‏إظهار الرسائل ذات التسميات حدود الديمقراطية الدينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حدود الديمقراطية الدينية. إظهار كافة الرسائل

12/02/2013

توفيق السيف... جدلية العلاقة بين الواقع المتغير والعقل الفلسفي

بقلم أمين الغافلي
الثلاثاء ١٢ فبراير ٢٠١٣
الجامع عند الباحث توفيق السيف هو الاشتغال على جدلية الديني - السياسي في صورتيها التراثية والحديثة. ولئن اتخذ العلاقة بين الإسلام السياسي والديموقراطية في صيرورتها التاريخية موضوعاً في جملة مؤلفاته وكتاباته المتعددة، فإنه اعتبر التسعينات من القرن الماضي نقطة ارتكاز سياسية مهمة في إطار الدائرة الإسلامية الكبرى، تمثلت في المقاربة التحليلية - النقدية لصعود الإسلام السياسي إلى السلطة في أكثر من بلد إسلامي، مع التركيز على التجربة الإسلامية الإيرانية، كونها تجسّد نموذجاً سياسياً جديداً في المدونات الفقهية الشيعية (ولاية الفقيه)، استدعت مزاحمتها للدولة في الفكر السياسي الحديث تنظيرات قانونية وفقهية، صاغتها النخب الإيرانية بكل أطيافها والمنقسمة اجتماعياً وسياسياً ودينياً واقتصادياً.
استعان السيف في كتابه «حدود الديموقراطية الدينية» بنظرية الفيلسوف الأميركي توماس كون في كتابه «بنية الثورات العلمية»، خصوصاً ما يتعلق منها ببارادايم التطور المعرفي - السياسي لاختبار فرضياته البحثية - الاستنتاجية من واقع ملاحظته الدقيقة لسياق التجاذبات والاصطفافات والصراعات السياسية - الدينية التي رافقت الثورة الإيرانية، وصولاً إلى التناقض الكلي الحاد بين التيارين التي أفرزتهما تلك التجربة الثورية، وهما الإصلاحي والمحافظ وانعكاس ذلك التناقض على وضعية المواطن الإيراني السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية ودور ومكانة إيران الإقليمي والدولي.
يعمد السيف إلى التذكير بركائز «البارادايم» الثلاثة، وهي النظام الإطاري شبه المغلق الذي يمنح إتباعه هوية جماعية خاصة تميزهم عن غيرهم، والخط الانكساري الداخلي الذي يرافق النظام الإطاري في تحولاته الفكرية والاجتماعية المهيمنة، والمسار التقدمي المستولد من السقوط المريع للباراديم الأول، نتيجة فائض الإحساس الذي يغمر أتباعه بعجز ذلك «البارادايم» عن حلّ كثير من الإشكالات القائمة.
السيف - في اعتقادي- على قناعة كاملة أن مقومات «البارادايم» أنجع في مقاربتها لجدلية الإسلام السياسي وفلسفة الديموقراطية من الديالكتيك الهيغلي ونتائج الفرضيات السياسية التي توصل إليها في كتابه المذكور دالة على فاعلية تلك المقومات «البارادايمية» في قراءة المشهد الاصطراعي السياسي الإيراني، كما هو متحقق في الواقع الاجتماعي.
لم يكتف السيف بتحديد إمكان تطبيق الآلية «البارادايمية» - وهي التجربة السياسية الإيرانية - بل حدد إطارها الزمني، وهو فوز التيار الإصلاحي بالانتخابات 1997 - 2004م، وبعد تأملي في جوهر «البارادايم» كما فصّله السيف، أعتقد أن لدي مجالاً أن أوسّع استعماله مكانياً وزمانياً، بحيث يغطي دافعية البروز المفاجئ للإسلام السياسي في التسعينات على مسرح الأحداث الشرق أوسطية، واستكمالاً بفوز القومي الإيراني محمد مصدق بالانتخابات الإيرانية 1951، وانتهاء بالمفهوم الجديد والصادم للإمامة، كما صاغته النخبة الشيعية في القرون الأولى، والمرتكز على اندفاعة تفكيكية لللاهوت الشيعي، لجعله أكثر استيعاباً باحتمالية المعنى الروحي للإمامة، وليس الزمني كما جاء في كتاب السيف «نظرية السلطة في الفقه الشيعي».

الاستيعاب المطلق لبارادايم

بالعودة إلى التجربة الإيرانية، فإن الاستيعاب المطلق «للبارادايم» يتطلب رصداً دقيقاً لتطور البنى المعرفية داخل الهياكل التأسيسية للمسار التقدمي - الإحيائي، كونها تمثّل وسيلة في نقد وتعرية الإطار «البارادايمي» الهوياتي - الإيديولوجي المغلق، تمهيداً لكسره عبر تقديم قائمة بأبرز الإشكالات المحورية التي تمسّ الجوانب الحياتية كافة للشعب، والتي فشل ذلك الإطار بحلها، وهذا ما جهد السيف لفعله، فهو يسلّم بأن الفوز الساحق للتيار الإصلاحي في انتخابات 1997م عائد إلى أمرين متلازمَين، هما: فشل نموذج الحكم التقليدي الثوري الذي ساد في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية أولاً، ووجــــود نخبة سياسية في التيار الإصلاحي، أسست لفلسفة سياسية شاملة مستوحاة من الفــكر الــفـلسفي الــسيــاســي الغربي الحديث، تتركز وظيفتها في القطع المعرفي مع كل ما يمت بصلة «للباراديم الثوري» التقليدي المنغلق على ذاته في حيز فقهي ضيق، لم يميز بين الديموقراطية كإجراء والديموقراطية كفلسفة، ذهاباً إلى تفعيل التيار الإصلاحي رهانهم للمشاركة الشعبية، عبر تجذير مؤسسات الدولة في الواقع السياسي - الاجتماعي.
كما يعود جاذبية «باردايم التيار الإصلاحي الجديد» إلى ميزتين جوهريتين افتقدهما «البارادايم الثوري القديم»، تمثّلت الأولى في اتساع حجم الشريحة الاجتماعية المتضررة من «البارادايم الثوري القديم»، وهذا خاص في الشأن المحلي، وتمثّلت الثانية في اشتماله على خطاب سياسي متناغم مع الخطاب السياسي الإقليمي والدولي.
تغييب «البارادايم الثوري القديم» مناقشة قضايا حساسة للجمهور الإيراني كقضية سيادة الشعب (فلسفة الديموقراطية)، وإمكان الاستفادة من العلمانية وتحديد دور الدين في الحياة العامة، وتجذر القانون وعموميته وشكل الاقتصاد الناجع للبلد، أزّم الوضع السياسي الإيراني الداخلي، وزاد من الاحتقان الاجتماعي، فاستثمر نخبة التيار الإصلاحي هذا الوضع، فشرعوا في استيلاد نموذجهم «البارادايمي الجديد»، بشكل يكون قادراً على إعادة بناء العلاقة مع الجمهور السياسي أولاً، لترغيبه في المشاركة الفعالة في الشأن السياسي كضمانة إحيائية لفلسفة الديموقراطية.
تآكلَ «البارادايم الثوري القديم» على قاعدة الاستبداد والاستفراد بالسلطة، والإقصاء الممنهج للخصوم، والفشل في وعوده الكثيرة للجمهور، فبات انكساره حدثاً متوقعاً، فوضعه البائس كان شبيها بوضع الإيديولوجيات الثورية الاشتراكية والقومية التي سادت الأقطار الإسلامية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي التي أصرّت على استبعاد أهم قضية تمسّ حياة الناس ومستقبلهم، وهي الديموقراطية، ما فتح المجال لصعود التيار الإسلامي - السياسي إلى واجهة المسرح السياسي في الثمانينات والتسعينات من القرن ذاته، وإن كان هذا الصعود للتيار الإسلامي موقتاً، كونه حاملاً بذرة انكساره هو الآخر لممانعته العتيدة في القبول بالتعددية والقواعد الديموقراطية.
انطلق السيف من اعتبار النسبة العالية التي حصل عليها التيار الإصلاحي بزعامة خاتمي من أصوات الناخبين في انتخابات 1997م دلالة يقينية واضحة على تحقق ميلاد «البارادايم الإصلاحي»، والأهم أنه - السيف - رصد جدية وصدق ذلك التيار في تلبية المطالب الشعبية والوفاء بالتزاماته التي قطعها على نفسه، فأصبح الشعب يعاين بنفسه تفعيل نخبة التيار الإصلاحي لآلية الاشتغال التأسيسية للقواعد المؤسساتية المتعددة في المجتمع الإيراني، كضمانة لتجذر الفلسفة الديموقراطية الحديثة في المجتمع الإيراني.
ما كان للتيار الإصلاحي أن يفوز بدورتين، لولا قدرته على تجاوز إشكالات سياسية واقتصادية واجتماعية، ورثها من «البارادايم الثوري القديم»، ظلت معطلة ومغيبة لإصرار نخبة «البارادايم» على معالجتها بأساليب قديمة عفى عليها الزمن، إذ بات الشعب بعد فوز التيار الإصلاحي يتداول ويتعايش مع جملة من المفاهيم السياسية الحديثة، كالعدالة الاجتماعية وحرية الصحافة وتشكيل الأحزاب وسيادة القانون واعتماد خطاب سياسي عقلاني داخلي وخارجي.

العنف الرمزي

لم يكن أمام «البارادايم الثوري التقليدي» لتعطيل اندفاعة مشروع التيار الإصلاحي إلا العنف الرمزي والجسدي، فجرى استغلال القضاء لشرعنة هذا العنف الممنهج ضد رموز التيار الإصلاحي من اعتداء جسدي واعتقالات وإغلاق عشرات الصحف والمجلات بدافع إيديولوجي زائف، هو الرغبة في الحد من الانقسامات الاجتماعية والتناقضات السياسية، تحقيقاً للشكل الاندماجي السياسي الديني القسري بولاية الفقيه (الثيوقراطية) الذي يعدّه الباحث ناصيف نصار من أسوأ أشكال الاندماجات السياسية القديمة والحديثة. إنه شكل من أشكال التنظيم اللينيني العنفي المنظم الذي عرفته الأحزاب والقوى السوفييتية المستقلة أبان حكم لينين، هذا الشكل التنظيمي المرعب استدعته الأحزاب الأشتراكية - الثورية والأحزاب القومية - البعثية في الوطن العربي، لتصفية خصومها وبثّ الرعب في المجتمع للاستفراد بالسلطة عبر مأسسة الاستبداد، هذه المأسسة مسؤولة عن انكسار عزة المسلمين وكرامتهم أمام العالم المتحضر.
والسؤال الملح: كيف نجح «البارادايم الثوري التقليدي» في الإطاحة بالتيار الإصلاحي والسيطرة على الوضع السياسي - الإجتماعي مع اقتراب نهاية الفترة الرئاسية الثانية 2004؟ لعل من المفيد أن نستحضر رأي الباحث الفرنسي تري كوفييل في كتابه «إيران الثورة الخفية»، فهو يعتقد أن نجاح الإطاحة بالتيار الإصلاحي عائد إلى سيطرة المحافظين على أقوى الوزارات، وهي الداخلية والاستخبارات والدفاع والمالية، إذ تم تسخير كل إمكانات تلك الوزارات، لتحطيم دعائم التيار الإصلاحي، ويأتي على رأسها البُنى المؤسساتية السياسية الفاعلة. علامات انكسار «البارادايم الثوري التقليدي» عند السيف واقع، تعود إلى اللحظة التأسيسية الأولى للجمهورية حين تخيّل الخميني أن الجمهورية الإسلامية لا تحتاج سوى حكومة إسلامية صغيرة الحجم وبسيطة التنظيم، وأنه لا داعي للمؤسسات التشريعية والقضائية الضخمة، وهذا ما اعترض عليه السيف بكل قوة، كونه يرسخ عبادة رئيس الدولة، ويهمل الدور المتعاظم لمؤسساتها، والدليل على ذلك – بحسب رأيه - هو النقد الحاد الذي وجهه الإصلاحيون بعد وفاة الخميني إلى المحافظين لفائض القهر والاضطهاد الذي وقع عليهم في ظل غياب شبه كامل للمؤسسات التشريعية والقضائية الحيادية الضامنة لحقوقهم المشروعة.
فازت تيارات الإسلام السياسي في التسعينات بمقاعد برلمانية في أكثر من بلد إسلامي، واليوم تفوز بالرئاسة في تونس ومصر، وسيظل الاستبداد المحور الذاتي الفاعل في تفكيك بنية السلطة وكسرها، إذا لم تأخذ تلك التيارات موضوع فلسفة الديموقراطية بكل مقوماتها بجدية تامة.
وظّف السيف (بارادايم توماس كون) في مقاربة التجربة الإيرانية، وأستطيع أن أوظفها في وضعيته الثقافية الذاتية، فكما انكسر «بارادايم التيار الثوري التقليدي» الإيراني بضغط التطور المعرفي العلمي، انكسر «باراديم التيار التقليدي الشيعي» في الخليج للسبب المعرفي نفسه، فلم يعد باستطاعة السيف ومَن سار على خطه من المثقفين القبول بالأدبيات التنظيرية - المعرفية التقليدية التي صاغتها نخبة دينية - فقهية والمشحونة برمزية قداسة ولي الفقيه المطلق لقضايا سياسية معاصرة، وعلى رأسها حدود الديموقراطية، ونوع العلاقة بين الدين والدولة، وموقف السلطة من الحرية الشخصية والقيم الاجتماعية. فالسيف متأكد من كون الإسلام الحركي الشيعي - الذي ينتمي هو إليه - أقدر على فهم جدلية العلاقة بين الواقع المتغير والنص الديني والعقل الفلسفي. تبقى فرضية المشاركة الشعبية الواسعة في القرار السياسي الرهان الأكثر حضوراً في منهجية الفكر الفلسفي السياسي للسيف، كقاعدة استقرارية للدولة، ولعل إصبع سبابة المرأة الحسناء التي وُضعت على غلاف كتابه «حدود الديموقراطية الدينية» تجسّد أفضل تجسيد، مصداق راهنية السيف على تلك الفرضية.

الحياة : الأحد 12 فبراير  ٢٠١٣
http://alhayat.com/Details/482085

مقالات ذات علاقة

16/11/2010

قراءة في كتاب "حدود الديمقراطية الدينية"


بقلم : أنس زاهد
من أجمل وأهم الكتب التي وقعت بين يدي مؤخرًا، كتاب (حدود الديمقراطية الدينية) للباحث والمفكر السياسي السعودي الدكتور توفيق السيف. الكتاب عبارة عن بحث مطول وتفصيلي لمسألة الحداثة ومسيرتها في إيران منذ العهد الشاهنشاهي وحتى الآن. 
وتكمن أهمية الكتاب ليس فقط في كون البلد موضوع البحث هو أحد أكبر البلاد الإسلامية، ولكن لأن مسيرة الحداثة والتنمية بطبيعتها تتعرض لنفس العقبات، وتواجه ذات الصعوبات، لدى معظم البلاد الإسلامية. 
الكتاب تطرق بالبحث لمسيرة الحداثة في عهد الشاه، وناقش أسباب فشلها، ثم تعرض لمرحلة صعود الفكر الثوري التي جاءت كنتيجة لمحاولات التجديد الديني.
وفي هذا الشق بالتحديد بذل الباحث مجهودًا كبيرًا للوصول إلى الجذور التاريخية للفكر التجديدي، وهو ما يتضح بجلاء من خلال مئات المصادر التي اعتمد عليها المؤلف لتوثيق بحثه. 
الكتاب لم يكتفِ بذلك، بل قام عبر باقي فصوله برصد مسيرة الحداثة التي راوحت بين التقدم والتراجع، بعد نجاح الثورة واستلامها مقاليد الحكم. ولأن الهدف من وراء تأليف الكتاب لم يكن يتعلق بالرصد والتوثيق لمرحلة تاريخية معينة، فقد ناقش الباحث أسباب النجاحات التي وصلت إليها التجربة والعثرات التي عرقلتها، وأخّرت مسيرتها وأوصلتها في بعض الأحيان إلى مرحلة هي أشبه بالنكوص منها بالفشل. 
وللوقوف على حقيقة الأسباب المختلفة التي أدت إلى تحقيق النجاحات وظهور الإخفاقات، قام المؤلف بدراسة عميقة لفكر التيارات الفاعلة على الساحة، وركز على استجلاء مواطن الاختلاف العميق في فكر كل تيار من هذه التيارات مع التيارات الأخرى. 

الباحث استخدم مصطلحي (المحافظون)، و(الإصلاحيون) للإشارة إلى التيارين السائدين في إيران اليوم. 
وهو مصطلح معروف عالميًّا، لكن الباحث وضع يده على الفروق الأيديولوجية واختلاف المرجعيات والمنطلقات الفكرية لكل فريق، ولم يكتفِ كما يفعل معظم المهتمين بالشأن الإيراني، بإظهار الفروق على مستوى الطرح والأداء السياسي لكلا الفريقين. أمّا أسلوب التناول فقد تميّز بصبغة أكاديمية واضحة، والمهم فعلاً أن الطرح الأكاديمي لم يحل بين الكاتب وبين التدفق في طرح أفكاره التي اتسمت بالحيوية والخصوبة. 
(
حدود الديمقراطية الدينية) كتاب يستحق أن يُقرأ أكثر من مرة.
جريدة المدينة     16/11/2010

01/11/2009

حدود الديمقراطية الدينية - عرض كتاب

عرض كتاب
 حدود الديمقراطية الدينية: دراسة في تجربة إيران منذ ١٩٧٩
تأليف : توفيق السيف
عدد الصفحات: ٤٠٧
الطبعة: الأولى/ ٢٠٠٨
تشرين الثاني  2009
 شغلت إشكالية العلاقة بين الظاهرة الدينية والظاهرة السياسية أذهان المفكرين على مدار تطور الفكر  السياسي. ومن أهم تجليات هذه الإشكالية في العصر الحديث علاقة الدين أو الإسلام تحديدا بالديمقراطية، وما يرتبط بها أو يتفرع عنها من إشكاليات فرعية نظرية وتطبيقية، والتي لا يكاد الجدل يخمد بشأنها حتى يثور من جديد.
وفي العقود الأخيرة، ولاسيما بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ ، احتدمت المناظرة حول مدى الانسجام والتنافر بين الإسلام والديمقراطية، وافترق المتناظرون إلى عدة تيارات. فهناك من يقطع بالتناقض المتأصل بين الإسلام والديمقراطية؛ كون الأول يمثل عقبة كؤودا أمام القيم والممارسة الديمقراطية. وثمة من يبشر  بديمقراطية الإسلام؛ على أساس أن جوهر الديمقراطية من صميم الشريعة الإسلامية، وأن ادعاء التنافي بينهما خطيئة. أما التيار الثالث، فيركز على البعد الإجرائي للديمقراطية ويعطيها الأولوية على باقي الأبعاد الفكرية، ويحاجج تبعا لذلك أن التقاليد السياسية الديمقراطية ليست غريبة عن التاريخ السياسي الإسلامي.
وأخيرا، هناك من يجادل أن في الإسلام ديمقراطية خاصة؛ تخالف غيرها في نشأتها ومرجعيتها وغايتها ونطاقها...إلخ.
ومن هنا تنبع أهمية الكتاب الذي بين أيدينا، والذي يبحث في إمكانية تطوير نموذج مختلف للعلاقة بين الدين والدولة الحديثة يعزز المشاركة السياسية، أو تصميم "نموذج ديمقراطي محلي" قادر على التفاعل مع الهوية والقيم الدينية للمجتمعات الإسلامية. ومن النظرية إلى التطبيق، يستقرئ مؤلفه الدكتور توفيق السيف- الباحث والكاتب المتخصص في العلوم السياسية والفقه الشيعي- تجربة إيران بعد الثورة، وبصفة خاصة التجربة الاصلاحية (1997-2004)، التي شهدت اشتغالا جزئيا أو كليا للدين في الحياة السياسية والاجتماعية، لاختبار فرضياته.
وليس ثمة أفضل من هذا التوقيت لمراجعة كتاب حول حدود الديمقراطية الدينية في إيران؛ فالانتخابات الرئاسية الإيرانية (يونيو ٢٠٠٩ ) على بعد أسابيع عدة، حيث يتصاعد التنافس والصراع بين المحافظين،    وعلى رأسهم الرئيس أحمدي نجاد، والإصلاحيين، ويمثلهم رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي، لكسب أصوات الناخبين، وينخرطون في نفس المناظرات المسطرة على صفحات هذا الكتاب. كما أن تجربة إيران توفر للقارئ فهما أفضل لإمكانات عملية التحول الديمقراطي في الدول الإسلامية وصعوباتها وحدودها، وفرصة فريدة لمراقبة تطبيقات الإسلام السياسي واختبارها.
وقبل الولوج في أغوار التجربة الإيرانية، يقدم د. السيف تحليلا لتطور إشكالية السلطة في الفكر السياسي الشيعي منذ القرن الثامن حتى المرحلة المعاصرة. ثم يناقش دور آية الله الخميني في تجسير الفجوة بين التشيع التاريخي والفكر السياسي المعاصر، وذلك بفضل التعديلات التي أدخلها على المعتقدات الشيعية الخاصة بالإمامة والسلطة، والصيغة التي قدمها للتوفيق بين مصدري الشرعية السياسية الديني والشعبي، والولاية العامة للفقيه في نظام جمهوري.
بعد ذلك، يدلف الكاتب إلى مناقشة التحولات في البنية الاجتماعية في إيران، وانعكاساتها على الخطاب الديني. ومن ثم، ينشغل بقراءة أبعاد التغير في الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في السنوات التي أعقبت قيام الجمهورية الإسلامية، وتأثيرها في الثقافة السياسية والتنظيم الاجتماعي والمفاهيم الناظمة للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
وفي فصلين متتابعين، يُقدم د. السيف صورة مقارنة عن أيديولوجية التيار الديني المحافظ ونظيرتها الإصلاحية، ويعرض لأبعاد التباينات الحادة بينهما، ولاسيما فيما يتعلق بمفاهيم الجمهورية، ومصدر الشرعية السياسية، ودور الشعب، وسيادة القانون، وعلاقة الدين بالدولة، ونموذج التنمية الأفضل ، وغيرها. كما يناقش الأطر المرجعية التي يستند إليها كل من التيارين المحافظ والإصلاحي في أطروحاته، وكذلك التفسيرات الجديدة التي يعرضها الإصلاحيون للعلمانية. يتلو ذلك عرض للأحزاب الرئيسة الفاعلة في إيران؛ بغرض استقراء واقع القوى السياسية التي تدعم كلا من الخطاب المحافظ ونظيره الإصلاحي، ومدى فاعليتها في استمرار زخمه. ويختتم الكاتب مناقشته بتحليل ظاهرة المحافظين الجدد في السياسة الإيرانية، وتفسيرها تفسيرا بنيويا.
في محاولته تطوير نموذج ديمقراطي محلي أو إسلامي، أثبت د. السيف صحة الفرضية المتعلقة بقابلية القيم وقواعد العمل الدينية، ولاسيما المتعلقة منها بالشأن العام، للتكيف مع متطلبات الحياة المتغيرة. فضلا على ذلك، اتضح من دراسة خبرة المجتمع الشيعي أن انفتاح الفكر الديني على التطورات السياسية، أو انغلاقه دونها، ارتبط دائما بدرجة انخراط المجتمع في السياسة. لكن الأهم، يجادل السيف، هو أن انخراط الدين في العملية السياسية يمثل عاملا حاسما في تطور الفكر السياسي الديني؛ بمعنى أن هذا الانخراط من شأنه أن يجعل الفكر الديني أكثر تقبلا لضرورات الدولة الحديثة ومتطلباتها، الأمر الذي سيقود، بالضرورة، إلى تخليه  عن المفاهيم التي ظهرت أو تطورت في ظل الدولة ما قبل الحديثة، وبقيت جزءا من التراث الديني حتى اليوم. أما اتجاه هذا التطور (دعم الديمقراطية أو تسويغ الاستبداد)، فإنه يتحدد في ضوء عوامل أخرى، ولاسيما توازنات القوة في البيئة الاجتماعية، الثقافة السياسية السائدة، إضافة إلى الاتجاه العام في النظام الدولي بالنسبة لعملية التحول الديمقراطي.
في هذا الخصوص، أكدت الخبرة الإيرانية، كما يبرهن الكاتب، أن الدين يمكن أن يلعب دورا محوريا في تشكيل إجماع وطني على النظام السياسي، وتجسير الهوة التي تفصل المجتمع عن الدولة، وبالتالي تشجيع مشاركة المواطنين في الحياة العامة. ومن ثم، فإن العلمانية، برأي د. السيف، ليست جوابا مفيدا لمشكلة العلاقة بين الدين والديمقراطية، ولن تكون عاملا مساعدا على التحول الديمقراطي في إيران، بل قد تعوق ظهور ثقافة سياسية محلية جديدة قادرة على تسويغ المشاركة الشعبية.
يُقسم الكاتب مسار المصالحة بين الإسلام والديمقراطية في الخبرة الإيرانية إلى مرحلتين: المرحلة الأولى التي أعقبت انتصار الثورة، واستهدفت في المقام الأول إدماج الدين في مؤسسة الدولة، وإلغاء التباين بين الاثنين. وقد أثمر ذلك فتح الطريق أمام تعديل مواز في الأحكام وقواعد العمل الخاصة بكل من الدين والدولة؛ لجهة إزالة التعارضات وتسهيل استجابة كل من الطرفين لضرورات الآخر. واستهدفت المرحلة الثانية، أو مرحلة ما بعد الخميني، مصالحة الدين مع الديمقراطية، من خلال تعديلات واسعة في المفاهيم الدينية المتعلقة بدور الشعب وحاكمية القانون من جهة، وتعديل مفهوم الدولة المركزية من جهة ثانية.
يرى د. السيف أن صعود التيار الإصلاحي كان ثمرة فشل النموذج الثوري-التقليدي في التعامل مع التغيرات الجذرية التي شهدتها إيران والعالم، في تسعينيات القرن المنصرم؛ لدرجة أن هناك من وصف انتصار محمد خاتمي في انتخابات ١٩٩٧ الرئاسية بأنه ثورة ثانية. ومن خلال الفحص الموضوعي لتجربة الإصلاحيين في الحكم وأيديولوجيتهم، يلخص الكاتب خصائص الخطاب الإصلاحي بأنه خطاب يجمع بين الأساس الديني والمفاهيم الديمقراطية-الليبرالية واقتصاد السوق الحر، ويتبنى عددا من المعالجات النظرية التي تمثل اختراقات في جدل الدين-الحداثة، وتتعلق بمسائل جوهرية مثل الطبيعة الدينية للدولة، ومصدر السلطة والسيادة، ودور الشعب وغيرها. وقد عالج المفكرون الإصلاحيون هذه المسائل من منطلقات دينية أصيلة، لكن تفسيراتهم الجديدة مكنتهم من التوصل إلى صياغات قريبة جدا من تلك المعروفة في الأدبيات السياسية الحديثة.
يستنتج الكاتب أنه في حين فشل التيار الإصلاحي في إحداث تغيير كبير في بنية السلطة أو المحافظة على دوره السياسي، فقد نجح في تغيير البيئة السياسية في إيران، وإرساء حزمة مهمة من الإصلاحات في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبصفة خاصة في علاقة الدولة بالمجتمع. ولا شك في أنها، ضمن هذه الحدود على الأقل، يزعم الكاتب، جعلت إيران أقرب إلى الديمقراطية مما كانت عليه قبل عشر سنوات.
بعبارة أخرى، تمثل تجربة الإصلاحيين الفكرية والسياسية نموذجا يثير الاهتمام في تجسير الفجوة بين الدين والديمقراطية، ويقدم مفكرو هذا التيار حلولا جديدة للكثير من المسائل التي ما زالت تثير الجدل في الشرق الأوسط حول إمكان التوصل إلى نموذج ديمقراطي محلي.
يستحق د. السيف الإشادة على تحليله لظاهرة المحافظين الجدد، وهم جيل جديد من المحافظين (تحالف التنمية "آباد كران")، يتمثل في الرئيس احمدي نجاد ومعاونيه؛ فهو موضوع لم ينل حقه من اهتمام الباحثين في المناظرة الدولية الراهنة حول الوضع الإيراني. وينطوي هذا التطور، في رأي الكاتب، على تحول هيكلي في النخبة السياسية الإيرانية، المحافظة بخاصة، يتجسد في انتقال السلطة الروحية، وتبعا السياسية، من كبار الروحانيين والجيل التقليدي بشكل عام، إلى جيل جديد ينتمي إلى الطبقة الوسطى الحديثة، ويتكون أساسا من الشباب والتكنوقراط. أما دلالات صعود المحافظين الجدد، فيشير الكاتب إلى تزايد الاتجاه نحو التشدد في إيران، وتمكن مرشد الجمهورية من استكمال سيطرته على خيوط السلطة (حيث يقف شخصيا وراء هذا التحول)، وتصاعد دور العسكريين في العملية السياسية.
ينحو خطاب النخبة المحافظة الجديدة، كما يشرح الكاتب، منحى تقليديا في الأمور المتعلقة بالدين والممارسة السياسية، ويتخذ في الوقت نفسه مسلكا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يميل إلى تدخل الدولة في شؤون المجتمع، ويحبذ، بصفة خاصة، النموذج الصيني في التنمية من دون أن يكون جاهزا تماما للتعامل مع متطلباته وتحدياته، ويميل إلى تشديد الانقسام في الساحة الداخلية. وينظم التصور الخارجي للمحافظين الجدد مبدأ "أمة قوية تفرض احترامها"، لكنه في التطبيق العملي أفضى إلى وضع يقترب من العزلة الدولية.
ويخلص الكاتب إلى أن سياسات الرئيس نجاد أثمرت عددا من النتائج السلبية اقتصاديا وسياسيا، داخليا وخارجيا.
وبعد، فإن الكتاب يقدم مساهمة معتبرة إلى المناظرة الراهنة حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في النظرية
 والتطبيق. في هذا المجال، يستخلص الكاتب أن تطور الفكر السياسي الشيعي في الخبرة الإيرانية بعد الثورة يشير إلى أن قيام نظام ديمقراطي على أرضية دينية هو احتمال واقعي وقابل للتحقيق. ويمكن لمثل هذا النموذج أن يوفر بديلا عمليا للمحاولات المتعثرة للتحول الديمقراطي في العديد من المجتمعات الإسلامية، ولاسيما تلك التي يرتبط تعثرها بالعجز عن ترسيخ الديمقراطية في الثقافة المحلية، واستنهاض المواطنين للمشاركة في التغيير.
كما يوفر هذا التحليل نافذة جديدة تطل بنا على الفكر السياسي الشيعي، والمسائل الكبرى التي انشغل بها مفكروه، مثل الإمامة أو الخلافة، والشورى، والسلطة، سواء من حيث مصدرها وطبيعتها ووظائفها، أو من حيث شرعيتها وحدودها، ومن ثم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
علاوة على ذلك، يتميز الكتاب بمصادره الغنية العديدة والمتنوعة بين مصادر أولية وأخرى ثانوية وبحوث ميدانية. وقد وظف الدكتور توفيق السيف إطارا نظريا ملائما، استقاه من عدة نظريات سوسيولوجية (ماكس فيبر، ألموند  ، كون ، وجون رولز) لتفسير العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفهم مدى التغيير الممكن في الفكر الديني كنتيجة لانخراط الدين في السياسة. كما استفاد من نظريات الثقافة السياسية لتفسير الحراك الديمقراطي في إيران. وعلى الرغم من بعض الهنات هنا وهناك، وبصفة خاصة ما يبدو أنه بعض التحيز ضد المحافظين، فإننا بصدد تحليل متميز ومبتكر لعلاقة الدين بالسياسة، ولمفهوم الديمقراطية الدينية أو الثيوقراطية وحدوده، وللخبرة الإيرانية بعد الثورة، وهو يشكل إضافة للمكتبة العربية.

06/07/2009

مرة اخرى : جدل الدين والحداثة


الجدل الذي رافق انتخابات الرئاسة الايرانية وما بعدها ركز الاضواء على نقاش قديم حول فرص المواءمة بين الدين والحداثة في تجلياتهما المختلفة ولا سيما السياسية منها . وصف الاستاذ مظاهر اللاجامي محاولات الباحثين في هذا الصدد بانها تلفيق ، وكتب الاستاذ في علم الاجتماع السياسي د. خالد الدخيل نقدا معمقا لكتابي "حدود الديمقراطيةالدينية" ركز على التعارض الذاتي بين الدين والديمقراطية.

انني من المؤمنين بامكانية تطوير نموذج للحداثة يستوعب الحاجات الثقافية والمادية الخاصة لكل مجتمع . توصلت الى هذه القناعة بعد سنوات من البحث والمراجعة والجدل الذي زادني – في الوقت نفسه- تفهما واحتراما لتحفظات المعترضين واسباب قلقهم . وقد عرضت شريحة واسعة من تلك الاسباب والجوانب الاشكالية في كتاب "الحداثة كحاجة دينية".

 يركز مفهوم الحداثة على دور الانسان كمصدر للقيم والمعايير والمعرفة. وهذا ينطبق على انسان المجتمعات التي ابدعت مفهوم الحداثة وتلك التي تلقته لاحقا . خلال قرن تقريبا شارك مفكرون من شتى انحاء العالم في نقد وتطوير العناصر التي يتشكل منها مفهوم الحداثة. محورية الانسان الفرد ، العقلانية ، معيارية العلم ، التعاقد والارادة الحرة كارضية لتفويض السلطة... وغير ذلك من مكونات المفهوم خضعت لنقاشات معمقة برهنت على ان الحداثة تابى – بطبيعتها – القولبة والحصر الايديولوجي .

على الطرف الاخر فان تقاليد البحث في الفكر الاسلامي تسمح بالتمييز بين القيم الاساسية للدين وبين اجتهادات المسلمين على اختلاف توجهاتهم وعصورهم . هذه المساحة هي التي سمحت دائما بوجود افهام متعددة للمبدأ الواحد واشكال متعددة من الممارسة الدينية . ثمة قيم اساسية في الدين لا يختلف عليها اثنان ، مثل العدل وكرامة الانسان والمساواة ، وثمة الى جانبها تجربة دينية تعبر فقط عن فهم مجتمع معين لتلك القيم.

نعرف بالبديهة ان فهم الانسان لفكرة ما ثم تطبيقها يتاثر بالضرورة بعوامل عديدة واحيانا متعارضة ، وبينها عوامل ذاتية مثل القدرات العلمية للفرد وتربيته العائلية ونفسيته ، وبينها عوامل اجتماعية كالثقافة العامة ومصادر المعيشة ونوعية الفرص والتحديات التي تواجه الجماعة ، ويضاف اليها طبعا المستخلصات الثقافية للتجربة التاريخية لهذه الجماعة .

من المفهوم ان نطاق وعمق تاثير هذه العوامل يختلف بين مجتمع واخر تبعا لاختلاف ظروفه الفعلية وتجربته التاريخية ، كما يختلف تلقي الافراد للفكرة نفسها تبعا لاوضاعهم الذهنية والنفسية والمادية. هذا هو المنطق الطبيعي للحياة والاشياء . ومن هنا نجد قراءات عديدة وتطبيقات متنوعة للفكرة الدينية ، تستلهم جميعا القيمة الاساسية ، لكنها تقدم تجارب متغايرة.  قد نطلق على هذا التنوع اسم الاجتهاد او تعدد القراءات او التمييز بين الثابت والمتحول ، او اي اسم شئت . لكن  الجوهري في الموضوع كله هو امكانية انتاج تجارب دينية متغايرة بين مجتمع واخر. لا اظنني بحاجة الى ادلة لاثبات هذا الادعاء لان تاريخنا والواقع الذي امامنا يكشف عن تنوع في الافهام والتطبيقات يستحيل حصره.

الرسالة النهائية لهذا التحليل هي ان افراد المسلمين والجماعة المسلمة يقومون فعلا – وهم على حق في ذلك – باعادة تشكيل حياتهم الدينية بين ظرف واخر كي تتناسب مع ثقافتهم ، حاجاتهم ، همومهم ، ظروفهم ، وتطلعاتهم ، وهذا ما اسماه هانس جورج غادامر بالافق التاريخي للفكرة.

لكل جيل حق ثابت في صوغ فهمه الخاص للفكرة الدينية وكذلك تجربته الدينية . وهذا يشمل بالتاكيد حقه في تقريب الفكرة او تطبيقاتها الى المباديء والقيم التي تبدو – في وقت معين – ضرورة للحياة ، او وسيلة للارتقاء بالحياة . بعبارة اخرى فلسنا مضطرين لسؤال اسلافنا الذين ماتوا عن امكانية التقريب بين الحداثة وقيم الدين . نحن مثلهم لدينا الحق ولدينا القدرة على الفحص والاختبار والنقد ثم الاخذ بالفكرة او تعديلها او اعادة انتاجها ضمن نسيجنا القيمي الخاص ، كما فعل الاسلاف مع الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية وغيرها.

الاسلام والحداثة ، كلاهما يفتح الباب امام النقد والتجريب والمعالجة الهادفة الى انتاج افكار جديدة او اعادة انتاج افكار مسبقة في صيغ جديدة . وهذا هو المنطلق في القول بامكانية المواءمة بين الاسلام والحداثة وما ينتج عنهما من معايير وادوات عمل.
عكاظ 6 يوليو 2009

16/06/2009

هل تتلاءم الثقافة الإسلامية مع الديموقراطية؟




بقلم توفيق المديني
جريدة المستقبل  - الثلاثاء 16 حزيران 2009 - العدد 3335 - ثقافة و فنون - صفحة 18

الكل في العالم العربي، وفي العالم الغربي، تساءل في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، عن التطورات السياسية والإسقاطات السياسية، على ضوء انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ومدى تفاعل مجموعة من التغيرات الإيرانية مع المعطيات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط.

وهناك تساؤل ألقى بثقله على الساحة العربية، منذ انتصارالثورة الإسلامية في إيران، ويتمثل ماهوالأفضل للعالم العربي، أن ينخرط في تجربة الديمقراطية الغربية، حتى وإن عبدت هذه الديمقراطية الطريق لوصول الحركات الإسلامية الأصولية إلى السلطة، أم أن الأمرعلى عكس من ذلك يتطلب الإبقاء على الأنظمة التسلطية عن طريق إجهاض الفوز الانتخابي للإسلاميين بحجة حماية المسار الديمقراطي، والمثل الديمقراطية؟ وفي سؤال جامع، هل حالة الديمقراطية حالة شر تام أم حالة خير للعالم العربي؟

لاتزال ظاهرة الإسلام السياسي على تنوع حركاته وتياراته في العالمين العربي والإسلامي تشغل اهتمام الباحثين والمفكرين العرب. فقد عقدت في السنوات الأخيرة ندوات فكرية عدة، شارك فيها باحثون ومفكرون لهم تجربة غنية بالفكر وخبرة سياسية عملية ومساع ديموقراطية معروفة، ومتحفظون ومعترضون على الديموقراطية، لتقديم مقاربات حول إشكاليات الديموقراطية، بهدف نقل الحوار حول الديموقراطية في البلاد العربية خطوة إلى الأمام على طريق تأسيس أرضية فكرية سياسية مشتركة لتأصيل الديموقراطية في الحياة السياسية العربية دون تعد على ضوابط نظام الحكم الديموقراطي ومبادئه العامة المشتركة، ودون تضحية بثوابت الأمة ومصالحها الحيوية.

وغالباً ما يتساءل بعض الباحثين والمنظرين العرب والأجانب عن العلاقة بين الإسلام والديموقراطية، وهل تتلاءم أو تتعارض الثقافة الإسلامية مع بعض التجربة "الديموقراطية الغربية" أو"الليبرالية"؟.

يقدم لنا الدكتور توفيق السيف في كتابه الجديد "حدود الديمقراطية الدينية" تحليلا سوسيولوجيا معمقا عن النقاش المستجد في منطقة الشرق الأوسط حول العلاقة بين الدين والديمقراطية، متخذا من دراسته لتجربة السلطة في إيران ما بعد الثورة الإسلامية موضوعا لاختبار فرضياته حول إيجاد بناء نموذج ديمقراطي قادر على التفاعل مع الهوية الدينية للمجتمعات المحلية.

ويتألف الكتاب من سبعة فصول وخاتمة، حيث يناقش الفصل الأول: المسار التاريخي الذي تطوّرت خلاله نظرية السلطة الشيعية منذ القرن الثامن الميلادي حتى قيام الثورة الإسلامية في عام 1979. ويناقش الفصل الثاني التعديلات المهمة التي أدخلها آية الله الخميني على نظرية السلطة الشيعية التقليدية، والتي بلغت المقوّمات الأساسية والوظيفية لنموذج السلطة التقليدية. ويناقش الفصل الثالث نموذج السلطة الثوري الذي قام على أرضية النظرية الدينية التقليدية، ويستعرض مكوّناته ومبرّرات قيامه. ويقدّم الفصل الرابع تحليلاً للإيديولوجيا السياسية للتيار المحافظ، بما فيها رؤيته للدولة الاسلامية وموقفه من القضايا موضع الجدل في إيران، مثل مسألة المواطنة وما يتعلق بها من الحقوق السياسية، والشرعية وسيادة القانون، والجمهورية ودور الشعب، فضلاً عن الأساس النظري لتلك الايديولوجيا.

ينطلق توفيق السيف في تحليله لصعود التيار الإصلاحي في السياسة الإيرانية، من نظرية الانقلاب البراديمي (المنظومي) التي طورها الفيلسوف الأميركي توماس كون لتفسير ذلك التطور، ومعانيه بالنسبة إلى التحجدربة الإيرانية. فهو يقول: "أظهرت المناقشة أن العيوب التي أدت إلى إطاحة الباراديم الثوري تكمن في الأسس التي قام عليها، ولا سيما الافتقار إلى أيديولوجيا سياسية متينة وعدم الانسجام عند النخبة التي اشتركت في إقامة النظام السياسي. واسهم هذان العاملان في تسهيل قيام حكومة شمولية شديدة التخلف. وأظهرت تجربة العقد الأول من عمر النظام فشل البراديم الثوري في احتواء مشكلات البلاد، لا سيما في ظروف الحرب والضغوط الاقتصادية الخارجية" (ص 145).

وقد توسعت جبهة الإصلاحيين مع انتخاب حجة الإسلام الإصلاحي محمد خاتمي رئيساً للجمهورية في أيار/ مايو 1997، الداعي إلى إرساء دولة القانون، والحريات العامة، وحقوق الفرد، والتعددية، والسماح بنشاط جميع الأحزاب شرط موالاتها للدستور حتى لو اعترضت على بعض تدابيره مثل آلية عمل نظام ولاية الفقيه "ويبقى شخص الفقيه خارج دائرة النقد".

ومن خلال الفحص الموضوعي لتجربة الإصلاحيين في الحكم وأيديولوجيتهم، يلخص الكاتب خصائص الخطاب الإصلاحي بأنه خطاب يجمع بين الأساس الديني والمفاهيم الديمقراطية ـ الليبرالية واقتصاد السوق الحر، ويتبنى عدداً من المعالجات النظرية التي تمثل اختراقات في جدل الدين ـ الحداثة، وتتعلق بمسائل جوهرية مثل الطبيعة الدينية للدولة، ومصدر السلطة والسيادة، ودور الشعب وغيرها. وقد عالج المفكرون الإصلاحيون هذه المسائل من منطلقات دينية أصيلة، لكن تفسيراتهم الجديدة مكنتهم من التوصل إلى صياغات قريبة جداً من تلك المعروفة في الأدبيات السياسية الحديثة.

يستنتج الكاتب أنه في حين فشل التيار الإصلاحي في إحداث تغيير كبير في بنية السلطة أو المحافظة على دوره السياسي، فقد نجح في تغيير البيئة السياسية في إيران، وإرساء حزمة مهمة من الإصلاحات في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبصفة خاصة في علاقة الدولة بالمجتمع.

وتتمثل المحاور الرئيسة للخطاب الإصلاحي في نقد الأيديولوجيا الرسمية، ولاسيما أرضيتها النظرية (الفقه التقليدي)، والدفاع عن الحداثة، والديمقراطية، والتعددية، وتحديد السلطة. ويقترب المفهوم الإصلاحي للديمقراطية إلى حد كبير من المفهوم الليبرالي. لكنه يخالفه في الموقف من العلمانية، إذ يرفض الإصلاحيون العلمانية كأيديولوجيا لكنهم يعتبرون التحول العلماني (أو المعرفي) نتيجة حتمية لاندماج الدين في الدولة والتحولات الاجتماعية.
ويقدم الخطاب الإصلاحي مثالا قويا على إمكانية المصالحة بين الإسلام والحداثة، لا سيما في الجانب السياسي. فهو يوفر أرضية لتفاعل نشيط بين المعرفة الدينية من جهة والفكر الفلسفي الاجتماعي الحديث من جهة أخرى.

ويعتقد الكاتب أن تجربة الإصلاحيين في السلطة، جعلت إيران أقرب إلى الديمقراطية، إذ تمثل تجربتهم الفكرية والسياسية نموذجاً يثير الاهتمام في تجسير الفجوة بين الدين والديمقراطية، ويقدم المفكرون الإصلاحيون حلولاً جديدة للكثير من المسائل التي ما زالت تثير الجدل في الشرق الأوسط حول إمكان التوصل إلى نموذج ديمقراطي محلي قادر على التفاعل مع الهوية والقيم الدينية للمجتمعات الإسلامية..

ولما جاءت حكومة الرئيس أحمدي نجاد، الممثل القوي للتيار المحافظ المتشدد، فقد كانت مبنيّةٌ على تحالفٍ بين عدّة مجموعات سياسية وعسكرية: أوّلاً فريقٌ دينيّ مُتشدّد يلعب فيه آية الله مصباح يزدي دوراً هامّاً، ويدعو إلى تطبيقٍ كاملٍ لمبدأ "ولاية الفقيه"، بالتحالف مع مرشد الثورة؛ وفصيلٌ من "حرّاس الثورة" يتطلّع إلى جعل إيران قوّةً مُهيمنةً في المنطقة - وقد تمّت مكافأة قادة هذا الفصيل بمناصب اقتصادية وسياسية هامّة. أمّا القسم الآخر من "الباسدران" فقد التحق باللّواء محمود باقر قاليباف، ممثّل الشريحة المُحدّثة، وهو رئيس بلديّة طهران، ومرشّحٌ للإنتخابات الرئاسية.
الشيء المؤكد في إيران، أن التيار المحافظ المتشدد ما زال يتمسك بالمفاصل الأساسية للنظام ويعمل من مواقعه المحصنة على كبح أي إصلاح أو تغيير أو إطلاق حرية التعبير ولو من داخل النظام، نفسه، والقيم نفسها التي انفصلت من أجل الثورة الإسلامية. فالطلاب الذين كانوا رأس الحربة في إسقاط شاه إيران، يوم كان رمزاً للظلم والاستبداد، وناصروا الجمهورية الإسلامية، أصبحوا اليوم يطالبون بالتخلي عن نظرية ولاية الفقيه، التي باتت تفتقر إلى المساندة سواء وسط الطلاب أو أساتذتهم. وهذا بحد ذاته يعتبر تطوراً سياسياً مهماً وخطيراً، بل إنه أهم وأخطر تطور منذ استلام رجال الدين السلطة العام 1979.

ويعتقد بعض المحللين الغربيين أن تبلور التيار الإصلاحي في إيران هي "بداية النهاية" لنظام حكم آيات الله الذي نشأ عام 1979، وتذهب دومينيك برومبرجر، الخبيرة الفرنسية البارزة في الشؤون الدولية إلى الجزم بأن "الثورة الخمينية انتهت في طهران.." بعد أن كسر التيار الإصلاحي "المساكنة على الطريقة الإيرانية" المتميزة بانعدام التوازن البنيوي في المواجهة بين "الفقيه" المطلق مع الشرعية الشعبية.

مرة أخرى، يجد التيار الإصلاحي نفسه في صراع مع الزمن وأن المبادرة التي دخلها في سبيل تحديث النظام السياسي، وخوض معركة الحداثة في إيران، هي في غاية التعقيد، بعد أن ضيع الفرصة الأخيرة عندما كان خاتمي في السلطة، حيث أن هزيمته أدت إلى انحساره، ولو مؤقتا.
ولاشك أن انحسار وفقدان التيار الإصلاحي زمام المبادرة، يخدمان موضوعياً البيروقراطية المحافظة والمتشددة، التي انقضت على المكاسب التي حققها التيار الإصلاحي خلال السنوات القليلة الماضية. ذلك إن نجاح التيار المحافظ المتشدد كان له تأثير كبير في كل العالم الإسلامي.

الكتاب: حدود الديموقراطية الدينية
 الكاتب: توفيق السيف
دار الساقي، بيروت 2009، 407 صفحات من القطع الكبير

جريدة المستقبل  - الثلاثاء 16 حزيران 2009 - العدد 3335 - ثقافة و فنون - صفحة 18
http://almustaqbal.com/storiesprintpreview.aspx?storyid=352688

مقالات مماثلة




هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...