الاثنين، 1 أغسطس 2011

الهوية الوطنية الجامعة: دور الدولة في اطلاق او تثبيط التوتر الطائفي


يجادل هذا الفصل بان غياب العدالة الاجتماعية هو الذي يحول عناصر التمايز (المادية او الثقافية) الى خطوط انكسار في علاقة الاقلية بالنظام السياسي. الذي يولَّد المشكلة ليس التنوع المذهبي بل التمييز الطائفي. والتمييز سياسي في حقيقته ولو لبس رداء الدين . ولو لم يكن التبرير المذهبي فعالا لراينا واجهات اخرى تلعب الدور نفسه. تميل النخب السياسية الى تنشيط الخطاب المذهبي/ الطائفي بالنظر إلى عاملين: أولهما قدرة هذا الخطاب على التعبئة والحشد وتوفير المشروعية ، وقدرته على ترسيم الحدود الجغرافية أو الاجتماعية لموضوع المشكلة.
***
بين منتصف ديسمبر 2010 ومنتصف مارس 2011 شهد العالم العربي احداثا تفوق الخيال.. ثورة شعبية في مصر وتونس اسقطت نظامين من اكثر النظم السياسية العربية رسوخا وقوة ، وزلزلت  ثلاثة انظمة اخرى ليست باقل قوة : ليبيا واليمن وسوريا ، وهزت معظم النظم الاخرى. في كل هذه الثورات كان المطلب الجوهري هو الحريات المدنية والمشاركة الكاملة للجمهور العام في صناعة القرار السياسي. هذه الظاهرة غير المسبوقة في العالم العربي تشير الى بداية ما يمكن وصفه بعصر المشاركة الشعبية الفاعلة، وهي بالتاكيد ايذان بالانتقال من دولة النخبة الى دولة المواطن. الدافع الرئيس لهذا النهوض هو شعور عامة الناس باغفال الانظمة السياسية الحاكمة لمبدأ العدالة الاجتماعية ، وارساء منظومات قيمة وسلوكيات تخدم الفئات الحاكمة وبيئاتها الاجتماعية الخاصة دون جمهور المواطنين.  

العدالة الاجتماعية

يوصف النظام الاجتماعي/السياسي بانه عادل او ظالم. العدالة الاجتماعية ليست مجرد وصف تجميلي او اضافي. بل هي منظومة متكاملة من القيم والمباديء والسياسات والاجراءات التنفيذية، ينبغي ان تتشكل منها وعلى ضوئها استراتيجيات العمل العام، ويعتبر انجاز اغراضها معيارا لقياس نجاح الحكومة او فشلها في القيام بدورها المحوري. لسوء الحظ فان الثقافة السياسية العربية تفاخر بعدالة الاسلام وتعظم قيمة العدالة ، لكنها في الوقت نفسه تفتقر بشكل مريع الى المعايير الواقعية التي توضح كيفية تقييم افعال البشر وممارساتهم رجوعا الى قيمة العدالة. من دون هذه المعايير لا يمكن الحكم على افعال الناس والسياسات العامة. بل ان بقاء قيمة العدالة في صورتها المطلقة والمجردة قد يسمح باستعمالها لتغطية تطبيقات تنطوي على ظلم صريح او ضمني. خلال النصف الثاني من القرن العشرين كانت "العدالة الاجتماعية" عنوانا للكثير من السياسات الاقتصادية للدولة العربية التي تبنت النموذج الاشتراكي مثل جنوب اليمن والعراق وسوريا والجزائر وليبيا ومصر. لكننا نعلم اليوم ان تلك السياسات كانت ظالمة في الغالب.
ولو اتيحت لك الفرصة للتأمل في بعض ما كتبه قدامى الاسلاميين واتباعهم من المعاصرين حول النساء وحقوقهن، وحول العلاقة مع غير المسلمين، بل وحتى المسلمين من غير اهل الديار، وحول حقوق الطبقات الاجتماعية المختلفة والقيم الناظمة للعلاقة بينها، فسوف تجد الكثير من الاراء والافعال التي تنطوي على ظلم لا يمكن انكاره. لكنها مع وضوح ما فيها من ظلم لله ولعباد الله ، تطرح وتطبق باعتبارها اراء او ممارسات دينية. ويجري هذا على مرآى ومسمع من جميع اهل العلم الديني الذين يتفقون على ان العدل من المقاصد العليا للدين ، ومن المعايير الكبرى لسلامة الحكم الشرعي الفرعي او تطبيقاته.
نحن لا نتحدث هنا عن وقائع تاريخية ، بل عن حوادث تقع في ايامنا هذه، في مجتمعنا وحواليه. نعرف ان بعض القبائل العربية مازالت ترى في نسبها القبلي الخاص عنصر امتياز على الغير. ولعل بعض القراء مطلع على الاراء الفقهية والاحكام القضائية التي تسمح بالتفريق بين الازواج بناء على هذا المبرر، اي القول بامكانية التفاوت العرقي او الطبيعي بين الناس. وهناك من قومنا من يقر بتكافؤ البشر عند الولادة، لكنه يقبل ايضا بفكرة التفاوت المكتسب. اي التفاوت بين الناس بسبب انتماءاتهم. ونعرف ان بعض الاقطار (ومنها الكويت مثلا) تتبع نظام مواطنة مزدوجا، يقسم الناس الى مواطن درجة اولى وثانية. ويترتب على هذا الفارق تفاوت في بعض حقوق المواطنة. ومن الامور الرائجة في كثير من البلدان ، ومنها بلدنا ، التمييز بين المواطنين المنحدرين من اصول محلية وبين المهاجرين او المتجنسين. وثمة فقهاء مسلمون يحكمون بنجاسة غير المسلمين عامة، وهناك من يقصر الحكم على المشركين دون اهل الكتاب. وذهب بعض فقهاء العصور السالفة الى اشتراط الاصل العربي في التأهل للخلافة وإمرة المسلمين. واشترط آخرون النسب القرشي دون سائر العرب. وحصرها بعضهم في بني هاشم دون سائر قريش.
هذه الاراء جميعها تنطلق من اساس فكري واحد، خلاصته ان السلطة والموارد العامة هي امتياز تختص به الفئة المميزة، سواء كانت عرقا او قبيلة او دينا او مذهبا سياسيا او غير ذلك. وبناء عليه فانه يمكن تصور النظام الاجتماعي القائم على هذا الاساس كنظام ذي هيكلية مزدوجة يسمح لمختلف الناس ان يعيشوا في ظله، لكن من دون التمتع بالمساواة في الحقوق والامتيازات. ويستند غالب تلك التطبيقات الى اجتهادات سياسية او قانونية معاصرة او اجتهادات فقهية قديمة ، ويرجع بعض هذه الاجتهادات الى روايات او تفسير لروايات. وهذا احد الاسباب التي تحمل بعض قومنا على المنافحة عنها وتبريرها.
لكن ايا كانت المبررات والمراجع ، فانها لا تستطيع اخفاء حقيقة كونها نقيضا لمبدأ العدالة في صورته البسيطة والسابقة لاي اجتهاد او تفسير. وهي ايضا نقيض لروح الشريعة القائمة على الاقرار بالتكافؤ بين الناس والتعويل في التمايز بينهم على خياراتهم الشخصية وكفاءاتهم المكتسبة واعمالهم.
كنت قد اشرت في كتابات سابقة الى ما اعتقد من تاثر الفقهاء المسلمين ببعض مقولات الفلسفة اليونانية القديمة، ومن بينها تصورهم للعلاقة بين العدالة والمساواة. رغم احتفاء الفلاسفة اليونانيين بمبدأ العدالة، الا ان الصور التطبيقية التي وضعوها كانت مشروطة بالنظام الاجتماعي/السياسي لمدينة اثينا. وهم لهذا السبب لم يجدوا حرجا في القبول باستعباد الاجانب وحرمان النساء من الحقوق المدنية ، وحرمان غير الاثينيين (او البرابرة حسب وصفهم) من الامتيازات التي يحصل عليها المواطن الاثيني. ولعل بعضنا يرى ان التطبيق الاسلامي لمبدأ العدالة ينبغي ان يخضع ايضا للتنظيم الخاص للمجتمع المسلم. ومعنى ذلك ان العدالة ليست من القيم العقلية المستقلة، كما يدعي الفلاسفة، وليست جزءا من الجوهر الانساني للانسان، كما يدعي الاخلاقيون، وليست معيارا اعلى لصلاح النظام الاجتماعي، كما يدعي علماء الاجتماع والسياسة. بل هي قيمة اجتماعية فرعية يتحدد مفهومها ومعناها وتطبيقها تبعا لثقافة المجتمع وما توافق عليه من نظم وأعراف. بعبارة اخرى فان المضمون النهائي لهذا الفهم يقرر ان العدالة ليست قيمة مطلقة وموضوعية، بل هي قيمة نسبية، وليست مصدرا لقواعد العمل التي توافقت عليها الجماعة ، بل فرع عنها.
لحسن الحظ فان مبدأ العدالة قد استعاد في زماننا هذا مكانته السامية ، وسلم جميع الناس به كقيمة عليا مستقلة ومعيار يرجع اليه في محاكمة سائر القوانين والافكار والسياسات ، وانه حق لجميع الناس بغض النظر عن مكانهم او مكانتهم او اطارهم الاجتماعي او موقفهم الثقافي او القانوني. ولهذا فاننا لا نحتاج الى مجادلة التصور القديم.
صحيح ان ثقافتنا فقيرة نوعا ما في هذا الجوانب ، وصحيح ان مجتمعاتنا ومجتمعات اخرى في العالم قد سارت في ماضيها – او في حاضر بعضها – بعكس هذا الاتجاه. الا ان هذا لا يقلل ابدا من قيمة تلك الاركان ، ولا يدفعنا للنظر اليها كامور فرعية او نسبية . ويكفينا ما يشعر به اي عاقل من الم ودهشة حين يقرأ تاريخ الجماعات التي انكرت مبدأ المساواة مثل الحزب النازي في المانيا الذي ادعى تفوق ابناء العرق الجرماني على بقية البشر ، وخاض لاجل ذلك الحرب العالمية الثانية التي كلفت العالم ملايين من القتلى . وكذلك الامر في تاريخ التمييز العنصري الذي ساد في الولايات المتحدة الامريكية حتى منتصف القرن الماضي. ونظيره في افريقيا الجنوبية.
يقوم النظام الاجتماعي العادل على ثلاثة اركان اساسية :
 اولها التكافؤ بين الناس عند الولادة ، والذي يترتب عليه المساواة بين ابناء المجتمع في الحقوق والواجبات.
وثانيها الضمان القانوني للحقوق والحريات الطبيعية والمدنية.
وثالثها سيادة القانون.

 المساواة: من دولة الاكثرية الى دولة المواطن

قلنا ان الثقافة السياسية العربية فقيرة ، وان هذا الفقر ملحوظ في وسط الجمهور والنخبة على السواء. ابرز شواهد فقر الثقافة السياسية للنخب الحاكمة هو غياب القيم الاساسية التي تحكم العلاقة بين المجتمع والدولة. بين القيم الغائبة مثلا مبدا سيادة الشعب المتاتي من ملكيته للارض التي يسكنها. بديهي أن الدولة – أًيا كانت صفتها- لم تخلق البشر ولا أرضهم. وهي لم تجلب هؤلاء المواطنين من أماكن أخرى وتعمر أرضهم وتسكنهم فيها. بعبارة أخرى فإن الأرض التي تخضع لسلطان الدولة هي ملك أصلي للذين يعيشون فوقها. وبموجب هذا الملك فإنهم وحدهم أصحاب الحق في إدارة مواردها والتصرف فيها. الدولة لا حق لها في أي شيء من تلك التصرفات إلا إذا اتفق أولئك المالكون على تفويضها هذا الحق. ملكية الأرض أعلى وأسبق - من حيث قابليتها لتوليد حقوق التصرف- من الدين والقانون والتوافقات، وإنما تصبح أحكام الدين والقانون سارية إذا وافق المالك على الخضوع لها.
أشرنا إلى هذا المثال دون غيره لبيان أن حقوق الأقلية مثل حقوق الأكثرية نابعة من كونها مالكة للأرض أو شريكة في ملك الأرض ومواردها. ومن هنا نقول: إن الدعوة للمساواة والعدالة في توزيع الموارد، ليست مجرد دعوة أخلاقية أو ضرورة سياسية. بل هي أولاً وقبل كل شيء تعبير عن حق أصلي ثابت ، سابق للدولة والدين والقانون. وإنما تأتي القوانين والأحكام لتنظيم القيام بهذا الحق وتمكين كل فرد من أن يحصل على نصيبه العادل منه.
والحق ان العالم كله يأخذ اليوم بمفهوم الشراكة هذا. الدول العربية تقع ضمن شريحة صغيرة جدا ضمن 194 دولة عضو في الامم المتحدة ما زالت تعيش على النظم والقيم القديمة التي تنكر شراكة الجمهور وملكيته لارضه وما يترتب عليها من حقوق سياسية. نتحدث احيانا عن عالم ما قبل قرنين ، فنستنكر ما جرى فيه ، لكن ذلك العالم مازال قائما – ولو بتمثيلات مصغرة – في الدول العربية المعاصرة . نتذكر مثلا مقولة ملك فرنسا لويس الرابع عشر «الدولة هي أنا» التي تختصر واقع الحال في الأكثرية الساحقة من أقطار العالم يومذاك. ولعلنا نتذكر ما نقله مؤرخو العالم الإسلامي عن تحول الناس عن الدين أو المذهب الغالب في بلدهم إذا تولى الحكم ملك يتبع مذهباً مختلفاً. يمكن القول بكلام مجمل: إن الخضوع والتسليم لشخص الحاكم كان المضمون العام لعلاقة المجتمع مع حكومته.
تغيير تلك المفاهيم بدأ في اوربا خلال القرن السابع عشر ، متاثرا بالأفكار السياسية الجديدة التي أطلقها فلاسفة عصر النهضة. كما اكتسب التغيير زخماً إضافيًّا بعد الحروب الأهلية والنزاعات الدينية والحركات الثورية، لا سيما الثورتين الفرنسية (1789) والأمريكية (1783). جوهر التغيُّر المذكور هو تحول صفة الدولة من حاكم فوق الشعب إلى حكم بين أفراد الشعب وممثل للمجتمع ، تستمد سلطتها منه. وترتب عليه نزع الصفة المتعالية للدولة، وتحديد سلطتها واعتبارها مسؤولة عن أعمالها وعما يجري إجمالاً في الإقليم السياسي الخاضع لسلطانها.
وصل التغيير في الدول الصناعية إلى مرحلة متقدمة من النضج ، فرسخت مفاهيم مثل الحقوق الطبيعية والمدنية والمساواة بين المواطنين، وحاكمية القانون وكون الدولة ضامناً للحقوق الدستورية لكل مواطن. ولهذا فإن الاختلاف المذهبي أو الديني بين أبناء الوطن الواحد لم يعد مشكلة أو مولداً لمشكلة. فعدا عن الحق الأولي في المساواة بين الأفراد بغض النظر عن معتقداتهم، فإن النظام السياسي يوفر آليات قانونية محددة وموثوقة لمعالجة التمييز والعدوان فور حدوثه.
سار العالم الإسلامي في طريق مختلف. فبعد استقلال أقطاره، هيمنت على الحياة السياسية نخب اوتوقراطية تفهم الدولة والمجتمع في نفس الإطار الذي كان متعارفا في القرون الوسطى ، أي اعتبار الدولة هيئة مستقلة عن المجتمع ، تتمتع بسلطات مطلقة. لا يمكن بطبيعة الحال إفراد النخب الحاكمة باللوم على ما جرى. فالمجتمعات المسلمة وقادة الرأي من أهلها يتحملون نصيباً من اللوم على افتقارها إلى ثقافة سياسية تُعلي شأن الإنسان الفرد وحقوقه، وتسمح بالتفكير في سلطة تمثيلية منبعثة من المجتمع.  اغفلت الدولة والمجتمع العربي حقيقة كون الناس مالكين لأرضهم، بل واعتبروها -صراحة أو ضمناً- ملكاً للدولة المستقلة عن المجتمع والحاكمة فوقه. وانطلاقاً من هذا الفهم أهملت الدولة العربية مسألة العدالة في توزيع الموارد . ثم انكرت على عامة الشعب حقه في المشاركة الكاملة في صناعة السياسات التي تؤثر على حاضره ومستقبله. في بعض الحالات وجدنا طبقات أو طوائف أو قبائل بعينها تستأثر بمعظم خيرات البلد ومناصب الدولة ، حتى اصبحت هي والدولة شيئا واحدا ، بينما اكثرية الناس لا حظ لهم ولا حصة ولا صوتا.
على المستوى النظري فان جميع دساتير الدول العربية – عدا اثنين او ثلاثة ربما - يقرر ان الشعب هو مصدر السلطة. الا ان هذا لا يكشف عن حقيقة الحال. كي يتحول هذا المفهوم الى واقع ، فاننا بحاجة الى التاكيد على قاعدته الفلسفية ، اي كون الشعب مالكا للاقليم الارضي الذي هو وطنهم.
التطبيق الاولي لمبدأ العدالة في الاطار الوطني هو تنظيم العلاقة بين ابناء البلد الواحد على قاعدة "الشراكة في تراب الوطن". طبقا لهذا المفهوم فان جميع اعضاء المجتمع، سواء ولدوا فيه او انتموا اليه لاحقا، شركاء في ملكية الارض التي يقوم عليها هذا المجتمع وتخضع لنظامه. ويقترب هذا المفهوم الى حد كبير من فكرة "الخراج" المعروفة في الفقه الاسلامي القديم، التي تؤكد على ملكية عامة المسلمين للموارد الطبيعية ملكا مشاعا[1].
بناء على مفهوم الشراكة فان المواطنين يولدون متساوين متكافئين ويبقون كذلك طيلة حياتهم. ليس فقط لان القانون اقر لهم بهذه الصفة، بل لكونهم شركاء في ملكية النظام الاجتماعي بمجمله. ومن هنا فان اي عضو في هذا النظام لا يستطيع الغاء عضوية الاخر، لأنها ليست منحة بل حق مترتب على ملكية مشروعة. التمتع بحقوق المواطنة يعني ان يتمتع الجميع بنفس القدر من الفرص المتاحة على المستوى الوطني. الوطن في هذا المفهوم لا يتكون من اقلية واكثرية بل من مواطنين متكافئين بغض النظر عن اصولهم العرقية وجنسهم وانتماءاتهم الثقافية والاجتماعية.
واجه هذا المفهوم الأولي الكثير من المجادلات في بداية ظهوره. لكنه تطور في اطار الفلسفة الليبرالية. وتحول من ثم الى قاعدة للعمل السياسي في الدول الحديثة. اول التمثيلات السياسية لمفهوم الشراكة في التراب، هو نظرية العقد الاجتماعي ، وهي الارضية الفلسفية لفكرة المجتمع المدني التي تعد ابرز اطارات المشاركة السياسية في عالم اليوم. وثمة بين الفلاسفة المعاصرين، من يدعو الى نظرية مماثلة على المستوى الكوني. واخص بالذكر استاذنا البروفسور جون كين الذي يدعو الى نظام عالمي يشترك فيه جميع البشر او من يمثلهم، من اجل تطوير الموارد الكونية ومكافحة التدمير الذي تتعرض له بيئة الارض، لانها ملك للجميع. مالم يكن النظام السياسي عادلا فانه سيبقى فاقدا للشرعية . فقدان الشرعية يعني اعتبار رجال الدولة غاصبين ومعتدين على حقوق الناس. ولا يمكن اعتبار النظام الاجتماعي-السياسي عادلا ما لم يقم فلسفته على ارضية الشراكة ، اي شراكة جميع المواطنين في التراب الوطني ، ويترتب عليهم تساويهم جميعا في الحقوق والواجبات ، وضمان القانون والدولة لتطبيقات هذا المبدأ.

 توازن القوى داخل النظام الاجتماعي كضرورة للعدالة: مقاربة جون راولز

لعل ابرز المقاربات النظرية لموضوع العدالة الاجتماعية في الوقت الراهن هي المقاربة التي طورها الفيلسوف الامريكي جون راولز في اطار ما يعرف بالاتجاه المساواتي=Egalitarian (يوصف احيانا بالمجتمعي =Communitarian) ، وهو يمثل نوعا من التمرد على الليبرالية الكلاسيكية ولا سيما تصورها عن الفرد وعلاقته بالجماعة. يفسر راولز "العدالة الاجتماعية" في معنى تعدد الخيارات المتاحة للافراد والقابلة للتحويل الى اعمال او مكاسب تجعلهم اكثر قدرة على السيطرة على مصائرهم وادارة حياتهم على النحو الذي يحقق ذاتهم ويجعلهم اكثر سعادة. ويركز راولز على الربط بين المباديء النظرية الاساسية وبين الجهد القانوني والمؤسسي والسياسي الذي يبذله المجتمع لتمكين الافراد من الاختيار بين انماط حياة مختلفة وطرق مختلفة للنمو الشخصي. وحسب رايه فان النظام الاجتماعي العادل هو ذلك الذي يتيح لافراده شريحة اكبر من الخيارات وينظم سياساته ومؤسساته على نحو يكفل للاكثرية الساحقة امكانية الاستفادة القصوى من تلك الفرص.
يعتقد راولز ان مجرد الاقرار القانوني بحقوق الافراد لا يكفي لجعل الناس متساوين او متمتعين بحقوقهم القانونية. التوزيع العادل للمنافع والخيرات العامة في اي مجتمع ، ونسبة ما يحصل عليه كل فرد من حقوق ، ليس مسألة قانونية بحتة ، بل هو محصلة لعوامل عديدة ابرزها توازن القوى داخل النظام الاجتماعي[2].
نظريا، يعترف القانون للطبقات الفقيرة ونظيرتها الميسورة بنفس المستوى من الحقوق والمنافع. لكن هذا الاقرار عديم الفائدة على المستوى العملي، لان الفقراء لا يمتلكون الادوات اللازمة للاستفادة من الحقوق التي اقرها القانون. في معظم دول العالم الثالث ، ثمة على حواشي المدن الكبرى مئات الالاف من سكان ما يسمى بمدن الصفيح او احزمة الفقر. في العاصمة البنغالية داكا يتمتع الالاف ممن ينامون في الشوارع بالحق في الترشح لعضوية البرلمان ، والوصول الى المناصب الكبرى ، مثل نظرائهم من سكان الاحياء الثرية – نظريا على الاقل - . لكن واقع حالهم يقول ان هذا الحق ليس اكثر من فرضية مستحيلة. بل انه بالنسبة اليهم مجرد حكاية خيالية ، يسمعونها في اخبار التلفزيون حين يتحدث الرؤساء والسياسيون. ذلك ان الحياة اليومية لهؤلاء الفقراء مكرسة لتدبير لقمة العيش . من لا يعمل اليوم فقد يجوع غدا . يعرف هؤلاء وغيرهم ان الوصول الى البرلمان والمشاركة الفعلية يتوقف على توفر ملاءة مالية واستعداد ذهني ومستوى ثقافي وقدرة على توفير ادوات عمل مكلفة لا تتوفر لغير النخبة. لا بد اذن من ملاحظة الفارق الواضح بين تمتع الفرد بالحق وقدرته على ممارسته. وفي الحالة الثانية ثمة شريحة كبيرة من المجتمع ستبقى محرومة – فعليا – من التمتع بحقوقها بسبب التفاوت الفاحش في مصادر القوة بينها وبين الطبقات الاخرى، او بسبب تخلف البنية الاساسية في البلد ككل، الامر الذي ينعكس على مصادر المعيشة والامن والتعليم الخ.
من هنا فقد ركز الاتجاه المساواتي على ان تمتع الجميع بشكل فعلي بالقدرة على ممارسة  حقوقهم المقررة في القانون هو جزء من مفهوم العدالة، ومعيار لتوفر العدالة في نظام اجتماعي معين.
والحق ان توظيف مصطلح "عادل" او "ظالم" في وصف مجموع النظام الاجتماعي وبنيته القانونية والاقتصادية والمؤسسية هو واحد من ابرز تجليات الفهم الجديد، خلافا للمفهوم السابق الذي كان يطلق الوصف على افعال الافراد او الدولة فقط. راى راولز ان جميع عناصر واجزاء النظام يجب ان تقيّم وفقا لمعيار مشترك كي نستطيع وصفها – كمجموع - بالعدالة او الظلم. نظرا للتاثير الديناميكي لكل مسار من مسارات النظام الاجتماعي على حياة اعضائه، فان تعيين حقوق المواطنين وواجباتهم في جانب معين، الاقتصاد مثلا، يجب ان يسبقه تعريف لانعكاس النظام الاقتصادي وتطبيقاته على حياة الافراد الذين يعملون في اطاره او تتاثر حياتهم بمفاعيله، ولا سيما في تمكينهم او اعاقتهم من ممارسة حقوقهم الاولية وحرياتهم[3].
خلاصة القول ، ان مبدأ "العدالة الاجتماعية يتضمن :
1-      بعدا فلسفيا تاسيسيا يتمثل في قيام النظام السياسي على ارضية الاقرار بتكافؤ المواطنين قيميا ، ونبذ المقولات التي تدعي امكانية التفاوت بين الافراد عند الولادة.
2-      بعدا دستوريا يتمثل في اقرار النظام الاساسي للبلاد بحقوق ثابتة لجميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الاجتماعية او الاثنية . ونبذ السياسات والاعراف والاجراءات التنفيذية التي تنافي هذا الاصل. واعتماد مبدأ الانصاف في تحديد السبل القانونية لحل النزاعات المحتملة على المصالح.
3-      بعدا قانونيا يتمثل في اقرار القوانين التي تعين حقوق الافراد . وابرزها حقهم في الاستفادة المتساوية من المنافع والخيرات والموارد العامة ، المادية والمعنوية ، وسبل حمايتها ، والجهات الحكومية او الاجتماعية المكلفة بهذه المهمة.
4-      بعدا مؤسسيا يتمثل في ايجاد المؤسسات الرسمية والاهلية التي تكفل للمواطنين امكانية الاستفادة الفعالة من الحقوق التي اقرها الدستور والقانون والحيلولة دون خرقها او تهميشها.
5-      بعدا اقتصاديا – سياسيا يتمثل في التوزيع المتكافيء للموارد العامة ، بما يمكن كل مواطن من استثمار الفرص المتاحة في المجال العام وتحقيق المنافسة العادلة بينه وبين سائر المواطنين.

الشروط الاجتماعية للانشقاق

حيثما غابت العدالة الاجتماعية، حضر النزاع الداخلي والانشقاق. المجتمعات التي يسودها الظلم وتضيق فيها خيارات الافراد هي الاكثر عرضة للانشقاق والتنازع. لكن يجب الحذر من المبالغة في الربط بين السبب والنتيجة. ثمة مجتمعات تفتقر إلى العدالة ، لكن أعضاءها لا يشعرون بالحاجة إلى التمرد أو الانشقاق او لا يستطيعون. ربما يكون حالهم بائسا، لكنهم – مع ذلك - لا يعتبرون الانشقاق سائغاً أو مفيداً. إما لأن ثقافتهم تبرر هذا الوضع وتعتبره محتملا أو قدراً لا مفر منه. أو لأنهم يجدون وسائل بديلة لمعالجة المشكلة غير الانشقاق والتمرد . او ربما لانهم يحصلون على تعويض من نوعا ما ، مادي او معنوي ، يجعل غياب العدالة امرا محتملا عندهم. في معظم الاحيان يؤدي غياب العدالة الى انهيار ثقة الجمهور في النظام السياسي ، وتفاقم حالة الشك والارتياب في رجال الحكم ومؤسساته . وهذا يؤدي بطبيعة الحال الى انكماش شرعية الحكومة . لكنه لا يقود بالضرورة الى تمرد فعلي. الكثير من الناس يرتاب في الحكومة ويشتمها ، لكنه لا يجد نفسه معنيا بالتمرد عليها او قادرا على التمرد[4]
ولهذا فلابد من القول بان ظهور النزعة الانشقاقية، يحتاج إضافة للمبرر الأول، أي انعدام العدالة، إلى عوامل أخرى مساعدة، هي:
العامل الاول:  فهم الأفراد أو الجماعة لهذا الظرف المحدد باعتباره جزءا من بنية النظام الاجتماعي أو السياسي المهيمن، وليس ظرفاً عارضاً. هذا الفهم هو - بعبارة أخرى - تفسير للحالة في الإطار السياسي، يترتب عليه تحولها إلى مبرر لفعل سياسي مضاد للتنظيم الاجتماعي أو السياسي القائم. هذا الفهم يحتاج إلى قدر من الكفاءة الفكرية والتنظيمية. المجتمعات التي لها تقاليد في العمل السياسي أكثر قدرة على اعادة تصوير الظرف الاقتصادي او المعيشي كظرف سياسي او مضمون للمعارضة السياسية. وتفسر العلاقة بين الظرف المعيشي وبنية النظام السياسي على ضوء مفهوم العدالة التوزيعية distributive justice  الذي يعنى بالتنمية المتوازنة وتوزيع الموارد والفرص والخيرات العامة على نحو منصف  ، ويعتبر انعدامها مؤشرا على كون النظام السياسي ظالما.
العامل الثاني:  توافر أرضية ثقافية تتقبل الانشقاق وتعتبره خياراً مشروعاً في حال انعدام وسائل أخرى أقل كلفة. المجتمعات التي تملك ثقافة عقلانية أكثر استعداداً لتقبل الانشقاق. بخلاف تلك التي تسودها ثقافة أسطورية أو غير عقلانية. فهذه تميل إلى اختلاق مبررات وراء طبيعية لتفسير الظروف المختلفة. وهي أميل إلى المحافظة على الوضع السائد. بقدر ما يرتفع المستوى الثقافي وتنتشر المعرفة بين أعضاء المجتمع، فإنهم يصبحون أكثر قابلية للانشقاق. في الحالة الاولى (عدم توفر الارضية الثقافية المساعدة) يبقى المنشقون اقلية غير مؤثرة ، او يميلون الى الانكفاء والاعتزال. هذا يشير الى اهمية فهم العدالة كحق عام يتوجب على الدولة الوفاء بمقتضياته وتطبيقاته. المجتمعات الاكثر وعيا لمبدا الحق ومفهومه ، اي تلك التي تربط التزاماتها تجاه الدولة بالحقوق التي تحصل عليها ، هذه المجتمعات اكثر قدرة على ربط مفهوم الحق بالعدالة التوزيعية ، التي تتجلى في كمية الخيرات العامة التي ينالها مجموع المواطنين. بخلاف المجتمعات التقليدية التي يبدأ تصورها للعلاقة بينها وبين الدولة بفكرة الواجب او الطاعة الواجبة للدولة كمقدمة لتحصيل حقوقها على الدولة.
المجتمعات التقليدية تميل الى لوم نفسها ، وربما تبرير قصور الدولة او تقصيرها في الوفاء بالتزاماتها. وتطالب اعضاءها بتقديم الولاء للحاكم قبل ان تحصل على اي حق . وترى في كثير من الاحيان ان الاوضاع السيئة ليست دليلا على فشل الحكومة وحدها ، بل فشل الحكومة والمجتمع معا. وطالما كان المجتمع شريكا في الفشل ، فان الامر لا يستدعي الانشقاق على الحكومة. في العديد من البلدان العربية ، فشلت المجموعات التي قامت بحركات احتجاج ، لان الراي العام لم يكن مستعدا – من الناحية الثقافية – لتقبل مبررات الانشقاق . او لان المجتمع لم يجد نفسه طرفا في تشكيل المرحلة التالية للانشقاق ، ولا سيما صياغة الظرف السياسي الذي يفترض ان ينتج عنه. ولهذا اعتبرت نتائج الانشقاق غامضة او مجهولة ، وفضلت عدم الانضمام اليه ، رغم قناعتها بان الظرف الذي تعيشه سيء ويجب تغييره.
فيما يتعلق بالعالم العربي ، فقد اظهر الحراك الذي عرف بالربيع العربي ، اشارات قوية على تغير هذه القناعة لصالح قناعة جديدة فحواها ان الدولة هي الجهة الوحيدة المسؤلة عن الفشل، وانها عاجزة عن الاصلاح حتى لو اقرت بضرورته، وان افراد المجتمع جميعا شركاء في تشكيل الظرف الذي سينتج عن الثورة، ولهذا فهو – بالنسبة اليهم ليس قفزا في المجهول.
العامل الثالث: توافر الأمل بامكانية معالجة الظرف المعني عن طريق الانشقاق. مستوى الأمل يحدد حجم الانشقاق وتعبيراته وأهدافه. انعدام الأمل لا يمنع الانشقاق ، لكنه يحصره في إطار فعل فردي أميل إلى الانكماش واعتزال الجماعة أو الاغتراب. في المقابل فإن توافر قدر كبير من الأمل بامكانية نجاح الانشقاق في تحقيق جميع الاهداف او بعضها ، سوف يوسع المساحة الاجتماعية للانشقاق. لكنه يؤدي - في الوقت نفسه – الى الحد من عنفه ، ويجعله أميل إلى القبول بأنصاف الحلول. كلما اتسع الجمهور المشارك في الانشقاق او المؤيد له ، ازدادت فرص الحلول التوافقية او ربما انصاف الحلول. أخيراً فإن وجود نطاق ضيق للأمل يجعل الانشقاق أكثر عنفاً، لكنه أيضاً يحد من مساحته الاجتماعية الفاعلة. ونشير هنا إلى دور النخبة الاجتماعية في تجسير الفجوة أو تعميقها، فهي تلعب دوراً فعالاً في إقناع الجمهور بمستوى الأمل المتوافر، في تحديد حجمه وقيمة تمثيلاته وتعبيراته.  
إذا توافرت العوامل الثلاثة السابقة ، اضافة بالطبع الى العامل الجوهري ، اي فقدان العدالة الاجتماعية ، فإن التفكير في الانشقاق سوف ينتقل إلى مرحلة الفعل، وهو يبدأ بتصميم الخطاب الذي يشكل مبرراً اخلاقيا للانشقاق. وفي هذه المرحلة بالتحديد يتجه الفرد (أو مجموعة الأفراد) إلى التفكير في التصوير المذهبي/ الطائفي بوصفه إطاراً ومبرراً.

لماذا يتخذ الانشقاق السياسي إطاراً مذهبيًّا/ طائفيًّا؟

في كل مجتمع هناك من يعي حقيقة أن ما يثير وجع الناس هو حرمانهم من العدالة وليس اختلافهم في المذهب. وربما عبر هؤلاء عن رفضهم لاستعمال الوصف المذهبي كمبرر للنزاع السياسي . لكنك – مع ذلك - تسمع هذا الوصف في معظم الحالات. اقحام الوصف المذهبي يرجع في ظني لنوعين من العوامل ، يحتاجها الطرفان المنخرطان في النزاع : عوامل اجرائية تتعلق باطار الموضوع وليس مضمونه، وعوامل وظيفية تتعلق بفاعلية التحديد في استقطاب الدعم.
يمكن ان نضع العوامل الاجرائية تحت عنوان "مقتضيات السياق او الموضوع"، واهمها الحاجة الى تحديد موضع المشكلة وحصرها في إطار خاص كي يسهل التعامل معه. حينما تقول ان هناك تمييزا في بلد ما ، فيجب ان تحدد المعنيين بالمشكلة . لا بد من القول ان الذين يتعرضون للتمييز هم النساء مثلا ، او السعوديون من اصل افريقي ، او الشيعة ، او المنتمين الى قبائل معينة. هذا التحديد لا ينطوي على قيمة ، اي انه لا يستهدف القول ان فعل التمييز حسن او سيء ، بل تحديد مورده. هذا التحديد ضروري للجماعة التي تواجه التمييز ، مثل ضرورته للطرف الذي يمارس التمييز ، سواء كان الدولة او قوى اهلية.
مع هذا الشرح ، يبدو الامر هينا. لكنه في الواقع ليس بمثل سهولة الكلام عنه. يكمن العسر في قابلية العنوان او الاسم – حتى لو كان محايدا - لاستنفار الذاكرة التاريخية عند الطرفين ، الظالم والضحية. الذاكرة التاريخية هي ارضية الثقافة السياسية الراهنة في العالم العربي والاسلامي . وهي – بالتالي – الخلفية التي يفهم الانسان على ضوئها نفسه وموقعه وانتماءه ، ومن ثم موقفه من الاخرين وما يجري في المحيط الذي حوله. قليل من الناس يهتم بالتعمق في فهم المشكلات وجذورها. اما الاغلبية الساحقة فهي تكتفي بالوصف الاجمالي الذي يمكن اسناده الى عناصر واضحة المعالم. فاذا قيل ان الموضوع الفلاني يتعلق بطائفة محددة – الشيعة مثلا – فان ذهن المستمع يستدعي الصورة النمطية لهذه الطائفة كي يقرر موقفه ، مؤيدا او معارضا. اي انه قليلا ما يهتم بالتعمق في فهم تفاصيل "الموضوع" ، وغالبا ما يحدد رايه بناء على معطيات الصورة المستقرة في ذهنه عن الاطراف المشاركة فيه. وقد رأينا هذا في موقف العرب من اسقاط صدام حسين في 2003 ، فقد اتفق "العرب السنة" على المعارضة ، وفي المقابل اتفق الشيعة على التاييد. وراينا ذات الحال في الموقف من انتفاضة البحرين (2011) التي شهدت انفساما واضحا في الشارع الخليجي ، حيث وقف اغلبية الشيعة مع المنتفضين ، ووقف اغلبية السنة على الجانب المعاكس. تاريخ التناحر القديم والمعاصر يمثل مصدرا مؤثرا للمواقف والتصنيفات ، حتى لو كان الموضوع بعيدا جدا عن التاريخ والانتماء المذهبي او الفروقات بين المذاهب.
الباحثون ورجال النخبة قد يستطيعون الفصل بين العناوين الخارجية والعناصر العميقة التي تشير اليها تلك العناوين، وقد  يستوعبون الحدود الشكلية والاجرائية لاستعمال صفة "الشيعة" او "السنة". لكن الجمهور الواسع لا يفصل كثيرا بين الوصف والموصوف ، او بين العنوان وما يمكن ان يشير اليه من عناصر. موقف الجمهور ينعكس بالضرورة على اداء النخبة وطريقة عملها. لان النخبة تخاطب الجمهور ، فهي مضطرة لصون قدر من التراضي بينها وبينه ، وهذا ما يعرف عادة بقهر العامة ، وهو شائع في كل المجتمعات. واذكر مثالا واقعيا هو رد الشيخ سلمان العودة على فتاة ايرانية سألته عن صحة الزواج من رجل شيعي فاجابها الشيخ بانه ليس في مقام المفتي لكنه ينصح بتكافؤ الثقافة بين المقبلين على الزواج[5]. هذا الجواب فهم بانه ينصح بعدم زواج السنية من شيعي. لم يرد الشيخ الرجوع الى الفتوى القديمة عن تكافؤ النسب ، ولا الفتاوى المبنية على بطلان ولاية الادنى على الاعلى، لكنه ايضا لم يستطع التحرر من هذه المواقف لان وجود العنصر "الشيعي" في المسألة يستفز جمهوره ذي الغالبية السلفية. ونفهم هذا من ردود القراء على د. عبد الرحمن الوابلي الذي انتقد كلام الشيخ العودة. بين 100 قاريء علقوا على المقالة ، رفض الثلثان تقريبا فكرة زواج الفتاة السنية من رجل شيعي[6].
هذا يشير في الحقيقة الى فاعلية الذاكرة التاريخية او التراث الثقافي للمجتمع – الاكثرية او الاقلية - في توليف مبررات وخلفية الخطاب السياسي ، وتعيين الحدود بين داخل الجماعة وخارجها. الذاكرة التاريخية تسهم بشكل فعال في تشكيل موقف الجمهور العام ودوره في صياغة موضوعات الصراع وحدوده ، ودور عامة الناس هو بيضة القبان في هذه المسألة. فالتوافق الاجتماعي الضمني أو الصريح على مسألة هو الذي يحدد مصيرها. قبول الناس للخطاب الطائفي يخلق بيئة مساعدة أو ربما ثورية توفر المدد البشري والروحي والمادي للخطاب الطائفي. أما إذا رفضه الجمهور فإنه على الأرجح سيتحول إلى حركة نخبوية ضئيلة التاثير.
الخطاب الطائفي أقدر على استثمار التراث الثقافي للجماعة في توليف مبررات وخلفية للخطاب ووسيلة تسوير للجماعة التي تقوده. وهو الأقدر على جلب قبول الجمهور ودعمه ، ومده – من ثم – بالمصداقية الضرورية كي يكون مؤثرا في الميدان السياسي. في الحقيقة فإن عناصر القوة هذه متوافرة في الطرفين. فالدولة أيضاً استعملته لتحديد موضع المشكلة ولتعزيز البيئة الاجتماعية الموالية لها ، من خلال عرض المشكلة كما لو كانت تمرداً من تلك الجماعة على هذه الجماعة.

الخلاصة:

دار النقاش في الصفحات السابقة حول الطابع الطائفي للنزاع بين الاقلية والدولة. وهو يظهر ان غياب العدالة الاجتماعية هو المحرك الاساس لذلك النزاع. يصبح مجتمع الاقلية بيئة للتمرد على الدولة بسبب سياسات التمييز السلبي التي تحرم اعضاء الاقلية من حقوق مسلم بها لكافة الناس او حقوق يحصل عليها المواطنون الاخرون. ان غياب العدالة الاجتماعية هو الذي يحول عناصر التمايز (المادية او الثقافية) الى خطوط انكسار في علاقة الاقلية بالنظام السياسي.
ونفهم ذلك من تجارب البلدان المحيطة التي نشبت فيها نزاعات مماثلة ، مثل العراق ولبنان. حين يتوقف حل النزاع على تلبية مطلب محدد دون غيره، فهذا يعني أن ذلك المطلب هو علة النزاع ومحركه الاقوى، وإن اتخذ صوراً أو لبس عباءات أو تسلح بخطابات اخرى مختلفة. ونستطيع القول دون تحفظ ان النزاع بين الشيعة السعوديين وحكومتهم ، يدور في المقام الاول حول مسألة المساواة ، وهي ابرز القيم التطبيقية لمبدأ العدالة الاجتماعية. يطالب الشيعة بالمساواة مع سائر المواطنين وباحترام الدولة وحمايتها لحقهم في الاعتقاد والممارسة الحرة لشعائرهم الدينية ، وهذه مطالبات تندرج تحت عنوان العدالة الاجتماعية وان لبست رداء مذهبيا.
بكلمة أخرى فإن الذي يولَّد المشكلة ليس التنوع المذهبي بل التمييز الطائفي. الاختلاف المذهبي استعمل لتبرير التمييز الطائفي او لتعريف الفارق بين الجبهتين. عدم المساواة – مهما كانت مبرراته الدينية – ليس في حقيقته موضوعا دينيا ، بل هو موضوع سياسي. وحسب اندرسون فان الاحلام العنصرية تجد جذورها عند الارستقراطيين ، في الايديولوجيات الطبقية وفي دعاوى الارتباط بالسماء عند الحكام وكونهم انقى دما . الارستقراطيون هم اباء العنصرية الحديثة وليس البرجوازيين الصغار. لهذا السبب لا تجد استعمالات بارزة لدعاوى التمايز وسياسات التمييز خارج الحدود بل داخلها ، انها لا تستعمل لتبرير حروب خارجية قدر ما تستعمل لتبرير الهيمنة الداخلية[7].
ولو لم يكن التبرير المذهبي فعالا لراينا واجهات اخرى تلعب الدور نفسه. كمثال على ذلك، فإن الحكومة العراقية قبل 2003 كانت تقمع الاكراد العراقيين (السنة) تحت عنوان قومي وفي الوقت نفسه تقمع الشيعة تحت عنوان طائفي. ولذا اصبح الاكراد (السنة) حلفاء للشيعة العرب وليس للسنة العرب. كما أن الجماعات السلفية المتطرفة في الجزائر تقاتل الجزائريين السنة وليس الشيعة. وفي السودان تحالف مقاتلو دارفور المسلمين مع الجنوبيين المسيحيين أو الوثنيين ضد المسلمين الحاكمين في الخرطوم. واتخذت باكستان وكثير من الدول الإسلامية موقفاً مؤيداً أو متغاضياً عن الاجتياح الأطلسي (المسيحي) لأفغانستان ضد طالبان (المسلمة). ونعلم أيضاً أن أيًّا من الدول الإسلامية لم تعترف بجمهورية قبرص الشمالية التركية (المسلمة) حفاظاً على علاقتها مع اليونان والقبارصة اليونانيين (المسيحيين). وفي لبنان هناك على جانبي الصراع أطراف شيعية وسنية ومسيحية، وبعضها يصنف كحركات دينية. ويمكن جرد عشرات الأمثلة على هذا عن مجتمعات إسلامية كثيرة.  وهي كلها تشير الى "الجذر" السياسي للمشكلة و "الثوب" الطائفي الذي تلبسه وتقدم نفسها من خلاله.
يترجح اتخاذ الإطار والخطاب المذهبي/ الطائفي بالنظر إلى عاملين، أولهما قدرة هذا الخطاب على التعبئة والحشد وتوفير المشروعية ، اي فاعليته داخل الجماعة. اما العامل الثاني فهو قدرة الخطاب على ترسيم الحدود الجغرافية أو الاجتماعية لموضوع المشكلة. اي فاعليته خارج الجماعة . فهو من هذه الناحية يسهم في إقامة دائرة مصالح جديدة، يتحدد على ضوئها الأنصار المحتملون والأعداء المحتملون. ونعود هنا إلى الإشارة إلى أن كل مطلب اجتماعي وكل جماعة نشاط هي دائرة مصالح لها أعداء وأصدقاء محددون ومحتملون.
يلبس هذا التمايز رداء المذهب في مكان ، ورداء الدين في مكان اخر ، ورداء القومية في مكان ثالث ، لان الصراع يتطلب بالضرورة تحديد خطوط الفصل بين الجهتين المتصارعتين. وهذا هو الذي يدعو كلا الطرفين – الدولة والاقلية في الحالة موضوع البحث- الى الاشارة الى المذهب باعتباره مرجعا لخطوط الفصل بين هذه الجبهة وتلك. قد تعتبر هذه الاشارة من نوع الوصف الاجرائي الذي يستعمله الباحثون احيانا لتحديد موضع النقاش ، لكنه في الاستعمال السياسي لا يقتصر على هذه الغاية ، بل ينطوي – نتيجة لعوامل ثقافية وتاريخية – على موقف سياسي او اجتماعي. هناك بطبيعة الحال من يفكر في الدين او المذهب او القومية باعتبارها – بحد ذاتها – مرجعا للمعاملة غير العادلة ، مثل القول بفكرة التفوق القومي او الديني الخ. لكن مثل هذا المنطلق ليس شائعا.
بناء على التحليل السابق ، فان معالجة النزاع الطائفي يجب ان يركز على العوامل الجوهرية التي تقف وراءه ، اي فقدان العدالة الاجتماعية. وهذا يشير الى حقيقة ان الدولة هي المسؤول الاول عن المشكلة . فهي الجهة  الوحيدة القادرة على وضع وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي ترسي العدالة الاجتماعية او العكس. التوزيع المنصف للموارد والخيرات العامة ، وتفعيل مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة امام القانون هي امور تتعلق بشكل كامل بالدولة التي تملك وتدير تلك الموارد. ولهذا السبب فهي ايضا الجهة التي تتحمل مسؤولية وضع السياسات الكفيلة بمعالجة الاسباب التي تجعل الاقليات عاجزة عن نيل حقوقها من خلال الاليات القانونية والادارية المعتادة.



[1]  لتفصيلات حول الخراج واحكامه واستخدامه في تاسيس مبدأ الشراكة ، انظر توفيق السيف : نظرية السلطة في الفقه الشيعي ، الباب الثالث
[2] John Rawls, Theory of Justice, 6th ed. Harvard University Press, 2003, p. 194

[3] T. Nagel, “Rawls and Liberalism”, in Samuel Freeman, The Cambridge Companion to Rawls, Cambridge University Press, 2003, p. 63
[4] امارتيا سن : الهوية والعنف ، ترجمة سحر توفيق ، عالم المعرفة (الكويت 2008) ، ص 128
[5] برنامج "الحياة كلمة" (تلفزيون  MBC-1- 2 ابريل 2010).
[6] عبد الرحمن الوابلي: "سلمان العودة والعودة بنا لتكافؤات ما قبل الزواج"، (الوطن 9 ابريل 2010) http://bit.ly/n6e9db
[7] Benedict Anderson, Imagined communities, Verso (London 1991), p. 149

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المساواة: اشكالات المفهوم واحتمالاته

بقلم ايزايا برلين (*) ترجمة د.   توفيق السيف ربما ترغب أيضا في قراءة: برنارد وليامز:    فكرة المساواة   ديفيد ميلر:  ا لمساو...