الثلاثاء، 27 مارس، 2012

يا معالي الوزير

أتمنى أن يفرغ كل وزير بضعة أيام من وقته الثمين لمراجعة الأنظمة واللوائح المطبقة في وزارته. ولا سيما تلك التي تنظم علاقات المراجعين، وأن يقيم مكتبا خاصا لتلقي الاعتراضات على تلك الأنظمة واللوائح.
نظريا تستهدف الإدارات الرسمية خدمة المواطن، كما يستهدف بعضها المحافظة على هيبة النظام والأملاك العامة. في كلتا الحالتين المقصود النظري هو تمكين المواطنين من حقوقهم، وصون كرامتهم، والارتقاء بمستوى معيشتهم. في واقع الأمر، تطبق هذه الأغراض - في كثير من الحالات - على نحو يقود إلى عكس الغرض، أي حجب حقوق المواطن أو هدر كرامته أو زيادة تكلفة المعيشة عليه.
أظن أن التنظيم القانوني يتحمل بعض المسؤولية عن انقلاب الأغراض هذا. أشرت في مقال سابق إلى تلك الشريحة من الأنظمة المؤسسة على أرضية الارتياب في خيرية الإنسان، الأنظمة التي يستهدف واضعوها تضييق السبل على العابثين، لكنها في نهاية المطاف تضيق الطريق على الجميع، على العابثين الذين يشكلون أقلية صغيرة جدا، كما على الأكثرية الساحقة التي تريد العيش بسلام في ظل القانون.
أتمنى أن يراجع الوزراء نظم ولوائح العمل السارية في وزاراتهم واحدا واحدا، ثم يضعون السؤال التالي أمام كل بند من بنودها:
- لماذا نحتاج إلى هذه المادة؟
- هل تيسر أمور المواطنين أم تضيق عليهم؟
- هل نستطيع استبدالها بطريقة أكثر تيسيرا أم نلغيها كليا أم نبقيها كما هي؟
- وإذا أبقينا هذا البند الذي يتسبب في التعسير فما التعويض الذي نقدمه للمواطن مقابل تحميله هذا العسر؟
قبل أيام وجدت أن وزارة الثقافة والإعلام تفرض على من يريد فتح ستوديو تصوير رسم ترخيص بقيمة ألف ريال لثلاث سنوات، ولو تأخر في التجديد، تفرض عليه غرامة تعادل 100 ريال عن كل شهر أو جزء من الشهر. سألت الموظف هناك: ما الخدمة التي تقدمها الوزارة لستوديو تصوير مقابل هذه الرسوم؟
- لا شيء في الحقيقة، لا شيء على الإطلاق.
أتساءل اليوم: ما الفرق بين ستوديو تصوير ومحل بقالة؟ لماذا يكتفى في البقالة بترخيص البلدية، بينما يفرض على ستوديو التصوير ترخيص البلدية والإعلام، مع الرسوم المعروفة لكلتيهما؟
هذا مثال واحد على نظام أو لائحة عمل لا ضرورة لها ولا فائدة، علما أن الحصول على ما يسمونه الترخيص الإعلامي ليس مهمة تتم في دقائق أو ساعات، بل تستغرق أياما، وتتطلب أوراقا أكثر من مجرد هوية شخصية للمتقدم.
هل يحتاج تنظيم أمر البلد إلى هذه الأشياء كلها؟ هل تقدم الوزارة خدمة تستحق هذه الرسوم؟ ما المصلحة التي تريد الوزارة المحافظة عليها من وراء تكليف المواطن بالرسوم والأوراق والمراجعات؟ هذا مثال واحد أعرضه لأني عرفته عن قرب، وثمة عشرات من الأمثلة المشابهة.
أتمنى بصدق أن يفرغ كل وزير بضعة أيام من وقته الثمين لمراجعة تلك اللوائح والأنظمة، والتفكير جديا في الغرض منها والفائدة المرجوة وراءها، وانعكاسها على المواطن، تيسيرها لحياته أو تعسيرها، تخفيف تكلفة معيشته أو زيادتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق