‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلاقة بين المجتمع والدولة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلاقة بين المجتمع والدولة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 يوليو، 2017

العلاقة الجدلية بين الحرية ورضا العامة


|| يعلم الناس بأن منصب الحكم لايتسع الا لعدد قليل جدا. ولذا فغالبيتهم الساحقة لايتطلعون لهذه الوظيفة ولايسعون لنيلها. لكنهم جميعا يريدون الحرية كي يشعروا بالأمان ||
يجمع مفكرو هذا العصر على ان عامة الناس أميل للتسالم وطاعة القانون. هذا لا يعني بالضرورة انهم يحبون حكوماتهم او يثقون تماما في رجالها. في الاسبوع الماضي مثلا كشف استقصاء للرأي العام ان 37% فقط من الامريكيين يثقون في أداء رئيسهم الجديد. ولم يسبق لرئيس امريكي ان تدنت شعبيته بهذا القدر في العام الاول من ولايته.
مع ذلك فلا أحد يتوقع ان يتمرد الامريكيون على حكومتهم. لأنهم - ببساطة - يثقون في "المؤسسة" ، اي القانون والاجهزة التي تطبقه. وهي لا ترتبط بشخص الرئيس ، بل بالنظام السياسي ككل.  هذا مثال متكرر في كافة مجتمعات العالم في الأوضاع الطبيعية. والعالم العربي ليس استثناء.
دعنا نقول ان ثقة الجمهور في المؤسسة الرسمية ، نتاج لعلاقة تفاعلية بين الطرفين. قد تتعاظم حتى تتحول المؤسسة ورجالها الى هيئة مقدسة يثق فيها الناس دون سؤال ، وقد تنكمش أو ربما تنعدم تماما ،  ويحل محلها الريبة والتباغض او حتى العداء. وأظن ان معظم القراء قد رأوا نماذج عن هذه العلاقة أو تلك في بعض البلدان.
اعتقد جازما ان كل حكومات العالم ترغب في رضا جمهورها وتود لو منحها ثقته الكاملة. وهي تعلم بالتأكيد ان ثمة مسافة بين الرغبة ونيل المراد. تعزيز الثقة رهن بفهم النخب الحاكمة لهموم الجمهور ، وتوجيه سياسات الدولة على نحو يحاكي تلك الهموم أو يعالجها.
قد يغضب الناس على حكومتهم وقد يرتابون في سياساتها. لكنهم لا يفعلون هذا لانهم يريدون اسقاطها. بل لانهم يسعون للعيش بسلام ، في ظل قانون يمكنهم من تحقيق سعادتهم الخاصة. قبل خمسة قرون نظر المفكر الايطالي نيقولو مكيافيلي في العوامل المحركة لرغبة الناس في الحرية. فقدم مجادلة متينة ، فحواها ان جميع الناس مقتنعون بأن وظيفة الحكم لا تتسع الا لعدد قليل جدا. ولذا فغالبيتهم الساحقة لا يتطلعون الى هذه الوظيفة ولا يسعون لنيلها. لكنهم جميعا يريدون الحرية كي يشعروا بالأمان. يتحقق الأمان حين يتمكن الفرد من تشكيل حياته وصناعة مستقبله دون ان يعيقه القانون في كل خطوة. كلما اتسع القانون ، توسع معه مجال التصرف الحر للافراد ، سواء كان هذا التصرف تعبيرا عن رأي او اختيارا لعمل او انتقالا من مكان الى مكان.. الخ. بعبارة اخرى فان الجمهور يريد من الحكومة ان تقوم بعملها ، وان تدعه في المقابل يقوم بعمله ، ويعيش حياته كما يشاء.
دعنا نتخيل حالتين: حكومة تتدخل في تفاصيل حياة الناس اليومية ، وأخرى تركت الناس يعيشون كما يشاؤون. أفترض ان احتمالات الاختلاف في الحالة الأولى ستكون اكبر كثيرا من الحالة الثانية. ومع الاخذ بعين الاعتبار الفارق الواسع في الامكانات بين الطرفين ، فان المواطن سيميل غالبا الى فرضية ان الدولة قادرة على فعل اي شيء ، وانها – بالتالي – مسؤولة عن كل فعل او احجام او تأخير. أما مواطن الحالة الثانية فهو لا يتوقع من الاساس ان تقوم الدولة بأي شيء ، وأن عليه ان يدبر حياته بنفسه. ولهذا فليس ثمة مورد للخصام او عدم الرضى.
زبدة القول ان توسيع القانون ، وتوسيع مجالات الحياة الحرة لعامة الناس ، عامل مؤثر في تعميق ثقتهم في حكومتهم ورضاهم عنها. الناس - ببساطة – يريدون العيش في سلام ، وهذا يتطلب – بين أمور أخرى – تقليص تدخل الدولة في حياتهم الى أدنى الحدود الممكنة.

الشرق الاوسط 19 يوليو 2017   http://aawsat.com/node/977491
مقالات مماثلة





الأربعاء، 21 يناير، 2015

دولة "الحارس الليلي"



سؤال: "ما هي وظيفة الحكومة" لم يشغل اساتذة الفلسفة السياسية العرب. لان العرف الجاري يفترض ان الحكومة هي الكل في الكل. اما في اوربا فقد كان هذا من الشواغل الاساسية للباحثين في العلوم السياسية ، منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم.
بين الحرب العالمية الاولى والثانية (1918-1937) تبنى معظم دول العالم مفهوم "دولة المنفعة العامة" ، التي تلزم الحكومة بتوفير مستوى معقول من الخدمات العامة الاساسية للجمهور ، بدء من التعليم الى الصحة والمواصلات وصولا الى السكن وتوفير الوظائف. واعتبر قيام الحكومة بهذه الوظائف اغناء لمبدأ المواطنة. المتوقع طبعا ان يرحب كافة الناس بهذا التطور ، فكلنا نريد الحصول على تعليم وعلاج مجاني لأطفالنا ، وكلنا نريد الحصول على ضمان البطالة حين نفقد اعمالنا.
الفلاسفة والباحثون نظروا للمسألة من زاوية اخرى: كلما توسعت خدمات الحكومة ، اتسع بنفس المقدار تدخلها في الحياة الشخصية للأفراد. الحكومات الشيوعية هي النموذج المتطرف لهذا المفهوم: تضمن الدولة جميع حاجاتك ، لكنك ايضا لا تستطيع حتى التنفس دون موافقتها.
الفيلسوف الامريكي روبرت نوزيك جادل طويلا حول قصر وظائف الحكومة وسلطاتها على ضمان الامن العام ، وقارنها بالحارس الليلي الذي تدور مهمته حول ردع البغاة والمعتدين. في بريطانيا اطلق سياسي محافظ وصف "الدولة المربية = Nanny State”   في سياق انتقاده لتوسع الحكومة في القيام بالوظائف التي يفترض ان تترك للمجتمع. طبقا لهذه الرؤية فان مجتمعا تقوم حكومته بكل شيء سوف يبقى طفلا خاملا وعاجزا عن ادارة حياته بنفسه.
لعل اقرب النقاشات العربية الى هذا المعنى هو النقاش حول تخصيص الخدمات العامة وترشيق الحكومة. واحدثها ربما هو النقاش حول الحكومة الالكترونية. محور النقاشات العربية هو تحسين كفاءة الخدمة ، اما النقاشات الاوربية فاهتمت بانعكاس دور الحكومة على الحريات الفردية. ولهذا فان مخرجات النقاش العربي تركز على دور القطاع التجاري الخاص ، بينما تركز النقاشات الاوربية على محورية المجتمع المدني كاطار لتطوير الحياة العامة والمشاركة الشعبية في القرار.
  حين أتأمل في انتكاسات الربيع العربي ، اتساءل: هل كان ضروريا ان تحمل الدولة العربية نفسها كل هذه المسؤوليات؟. ماذا كان سيحصل لو تركت للمجتمع القيام بكل شيء يستطيعه ، وقصرت دورها على التخطيط والمتابعة والقيادة؟.
في الوقت الحاضر اجد ان غضب الناس من قصور الخدمات العامة يتجه مباشرة للدولة ، لانها ببساطة تملك البلدية والطرق والمستوصف والمدرسة والهاتف والكهرباء وو.. الخ. بعبارة اخرى فان اي قصور في اي خدمة سيؤدي بالضرورة الى اضعاف شرعية الدولة واجماع الشعب عليها. ترى ماذا سيحصل لو تولى المجتمع هذه الامور كلها؟. ماذا سيحصل لو اقتصرت وظيفة الدولة على ضمان أمن البلد وقيادته. هل هذا سيوفر محركات جديدة للتقدم ام العكس ، هل سيصون الشرعية السياسية ام العكس؟.
الشرق الاوسط  21 يناير 2015 مـ رقم العدد [13203]
http://aawsat.com/node/270601#.VL8t0YVRMPQ.twitter

الأربعاء، 14 يناير، 2015

استنهاض روح الجماعة



في اكتوبر الماضي اظهرت استطلاعات الرأي ان 15% فقط من الفرنسيين يرغبون في خوض الرئيس هولاند الانتخابات الرئاسية المقررة في 2017. وهذا ادنى مستوى تاييد يحصل عليه رئيس فرنسي منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن الحال تبدل كليا هذا الاسبوع ، بعدما نجح هولاند في تنظيم أوسع اصطفاف شعبي وراء الحكومة منذ الثورة الطلابية في 1968. الامر المؤكد ان الحكومة الفرنسية ماكانت تتمنى هجوما دمويا كالذي شهدته باريس وحصد 20 قتيلا. مثل هذا الهجوم سيثير ارتياب الجمهور في كفاءة الحكومة وقدرتها على صون الامن العام ، سيما في ظروف العالم الراهنة. لكن حكومة هولاند اظهرت براعة في التقاط كرة النار ثم رميها مرة اخرى في الاتجاه الذي ارادت ان يسرق انظار الناس ، ليس في فرنسا وحسب ، بل في اوربا والعالم اجمع. وهكذا تحولت باريس يوم الاحد الماضي الى مهوى لقلوب الفرنسيين ، بل عاصمة للعالم حين تقدم الرئيس هولاند مسيرة شعبية ، يحيط به زعماء من 50 دولة ، ويتبعهم نحو مليوني متظاهر.
لا أحسد الفرنسيين على ما حل بهم ، بل اغبطهم على هذه القدرة الفائقة في تحويل الهزائم الصغيرة الى انتصارات كبيرة. في الاحوال الاعتيادية يؤدي مثل ذلك الهجوم الارهابي الى اثارة الفزع بين الناس في المرحلة الاولى ، ثم اتهام الحكومة بالتقصير والفشل ، ثم انبعاث نزعة التلاوم والبحث عن كبش فداء ، ثم انفلات غريزة الانتقام من الشريحة التي ينتمي اليها القتلة ، وهم في هذه الحالة المسلمون والفرنسيون من اصول عربية وافريقية وربما بقية الاجانب.
مثل هذا السيناريو الذي تكرر فعليا في بلدان اخرى ، كان سيؤدي على الارجح الى مضاعفة عدد الضحايا وتعميق التفارق والانقسام في المجتمع الفرنسي ، اي تدشين ظرف اجتماعي – سياسي متأزم يصعب التنبؤ بنهاياته.
 بدل الانفعال بالحادثة ، قرر الرئيس الفرنسي تحويلها الى مناسبة لأحياء الاجماع الوطني وتعزيز دور فرنسا القيادي في العالم. منذ لحظة الهجوم تحول الرئيس ووزرائه الى مبشرين بقيم الجمهورية ، سيما قيمة الحرية والمساواة والتنوع الثقافي والسياسي ، مع التشديد على كونها ابرز اركان وحدة المجتمع والهوية الوطنية الجامعة. ولفت نظري خصوصا منع اليمين المتطرف من تنظيم مظاهرة معادية للمهاجرين ، فضلا عن منع زعيمه جان ماري لوبان من المشاركة في تظاهرة باريس الكبرى ، خشية تحويل جانب منها نحو شعارات العداء للمسلمين والاجانب.
الهجوم على صحيفة اشلي ايبدو كان من نوع الصدمات التي تهز توازن المجتمع وتطلق تيارا لا ينتهي من النزاعات الداخلية. لكن وجود قيادة بعيدة النظر حول هذه الصدمة الى مبرر لاستنهاض روح الجماعة. روح الجماعة هي الوطن الحقيقي. واذا انبعثت فانها توفر قوة هائلة ، يمكن استعمالها في النهوض بالوطن او في احتواء ما يواجه من تحديات.
الشرق الاوسط  14 يناير 2015 مـ رقم العدد [13196]
http://aawsat.com/node/266486#.VLitvbBDBTk.twitter

الجمعة، 12 أبريل، 2013

مكانة "العامة" في التفكير الديني

حتى اواخر السبعينات الميلادية ، كان الكتاب الاسلاميون يشككون في مشروعية المشاركة الشعبية في السياسة. وكانوا يتساءلون عن امكانية تحكيم (العامة، الجاهلة او التي لا تعرف الشريعة، في امر الدولة التي تسيرها الشريعة السماوية. وكان بعضهم يتساءل مستنكرا: كيف يستطيع (العامي) ان يختار الامام الصالح، وكيف يمكن السماح لهذا العامي بالتصويت (مع او ضد) سياسة او قانون يفترض انه مطابق لاحكام الله ؟ .
ويبدو لي ان اشكالية تدخل العامة في السياسة، لم تنشأ من افتراض سماوية النظام السياسي وسياساته، وان كان هذا الافتراض قد ساعد لاحقا ----في تبرير وجودها. ترجع الاشكالية في ظني الى غياب أي تصور ايجابي عن دور الجمهور في التراث الثقافي الاسلامي.
تراثنا هو خلاصة تجربتنا التاريخية في السياسة وغيرها. وهو مرتبط بوقائع هذا التاريخ اكثر من ارتباطه بالنظرية الدينية في صورتها الاولى او المجردة.  ويشكل هذا التراث خلفية ثقافية لكل المسلمين المعاصرين، وليس فقط اعضاء الجماعات الاسلامية. ولذا فان غياب مبدا المشاركة الشعبية ليس قصرا عليها، بل هو مشهود عند كل التيارات الاجتماعية العاملة في ميدان السياسة العربية .
ركزت تعاليم الاسلام الاولى -  كما تظهر في الكتاب والسنة -  على انصاف الضعفاء (وهم عامة الناس يومئذ)  وحق الجمهور، ومسؤولية كل فرد منهم عن امته، وقيام الدين على اكتافهم، ورجوع الامر العام اليهم، يقول علي بن ابي طالب في وصيته لاحد ولاته "انما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للاعداء العامة من الامة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم -  نهج البلاغة 624".  الا ان الممارسة السياسية الفعلية، سيما بعد عهد الخلافة الراشدة، اعادت احياء القيم الاجتماعية القديمة التي  اعتمدت الفصل بين عامة الناس وخاصتهم، بناء على دعوى التفاضل الطبيعي في المكانة والدور بين الخاصة والعامة. بكلمة اخرى فان التراتب الاجتماعي القديم قد اعاد بعث نفسه في اطار السياسة الاسلامية، بينما توارى --، الى حد بعيد ،  منهج التفاضل الديني الذي يعتمد القيمة الذاتية للشخص، المتاتية عن علمه اوكفاءته او سبق خدمته، بغض النظر عن انتمائه القبلي او العرقي .
وقد جرى تنظير هذه الممارسة فاصبحت معلما من معالم التفكير الاسلامي. طبقا للدكتور حسن الترابي فقد "كان الائمة الاوائل يذكرون في كتبهم ان هذا الراي هو ما راينا عليه الجماعة، فكان تعبيرا عن الراي العام، ثم اصبح الراي للشيوخ وحدهم، وهذا يعني ان اصل الفقه قد تبدل تماما".
ولو نظرت في كتابات قدامى الفقهاء الذين تعرضوا للشأن السياسي، لوجدتهم ينظرون الى الدولة باعتبارها ملخصة في الوالي. وهم مع دعوتهم الولاة الى الانصاف والرحمة بعامة الناس، اغفلوا الحديث عن موقع الجمهور في النظام السياسي. بل ان كثيرا منهم انكر حق العامة في التعبير عن خياراتهم اذا خالفت الخيارات الرسمية، خوفا من الفتنة، او اختلال نظام الامة .
وقد بقي اشكال التفاضل الطبيعي سائدا حتى في وسط الحركات النهضوية المعاصرة. وفي اوائل القرن العشرين، راى الشيخ محمد عبده ان الخطوة الاولى لاخراج الامة الاسلامية من مأزقها، هي اقامة مدرسة لتخريج نخبة جديدة (اي خاصة بديلة) تقود المجتمعات الاسلامية. ولا يزال كثير من المثقفين يتحدث عن المستبد العادل باعتباره خيارا مثاليا.  كما نستطيع ملاحظة ان التاريخ المسجل عن المحاولات الاصلاحية، ومحاولات النهوض التحرري في العالم الاسلامي، لا تتحدث عن دور لعامة الناس خارج الدور الاساسي والمطلق للخاصة.
 ويظهر انعكاس هذا التفكير حتى اواسط القرن العشرين. تحدثت فصائل حركة التحرر العربية عن تحرير الاوطان واستنقاذ حقوق الشعب، ودعت الى الاطاحة بالطبقات المتنفذة (الخاصة). لكنها توجهت في وقت لاحق الى ممارسة لا تختلف كثيرا عن تلك التي ورثناها عن التجربة القديمة . فالذي جرى بالفعل هو تاسيس نخبة (خاصة) جديدة بدلا عن النخبة القديمة، بينما لم يحصل الجمهور (باعتباره عامة) على أي من الحقوق المقررة له، او المزعوم السعي لاعادتها اليه .
لهذا بقي الجمهور العربي والمسلم غائبا عن مسرح الاحداث، ضئيل التاثير في الشأن العام، تابعا للسياسة اليومية للدولة، متاثرا بما يقوله اهل الخاصة  الجدد، او سلبيا قانعا بحياة هي الى قتل الوقت اقرب منها الى استثماره. تجربة الحكم القومي في مصر ايام الرئيس الاسبق جمال عبد الناصر مثال بارز على هذا. دافع المصريون بحرارة عن سياسات الدولة وتحملوا لاجلها عسرا شديدا، ووقفوا مع حكومتهم حتى في هزائمها واخفاقاتها. لكن هذا الموقف المخلص لم يكافأ من جانب النخبة باعادة تنظيم الحياة السياسية على نحو يجعل المجتمع سيدا للدولة وصانعا للقرار او شريكا فيه. ومثلها تجربة الثورة الجزائرية، وجميع تجارب النهوض التي جرت في اكثر من قطر عربي او مسلم .

مفهوم مستورد

معظم التجارب السياسية التي شهدها العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم تظهر ان دور الجمهور في الحياة السياسية، ليس من الافكار الراسخة في الثقافة العامة. وجود هذه الفكرة وممارستها الراهنة، انما هو واحد من وجوه التاثير الثقافي للغرب على العالم الاسلامي. فنحن قد استوردناها كما استوردنا الكثير من عناصر التفكير والمباديء السياسية التي نتداولها اليوم او ندعو اليها. ولانها مستوردة فسوف تبقى امدا طويلا، محل جدل بين اهل الفكر والسياسيين، حتى تعثر على اطار نظري يعيد تنسيجها ضمن الثقافة الاسلامية السائدة.
مناداة السياسيين بالحضور الفاعل للشعب في ميدان السياسة لا يعني - بالضرورة – ان الشعب سيصبح شريكا في صناعة القرار، يوم يؤول الامر اليهم ويصبحون اهل الحول والطول. فهم - بالنظر الى الخلفية الثقافية التي سبق ذكرها - قد لا يرون الجمهور الا تابعا او مؤيدا متأثرا، لا سيدا للدولة  كما يقتضي مبدا المشاركة السياسية . لقد رأينا تحولا مثل هذا في ايران ورايناه في السودان. وكلاهما بدأ بدعوى المشاركة الفاعلة للجمهور في الحياة السياسية، لكنه – من ثم – قيد تلك المشاركة بموافقة النخبة . بعبارة اخرى، فانه ما عاد يريد الجمهور مقررا وصانعا للسياسة، قدر ما يريده داعما ومؤيدا لصناعها الفعليين، اي النخبة الحاكمة او "الخاصة"
تحقيق المشاركة الشعبية يتوقف على عدد من المقدمات، اهمها العلانية وحرية الوصول الى المعلومات، وحرية التعبير، واعتبار الحزب السياسي، سواء كان في المعارضة او السلطة، مسؤولا امام جمهوره، وارجحية الشعب كمجموع على الدولة او الحزب. وهذا يتعارض مع التقليد الجاري في جميع المجتمعات المسلمة، والقاضي باعتبار السياسة كنزا للاسرار، واعتبار التعبير الحر عن الراي المختلف ذريعة للفتنة .
حتى منتصف السبعينات، كان يبدو ان معظم الجماعات الاسلامية الحديثة متفق - تصريحا او تلويحا - على الافتراضات السابقة ونتائجها، وخصوصا دعوى عدم اهلية الجمهور العام لتقييم كفاءة المرشحين للولاية، وعدم اهلية لمناقشة وتقرير المناهج المقترحة لادارة وتسيير الحياة السياسية. لكن الامر ما كان مورد جدل، لان ايا من تلك الجماعات ما كانت تتوقع الوصول الى السلطة على النحو الذي نعرفه اليوم.
اما في السنوات الاخيرة، سيما منذ اوائل الثمانينات، فقد اصبح الامر موضوعا لجدل حقيقي، بعدما اكتشف الاسلاميون ان الشعب عامل حاسم في ترجيح قوة هذا الطرف السياسي او ذاك، وان الجمهور (العامي) يمكن ان يلعب دورا حاسما في رفع كلمة الاسلام، واقامة دولته المنشودة. ويبدو ان الجدل قد حسم عند الجميع – ربما بشكل عفوي -  لصالح القبول باعتماد القوة الشعبية بديلا عن القوى الاخرى التي احتكرها المنافسون، مثل قوة الاعلام والتنظيم فضلا عن القوى التي يتيحها امتلاك الدولة .
لكن الامر الذي لم يحسم هو المكانة الحقيقية لهذا الجمهور في المعادلة السياسية. فهل سيقتصر دوره على تقديم التضحيات من اجل انتصار الحزب الذي يرفع الشعار الديني؟. ام سيكون هذا الانتصار اشارة الانطلاق نحو المرحلة الاهم والاكثر جذرية، في السباق من اجل تجديد الحياة السياسية، المرحلة التي عنوانها استعادة المجتمع لمكانته الطبيعية كسيد للدولة، بعد ان بقي طوال قرون تابعا لها في احسن الاحوال، واسيرا في معظم الاحوال؟.

الثلاثاء، 6 نوفمبر، 2012

قبل ان نفقد الامل


مؤتمر الحوار الوطني الثاني في ديسمبر 2003 كان علامة فارقة في تاريخ المملكة الحديث. واذكر شخصيا ان مشاعر الناس ونقاشاتهم ، قد تغيرت في لغتها ونوعية الهموم والمشاغل التي تدور حولها، وصراحتها في التعبير عن قضايا الشأن العام.
كان هذا الحوار فرصة للاقرار بالتحولات الجارية فينا وحوالينا. نحن - مثل بقية خلق الله – نتغير ، وتتغير معنا انظمة المصالح التي نحن جزء منها ، ومنظومات القيم التي نبرر بها اراداتنا ، والعلائق التي تتشكل على ضوء تلك الارادات والمصالح.
الرعاية الرسمية للحوار الوطني كانت استجابة جزئية لمطالب وردت في وثيقة "رؤية لحاضرالوطن ومستقبله" التي لخصت ابرز هموم النخبة الاهلية السعودية. تلح على ذهني هذه المناسبات الوطنية الجليلة كلما قرات الصحافة المحلية هذه الايام. اشعر اننا بحاجة ماسة الى حوار وطني بمستوى جديد ، يتناسب مع التحولات التي شهدتها بلادنا ومحيطنا الاقليمي والعالم من حولنا خلال عقد من الزمن.
المثقفون والنخبة والطبقات الجديدة ، وبينهم من شارك في الحوار الوطني، يتحدثون عن قضايا تستدعي مناقشات صريحة يشارك فيها المواطنون ورجال الدولة.
-          هل يلد الحوار الذي ندعو اليه حلولا لمشكلاتنا؟
اعتقد ان الحوار يمهد ارضية الحلول. فهو يوضح حدود المشكلات ويساعد في ترتيب اولوياتها. المتابعون للشان العام يعلمون ان المشكلات التي تعرضها الصحافة ليست سوى راس جبل الثلج. ونفهم ان النوايا الحسنة والارادات الطيبة لدى بعض رجال الدولة، لا تكفي لحلها. ونفهم ايضا ان بعض ما نعانيه معقد ومتشابك على نحو يجعل التبشير بحلول سريعة مثيرا للارتياب اكثر مما يعزز الامل.
المؤكد اننا لا نستطيع حل مشاكلنا دفعة واحدة. لكن الانتظار الطويل يضعنا امام تحد اشد خطورة ، الا وهو تحول تلك المشكلات الى ناقض للنظام الاجتماعي. انظر الى تعبيرات كتاب الراي في الصحافة المحلية ، وانظر الى تعبيرات مختلف الناس في مواقع التواصل الاجتماعي. من يقرأ منطقها الضمني سيجد انها تشيرالى اقترابنا من ذلك التحدي الخطير. المنطق الضمني في كثير من هذه الكتابات يقول : "لا احد يهتم ، لا احد يريد ، لا احد يستطيع".
حل مشكلاتنا يبدأ بالاتفاق على حدودها وابعادها. ولاننا لا نستطيع حلها جميعا ، فلا بد من سلم اولويات مقبول. وازعم ان لدى النخبة الاهلية الكثير من الافكار القيمة الضرورية لتوضيح المشكلات وحلولها. في هذا الزمن لم يعد المجتمع مستعدا كي يخبره الاداريون بمشكلاته ، ثم يفرضوا عليه تصوراتهم عن حلولها. هذا زمن يريد الناس ان يكونوا شركاء في تحديد مشكلاتهم واختيار حلولها.
اعتقد ان الحاجة ماسة هذا اليوم كي تبادر الحكومة بعقد دورة حوار وطني اكثر تقدما من سابقاتها ، حوار يركز على تحديد اولويات القضايا التي تشغل بال السعوديين ، ومناهج العلاج التي يرونها. اتمنى ان نرى مبادرة رسمية تعيد الامل الى الناس بان هناك من يهتم وان هناك من يريد وان هناك من يستطيع.
الاقتصادية 6 نوفمبر 2012