الجمعة، 5 أغسطس 2011

الاقليات والهوية : كيف تتحول عوامل التنوع الى خطوط انقسام في المجتمع الوطني


يناقش هذا الفصل مسألة الهوية والعوامل التي تسهم في تشكيلها ، وتحولها من وضعها الطبيعي المحايد الى عامل مؤثر في الحياة السياسية. ويشرح في هذا السياق احد مسارات تحول الجماعة الثقافية او الاثنية الى اقلية بالمعنى السياسي. ويبدأ بعرض عن مسار تشكل الهوية الفردية ، ثم هوية الجماعة ، مركزا على دور المحيط في تحديد خطوط الانكسار في علاقة الجماعة بمحيطها. يستهدف النقاش لفت النظر الى ضرورة استيعاب تاثير عوامل التنوع وعمقها التاريخي في تشكيل الوضعية السياسية الحالية ، ولا سيما في فهم "الاقلية" لنفسها وفهم المحيط لها.
***
لسبب ما فان حكومات الشرق الاوسط وكثير من قوى المجتمع الاهلي لا ترغب في طرح مشكلة الهوية للنقاش العام. ولعل بعضهم يرى ان مجرد الاعلان عن وجود مشكلة من هذا النوع سوف يقود الى المزيد من الانقسام الاجتماعي ، وربما يهدد الوحدة الوطنية[1]. لكن التكتم على اي مرض لم يؤد ابدا الى علاجه . لا توجد تجربة واحدة في العالم تشهد بان مشكلات الهوية عولجت بالسكوت عنها . بل على العكس من ذلك فان الاقرار بالمشكلة وطرحها للنقاش كان على الدوام سببا في تحديد ابعادها وعقلنة النقاشات حولها ووضعها بالتالي على سكة العلاج ، سواء طال الزمن ام قصر.
ربما لم يكن موضوع الاقليات شديد الاهمية في الماضي ، فقد كانت الشعوب جميعا ، اقلياتها واكثرياتها ، مهتضمة. وكانت ضعيفة لا حول لها ولا قوة ، ولا قدرة على النهوض والانشقاق على الحكم الظالم . اما في عصرنا الحاضر فقد توفرت للشعوب مصادر قوة ومعرفة مكنتها من معرفة ذاتها واكتشاف نقاط قوتها. بين بدايات القرن العشرين ونهاياته ، تغيّر مفهوم الدولة والسياسة. وفي نهايات القرن خصوصاً تغيّر فهم المجتمعات لنفسها وعلاقتها بالغير. من المفهوم أن هذه التغيرات كانت ثمرة لعوامل عديدة، تمتد من الحروب الأهلية والدولية إلى شيوع مفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، مروراً بانفتاح الأسواق وتطور تقنيات الاتصال ، وغيرها. من أبرز ما تغيّر في هذا الإطار رؤية الجمهور لعلاقته بالدولة.
ثمة مجموعات متمايزة إثنيًّا اضطرت سنوات طويلة إلى كبت هويتها، أو خضعت لإدماج قسري في ثقافات أخرى مهيمنة، أو أنها لهذا السبب أو غيره كانت غافلة عن هذه الهوية ودورها في تشكيل رابطتها الاجتماعية وشخصيتها المتميزة. لكن مع زوال الهيمنة - بتفكك الدولة السوفيتية مثلاً-، أو بسبب انفجار ثورة المعلومات والاتصال (انتشار التلفزيون الفضائي، الإنترنت، التلفون المحمول) أو بسبب انتشار مفاهيم حقوق الإنسان والحريات الشخصية والمدنية والمشاركة، أو لهذه الأسباب مجتمعة، تولد مصدر قوة جديد ، هو "قوة التدفق=the power of flows" وهو تعبير نستعيره من مانويل كاسيلز[2]. حين يتمكن عامة الناس من الوصول الى مصادر  المعلومات من خلال الانترنت مثلا ، ثم يستطيعون اعادة انتاجها ونشرها عبر العالم ، فانهم يطلقون فعليا القوة الكامنة في داخلهم ، ويقود هذا بالضرورة الى تبعثر عناصر القوة التي كانت متمركزة ومحتكرة في جهات او مجموعات محددة ، وحصول المهمشين على فرصة لتكوين مصادر قوة خاصة او ادوات نفوذ وتاثير. مع سقوط الحجب المفروضة على المعلومات وتوزيع الموارد ، تكتشف المجتمعات المهمشة ذاتها الخاصة، أو تكتشف أنها تتعرض للتمييز أو قلة التقدير ، لأن الآخرين لا يعاملون أعضاءها بوصفهم مواطنين متساوين مع البقية في الحقوق والواجبات، بل بوصفهم جزءاً من جماعة مختلفة، كما هو حال المسيحيين واليهود في بعض البلاد المسلمة والأكراد في البلدان العربية، والشيعة في البلدان التي أغلبيتها سنية والسنة في الأقطار ذات الأكثرية الشيعية وهكذا.
وضع استراتيجية فعالة لمعالجة الانقسام وتحقيق الاجماع الوطني يتطلب فهم الديناميات السياسية للهوية ، اي كيفية تاثيرها في الحياة السياسية. نحتاج مثلا الى معرفة:
- لماذا تميل طائفة من الناس الى المشاركة النشطة في السياسة ، بينما تميل الاخرى الى اعتزالها؟ .
- ولماذا تستطيع فئة محددة من المواطنين استثمار العملية السياسية في ضمان مصالح اكثر ، بينما تفشل الفئة الاخرى في ضمان مصالحها اذا سلكت ذات الطريق ؟.
- ولماذا تشعر بعض الفئات بان القانون لا يستطيع ضمان حقوقها ومصالحها؟ .
- ولماذا يفضل بعض الناس الانكفاء الى انتماءاتهم الطبيعية ، ويبالغون في تعظيم هوياتهم الفرعية ، الدينية او المذهبية او القبلية او الاقليمية او العرقية ، ويعتبرونها مساوية او ربما متفوقة في الاهمية والحيوية على الانتماء الوطني والهوية الوطنية الجامعة؟.
نحن بحاجة الى معرفة عميقة بديناميات تشكل الهوية والعوامل التي تسهم في تطورها ، وكيفية تاثيرها في سلوك الفرد والجماعة ، وانعكاسها على السياسة والعلاقات الداخلية في المجتمع الوطني. هذه المعرفة ضرورية جدا لبناء سياسات افضل ، او على الاقل لاتقاء الانواع الاسوأ من السياسة. المعرفة المعمقة لمسألة الهوية وتحولاتها تمكننا من رؤية الفاعلية الداخلية لكل جزء من اجزاء النظام السياسي ، ولا سيما بعض صور الحركية الداخلية التي لا تظهر الى العلن ، او التي يصعب تفسيرها بادوات التفسير السياسي الاعتيادية.

توليف الهوية على المستوى الفردي:
يقول لي الاستاذ اسعد حيدر، الصحافي اللبناني المعروف:
نشأت في اسرة ترتبط بالجماعة المذهبية ارتباطا اخلاقيا فحسب، وتعلمت في مدارس تتبع لطوائف اخرى ، فلم اشعر بهويتي المذهبية حتى انتهيت من تعليمي الجامعي. حين تقدمت لوظيفة حكومية ، نظر الموظف في هويتي التي تحمل ايضا اسم طائفتي واعلن انني لا استطيع نيل الوظيفة المتوفرة ، فالنصاب المتفق عليه – عرفيا – يقضي بان يشغلها مواطن من طائفة اخرى. فهمت حينئذ ان صفة "مواطن" لا تكفي لنيل وظيفة عامة. وادركت انني غير قادر على التحرر من هويتي الطائفية ، لان المجتمع المنقسم طائفيا لا يسمح بحراك من هذا النوع. منذئذ فهمت ان العزل يولد الهوية.

طبقا لنظرية الهوية الاجتماعية Social Identity Theory فان الافراد يفهمون انفسهم على مستويين متوازيين : المستوى الفردي والجمعي. الهوية الفردية تشير الى تلك العناصر من الذات التي تميز فردا عن الاخرين ضمن اطار اجتماعي معين. اما الهوية الاجتماعية فتشيرالى تلك العناصر من الذات التي تتعلق بالعضوية في جماعة  او التي تعرف وتحدد ضمن مفاهيم او تعبيرات متعلقة بالجماعة التي ينتمي اليها الفرد[3]. الهوية الشخصية للفرد هي التكثيف الرمزي لتجربته الحياتية الخاصة ، اضافة الى مستخلصات التجربة التاريخية للجماعة التي هو جزء منها .
صورة الفرد في مرحلة الشباب هي تكثيف لعوامل مادية ومعنوية في غاية التعقيد والتنوع. فهي تحوي بين امور اخرى تاثيرات التربية العائلية ، المدرسة ، علاقة الفرد مع الجيران والاقارب ، الطبقة الاجتماعية ، مستوى المعيشة ونوعية النشاط الاقتصادي ، الثقافة المكتسبة .. الخ . اضافة بالطبع الى الثقافة التي ورثها الفرد من عائلته ومحيطه الاجتماعي ، اي القيم والمواقف والرؤى التي كونتها الجماعة خلال ازمان متطاولة . هذه كلها تشكل ما يمكن وصفه بالمكونات الايجابية للهوية.
اما الوجه الاخر ، الذي قد نستطيع وصفه بالمكونات السلبية ، فهو موقف الاخرين المختلفين ، اصدقاء او غير اصدقاء، من الفرد ومن الجماعة التي هو عضو فيها ، اي : كيف يصنف الاخرون هذه الجماعة ، كيف يصفونها ، كيف يعاملونها .. الخ.  حين تكون اسود اللون في مجتمع يعيش فيه البيض مثلا ، فان الكيفية التي تفهم بها موقف هؤلاء ووصفهم لك وتعاملهم معك يحدد جانبا فعالا من هويتك. انت هنا مصنف – بصورة عفوية او متعمدة - كشخص مختلف. وهو تصنيف اكثر تاثيرا وفاعلية حين تكون العلاقة مع (اولئك الاخرين) سلبية ، ولا سيما حين تكون انت في الجانب الضعيف الذي يتعرض للعدوان ، ذلك اننا ، كما راى امين معلوف ، "غالبا ما نتعرف الى انفسنا في الانتماء الاكثر عرضة للتهجم"[4].
 تبدأ هوية الفرد في التشكل منذ بواكير حياته. وتتواصل طوال السنوات اللاحقة حتى مرحلة النضج والاستواء. وتمثل الطفولة والشباب المرحلتين الاخصب والاكثر حرجا في هذا المسار. غالبا ما تتطور الهوية بشكل عفوي ، اي من دون احساس فعلي من جانب الانسان بان هويته تتغير . لكن بعض الافراد يشتركون فعليا في تكوين هويتهم وتعديلها ، او على اقل التقادير فان بعضهم يعي ان هويته تتغير بفعل عوامل قابلة للادراك.
هوية الفرد هي جواز مروره الى العالم . من دون هوية يشعر الفرد بانه وحيد ومنعزل ومنقطع عن العالم المحيط ، تماما مثل شخص غريب يحل على مجتمع مختلف تماما في اللون واللغة والثقافة والرؤى وتقاليد الحياة . في واقع الامر ، لا يعيش الفرد حياته كائنا ذريا منعزلا. ثمة دائمة رابطة عضوية تشده الى "الجماعة" التي يشارك اعضاءها الاخرين في عقائدهم ونظامهم القيمي ، في تقاليدهم ولغتهم ، في رؤيتهم للعالم وكيفية تعبيرهم الرمزي عن هذه الرؤية. هذا يعني ان الجماعات (او المجتمعات) وسماتها تمثل عناصر مؤسسة لكينونة الفرد وذاته[5].
الانسان كائن اجتماعي بطبعه. ولهذا السبب فانه يبدأ منذ ايامه الاولى في نسج خيوط علاقته مع المحيط القريب :  يحاول تقديم شيء يرضي المحيطين به ، او يحاول تقديم نفسه في صورة ترضي المحيطين به. هذا يستلزم بطبيعة الحال قبولا بتعريفات الجماعة للحسن والقبيح ، للمقبول والبغيض ، للمناسب وغير المناسب . هذه الاشياء تمثل عالم المعنى الخاص بالجماعة وهو الذي يقربها الى سائر الجماعات او يميزها عنها. افعال الناس ، والاشياء المادية التي يحوزونها او يستعملونها ، والمفاهيم التي يتبنونها ، والمعايير التي يرجعون اليها ، يحمل كل منها وصفا ثقافيا لمعناها وعلاقتها بالبشر الذين يستعملونها. وينطوي هذا الوصف على قيمة معنوية منفصلة عن قيمتها المادية المحددة. النظام الثقافي للجماعة هو مصدر ذلك الوصف وهذه القيمة التي تحملها الاشياء والافعال والافكار. اندماج الفرد في الجماعة يمر عبر قبوله وتعاطيه مع تلك القيم وتنظيم حياته وفق متطلباتها .
كنتيجة لهذا سيحمل الفرد وافعاله ومواقفه صفات خاصة تماثل تلك التي يحملها بقية افراد الجماعة . هذا يعني انه انتمى الى هذه الجماعة ، اصبح عضوا فيها وحمل هويتها[6]. حين يسألك احد : من انت او ما انت؟ ، فانت لا تجيب بانك انسان ، لان هذا الوصف لا يميزك عن اي احد اخر وهو ليس موضوع السؤال لانه واضح امام السائل . لكنك تجيبه في العادة بشيء يتعارف الناس على كونه عامل تمييز ، فتقول مثلا بانك مهندس او طبيب او موظف ، وهي اشارة الى المهنة والمكانة ، وانت تختار هذه الاوصاف لانها وسائل تعريف تتوقع كونها مقبولة عند الاخرين. وحين تفهم ان السؤال يشير الى الانتماء ، فانك تجيب بوصف من الاوصاف التي تحدد الانتماء فتقول انك عربي او مسلم او سعودي الخ . كل جواب يستبطن رغبة في تحديد العلاقة مع السائل ورغبة في تحديد عالم المعنى الذي انت فيه او الذي ترغب في ان تكون ضمنه. نحن نفهم انفسنا كجزء من فضاء اجتماعي محدد : كمؤمنين بدين ، كمتبنين لايديولوجيا ، كابناء لمنطقة محددة ، كاعضاء في طبقة او جماعة اثنية او سياسية .. الخ. هذه الانتماءات تشير الى حدود العالم الذي نندمج فيه.
رأى اريك اريكسون الذي قدم مساهمات اساسية في هذا الحقل، ان هوية الفرد تتشكل في سياق تفاعل متواصل بين عاملين: كفاءة الفرد للانتاج الذي يعتبره المجتمع ذا قيمة، والاحساس بالاندماج في عالم ذي معنى. يسعى الفرد لنيل الكفاءة بجهده الخاص، لكن تحديد نوعية الانتاج يعتمد على تعريف المجتمع لما هو قيم او غير ذي قيمة. ثمة طرق لا تحصى لتوليد وتنمية الكفاءة والاعتراف بها في كل مجتمع، منها انظمة التعليم، العمل، مكانة العائلة، الطبقة، القوانين، التقاليد.. الخ. يتبع الفرد احد هذه الطرق كي ينال الاعتراف الاجتماعي بكفاءته. وهو يفعل ذلك سعيا وراء التحول الى عضو في الجماعة، شريك في شبكة التعارف والتضامن التي تميز الجماعة عن الاحتشاد الجغرافي للافراد. الجماعة هي العالم الذي يظهر فيه تاثير انظمة المعنى مثل الدين، الايديولوجيا، الولاءات الاجتماعية.. الخ. وحين يسعى الفرد للاندماج في هذا العالم فانه يشعر فعليا بمقدار تقدمه في هذا الطريق، لانه مسار تحول يحدث في وعي الانسان رغم انه قد لا يهتم بتتبع تفاصيله او ربما لا يلتفت الى جميع التفاصيل.
حين يريد الفرد شيئا وحين يتطلع الى شيء، فانه يواجه على الفور الحدود الخاصة بالهوية: اذا كان امرأة في مجتمع تسيطر عليه الثقافة الذكورية، او كان مسيحيا في مجتمع المسلمين، او كان اسودا في مجتمع البيض ، فسيضطر لوضع ارادته وتطلعاته ضمن سقف ادنى من ذلك المتاح للاخرين. في بعض الاحيان تصل هذه الاعتبارات الى نقاط تثير الدهشة والغضب. في احدى الحوادث نجح ثلاثة اشقاء في انتـزاع حكم قضائي بتطليق اختهم المتزوجة من رجل ينتمي الى قبيلة ادنى شأنا من قبيلتهم، رغم المحبة التي جمعت الزوجين اللذين رفضا ذلك الحكم، ورغم مرور سنوات على زواجهما. وكشفت القضية عن حالات عديدة مماثلة جرت دون ان تصل الى الاعلام[7]. في قضايا مماثلة جرى تطليق زوجين لان عائلتيهما تنتميان الى مذهبين مختلفين.  بالنسبة للزوجين البائسين فان مكانة القبيلة او المذهب كانت حدا للتطلع والعمل . لهذا السبب فان الناس يحددون افعالهم وربما تطلعاتهم في نطاق يتناسب مع منظومة الاعراف والقيم السائدة في ثقافة الجماعة ، حتى لو لم يكن هذا النطاق وتلك الحدود ذات قيمة عندهم كافراد.
هذا يوضح في الحقيقة اهمية العامل السلبي او ما وصفناه سابقا بالمكون السلبي للهوية ، اي تصنيف الاخرين للجماعة التي ينتمي اليها الفرد ، وتبعا لها تصنيف الفرد نفسه . قد يكون الفرد متعلما او يكون ثريا او يكون نافذا ، لكن معرفته لنفسه وربما حدود فعله وتطلعاته ستبقى متاثرة بكيفية تصنيف الاخرين. هذا التصنيف لا يقتصر وجوده على المجتمعات التقليدية. في اواخر 2009 شهدت الولايات المتحدة حادثا ينطوي على اشارة قوية الى هذا المعنى. فقد قاطع السناتور الجمهوري جو ويلسون الرئيس اوباما الذي كان يتحدث لاعضاء الكونغرس بصورة غير معهودة في التعامل مع رئيس الدولة. الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر كان صريحا حين صرح بان بعض النخبة السياسية لازال غير مقتنع بان رجلا اسود يمكن ان يحتل كرسي الرئاسة في الولايات المتحدة الامريكية حتى لو صوت له اغلبية الشعب الامريكي[8]. من المؤكد ان اوباما نفسه يعرف هذه الحقيقة ، اي موقف هذه الشريحة على الاقل من الرجل الاسود ، وهو مضطر الى التصرف احيانا تحت تاثيرها حتى لو كان اقوى رجل في هذا العالم.
تتشكل الهوية اذن من منظومة العوامل الايجابية ، اي تلك القيم التي يقرها المجتمع ، الى جوار العوامل السلبية التي تمثل انعكاس موقف الاخرين عليه كفرد او كعضو في جماعة، والتي تضم خصوصا ما يعاب على الفرد وما يعاقب بسببه، وما يشعر بالاثم ازاءه ، اي تلك العناصر التي تعني فشلا نسبيا في الكفاءة المتوقعة من الفرد. من هنا ذهب اريكسون الى ان مسار تشكل الهوية الفردية ليس خطا مستقيما بل هو تفاعل بين تازمات وتعارضات داخلية ، بين هويات سلبية وايجابية ، وان تعريف الهوية يجب ان ياخذ بعين الاعتبار تكامل واندماج جميع الصور السابقة السلبية والايجابية ، فضلا عن الصورة التي يسعى الفرد لتكوينها لذاته[9]. ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام ان المكون السلبي للهوية قد يكون اقوى تاثيرا وفاعلية في تشكيل شخصية الفرد ورؤيته لذاته وللعالم حين يكون هذا الفرد او الجماعة التي ينتمي اليها في ازمة او صراع مع الاطراف الاخرى. ويكون الامر على هذا النحو بشكل اكثر تركيزا حين يكون الفرد او الجماعة في الجانب الضعيف الذي يتعرض للعدوان.

توليف الهوية على المستوى الجمعي : مجتمع الاقلية

الجماعة التي تحمل هوية خاصة هي بالضرورة منظومة مصالح تتمايز عن المنظومات الاخرى، اي الجماعات التي تحمل هويات مختلفة. درجة تمايز المصالح هو الذي يعطي للتنوع لونا سياسيا او يجعله مؤثرا في الحياة السياسية. هذا يقودنا طبعا الى ما وصفناه انفا بالمكون السلبي للهوية. مثلما يحمل الفرد هوية الجماعة التي هو عضو فيها، فانه ايضا يتحمل اعباء هذه الهوية ، اي الانعكاسات السلبية لعلاقة الجماعة مع الجماعات الاخرى. هذه الانعكاسات تسهم بدورها في تشكيل الهوية الفردية. تصنيف الاخرين للفرد او لجماعته تتحول – مع تطور الوعي بالمحيط – الى جزء من هويته. قد يحمل الفرد جميع المؤهلات اللازمة للوصول الى غاياته، لكن معرفته لنفسه وحدود فعله وتطلعاته ستبقى متاثرة بكيفية تصنيف الاخرين لجماعته او له باعتباره عضوا في هذه الجماعة.
هذا يقودنا الى السؤال المحوري : كيف تصبح الهويات الفرعية عاملا مؤثرا في السياسة؟
سواء كنا نتحدث عن "اقلية" او كنا نتحدث عن "مجموعة اثنية" ، فاننا نشير في حقيقة الامر الى مجموعة تحمل هوية متمايزة عن بقية المجموعات والافراد الذين يتالف منهم المجتمع الوطني في صورته الكاملة. الفارق بين الوصفين يشير – اصطلاحيا على الاقل – الى ظرف سياسي. وصف جماعة ما بانها اقلية يشير ضمنيا الى علاقة ذات طبيعة استثنائية بينها وبين الاكثرية او بينها وبين الدولة ، اما وصفها كمجموعة اثنية فهو تعبير محايد الى حد كبير ، يشير الى تمايزها دون تحديد موقفها او وضعها السياسي.
يمكن القول – مع بعض التحفظ - بان تظاهر الاقليات بكينونتها الثقافية الخاصة ، وتركيزها على ذلك الجانب من هويتها الذي يؤكد تمايزها ، قد يعكس موقفا سياسيا تجاه المحيط  الاجتماعي او تجاه النظام السياسي . بعبارة اخرى فان عناصر التمايز قد تكون حقائق موضوعية ، مثل اللون والجنس والعرق والمذهب ، لكن التعبير السياسي عنها ليس كذلك ، بل هو اقرب الى الوظائف السياسية المتغيرة. ولذا فان عناصر التمايز تلك قد تحمل مضمونا سياسيا في بلد ولا تحمل هذا المضمون في بلد آخر. او ربما تحمله في زمن ولا تحمله في الازمان الاخرى.
من المهم اذن الالتفات الى الفارق بين امتلاك الفرد او الجماعة لهوية متمايزة عن البقية، وبين اعتبار هذا التمايز اساسا لخطاب سياسي خاص، او استعمال عناصر التمايز في الصراع السياسي. كما ينبغي الالتفات الى الفارق بين الهوية التي يرثها الفرد بالولادة وتلك التي يصطنعها عن وعي وقصد. لتوضيح الفكرة من المناسب ان نشير الى حالتين من الانقسام الاجتماعي:
                                  أ‌-          انقسام افقي يتولد من اختلافات ثقافية او اقتصادية او سياسية، يشعر بها الفرد ويتفاعل معها بعدما يتجاوز سن الرشد. ويظهر هذا الانقسام على شكل جماعات سياسية او طبقات اجتماعية او مذاهب فكرية وايديولوجية. تعكس هذه الانقسامات نموا في وعي افراد المجتمع بذواتهم وميلهم الى جمع طاقاتهم الشخصية مع طاقات الافراد الاخرين لانجاز اهداف محددة.
                                ب‌-        انقسام عمودي يظهر على شكل تصنيف للافراد طبقا للهوية التي يحملونها بالولادة ، وتتمظهر على شكل انحيازات او تجمعات متمايزة عن بقية المجتمع. يصبح الافراد جزءا من هذه الانقسامات بمجرد ولادتهم.
الانقسام الافقي هو الاقرب الى طبيعة المجتمعات الحديثة ، حيث يختار الناس دوائر  انتمائهم بوعي تام وقناعة بالتناسب بينهم وبين شريحة محددة من الافراد الاخرين تحمل رايا موحدا او صفة اجتماعية او استهدافات او رسالة. التعاقد والتوافق هو الارضية التي يقوم عليها هذا الانتماء . فالفرد يقرر الدخول في جماعة او الخروج منها بمحض ارادته. بخلاف الانقسام العمودي الذي يورث الفرد هوية ابويه من دون ان يكون له الخيار في قبولها او رفضها ، كما انه يتعرض لموقف او توصيف نمطي من جانب الاخرين يماثل ما يتعرض له بقية افراد الجماعة التي تحمل هويته ذاتها ، بغض النظر عن الفوارق الفردية التي ربما تميزه عن الجماعة .
معظم الاقليات تجسد النوع الثاني من الانقسامات ، وهي تتألف غالبا من افراد ولدوا لابوين ينتميان الى عرق خاص او لون مختلف عن البقية او جماعة دينية متمايزة او مصنفة من قبل بقية الاطياف الاجتماعية باعتبارها "فريقا مختلفا".
ليس هناك ما يوجب - من الناحية النظرية على الاقل – ان يكون وجود الاقلية مشكلة للبلد او ان تكون علاقتها غير طبيعية مع الاكثرية او مع الاطياف الاخرى التي يتشكل من مجموعها المجتمع الوطني العام. اما من الناحية الواقعية فان المسألة تتأثر سلبا او ايجابا بفلسفة النظام الاجتماعي/السياسي ، الثقافة السياسية السائدة ، ونظام توزيع الموارد العامة والاعباء بين اعضاء المجتمع السياسي. تصنيف مجموعة من المواطنين باعتبارهم "فريقا آخر" يؤدي بالضرورة الى تفاوت بينهم وبين البقية في توزيع المنافع العامة والاعباء. وهذا يقود غالبا الى تعميق الفوارق وترسيخ الانفصال الشعوري والثقافي عند اعضاء الاقلية ، بحيث تتحول عناصرالتمايز الخاصة بالاقلية الى مبررات لهوية بديلة عن الهوية الوطنية ، وتاسيس ارضية للصراع مع الدولة او مع  الشرائح الاجتماعية المختلفة[10].
لا يعتبر الانقسام الافقي خطيرا ، وهو اقرب الى التنوع الاجتماعي منه الى الانقسام الاجتماعي ، كما انه قابل للمعالجة من خلال السياسات الاعتيادية للدولة بتغييرها او تعديلها او اتاحة فرص اضافية ، دون حاجة – في معظم الحالات – الى اصلاحات هيكلية او عميقة . كذلك فان الانقسام العمودي لا يشكل مصدر خطر داهم اذا لم يجر تحويل عناصر التفارق (العوامل التي تشكل هوية متمايزة) الى حقائق سياسية او مبررات للتمرد السياسي.
للاسف فان الوضع في الشرق الاوسط ليس على هذا النحو. بسبب الاهمال او التهميش المزمن للاقليات ، فقد تحول التمايز الى مبرر لعلاقة متوترة بين مجتمع الاقلية من جهة وبين الدولة من جهة اخرى . في ظل هذا التوتر تحولت مكونات الهوية الخاصة بالاقلية الى عوامل تحشيد وتعبئة لمشاعر الاقلية ضد الدولة من جهة ، والى مبررات لاجراءات استثنائية وغير عادلة من جانب الدولة ضد مجتمع الاقلية[11]. اذا لم يعالج هذا التعارض فانه سوف يتحول – مع مرور الزمن –  الى مصدر تازيم مستمر في المجتمع الوطني يهدد السلام والاستقرار كما يهدد الوحدة الوطنية.  ومن هنا تاتي اهمية الدراسة العلمية لمسالة الاقليات وكيفية التعامل معها.

المقاربات النظرية  لمسألة الاقلية

مشكلة الاقليات وانعكاسها السياسي وكيفية معالجتها في اطار الدولة الوطنية هو احد الموضوعات الاكثر اثارة للجدل في بحوث الاجتماع السياسي. ويرجع الفضل في تعميق تلك المناقشات الى  الاعمال النظرية في حقلي الاثنيات ethnology والانثروبولوجيا ، كما استفادت كثيرا من بحوث علماء النفس ولا سيما في موضوع الهوية، ونشير هنا بالخصوص الى اعمال اريك اريكسون الذي تنسب اليه ابرز التطورات في هذا المجال. هذه الابحاث وتلك ساهمت في اثراء النقاش حول قضايا التنمية السياسية وبناء الدولة القومية. وهي في معظمها تستهدف الاجابة على السؤال المحوري الذي اشرنا اليه آنفا ، اي : كيف تتحول العناصر المشتركة في هوية مجموعة معينة من البشر الى اساس لرابطة اجتماعية جديدة تجعل هذه المجموعة متمايزة عن غيرها ، وكيف ولماذا تصبح هذه الرابطة حقيقة ثابتة ومؤثرة في الحياة السياسية؟
ثمة مقاربات عديدة استهدفت الاجابة على هذه الاسئلة[12]، تنطوي جميعا في اتجاهين عريضين او في المنطقة الوسطى بينهما:

1- الهوية قدر:

يرى اصحاب هذا الاتجاه – وهو الاقدم في بحوث الاثنيات والقومية – ان العوامل التي تشكل الهوية الخاصة للجماعة مثل اللغة والدين والنسب والعرق واللون ، هي حقائق موضوعية موجودة في الواقع او في التاريخ. وان كل جيل يرث تلك العوامل ومفاعيلها ، ولا سيما التمايز عن الاخرين. سواء قبل بها الفرد او انكرها ، وسواء استعملت في الصراع السياسي ام بقيت محايدة ، فانها تظل مرتبطة بشخص حاملها ومؤثرة عليه. يستطيع الافراد من طبقة اجتماعية معينة تجاوزها الى طبقة اخرى ، لكن الروابط الاثنية تبقى ثابتة . اذا ولد شخص في مجموعة اثنية محددة فسوف تبقى انعكاساتها معها طوال حياته.
هناك جدل كبير حول ما يترتب على هذه النظرية ، سيما وانها تستثني بصورة حادة الوعي الفردي بالذات المستقلة والقائمة بذاتها ، وتستثني ارادة الانسان لان يكون كما يشاء. كما تستثني بصورة من الصور احتمال ان يكون موقف الاخرين من هذا الفرد او المجموعة التي ينتمي اليها موقفا منصفا ، ينظر اليهم كبشر متساوين لا كمجموعة متمايزة او مصنفة. ربما لهذا السبب راى بعض المنظرين في هذا الاتجاه ان الاثنية – كهوية متمايزة – هي في الحقيقة مفهوم مقارن ، اي ان المجموعة الاثنية تعرف وتتحدد من خلال علاقتها مع الاخرين اكثر مما تعرف من خلال مواصفات موضوعية تحملها او تشكل هويتها.

2- مجتمعات متخيلة

يرى اصحاب هذا الاتجاه ان الجماعة ، سواء كانت شعبا كاملا او مجموعة عرقية او دينية ، هي كينونة رمزية متخيلة. كل مجموعة من البشر ترسم صورة ذهنية عن عنصر تاريخي او مجموعة عناصر تشكل رابطة افتراضية تجمع بين افرادها وتميزهم عن الاخرين. هذه الرابطة الافتراضية ليس لها وجود موضوعي مستقل بذاته ، او ليست موجودة في الاصل ، بل هي قيمة صناعية يستحدثها بعض الناس ويستخدمون – في سبيل اضفاء المصداقية عليها- عناصر مشتركة بين الافراد مثل النسب او لون البشرة او الدين او اللغة او التاريخ المشترك او الانتماء الى ارض معينة. ربما لا تنحصر تلك العناصر في هذه الجماعة خصوصا ، او ربما لا يرتقي اي منها او حتى مجموعها لمستوى الرابط الطبيعي بين شريحة محددة من الاشخاص كما هو الحال بالنسبة لرابطة النسب بين افراد العائلة الواحدة مثلا ، او لعلها لا تبرر الشعور بالخصوصية التي يشعر بها عادة افراد الجماعة الواحدة . رغم كل ذلك فهناك من يستطيع اقناع الاخرين بخصوصية من نوع ما لعناصر محددة في هويتهم تستحق – تبعا لذلك – ان تحظى باولوية على غيرها من العناصر، اولوية قد تصل الى تهميش او ربما نفي العناصر المزاحمة.
يعتبر ارنست غلنر بين ابرز الذين تبنوا هذه المقاربة وقد حملها الى اقصى اليسار ، فقرر ان بروز الهويات القومية المتمايزة ليس سوى نتيجة لفعل سياسي تقوم به النخبة وتستخدمه لضمان شريحة مصالح خاصة . بعبارة اخرى فان تحول العناصر الاصلية التي عوامل تمايز ، وظهور الكيان السياسي للجماعة الاثنية ، ليس حالة طبيعية ولا هو تطور عفوي او ضروري ، بل هو نتيجة لعمل مقصود وواع تقوم به نخبة محددة ، تسعى لخلق دائرة مصالح محصنة وسهلة التعبئة والحشد. يحاول القادة السياسيون احياء مشاعر الفخر والتضامن بين اعضاء الجماعة ، وصولا الى اقامة احزاب قبلية او قومية او طائفية تواجه التاثير الايديولوجي للمنافسين من خارج الجماعة[13].
اتخذ عدد من المنظرين موقفا وسطيا يجمع عناصر من المقاربة الاولى واخرى من الثانية. وبين ابرز هولاء بينيديكت اندرسون الذي يعد – كتابه "مجتمعات متخيلة" من المراجع الاساسية في بحوث الاثنيات والقومية. يعتقد اندرسون ان بروز الهوية القومية ، سواء كانت ترتبط بامة كاملة او باقلية صغيرة ، في المجال السياسي ، هو عمل تقوم به النخبة لنفس الاغراض المذكورة اعلاه. لكن النخبة لا تخلق هوية من لا شيء ، بل تعيد احياء عناصر تمايز موجودة فعلا في ماضي الجماعة او حاضرها ، وقد تكون نشطة او خامدة ، فتركز عليها وتستعملها كوسيلة لتعبئة الجمهور وراء اهداف سياسية. كما يشير الى عوامل موضوعية ترتبط بالتقدم العلمي يعتقد انها ساهمت في احياء واغناء الشعور بالذات الجمعية بين اعضاء المجموعات التي تنتمي الى اصول مشتركة . بين ابرز هذه العومل ظهور الطباعة التجارية - الراسمالية الطباعية print-capitalism كما اسماها اندرسون- التي اقامت نطاقات تواصل جمعي جديدة ، ساهمت في لفت انظار الناس الى العوامل المشتركة التي تجمعهم مع بعضهم وتميزهم عن الاخرين ، كما وحدت تعبيراتهم ولغتهم وثقافتهم ، واعادت صياغة وعيهم بتاريخهم وذاتهم. تلك العوامل المشتركة قد لا تكون بالضرورة حقيقية ، لكنها على اي حال قدمت الى الناس وترسخت مع مرور الزمن كمسلمات عند اصحابها ، اي كصورة حقيقية عن ذاتهم[14]. على وجه الدقة فان تلك العوامل اعادت انتاج فكرة "الشعب" القائم بذاته او "القومية" المتمايزة التي لها حدود معروفة ، وتتمتع بحق السيادة – الفعلي او المفترض - ضمن هذه الحدود. ويعتقد اندرسون ان القومية (التعبير السياسي عن التمايز الاثني) هي ظاهرة حديثة عرفها العالم قبيل نهاية القرن الثامن عشر[15]. لكني اجد هذا التقدير مبالغا فيه الى حد كبير.
بناء على ما سبق ، يميل معظم المنظرين الى اعتبار التمايز الاثني حالة مرنة ومتغيرة[16]. ثمة مجموعات او اقليات ظهرت حديثا ، وبينها من تلاشى وخرج من المجال السياسي. ونشير هنا خصوصا الى وعي المنحدرين من مجموعة معينة بانتمائهم الاثني ، وشعور الاخرين بهم على هذا النحو. فالمشاهد فعليا ان كثيرا من اولئك لا يشعرون بتلك الرابطة الخاصة التي يشعر بها عادة اعضاء الاقليات تجاه بعضهم وتجاه مجموعهم ، او على الاقل لا يشعرون بان هذا الانتماء ينطوي على قيمة استثنائية في المجال السياسي او الحياة اليومية. كذلك الامر بالنسبة لموقف الاخرين . ثمة تجارب عن مواطنين ينتمون الى مجموعات دينية او عرقية مختلفة ، لكن هذا التمايز لا يؤثر  ابدا في تعاملهم اليومي مع بعضهم . انه بعبارة اخرى جانب مغفل في العلاقة بين هؤلاء المواطنين. حين يكون الامر كذلك فان تمايز فرد او جماعة بهوية خاصة او تاريخ خاص لا يعني شيئا ، او على الاقل لا يصنع فرقا. 
اعتقد ان تبلور وعي المجموعة الاثنية بذاتها ، اي تحول العوامل المشتركة الى اساس لرابطة فعالة في الحياة السياسية ، وبالتالي بروز تلك المجموعة كشعب او كأقلية تناضل من اجل حقوق محددة ، ليس مجرد تكتيك ذكي تنفذه النخبة. دور النخبة سيكون مؤثرا اذا كان الظرف الحياتي لهذه المجموعة ضيقا وعسيرا ، بحيث يولد شعورا قويا بالتضامن بين اعضاء المجموعة محوره هو الدفاع عن انفسهم او الحصول على ما يعتبرونه حقا لهم ، او على الاقل  الاحتماء من قهر لا يمكن لكل شخص بمفرده اتقاءه او الرد عليه. يتولد شعور التضامن هذا بين اعضاء الاقلية او بين اعضاء الاكثرية اذا واجهوا نفس الظرف. يحصل هذا في جميع الامم التي تواجه تحديات جسيمة او كوراث او قهرا او عدوانا من قبل اخرين. في جميع التجارب المعروفة ، ادت تلك التحديات الى تعزيز التضامن الداخلي وترسيخ الهوية. ولعل اقرب التجارب هو ما حصل في الولايات المتحدة الامريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، حيث شهدت هذه البلاد تعبيرات عن التضامن بين افراد الجمهور غير مسبوقة . ومثل ذلك ما نسمعه اليوم من جدل حول فكرة الهجوم العسكري على ايران لتدمير برنامجها النووي ، حيث يتفق عدد من المحللين والسياسيين على ان عملية مثل هذه سوف تؤدي الى التفاف الشعب الايراني كله حول حكومته ، وبالتالي تعزيز قوتها ، خلافا لما يسعى اليه الامريكيون الذين يجاهرون برغبتهم في اضعاف النظام الايراني[17]. هذه امثلة على رد فعل الاكثرية على التحديات ، وتجد نظائر لها في الاقليات ايضا. فالاجماع الواسع بين سكان جنوب السودان على الانفصال هو ثمرة لما يشعرون به من تهميش مزمن من جانب الحكومة التي يسيطر عليها الشماليون[18]. وتجذر الهوية القومية لاكراد العراق وتركيا هو ثمرة لما واجهه الكرد في العقود الماضية من تعامل مهين على يد الحكومة او برضاها في هذين البلدين. وثمة امثلة كثيرة اخرى على اقليات واكثريات واجهت نفس التحدي فردت عليه بترسيخ هويتها وتضامنها الداخلي وخطوط التمايز بينها وبين الاخرين[19]. من هنا جادل عدد ملحوظ من الباحثين بان اشكالية الهوية الاقلاوية تتعلق في الغالب بعملية واعية احيانا وعفوية احيانا اخرى ، تتمحور حول "اعادة اكتشاف" ثم "صيانة حدود الجماعة" او العناصر التي تميزها عن الاخرين[20].
اهتم باحثون كثيرون بتحليل العوامل الاقتصادية والسياسية التي تولد في الجماعات مشاعر القلق او الحاجة الى التضامن الداخلي ، وتخلق – تبعا لذلك – الظرف الطبيعي لتحول العوامل المشتركة بين اعضاء الجماعة الى عوامل تمايز او مبررات تمايز فعالة في المجال السياسي. من بين المقاربات التي اتخذت هذا المنحى نشير الى نظريات التنمية والتحديث ولا سيما نسخها الجديدة ، حيث يقال في هذا الاطار ان عمليات التحديث تولد او تحيي تعارضات ثقافية او اثنية كامنة. التنمية والتحديث تنطوي بالضرورة على الغاء او تهميش لقيم ومسلمات واعراف توفر قدرا من الشرعية للنظام الاجتماعي ، وبعض الاسس الضرورية للاستقرار والتواصل. كما تخلق ادوارا ومصادر اقتصادية وغير اقتصادية توسع فرص التنافس السياسي. هذه التحولات تنعكس على شكل حالة ارتياب عند شرائح من الجمهور ، كما تولد تعارضات ومسارات تغيير متعددة الاحتمالات والنتائج[21].
كما يحصل في معظم الحالات ، ينقسم المجتمع حين يواجه تحدي الحداثة الى قسمين : الاشخاص الاكثر جرأة ، او الاكثر وعيا بالامكانات التي تاتي في سياق تحولات المجتمع والاقتصاد ، يميلون الى ركوب موجة التحديث واستثمار ما تاتي به من فرص جديدة . هذا يؤدي بالضرورة الى صعود هؤلاء او بعضهم واكتسابهم مصادر قوة وادوارا بحيث يشكلون ما يعرف بالنخبة الحديثة ، التي تنافس النخب التقليدية او ربما تستولي على نطاقات نفوذها .
وفي المقابل تتخذ بعض شرائح المجتمع ، لا سيما الاكثر انغماسا في التقاليد او الاكثر استفادة منها ، تتخذ موقفا سلبيا تجاه تحدي التحديث وما ياتي به من تحولات. يتولد عن تضعضع النظام الاجتماعي القديم حالة من الاضطراب الثقافي وعدم اليقين. ويتولد لدى الكثير من الناس ، لا سيما الاشد ارتباطا بالتقاليد شعور بالعجز عن مسايرة التغيير وينتابهم القلق على مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم او بلدهم ، فيبدأ بعضهم مقاومة نشطة ضد التحديث بينما يميل آخرون الى الانسحاب من المواجهة. وفي كلا الحالين ، الرفض النشط او الهروبي ، يجري احياء السمات الثقافية الاصيلة للجماعة (التي تساوي عندهم الذات الاكثر صفاء) كشكل من اشكال التامين او طلب الامان وتوكيد الذات ضد مخاطر الحداثة وتحدياتها المقلقة.
ضمن هذا المسار تقوم النخبة التقليدية بالتاكيد على خصوصيات الجماعة ، والتاكيد عليها كعوامل تمايز وارضية وحيدة للتضامن والتكافل بين اعضائها. فاذا نجحت في هذا المسعى فان الهوية الفرعية الخاصة بالجماعة تصبح عاملا سياسيا. لكن لا ينبغي الظن بان النخب التقليدية هي الوحيدة التي تلعب هذا الدور، فالنخب الحديثة تفعل الشيء نفسه ، لكنها – خلافا للنخب التقليدية – لا تؤكد على التصوير الخام لعوامل التمايز ، بل تعيد تفسيرها ، وتقدمها في ثوب جديد يتناسب مع تطلعاتها وخطابها السياسي او الاجتماعي. واظن ان هذه القراءة الانتقائية للاصول من جانب النخبة ، وتقديمها للجمهور على نحو يخدم توجهاتها ، هو الذي دفع بعض الباحثين الى الجزم بان الهوية الاثنية ليست سوى وجود متخيل ابتكرته النخبة لاغراض سياسية بحتة.

خلاصة

يتضح من خلال النقاش السابق ان عناصر التمايز الموروثة (اللغة ، الصفات البدنية ، العرق ، الدين ..الخ) ليست مجرد اضافات تكميلية على هوية الفرد ، بل هي عامل ثابت واساسي في تكوين شخصية الفرد وفي وجوده كانسان. من هنا فان تشكل الهوية ليس على الدوام عملا مقصودا . وليس ، على وجه التحديد ، عملا يستهدف التمايز ، فضلا عن العدوان . بل هو تعبير عن تحول داخلي في نفس الفرد وفي قلب الثقافة المجتمعية على حد سواء . عملية تؤسس صورة ومضمونا للهويتين الفردية والجمعية. الهوية تنمو او تتضاءل من خلال روابط معقدة بين الذات والجماعة ، فهي ليست ببساطة امر يمكن تقريره او منحه[22].
يترتب على تشكل هوية فرعية اثار في موقف الفرد والجماعة. اذ يمكن لها ان تلعب دورين متعارضين : ربما تنضوي في اطار الهويات الاعلى كالهوية الوطنية مثلا ، وقد تتحول الى مصدر للمواقف المتعارضة مع الهوية الوطنية. على ان تحول الهوية الفرعية الى عنصر سياسي نشط ، اي تحول الجماعة الاثنية الى اقلية بالمعنى السياسي ، مشروط  بعامل متغير هو الظرف السياسي/الاقتصادي للجماعة. في كل الاوقات تلعب النخبة دورا مؤثرا ، لكنه يبقى مشروطا بالظرف الواقعي للجماعة وليس مستقلا.  دور النخبة – في هذا المعنى - طبيعي ومتصل بالجماعة التي هي جزء منها . لا يوجد مجتمع من دون نخبة تعبر عنه. تتجه الجماعة الى التفكير في ذاتها اذا واجهت ظروف عسر تولد حاجة للتضامن الداخلي. هذه الحاجة تنشط – بالضرورة - الشعور بالذات وتحيي العناصر التي تشير الى مشتركات تختص بها الجماعة دون غيرها. اذا فهمت ظروف العسر كحالة سياسية طويلة الامد ، فان الجماعة ستعيد تصوير عناصر التمايز الاثني والثقافي كمبررات للتمايز السياسي. في هذه المرحلة بالذات سيكون للنخبة دور فاعل ، يتركز على منح تلك العناصر وصفا معياريا يتناسب مع الظرف السياسي القائم ومع المطالب المحددة للجماعة. كما تلعب النخبة دورا هاما في التعبير العلني عن التحول المذكور. وفي هذا المجال فانه لا يوجد فارق جوهري بين دور النخب الحديثة  ونظيرتها التقليدية . تجربة مجتمعات الشرق الاوسط تشير في الحقيقة  الى ان النخب الحديثة وليس التقليدية هي التي نجحت في استثمار التحول المشار اليه. التنظيمات السياسية الاسلامية ، والتنظيمات القومية التي تدافع عن حقوق الاقليات هي مثال على ما ذكرناه. رغم ان هذه التنظيمات تحمل شعارات وعناوين تشير الى هويات اعلى من الهويات الفرعية ، الا انها – من حيث التكوين البشري والاستهدافات المباشرة – غالبا ما تكون ذراعا سياسيا لجماعات صغرى.
المعالجة الفاعلة لقضايا الاقليات المذهبية والقومية يتوقف على ادراك عميق لخطوط التواصل وخطوط الانكسار في علاقة الاقليات بالمحيط.




[1]  Ofra Bengio & Gabriel Ben-Dor (eds.), Minorities and the State in the Arab World, Lynne Rienner Publishers, (Boulder, CO. 1999), p. 197
[2] Manuel Castells, in  Jérôme Bindé (ed.), Keys to the 21st Century,  UNESCO & Berghahn Books 2001, p. 217
[3] Ramesh Chandra, Minority: Social and Political Conflict, Isha Books, (Delhi 2004), p. 102
[4]  امين معلوف : الهويات القاتلة ، (بيروت 2004) ، ص 29
[5] Victor Segesvary, Essays, Articles and Lectures 1957 — 2005,  Mikes International, (Hague 2005), p. 213
[6] للمزيد حول العلاقة التفاعلية بين الفرد والجماعة ودورها في تكوين الهوية ، انظر ايان كريب: النظرية الاجتماعية من بارسونز الى هابرماس ، ولا سيما الفصل الخامس ص 121 ، ترجمة محمد حسين غلوم ، عالم المعرفة ، (الكويت 1999).
[7] لبعض التفاصيل عن هذه القضية، انظر موقع قناة العربية 2 نوفمبر 2006- www.alarabiya.net/articles/2006/11/02/28760.html .
 وكشفت صحيفة عكاظ عن 10 دعاوى جديدة للطلاق لعدم تكافؤ قبيلتي الزوجين ، رفعت في اعقاب القضية الشهيرة بين منصور وفاطمة بالمنطقة الشرقية، ونسبت للمحامي ابراهيم البحري الذي يترافع في اربع من هذه القضايا قوله ان حكم التفريق بين منصور وفاطمة هو السبب وراء زيادة قضايا طلاق النسب عكاظ 15 فبراير2007 . www.okaz.com.sa/okaz/osf/20070215/Con2007021587747.htm
[8]  Guardian.co.uk, Sep., 16, 2009. www.guardian.co.uk/world/2009/sep/16/jimmy-carter-racism-barack-obama
[9] K. Hoover, J. Marcia, K. Parris, The Power of Identity, Chatham House Publishers, (London1997) p. 36
[10] برهان غليون : نظام الطائفية ، ص 53
[11] Ofra Bengio & Gabriel Ben-Dor, Minorities and the State in the Arab World, Lynne Rienner Publishers,(Boulder, CO. 1999), p. 197
[12]  For a comparative account on the topic, see: Ben Fowkes, Ethnicity and Ethnic Conflict in the Post-Communist World, Palgrave,  (New York. 2002), the Introduction.
[13] For a brief review of Gellner’s concept of nationalism, see: Brendan O'Leary,  On the Nature of Nationalism: An Appraisal of Ernest Gellner's Writings on Nationalism, British Journal of Political Science , V. 27, Issue: 2 (1997), pp 191-222
[14] Benedict Anderson, Imagined Communities, Verso, (London 1991), p. 37
[15]  Anderson, ibid, p. 12
[16] Ben Fowkes, op. cit, p. 69
[17] Stephen Walt, ‘Be careful what you wish for: Would ‘regime change’ help Iran?’, Foreign Policy, 14-12-2009, http://walt.foreignpolicy.com/posts/2009/12/14/be_careful_what_you_wish_for_would_regime_change_help_Iran
[18] صوت 98,6% من الجنوبيين بمختلف اعراقهم وقبائلهم واديانهم لصالح الانفصال عن الشمال في استفتاء جرى في يناير 2011 باشراف الامم المتحدة. الاتحاد 22-1-2011 . www.alittihad.ae/details.php?id=7943&y=2011&article=full
[19] See for example: Susanne Schwalgin, ‘Why locality matters: Diaspora consciousness and sedentariness in the Armenian diaspora in Greece’, in W. Kokot, K. Tölölyan & C. Alfonso (eds.), Diaspora, Identity and Religion, Routledge. ( New York  2003), pp72-71
[20] Astrid Wonneberger, ‘The invention of history in the Irish-American diaspora Myths of the Great Famine’ in W. Kokot, K. Tölölyan & C. Alfonso (eds.),ibid  , p. 119
[21] Lawrence Woocher, Preventing Violent Conflict, (Special Report 231, Sep. 2009) the United States Institute of Peace, Washington D.C. www.usip.org/files/preventing_violent_conflict.pdf
[22] Hoover, Marcia, & Parris, op. cit. p. 21

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

توفيق السيف مع د. الهتلان في حديث الخليج


الكاتب والمفكر السعودي الدكتور توفيق السيف يؤكد في برنامج حديث الخليج أن "الربيع العربي" ظاهرة جديدة متصلة بما قبلها، ويوضح أن التغيير حتمي لأنه حتى الثورات التي فشلت قديما استطاعت أن تغيّر. ويرى أن السياسة هي التي تعيق التوجه نحو الحداثة أكثر من مواقف التيارات الدينية. ويقترح تكوين كتلة إصلاحية تتعاون مع الحكومات والنخب على المستوى الخليجي لتوضيح طريق مناسب للإصلاح التدريجي.




Saudi writer and thinker, Dr. Tawfeek Al Saif confirms in Gulf Talks that the "Arab spring" is a new phenomenon related to what came before it, illustrates that change is inevitable for even the revolutions that failed was able to change. He believes that it is politics that hinder the move towards modernity over the positions of religious trends. Cluster configuration and suggests reform to work with governments and elites on the Gulf to clarify the appropriate way for the gradual reform.

تسجيل المقابلة على يوتيوب 

نص المقابلة 
نقلا عن "شبكة راصد الاخبارية 26 / 8 / 2011م  www.rasid.com

قال المفكر السياسي الدكتور توفيق السيف ان دول الخليج ليست في منأى عن تأثير الثورات العربية وأن السعودية مضطرة لاجراء اصلاحات سياسية "كبيرة جدا ومؤلمة.. وإلا فقد تواجه انهيارا شاملا".
واشار في لقاء سابق على "قناة الحرة" ان دول الخليج ليست في منأى عن الربيع العربي "وقد تأثر الخليجيون جدا بهذا المناخ".
وشدد السيف خلال برنامج "حديث الخليج" الذي يعده ويقدمه د. سليمان الهتلان بأن منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي تغير بعد الثورة التونسية ولن يعود إلى سابق عهده.
 نص اللقاء:
 في مقال لك نشر في جريدة عكاظ "عن اللبرالية وتوق الانسان للتحرر" في 02/12/2010 ، تقول في مقدمته "لو أردنا ان نلخص تاريخ الانسان منذ بدايته وحتى اليوم في جملة واحدة لقلنا انه كفاح لاجل التحرر والانعتاق" هل هذه الجملة كافية لتلخيص الثورات العربية المعاصرة؟
 هي كافية لتلخيص تاريخ البشر كله. اعتقد حقيقة الانسان منذ طفولته بشكل غريزي وطبيعي يسعى للتحرر من القيود التي تقيده، الفقر والجهل والمرض والطغيان السياسي كلها قيود تقيد حركة الانسان، اذا تعلم الانسان يتحرر ، اذا استغنى يتحرر ، اذا تخلص من الطغيان السياسي يتحرر. الانسان يسعى الى الانعتاق. يسعى الى اخراج افضل ما فيه. يسعى الى تجاوز قدراته ، حدوده الجسدية ، قدراته المادية. الانسان بشكل دائم هو اكبر من حجمه الجسدي،  اكبر من حجمه المادي. والانسان يسعى الى بلوغ ذلك الحجم الحقيقي ، الذي هو اكبر من الحجم المادي البشري. الكشوفات ، الاختراعات ، السفر ، تعلم التجارب ، اللغة ، الصراعات ، الحروب ، السعي الى المال ، كلها محاولات للخروج من الحدود الضيقة التي هو فيها ... الانعتاق والتحرر.
 نعم ولكن اذا طبقنا هذه المقولة على ما شهده الشارع العربي في الاشهر الماضية هل هناك اسباب فكرية غير البعد الاقتصادي الذي نتحدث عنه الكثير كتحليل سياسي لما يحدث اليوم في الشارع ما هي في ظنك ابرز المسببات او التراكمات التي قادت ما نشهده اليوم من حراك؟
 انقل عن استاذنا الدكتور تركي الحمد كلاما خلاصته - واظن ان اصله ذكره جان جاك روسو المفكر الفرنسي المعروف - ان الفقر بمفرده لا يفجر ثورة، هنالك الملايين من الفقراء لا يسعون للثورة ، ولكن الاحساس السياسي بالفقر ، يعني شعور الانسان ان هذا الفقر هو جزء من بنية النظام ، وانه لا يمكن ان يتخلص من حالة الفقر مع وجود هذا التنظيم السياسي الذي يعيش في ظله، هذا هو الفقر الذي يفجر الثورة . مجرد وجود الفقر لا يفجر ثورة . لذلك اقول ان وجود الفقر في العالم العربي، انخفاض المستوى المعيشي لم يكن بمفرده كافيا لتفجير الثورة، شعور الناس انهم يستطيعون تغيير حالهم ، وكون هذا النظام يمنعهم من تغير حالهم بانفسهم ، يعني بحسب تعبيرنا لا يرحم ولا يخلي رحمة الله تنزل عليك، هذا الذي يجعلهم يشعرون ان الفقر مشكلة سياسية وليست اقتصادية.
 نعم لكن في بعدها كظاهرة وبعدها الفلسفي ، انت قلت لي الربيع العربي باعتباره ظاهرة ، ماهي هذه الظاهرة وكيف نفسرها؟
  نحاول ان نصف ما يحدث هنا ، ويمكن ان نختلف في تفسيره مع اخرين.  لكن الحركات الاجتماعية والتحولات الاجتماعية هي عبارة عن ظواهر تحل محل النسق العام الساكن . على سبيل المثال منذ 1974 الى 1979 كان لدينا الظاهرة الاسلامية ، الاسلام السياسي ، بداية بما نسمية الصحوة الاسلامية الذي بلغت ذروتها مع انتصار الثورة الاسلامية في ايران سنة 1979. هذه الظاهرة استمرت ثم بدأت تنزل حتى 1991 واحتلال الكويت ، حيث بدأت ظاهرة جديدة . في بواكيرها صغيرة محصورة على النخبة ، وهي محاولة طرح اللبرالية كبديل عن الاسلام السياسي، طبعا ليس عن الاسلام كدين بل عن التصور السياسي للاسلام الذي كان مطروحا في الثورة الاسلامية في ايران وما جاء انعكاسا لها. بعد 2001 والهجوم على نيويورك ، ثم بعد 2003 بشكل محدد ، بدأت محاولة التخلص من اعباء الاسلام السياسي. كان لدينا بديل هو اللبرالية التي تتمثل بشكل ملخص في الحريات المدنية والشخصية والمشاركة الشعبية والانتخاب كوسيلة لنيل المشروعية السياسية. وكان لدينا شعور بالحاجة للخلاص من عبء فحواه اننا كلنا مجبورون ان نكون سياسيين اسلامين لانا مسلمين.
 يعني ان هذا المشروع كان سيد المشهد في وقت من الاوقات وكانوا هم من يقود الحدث بهذا الخطاب..
 المشكلة ان كل واحد بدا يشعر انه حتى يصبح متدينا حقيقة او مسلما حقيقة ، يجب ان يؤمن بالمنظور السياسي الذي طرحه التيار الاسلامي وسمي بالاسلام السياسي. منذ 2003 بدأ الناس يتخلصون من هذه الملازمة، يعني بدأ بعض الناس يشعر انه قادر على ان يكون متدينا جدا وليبراليا جدا. لا يشعر بالتناقض بينهما فأصبحنا نستطيع ان نتحدث عن الحرية باعتبارها قيمة مستقلة عن الديموقراطية ، باعتباره مبدأ مستقلا لا يتناقص مع الاسلام ، ولا نشعر بالحاجة الى تبربر عدم تعارضه مع الاسلام، اما الربيع العربي فهو ظاهرة جديدة متصلة بحد كبير بما قبلها.
 هذا السؤال الذي كنت اريد ان اطرحه كان البعض مثلا من التيار المسمى بالصحوة الاسلامية ربما يريد ان يزعم انما حدث هو من تراكمات خطابه السياسي والاسلام السياسي هيأ لها.  في المقابل ايضا دعاة الديموقراطية والليبرالية في المنطقة يقولون هذا حصادنا ، بينما ربما مراقب اخر يقول الربيع العربي ورواد الربيع العربي وبداياته وانطلاقاته ورموزه ، ربما هو خارج عن هذين الحراكين ، بمعنى انه بين قوسين (الشارع العربي خرج ليعبر بتلقائية عن رغبته للتحرر من قيود الفقر والاستبداد.... الخ) اليست انتهازية من بعض التيارات انها تزعم انها كانت المسبب لربيع العربي؟
 اظن انهما سؤالان مختلفان. سؤال: هل كان الربيع العربي حركة شعبية؟ نعم هو بالطبع حركة شعبية متأثرة بمجموع التنظيمات السياسية والاعمال السياسية اليسارية واللبرالية والاسلامية، لابد انها كانت متأثرة.  وهل هذه التنظيمات هي التي حركت الشارع العربي؟. انا اظن لا ، ليست هي التي حركت الشارع العربي. ولو كانت هي التي لاستطاعت أن تتنبأ انه سيحدث. لكننا نعلم ان احدا لم يتنبأ. احد اصدقائي كان في سبتمبر او في نوفمبر 2010 يعني قبل انتفاضة تونس بشهرين ، كان في اسطنبول ، والتقى هنالك الشيخ راشد الغنوشي الزعيم الاسلامي التونسي ، فوجده محبطا جدا ، يعني يشعر ان الوضع في تونس لا امل فيه. يعني قبل شهرين من الثورة لم يكن يتوقع ثورة ، لا بل ويعتقد ان الثورة مستحيلة. هذا مثال ، والاستاذ الغنوشي هو من الرجال الصادقين .
 اذا كان الغنوشي قبل شهرين لم يتوقع ، لكن الا تعتبر امثال راشد الغنوشي ، الاسلام السياسي ، حتى التيار الليبرالي ، تعتبر فعلهم التالي انتهازية سياسية ، اي قطف ثمار جهد الشباب الذين ضحو بدمائهم في الشارع؟
 هذا هو السؤال الثاني : حينما تحدث ثورة شعبية او حين يظهر مركز استقطاب او نقطة استقطاب والثورات الشعبية من نقاط الاستقطاب الهائلة الكبيرة جدا ، فان كل الناس يتجهون الى هذا القطب ، يتجهون اليه لانهم يريدون تغير المسار الذي اعتادوا عليه. يعني اعتقد مثلا ان الاخوان المسلمين في مصر اليوم مختلفين عن الاخوان المسلمين قبل الثورة سياسيا وثقافيا. ربما اشخاصهم وتنظيماتهم هي نفسها ، ولكن توجهاتهم وسياساتهم ستكون بالقطع مختلفة كذلك حركة النهضة في تونس ستكون مختلفة تماما عن تلك التي سادت في المشهد قبل الثورة لان الثورة كنقطة استقطاب تجبر الانسان على ان يتخذ موقفا جديدا. واذا اتخذ الانسان موقف جديدا فسيشعر هو بالحاجة الى تبريره ثقافيا. وسيغير ثقافته تبعا لهذا. اريد فقط ان اشير الى نقطة عكسية نتحدث عنها احيانا. ربما نظن ان الانسان يغير افكاره ثم يغير مواقفه ، ثم ينتهي الى جهة او يبتعد عن جهة. الصحيح هو العكس . حينما توجد نقطة استقطاب ، تجبر الناس على تغيير مواقفهم ، فإذا غيروا مواقفهم ، سيشعرون بالحاجة الى تبرير ثقافي ، فيغيرون ثقافتهم. تغير الواقع هو الذي يغير المواقف وليس العكس. هذا ما يحدث في السياسة في الاغلب.
 البعض بما اننا نتحدث عن الظاهرة ، ينتقد هذه الظاهرة ويشكك في الربيع العربي بإعتبار انه لا توجد قيادات شعبية لهذا الحراك ماذا تقول انت؟
 احيانا نحتاج الى قائد واحيانا نحتاج الى فكرة قائدة، الفكرة القائدة تفرز لنا قادة يمكن ان يكون بعضهم جيدا وبعضهم غير جيد. بعضهم يواصلون وبعضهم يسقطون. الافكار القائدة تنتج قادة. ولا شك ان مصر اليوم ستنتج عشرات من القادة الذين لم نعرفهم ابدا من قبل شهرين او ثلاثة اشهر. ربما لا يزال الوقت مبكرا لإكتشافهم جميعا واحدا واحدا ولكن. نذكر مثلا قادة الثورة الاسلامية في ايران 1979 من كان يعرفهم؟. لا احد يعرفهم، قادة العراق قبل 2003 من كان يعرفهم؟ الثورات ، الافكار القائدة ، تنتج قادة ولكن اعطيهم وقت قليل وستعرف الكثير منهم.
 ما هو مقياس نجاح الثورة؟
  تحقيق اهدافها الاساسية. الهدف الاساسي بالنسبة الى ثورة مثل ثورة مصر وتونس هو جعل الشعب سيد الموقف. اذا اصبح الشعب هو الحاكم ، يعني اصبحت الحكومة ممثلا حقيقيا للشعب ، ستكون قد نجحت.
 لكن لابد للثورة ان تنجح؟
 لا ، بعض الثورات لا تنجح ، ولكن الثورة تحدث فرقا. يعني حتى الثورات التي فشلت مثل ثورة طلاب 1968 في فرنسا لم تستطع تغير النظام السياسي لكنها غيرت فرنسا كلها، غيرت ثقافة الفرنسيين غيرت النظام الاجتماعي....... ساعدت على خروج فرنسا من وضعها كدولة استعمارية، على سبيل المثال الثورات تغير، ثورة تيان مينج في الصين غيرت كثيرا داخل الصين لكن بقي الحزب الشيوعي حاكما.
 نعم وهذا يقود الى سؤال. هنالك البعض في الاعلام العربي على الاقل ، يريد ان ان يختزل الثورة او الربيع العربي في بعض الفوضى التي نشهدها في الشوارع العربية ، في بعض المظاهر التي لم تكتمل ، وكأن الثورة لابد ان تحقق نظام ديمقراطي بين ليلة وضحاها ، وبالتالي نتخلص من ارث اربيعن خمسين سنة من الاستبداد؟
 الذي اراه ان هناك صراع على الرموز، في مصر مثلا يريدون ان يحاكم حسني مبارك لان وجود حسني مبارك يمثل الوجود الرمزي لنظام عمره ستون عاما، يتمثل في وجود الجيش في السياسة وجود قادة الجيش كحكام على هذا الشعب. هم يريدون ان يحاكموا هذا الرمز ، هذه الفكرة ، هذا الزمن الذي يختفي وراء هذا الرمز.. اليمن مثلا يريدون خروج علي صالح ، مع انهم سيقبلون بالتأكيد باشخاص كثيرين من معاوني علي صالح ، لانهم يريدون ضرب الرمز ، يريدون التخلص من مشروعية لا تنتمي الى الحاضر ، مشروعية قديمة. ما حصل في تونس من الرغبة في محاكمة بن علي او طرد بن علي وعائلته، كذلك هي محاولة لتصفية رموز.. هنالك الان ما يمكن ان نصفه بالحرب على الرموز ، لان الناس فعلا تريد ان تشعر بالخلاص تريد ان تشعر انها استراحت من الماضي في الحاضر.
 ولكن في المقابل هنالك من يخشى ان تتحول  فكرة الثورة الى انتقامات شخصية فردية، بمعني انه ماذا نتعلم كمجتمع من الثورة؟. كيف يمكن ان تؤثر على قناعاتنا ، على تفكيرنا ، على رؤيتنا ، على مفاهيمنا. المفروض ان الثورة تدعمها ديمقراطيا.  ما الذي يمكن ان نستفيده كجماعات من ما نسميه اليوم بالربيع العربي؟
 اذا اردنا ان نفكر بشكل مثالي، حتى المجرمين السابقين هم جزء من الشعب ، ويجب ان يتمتعوا بنفس الحقوق التي يتمتع بها باقي الشعب. لكن من الناحية الواقعية هم لا يقبلون بهذا الشيء ، هم لا يقبلون ان يكونوا من هذا الشعب ، يريدون دوما ان يكونوا سادة وفوق القانون، لذلك قد يشعر الانسان بتعاطف. انا شخصيا اشعر بتعاطف مع من يريدون تصفية النظام القديم بكل رموزه واشخاصه مع انه على المستوى النظري هم جزء من الشعب ولهم حقوق كما للثوار حقوق.
 ايضا هو ليس بتبرير لكن اليس هؤلاء نتاج ثقافة اجتماعية وسياسية وفكرية سادت في العالم العربي على مدى مئة سنة؟
 على أي حال هم جزء من الشعب ، والشعب يستمد حقه في المشاركة من كونه مالكا لهذه الارض ليس لانه جيد او سيء حتى الشعب السيء هو يملك الارض لذلك هو له الحق في اتخاذ القرارات والمشاركة بالقرارات التي تتعلق بأرضه حتى لو كان فاسدا ، حتى لو كان عميلا ، حتى لو كان لصا. حقوق الناس في المشاركة السياسية مستمدة من كونهم مالكين لارضهم ، وليس من كونهم جيدين او سيئين، الذين حكموا هذه السنوات وكانو سيئين هم جزء من الشعب الذين يملكون ارضه ولهم نفس الحقوق. هذا في التصور المثالي.
 لكن المؤكد ان اليوم العالم العربي تغير ، لم يعد مثلما كان قبل خمسة سبعة اشهر؟
 ما بعد ديسمبر 2010 لن يكون مثل ما قبل ديسمبر 2010 . هذا شيء قطعي بلا جدال ليس فقط العالم العربي بل الشرق الاوسط ككل.
 الدكتور توفيق السيف في 2 مارس 2009 القيت محاضرة عن الديمقراطية في الاسلام في منتدى سيهات الثقافي. لديك ايضا كتاب اسمه الديمقراطية في بلد مسلم . السؤال لمذا ننشد الديمقراطية في الدول الاسلامية، يعود الى سؤال قديم هو الاسلام والديمقراطية؟
 التراث السياسي في الاسلام فقير جدا. حين تقرأ في كتب التراث الاسلامي ، بما فيها الكتب التي كتبت في السنوات الاخيرة ، تجد ان تصورها للسياسة تصور بسيط جدا. فهي تلخص الدولة في الحاكم. دائما يتكلمون عن صفات الحاكم ، عادات الحاكم ، كيفية انتخاب الحاكم. لا يفكرون في الدولة كمؤسسة ، ولا يفكرون في البلد ، في المجتمع السياسي كمنظومة. في الوقت الراهن نحن لا نفكر في الحاكم ،ولا يهمنا الحاكم. نحن نتحدث عن نظام سياسي ، نتحدث عن فلسفة سياسية ، فلسفة يعمل عليها النظام السياسي، نتحدث عن مؤسسة عامة ، وليس عن اشخاص. فكرة ان الدولة مؤسسة ، غير موجودة في التراث السياسي الاسلامي. لذلك عندما يتكلمون عن الديمقراطية يجدونها غريبة ، لان الديمقراطية مبدأ قابل للتطبيق على مؤسسة في منظومة اجتماعية كبيرة اسمها المجتمع السياسي الديمقراطي.
 لا فائدة من الجدل هل الاسلام يقبل الديمقراطية او لا . هذا جدل لا طائل منه ، لاننا نتحدث عن منظومتين مختلفتين . الان ، نحن كمسلمين هل نستطيع ان نصنع مؤسسة سياسية جديدة تنتمي الينا كمسلمين ، تنتمي الى افكارنا وتطلعاتنا؟ الجواب نعم نحن نستطيع ذلك ، وسيكون اسلاميا ، سيكون مقبولا في الاسلام. عند ذاك هل نستطيع ان نختار مبدأ الديمقراطية ؟، مبدا الحرية ؟. نعم نستطيع اختيارهما.
 دعني اسألك عن كتابك "رجل السياسية : دليل في الحكم الرشيد". تقول ان الانتقال الى الحداثة يتجسد على نحو ملموس من خلال تغير انماط الحياة على صعيد العلاقات الاجتماعية واللغة والسلوكيات الشخصية. مازال الخطاب الديني التكفيري موجود بيننا ، فكيف نتكلم عن الحداثة؟. هل نسبق الزمن بتحدثنا عن الحداثة ام ان مجتمعاتنا قفزت ، او ربما الربيع العربي قفز بنا فكريا فاصبحنا نستطيع  ان نتحدث عن هذه المفاهيم؟
 انا اظن اننا في الخليج بشكل خاص ، وربما في السعودية بشكل اخص ، نبالغ في تقدير القوى المضادة للحداثة. هم يعادون حقوق المراة، حرية الراي، تعدد الطوائف والمذاهب، تعدد الثقافات. ونظن ان معاداتهم لذلك هي التي تعيق التحرك. انا اظن ان موقفهم يؤثر بصورة من الصور ، ولكن ما يعيق التحول الى الحداثة ليس التيار الديني. اذا اعتبرناه كذالك فنح نبالغ في اهمية مواقفه.
 من يؤثر اكثر، القرار السياسي؟
 نعم انا اعتقد ان السياسة هي التي تعيق بالفعل. لكن هنالك حراك على مسارين متوازيين: حراك على المستوى المجتمعي سريع، المجتمع السعودي والخليجي يتطور سريعا بإتجاه الحداثة ، ويحدث نفسه ، واحيانا يحقق مطالبه بيده . المسار الثاني هو الحراك على المستوى الرسمي وهو بطيء جدا. كمثال: المجتمع يطالب بحرية التعبير، لكن الدولة لا تعطي رخص لجرائد جديدة وقنوات اعلامية . ومع ذلك لدينا الان ما لا يقل عن خمسة واربعين قناة تلفزيون فضائي مستقلة ، غير القنوات التي هي جزء من مجموعات تجارية كبيرة، بين هذه الخمس واربعين قناة ، هناك على الاقل خمسة عشر تبث من داخل الاراضي السعودية ، وكلها ليس لديها تراخيص. اي انها ممنوعة حسب القانون ، لكن لم يأت احد ويقفل مكاتبها ، ولم يات احد ليعطيها تراخيص ، فهي في المنطقة الرمادية ، لاهي قانونية ولا هي غير قانونية.
مثال اخر: التنظيمات السياسية والمهنية ليست مسموحة ولكن لدينا 200 منظمة اهلية بين سياسية وحرفية وثقافية .. الخ. هذا يدل على ان المجتمع يتطور في سياق مستقل عن تطور الدولة. لذلك قد نبالغ بقولنا ان التيار الديني قد اوقف الحداثة او اعاق تقدمها .
 الربيع العربي هل يمكن ان يعزز الخطاب المدني؟. هل يمكن ان نشهد خطاب جديد على ضوء الثورات العربية؟
 هو فعل ذلك فعلا . يعني الثورة الشعبية التي سادت العالم العربي غيرت اللغة السياسية الشعبية. لعلي ذكرت لك هذا المثال: عبارة (الثورة الشعبية) فتش في جميع ادبيات التيار الديني السلفي قبل 2010 لن تجد مفردة الثورة الشعبية في أي مكان. الان كلهم يتحدثون عن الثورة الشعبية. فكرة المشاركة الشعبية ، فكرة الحريات العامة، فكرة سيادة القانون، فكرة ان يكون الناس حكاما لانفسهم ، ان يأتي الحكم ممثلا للشعب وليس ممثلا للنخبة، هذه المبادىء الكبرى التي كانت مستنكرة في وسط التيار الديني سابقا ، او كانت على اقل التقادير مغفلة او مهملة، الان اصبحت في متن واساس الكلام السياسي في العالم العربي كله ، عند التيار الديني وغيره .
 هو جيد وان كان البعض ، ربما كما ذكرنا في بعض الاسئلة السابقة ، يقول بأنه لابد وان تمشي مع التيار ، سمه يعني انتهازية..
 هذا ليس انتهازية، هذا لأن نقاط الاستقطاب تجبر الناس على تغيير مواقفهم.
 كيف نتأكد من هذا دكتور؟
 هذا لا يحتاج للتأكد، رجال الدين، الحركات الدينية، الزعمآء السابقين، كلهم جزء من هذا الشعب.
 انا اقصد اننا لا نتحدث عن القيادات. في الخطاب الديني او في الاسلام السياسي قيادات جديدة متأثره جدا بالفكر الجديد .هي  الى حد كبير قريبة من رموز  التيار السلفي السابق . وبعضهم يميل الى التكفير ، يميل الى رفض  الحداثة ، ويبررها بالخوف من التغريب، الى اخره. هنآك وجاهه لمثل هذا القلق ، لعل المسألة عندهم ليست سوى ركوب الموجة..
 لنفترض انهم ركبوا الموجة. انا لا افترض هذا الشيء. لكن لنذهب معك ونفترض انهم ركبوا الموجة. الثورة الشعبية تعيد هيكلة توازن القوى، تغير توازنات القوة ، وتمنح جزءا كبيرا من القوة للشعب في الشارع. اذا قلنا بأن الشعب الذي في الشارع اصبح قويا واصبح مؤثرا ، وهو الذي يقود ، او هو الذي يقرر ماذا يفعل، فلماذا نخشى اذا رجل دين او زعيم سياسي اصبح معه؟ اذا هل نظن ان هذا الشعب لا زال مجموعة جهال يؤثر عليهم أي راكب؟
 لا ولكن رجل الدين يأتي بشيء ما من القدسيه في خطابه  وهذا يؤثر في المجتمعات المتدينة بطبيعتها!
 هذا قبل الثوره، بعد الثوره الناس يغيرون ثقافتهم، الناس ينضجون ، يعني الان في مصر مثلا : لماذا لم يستطع رجال الدين ركوب الموجة؟. انظر مثلا : كم عدد رجال الدين الذين اصبحو قادة الثورة في مصر ، أو في تونس. كم عددهم بالقياس الى المجموع؟.  ليسوا كثيرين، لان الناس اصبحو انضج، الثورة تنضج الناس. وحينما ينضج الانسان ينضج عقله وفكره يصبح اقدر على الاختيار.
 بمقابل الدولة المدنية دكتور توفيق هناك من يدعو الى دولة دينية. مازالت الدعوة موجودة ، والحديث عن الدولة الدينية موجود.. هل تتناقض الدولة المدنية مع الدولة الدينية في رأيك؟
 الدولة الدينية هي دولة مدنية . بمعنى ان الدولة تصدر في اوامرها عن رأي الحاكم وليس عن علم الله. وتذكر احاديث في هذا المجال ، لا اريد الاستطراد فيها ، ولكن احدها يقول اذا نزلت على قوم، يعني اخضعتهم، فأنزلهم على حكمك ولا تنزلهم على حكم الله، لأنك لا تدري أتصيب حكم الله ام تخطي، هذا مضمون لحديث نبوي مشهور. الحاكم والقائد ينزل الناس على حكمه هو ، على رأيه هو ، وليس على حكم الله عز وجل ، لأنه لا يعلم بحقيقة حكم الله، وهو يخطئ ويصيب.
 هل هناك دولة دينيه هل حدث ان عشنا دولة دينيه في التاريخ؟
 لا اعلم حقيقة ولا أرى ان هذا مهم، الذي اقول ان الدولة الدينية هي دولة مدنية. يعني اذا اردنا دولة تتمتع بالمشروعية الدينية ، يرضى عنها الله عز وجل ، فهي الدولة المدنية ، التي تحكم بالعدل ، تشرك الناس ، تعطي كل شيء للجمهور، الجمهور هو صاحب الثورة.
 وفقا لدساتير لقوانين لأنظمة واضحه حتى لا يستغل الدين لتبرير الاستبدال.
 الدولة الصالحة هي دولة تعاقدية.
 في محاضرة لك بمنتدى الدكتور راشد المبارك بالرياض 2 يناير 2011 ذكرت ان مفهوم الوطن الجديد يتألف من ثلاثة عناصر اساسية: «ارض وعقد ومشاركة نشطة». ما المقصود هنا بالعقد والتعاقد، هذا المفهوم بعد بداية الربيع العربي هل سيتأثر هل سيتغير مصطلحات مثل ولي الامر والتبريرات الدينية، مفهوم التعاقد هل سيتأثر بما يحدث اليوم؟
 ببساطة: الناس يملكون الحق في المشاركة في القرار لأنهم يملكون الارض التي يسكنونها، ملكية التراب الوطني هي التي تجعل لكل فرد من افراد الشعب الحق في المشاركة في القرار السياسي، هذا الذي يسمى بالمشاركة الشعبية. تنظيم هذه العملية يجري في اطار ما يسمى بالعقد الاجتماعي، العقد الاجتماعي هو عقد ذو بعدين: بين الناس انفسهم حول تكييف علاقتهم مع بعضهم، ادارة امورهم المشتركة، تقرير مستقبلهم المشترك، الى اخره، هذا ينتج ما نسميه "الاجماع الوطني". البعد الثاني من العقد، هو تعاقد مجموع الناس مع الهيئة التي تدير العقد، التي تدير البلد بمعنى الحكومة.
 تتحدث عن الدستور الان؟
 نعم وهو الدستور، الحكومة في الحقيقة هي ممثل للشعب، هي وكيل عن الشعب وليست جهة مستقلة. فإذا عمل مجموعة من الناس الحكم كجهة مستقله ، يعني بغض النظر عن رأي الناس و قرار الناس ،هؤلاء يسمون حراميه ، يكونو باغين على موكليهم ، باغين على المالك الاصلي. والاصل انهم مجرد موظفين عند المجتمع، والموظف يجب ان يعمل لصالح رب العمل، رب العمل هو الشعب ، هو المجتمع.
 وهذا ما عشناه في المنطقة العربية ان عندك دساتير وبرلمانات ومسائل شكلية يعني في الاخير ان لم تطبق هذه النظريه كما تقول انت فتكون هذه من العوآمل التي تقود الى الثورة؟
 الانفصال بين المجتمع والدولة يؤدي الى سقوط مشروعية الدولة وسعي الشعب الى تغييرها. هذه هي الثوره، الثوره هي سعي الشعب لتغيير حكومة فقدت مشروعيتها.
 نعيدك الى مفهوم الدولة الدينية والدولة المدنية، يقف اللبرآليون خاصة في منطقتنا ضد مفهوم الدولة الدينية فيما الاسلاميين ضد فكرة الدولة المدنية. يعني على الورق جميل جدا ، ولكن ممكن احد يسأل ماهي المرجعية الدينية التي من خلالها نقرر القوانين والدساتير والانظمة؟
 مافي مرجعية دينية، هناك مرجعية شعبية. لان الدولة هي نتاج لعقد اجتماعي.
 اذا لنتحدث عن دولة مدنية الان..
 هذا هو الذي اقوله. اقول ان الاسلام يسعى لدولة مدنية بمعنى دولة يحكم الناس فيها بأعتبارهم بشرا ، وليس كأنصاف الهة، يحكمون فيها بأعتبارهم ممثلين للشعب وليس ممثلين لله عز وجل، تفويضهم جاء من المجتمع وليس من الله. فهي دولة مدنية. القاضي حينما يطبق حكما شرعيا هل يطبقه بالاقناع ام بالجبر، الذي يطيع حكم القاضي او الذي يطيع حكم الدولة يطيعه خوفا من العقاب وليس رغبة في رضى الله. هذا هو تطبيق القانون وهذا هو الذي يريده الاسلام، الاسلام يريد على المستوى السياسي وعلى مستوى الدولة، دولة فيها قانون وفيها اشخاص يحكمون نيابة عن الجمهور. اما على المستوى الشخصي والفردي، فالاسلام يريدني ان اتقي الله عز وجل وان اتورع عن محارمه وان أؤدي عباداتي وبقية ما امرني به. بعبارة اخرى القانون الاسلامي او النظام الاسلامي هو النظام الذي يحقق اهداف الشريعة الإسلامية وابرزها العدل. اما في الكيفيه فلا توجد كيفية خاصة.
 جميل، اذا لنعيدك لدراسة لك منشوره في مجلة الكلمة في 13 يونيو 2011 بعنوان نموذج الدولة الدينية عند الاصلاحيين المعاصرين في ايران، تقول: يدعو الاصلاحيون الى نموذج للحكم يقارب الى حد كبير النموذج الليبرالي فهو يرى ان الدولة تعاقدية وممثله لمصالح متنوعه لمواطنيها وليست ممثله للسماء وهم يدركون تماما ان مفهوما كهذا لا يسهل تأسيسه على ارضية النموذج الديني الموروث. هل معنى ذلك ان الاصلاحيين اليوم هم ضد ولاية الفقيه التي يفترض انها لاتتناسب مع الدولة المدنية؟
 ولاية الفقيه هي احدى النظريات، نظرية تستهدف تفسير المشروعية الدينية للدولة. واعتقد انها أدت غرضها فعلا. يعني في وقت من الاوقات كانت مفيدة وضرورية. لكنها أدت غرضها ، واظن انه حان الوقت لتجاوزها الى نظريات ارقى. لعل ابرز الاشكالات في نظرية ولاية الفقيه انها لا تعطي مساحات كبيرة للمجتمع «الشعب». وقد حان الوقت لكي يصبح المجتمع حاكما لنفسه وهذا ايضا مقبول على اساس القيم الإسلامية.
 ما الذي يعيق قيام ثورة شبابية بمفاهيم سياسيه جديدة في ايران، اذا اخذنا مثال الثوره الايرانية فرضت مفهوم اقرب مايكون الى الدولة الدينية؟
  في 2009 ، بعد الانتخابات الرئاسية حدثت مثل هذه الثورة ، او لنقل انتفاضة ، لكنها قمعت. ولم يكن يومذاك متابعة اعلامية قوية وقادره مثلما هي اليوم ، ولذا لم نعايش الحدث بتفاصيله.
 الاعلام الجديد تحديدا لعب دور اعطاء الناس المجتمعات العربية ادوات جديده لتمكين المجتمع للتواصل مع بعضه لترتيب اموره..
 لان القوة المتحركة في الثورة هي في الاساس الجيل الجديد ، الطبقة الوسطى،  الشباب، تطور وسائل الاتصال مكن الطبقه الوسطى من خرق الحدود القديمة والحجب القديمة ولا سيما موضوع الرقابة.
 هل هذا يقلل من شأن الثورات التي اعتمدت على تقنيات عالمية جديدة عكس الثورات التي نشأت، يعني في ثورات كثيرة لم يكن هناك اعلام اصلا على مدى طويل ولكن نجحت في الاخير؟
 الثورات التي تنشأ في جو مثل هذا سيكون عدد المشاركين فيها اكبر سيكون تأثيرها اوسع.
 اذا لنسألك عن اقتراح فلسفي او مثل احد المصطلحات تقول في دراسة منشورة في مجلة الكلمة الفصلية ايضا 13 يونيو 2011 : انت استعملت تعبير "استقلال السياسة عن الدين" بدلا من "فصل السياسة عن الدين"، مالفارق بين التعبيرين؟
 احيانا نقول ان الدين لا يجب ان يتدخل في السياسة اصلا، احيانا نقول لا بأس بتدخل الدين في السياسة، وانه يجب على السياسة ان تستهدف تثبيت وترسيخ القيم الدينية العليا مثل قيمة العدل. لكن لا يلزم من هذا ان يكون رجل الدين هو رجل السياسة، بدون إلزام ان تكون المؤسسة الدينية هي الحاكمه. انا ادعو الى الفصل التام بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية بمعنى تجريد الدولة من سلطة الامر بأسم الله او استعمال الدين في اوامرها، وتجريد المؤسسة الدينية من قوة الدولة، من مال الدولة من سلاح الدولة من الامر ووضع القوانين بأسم الدولة . الفصل بين المؤسسه الدينية والمؤسسه السياسيه ينتج دولة متعادله ولا يضر بمبدأ يعني تلازم السياسي مع الديني . هو ليس فصلا بين الدين والسياسة ، وليس تلبيسا للدين في السياسة. فتصبح المؤسسة الدينية اهلية، الناس يتعاملون معها كمؤسسة اهلية بدون خوف منها وبدون طمع فيها.
 في ظل كل هذا الحديث ونحن في حديث الخليج، اين نحن في الخليج من كل هذه الظواهر بأمانة وبحياد قدر ماتستطيع: هل دول الخليج في منأى عن هذه الظاهرة؟
 لا لسنا في منأى. وقد تأثرنا بشكل عميق جدا. واظن ان بعضنا في الطريق، لكننا نحتاج الى معالجة بعض الاشكالات التي قد تتفجر في ظل هذا الحدث او غيره.  نحتاج الى تكوين كتلة اصلاحيه على المستوى الخليجي، كتلة تدعو الى اعتماد مبادئ الحريه وحقوق الانسان ، نبذ الفئويه والطائفيه والمناطقيه ، وتفضيل الناس بناء على سماتهم الموروثه، كتلة تدعو الى تغيير سلمي لتلافي احتمالات الانزلاق الى العنف ، وهذا محتمل في بعض المناطق. انا ادعو حقيقة الى تشكيل كتلة اصلاحيه خليجية تتعاون مع الحكومات ، تتعاون مع النخب ، ومع رجال الدين ومع قطاع الاعمال ، تتعاون مع الشباب ، من اجل تفصيح وتوضيح طريق مناسب للاصلاح التدريجي الذي سنضطر اليه والا سنواجه الكارثه.
 لننقل الموضوع من الخليج بشكل عام الى السعودية بشكل خاص كونك جاي من السعودية؟
 اعتقد ان هذا ينطبق على المملكة، المملكة مضطرة الى اصلاحات سياسية كبيرة جدا ومؤلمة ايضا، مضطرة الى ذلك لانها تضر بمصالح الكثير من النخبة الحاكمة، وكثير من النخبة النافذة ايضا وقد تضر بمصالح قطاع من الجمهور. يجب ان نقدم على اصلاحات عميقة والا قد نواجه انهيار شاملا وهذا مالا نريد الوصول اليه.

مقالات ذات علاقة