الأربعاء، 27 فبراير 2019

هل نعيش نهايات المد الديني؟



أقرأ في أحاديث الدعاة والناشطين في المجال الديني شعورا عميقا بالمرارة ، لكثرة مايواجهون من نقد ومايخسرون من مساحات تأثير في المجتمع.
ربما علل أحدهم نفسه بان هذا أمر طبيعي يواجه كل تيار. او ربما نسبه الى مؤامرات كبرى فوق مايطيق. وربما القى بالمسؤولية – كما فعل عدد من رجال الدين البارزين - على ماوصف بالتشدد والمغالاة في الاحكام. لكني أميل لتفسير يعتبر المد الديني ظاهرة اجتماعية عادية ، تنطبق عليها ذات القوانين المؤثرة في غيرها من الظواهر ، وابرزها ربط صعود وانحسار الظاهرة بعوامل خارجة عنها. دعنا نقارن هذه الظاهرة مثلا بالموجة اليسارية التي هيمنت على العالم الثالث (بما فيه المجتمعات المسلمة) بعد الحرب العالمية الثانية.
برز المد اليساري في إطار الدعوة للعدالة الاجتماعية ، التي كانت تنصرف يومئذ الى معنى وحيد هو نظام التخطيط المركزي ، اي السيطرة المطلقة للدولة على كافة مصادر الثروة ، ثم توزيعها على شكل خدمات عامة.
استقطبت هذه الفكرة قلوب الناس جميعا. فقد بدت خيارا مقنعا في حقبة شهدت انتقال السلطة من يد المستعمر الاجنبي الى النخبة المحلية. كان معظم الناس يعتقد ان الدولة قادرة دائما على توفير المال بطريقة او باخرى. وتبعا لهذا فهي مكلفة بضمان الحد الادنى من الحاجات الحياتية الاساسية لكافة المواطنين بالتساوي.
طالت هذه الموجة مدة ربع قرن فحسب. لأن العدالة المنشودة لم تتحقق على النحو الذي تخيله الناس. الظاهرة الدينية أخذت مكان اختها اليسارية ، قبيل نهاية القرن العشرين ، ومن المحتمل ان لا يزيد المدى الزمني لهيمنتها عن ثلاثة عقود. اي اننا نعيش الآن سنواتها الأخيرة.
تحدث الباحثون في علم اجتماع الثورات ، عما أسموه "المرحلة الثرميدورية" التي تأتي مباشرة بعدما تبلغ الظاهرة الثورية ذروتها ، حيث تبدأ في الهبوط تبعا  لتراجع الزخم الشعبي الداعم للتغيير ، وتفاقم الميل الى الحياة الاعتيادية المتحررة من الضغط الايديولوجي او السياسي.
اميل الى الاعتقاد بان كافة الظواهر الاجتماعية الكبرى ، تتطور في مسار زمني نصف دائري ، فهي تتصاعد حتى تصل الى الذروة ، ثم تبدأ في الهبوط. بالمناسبة فهذا المسار متعارف ايضا بين الاقتصاديين الذين يدرسون تحول الميول الاستهلاكية للجمهور. ويسمون نقطة الذروة باسم المنفعة الحدية او الاشباع الحدي. وهي المرحلة التي يشعر فيها المستهلك بانه حصل على كل ما يريد ، وانه ليس في المنتج المعروض منفعة تفوق ما حصل عليه بالفعل. عندئذ  يبدأ البحث عن غيره.
زبدة القول ان الانحدار الراهن للمد الديني ليس كارثة استثنائية. ولا مؤامرة عالمية. احتمل انه مجرد مرحلة في مسار طبيعي ، تمر به كل ظاهرة اجتماعية كبرى. ان ادبار الناس اليوم مثل اقبالهم بالامس ، انعكاس لعوامل خارج الظاهرة. ربما كان العامل المحرك سابقا هو شعورهم بالحاجة للامان الروحي ، او لنسخة مختلفة من العدالة الاجتماعية ، او ربما شعورهم بالحاجة الى القوة والعظمة. هذه الحاجات كلها دوافع محتملة ، تتطابق مع عوامل بعينها في الوقت المناسب ، فتنتج ظاهرة عامة ، ثم يتراجع الضغط العاطفي لتلك الحاجات ، فتنكمش الظاهرة تبعا لذلك.
ما هو مهم في كل ظاهرة هو طبيعة الأثر الذي تخلفه في حياة الناس: هل يكون الاثر عظيما ، بحيث يصنفها كانعطافة في تاريخ المجتمع ، مليئة بالتحولات الاستثنائية ، ام يسجلها كصفحة اضافية ، ربما هامشية حتى ، في تاريخ مزدحم بالتحولات؟.
الأربعاء - 21 جمادى الآخرة 1440 هـ - 27 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14701]
https://aawsat.com/node/1609386

الأربعاء، 20 فبراير 2019

جمهور على الهامش


في الوقت الحاضر يتبنى معظم دارسي التنمية مفهوم التنمية الشاملة (وتسمى احيانا بالمستدامة) بعدما أظهرت تجربة النمو في العالم الثالث ، ان التعويل على النمو الاقتصادي كخيار وحيد للتقدم ، قد زاد من حدة الانقسامات والتفاوت الطبقي ، وأدى لاتساع الطبقات المهمشة ، التي تصفها الأدبيات الماركسية بالبروليتاريا الرثة ، اي الجموع الفقيرة التي لا تقيم وزنا للسياسة ، لكنها في الوقت نفسه جاهزة للجري وراء كل مدع ومخادع ، يداعب أحلامها بمعسول الكلام والوعود الذهبية. وقد لوحظ في تجربة امريكا اللاتينية وافريقيا ، ان تلك الشرائح هي التي شكلت الداعم الشعبي الرئيس للعسكر والتنظيمات المسلحة على حد سواء.
من الانصاف القول ان تجارب النمو الاقتصادي المحدود ، لم تفشل كليا. لكنها أخفقت في بلوغ غاياتها الكبرى ، ولاسيما القضاء على الفقر والعنف. كانت البرازيل بين أوائل الدول التي ظهرت فيها نتائج التجربة. فقد عاشت خلال ستينات القرن العشرين في بحبوحة ، لكن اقتصادها ما لبث ان تعثر ، وكشف عن عجز تام في التعامل مع تحديات "مابعد الطفرة" لاسيما توزيع ثمرات النمو الاقتصادي ، على نحو عادل في جميع اقاليم البلاد. تجربة تشيلي والارجنتين لم تختلف كثيرا. وحسب تعبير احد الباحثين ، فان تلك البرامج التنموية جعلت الحكومات قوية جدا ، والمدن مزدهرة جدا. لكنها أيضا جعلت عدد الفقراء كبيرا جدا.
التأمل في تجربة بلدان الشرق الأوسط ، تشجع الاعتقاد بان اتساع الطبقات المهمشة ، لا يرجع لعوامل اقتصادية بحتة في المقام الاول. لنقل على سبيل التحفظ ان العامل الاقتصادي كان السبب المباشر لبروز الظاهرة واتساعها. لكنا نعلم ان تحولات كهذه ، تأتي تبعا لسياسات رسمية غير متبصرة. وأشير خصوصا الى اتجاه عام في الدول النامية خلال معظم النصف الثاني من القرن العشرين ، يشجع تمركز الدولة وهيمنة مؤسساتها على مفاصل الحياة الاجتماعية ، على النحو الذي وصفه نزيه الايوبي في كتابه "تضخيم الدولة العربية".
اتجاه الدولة للتضخم والتمركز يقيم كيانا بالغ القوة. لكنه يؤدي – بقصد او كناتج ثانوي - الى تفكيك المنظومات الاجتماعية التقليدية (القبيلة مثلا) دون ان يسمح لبدائلها الحديثة (النقابات المهنية والاحزاب مثلا) بأخذ الدور التي كانت تلعبه في استيعاب الافراد وتسكين التوترات الاجتماعية.
ربما نطلق على هذا التحول إسم "تذرية المجتمع" اي تفكك المنظومات الاجتماعية ، وتحول الأفراد الى ذرات منفردة ، اطلقت هانا ارندت على مجموعها اسم الجماهير ، اي حشود الناس التي يجمعها المكان ، لكنها تفتقر الى الروابط والتفاهمات ، التي تجعل منها كتلة متفاهمة او قادرة على العمل المشترك.
تشكل الطبقات المهمشة عائقا جديا لسياسات الاصلاح. فهي تميل الى تحميل الدولة المسؤولية عن كل شيء يتعلق بحياتها ، من المهد الى اللحد ، كما يقال. كما انها كما توفر وقودا محتملا للفوضى والانشقاق.
استيعاب الطبقات المهمشة يحتاج الى سياسة عامة ، تستهدف – بشكل واع – توسيع الاطارات القانونية التي تسمح لكل فرد بالمشاركة في التفكير والعمل ، والتعاون الفعال في معالجة المسائل التي تشكل هموما عامة للمجتمع.  هذه المشاركة ستمهد لتفاهم بين الدولة ومختلف الطبقات ، على الأولويات وتوزيع الكلف والمسؤولية عن تحقيق الأهداف.
المشاركة العامة في مناقشة الخطط وتنفيذها ، تعزز التلاحم بين المجتمع ، وتحول النشاط الاقتصادي الى مولد للابداع والفاعلية ، ليس فقط في مجال الاقتصاد ، بل وأيضا في مجالات العلم والخدمة الاجتماعية والثقافة العامة.
الأربعاء - 14 جمادى الآخرة 1440 هـ - 20 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14694]
https://aawsat.com/node/1599206

الأربعاء، 13 فبراير 2019

المعرفة الدينية كموضوع تخصص


كان الفيلسوف الاندلسي ابو الوليد ابن رشد (1126-1198م) من أوائل الذين التفتوا الى تداخل الاختصاص بين علوم الشريعة والعلوم الموازية. فقد كرس رسالته الشهيرة "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" لوضع تصور للتراتب المنهجي بين مناهج وموضوعات الفلسفة والشريعة ، والحد الفاصل بينها.
ونشهد بين فترة واخرى بروزا لنفس الجدل. ويشعر علماء الشريعة بالمرارة ازاء كثرة المعترضين على الاحكام الفقهية ، سيما من أولئك الذين لم يدرسوا هذا العلم وفق المنهج التقليدي المعروف. احتجاجهم ليس بلا أساس. فهم يقولون ان علم الشريعة مثل كل علم آخر ، كالطب والفيزياء وغيرها ، له مناهجه ولغته ومعاييره. فلا يصح الجدل في موضوعاته لغير المؤهلين فيه ، ولا يصح رد الخبير بقول العامي الذي لا يعرف سوى ظاهر الأحكام وأمثلتها.
يتصل هذا الجدل بقضية أسبق حول علاقة الشريعة بالعلوم العقلية. ان السؤال المطروح هنا: هل أقامت الشريعة علما خاصا بها ، من أجل فهمها وتفسير نصوصها ، ام ان البشر هم الذين أقاموا علم الشريعة. واذا كان الجواب هو الثاني ، فهل اقيم هذا العلم من الصفر ، ام جاء امتدادا لمجموع المعارف البشرية في مختلف المجالات.
كان هذا احد الموضوعات التي حاول ابن رشد معالجتها في كتابه المذكور أعلاه. لكني أظن ان تطور المعارف في القرن العشرين ، يسمح بتجاوز رؤيته ، رغم جودتها يومئذ.
يمكن النظر الى الخطاب الديني كتعبير عن أحد مصدرين:
·      منطوق النص ، اي ما ورد في النص القرآني والنبوي حرفا بحرف.
·      مفهوم النص ، اي فهم البشر للنص في ظرف معين. والذي يتشكل في سياق علاقة ديناميكية بين النص وقابليات البشر الذهنية والروحية ، اضافة الى قيود النظام الاجتماعي. في هذا الجانب يتدخل عرف المجتمع كصانع لموضوع الفكرة الدينية وتطبيقاتها ، اي فرض حدود النص.
في الاطار الاول (منطوق النص) تجد لعلماء الشريعة دورا محوريا. فعلى امتداد التاريخ وحتى اليوم ، قدم الفقهاء والمفسرون والرواة رأيهم ، باعتباره مطابقا للنص. لكنا نعلم ان رأيهم هو أحد الأفهام المحتملة ، وليس ذات النص او حتى الفهم الاخير.
في الاطار الثاني (مفهوم النص) يشارك المجتمع بدور أوسع في صياغة التجربة الدينية ، التي تتشكل في سياق تفاعل بين مجموع المنظورات المتوفرة في وقته: منظور الفقيه والفيلسوف والاقتصادي وعالم الاجتماع والمعماري والسياسي الخ. ان الاعراف والتقاليد الملحقة بالدين او التي لها ظلال دينية ، تتشكل غالبا في الاطار الثاني وليس الأول.
لم يكن هذا التمايز ملحوظا في تاريخ الاسلام المبكر. ولم تكن فكرة استقلال العلوم مهيمنة ، كما هي اليوم. ولذا كان الفقيه مفسرا وطبيبا وقاضيا وفلكيا ، وربما اضاف اليه علما آخر كالفيزياء والكيمياء او غيرها.
نعرف طبعا ان هذا الحال اختلف الآن ، وبات لكل علم رجاله وموضوعه ومعاييره الخاصة ، بل ولغته المتمايزة أيضا.
لكن رغم الاتجاه الشديد للتخصص ، فان كل علم يستهلك منتجات العلم الآخر ويعتمد عليه. ولا يوجد علم منفصل تماما عن بقية العلوم. وهذا يعيدنا الى النقاش حول التخصص في علم الشريعة. فهل نريده مستقلا بموضوعه ، لكنه متفاعل ومستهلك لنتائج بقية العلوم ، ام نريده منفصلا عن كل علم آخر ، برجاله وقضاياه ومعاييره. واذا كان الجواب هو  الأول ، فهل للخبراء في العلوم ذات العلاقة ، حق مناقشة قضايا الشريعة المتصلة بعلومهم أم لا؟.
الأربعاء - 7 جمادى الآخرة 1440 هـ - 13 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14687]
https://aawsat.com/node/1588786