتماعية ، لاينبغي التفريط فيه لاي سبب ، فوجوده يوفر على الفرد جهدا كبيرا ، يجب عليه بذله لكي يعيش الحياة ، التي يشعر فيها بالامان النفسي والاستقرار العاطفي ، كما يوفر عليه مجهودا مماثلا في تربية الابناء الذين يود ان يراهم ـ كما هو طموح معظم الاباء ـ يترسمون الفضائل الاخلاقية التي تعارف عليها المجتمع .

وهذا هو تفسير النزوع الشديد عند معظم الناس ، للعيش ضمن اطارهم الاجتماعي القديم ، في المنطقة الشرقية من المملكة ـ على سبيل المثال ـ نجد ان اسعار الاراضي السكنية في القرى ، مرتفعة الى درجة تستعصي على التبرير الاقتصادي ، في الوقت الذي يسع الناس الخروج الى المدن القريبة ، الافضل من حيث سهولة الحياة وتوفر الخدمات العامة ، او تاسيس قرى جديدة في الصحراء المحيطة ، بتكاليف تقل كثيرا عن تكاليف امتلاك بيت في القرية ، ان السبب الحقيقي وراء ارتفاع الطلب على السكن داخل القرية ، والاعراض الكلي عن السكنى خارجها ، يرجع الى ماتتميز به القرية ، من درجة عالية من التواصل الحياتي بين الفرد ومحيطه ، يساعد على  ضمان الامان النفسي والعاطفي الذي يحتاجه ، هذا التواصل هو في العمق مجموعة العناصر الثقافية والسلوكية التي تمثل التقاليد ابرز تجسيداتها .

تيـار الحيـاة  :
على ان التقاليد ـ مثل كل عناصر الثقافة الاجتماعية الاخرى ـ كائنات حية متطورة ، تتحرك صعودا او نزولا بموازاة  حركة الحياة في المجتمع الذي يتبناها ، ولاتوجد تقاليد ثابتة او غير قابلة للتعديل ، بكلمة أخرى فانها كائنات غير مستقلة ، بل هي بصورة او بأخرى تابعة لحاجات الحياة ، فاذا تغيرت هذه الحاجات او تلاشت او استبدلت بغيرها ، فمن الطبيعي ان تتبعها في التغير مجموعة التقاليد التي تأسست من أجل تنظيمها ، من امثلة هذا التغير في واقعنا المعاصر ما يتعلق بعمل المرأة ، ففي الازمنة السابقة لظهور البترول ، كانت المرأة تعمل في معظم الانشطة الاقتصادية في الريف والبادية ، في الجزء الاساسي منها كما في الزراعة والرعي مثلا ، او في النشاطات المساندة كما في الصيد والغوص والبناء وغيرها ، ولم تكن مشاركتها في العمل موجبا للعيب ولم تكن بحاجة الى التبرير ، بينما نجد ان المعادلة قد انعكست بعد اكتشاف البترول ، وتغير اساليب المعيشة وانواع الحاجات ، فاصبح معظم الناس يرى في عمل المرأة سببا للعيب ، او على الاقل مـمارسة اجتماعية غير اعتيادية تحتاج دائما للتبرير ، ان معظم الشباب ـ كما  يظهر من دراسة لاحد الاساتذة ـ لايرحب برؤية زوجته في ميدان العمل ، الا اذا ضمن توفر شروط محددة ، هي في حقيقـتها وسائل لتبرير الموازنة القسرية بين عدم الرغبة وصعوبة الامتناع .

    ينعكس التباين بين تطور الحياة والتقاليد التابعة ، على شكل شعور بالاغتراب عند الفئات الاجتماعية الاكثر انشدادا للماضي ، ولاسيما بين كبار السن ، الذين يصعب عليهم تكييف فهمهم للحياة يما يتلاءم مع التطور السريع لانماط الحياة وسبل المعيشة ووسائل التواصل الثقافي ، وما تفرزه من سلوكيات جديدة .

ولايسع المجتمع ان ينقطع عن تواصله مع العصر الذي يعيش ، كما انه ليس بالامكان التخلي عن مكاسب التطور الحياتي ، ومع وجود هذه الضرورة فان المنطق يقضي بتعديل التقاليد التابعة للانماط القديمة التي لم تعد مرغوبة ، او اصطناع تقاليد جديدة اكثر انسجاما مع ايقاع الحياة ، وهي قادرة في الوقت ذاته ، على ضمان الحد المقبول من السلوكيات والفضائل الاخلاقية ، التي لاغنى عنها لانتظام الحياة وضمان الاطمئنان .