الثلاثاء، 22 يناير 2013

فلان المتشدد

لا نستطيع الاعتماد على وصف الناس لأنفسهم ، في الحكم عليهم بالتسامح أو التشدد. كما لا نستطيع الاتكال على وصف أعدائهم لهم. علمتني التجربة أن أحكام الناس على بعضهم تنطلق في أغلب الأحيان من مواقف شخصية أو سياسية. صديقك سيرى شخصك وفعلك بعين الرضا، وعدوك أو منافسك سيراك بعين البغض أو الارتياب.

معيار التشدد والتسامح ليس وصف الإنسان نفسه وليس تقييم أصحابه له، وليس بالتأكيد تقييم المنافسين له ولأعماله. لا يمكن أيضا الركون إلى الأوصاف المتداولة في المجال العام، فهي انطباعية في الغالب، روجها شخص ما وتداولها الآخرون دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التساؤل عما إذا كانت تحليلا محايدا أو مجرد تنميط سطحي.

هذا يجعل الأمر أكثر صعوبة، لكنه يضطرنا، وهذا هو الجانب المشرق في المسألة، إلى البحث عن معايير أكثر موضوعية قبل أن نحكم على الآخرين. وأود هنا اقتراح معيارين يتصفان - في ظني - بالموضوعية، هما معيار التسامح ومعيار الليونة أو الشدة في التعبير:

1- جوهر مبدأ التسامح هو الإقرار بحق الآخرين في مخالفتك: كل منا يعطي لنفسه الحق في اختيار فكرة أو عقيدة أو منهج حياة أو طريقة عمل يراها حقا، وربما استشهد لأجلها بالكتاب والسنة... إلخ، وهو بالتأكيد سيدافع عن هذه الخيارات إذا تعرضت للنقد أو طولب بالتخلي عنها.

الحق الذي أعطيته لنفسك، هو ذاته الحق الذي يجب أن تقر به للآخرين. طبقا للمأثور عن الإمام علي بن أبي طالب- عليه السلام- فإن الحق ''لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري على أحد إلا جرى له''، فالمتشدد هو من ينكر على الآخرين حقوقا أعطاها لنفسه، أو يعاقبهم لو طالبوا بحقوق كالتي أقرها لنفسه، هذا معيار عام ومطلق في كل الأحوال.

2- لأن الإنسان كائن اجتماعي، فإن علاقته مع الآخرين تشكل معظم نشاطه الحيوي. المتشدد هو الذي يتعامل مع الآخرين بخشونة، ويخاطبهم بخشونة، أو يتحدث عنهم بخشونة. بخلاف المعتدل الذي يتبع اللطيف واللين في كل الأحوال. سلوك المتشدد يتسم بالخشونة، حتى في معاملة أصدقائه ومناصريه إذا اختلفوا معه، بينما يلتزم المعتدل سلوكا لينا حتى مع أعدائه. هذا معيار نسبي يرتبط بالعرف الاجتماعي السائد. نحكم على سلوك معين بالخشونة أو الاعتدال رجوعا إلى عرف المجتمع أو الزمن الذي نحن فيه، وهذا قد يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر.

الاقتصادية 22 يناير 2013
http://www.aleqt.com/2013/01/22/article_726541.html

مقالات ذات علاقة

إشارات على انهيار النفوذ الاجتماعي للقاعدة

اعلام القاعدة في تظاهرات عربية

تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

فلان المتشدد

خديعة الثقافة وحفلات الموت

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

اتجاهات في تحليل التطرف

ابعد من تماثيل بوذا

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

كي لا نصبح لقمة في فم الغول

تفكيك التطرف لتفكيك الإرهاب-1

تفكيك التطرف لتفكيك الارهاب-2

الحريات العامة كوسيلة لتفكيك ايديولوجيا الارهاب

العامل السعودي

غلو .. ام بحث عن هوية

الأربعاء، 16 يناير 2013

في كمال الاسلام وشموله


"مقتطف من كتاب الحداثة كحاجة دينية"

قال لي صاحبي: الذين دعوا بتلك الدعوات ، انطلقوا من حمية دينية وحرص على الدين. وهم يقيمون دعواهم على قاعدة ان الدين كامل شامل ، وان كتاب الله سبحانه قد احاط بكل شيء ، وما ترك شيئا الا بينه واوضحه ، قال تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء – الانعام 38).
قلت لصاحبي: سؤالك هذا يقودنا الى مناقشات كثيرة ، غير ما نحن بصدده. لكني اجيبك على سبيل الاختصار الشديد على فكرة كمال الدين وشموله. فالذي نتفق عليه هو كمال الدين. والكمال وصف للكيف "الكمال يقابل النقص". فلا شك ان الاسلام ليس بناقص.
اما الشمول فهو وصف كمي. ولو افترضنا ان شمول الاسلام منصرف الى معنى ان فيه حكما لكل شأن من شؤون الحياة ، فلا شك ان هذا غير صحيح. اذا لا يطلب منا اسلامنا ان نعود اليه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة. الا ترى اننا نقوم يوميا بعشرات من الاعمال التي لا نرجع فيها الى الفقيه ، بل الى عقولنا او الى اهل الاختصاص ، كالمهندس والطبيب وغيرهم. فهذه الامور ليست ضمن مجالات اشتغال الدين ، بل هي امور عقلية لا تكليف فيها ولا الزام ، ولا تدخل ضمن دائرة الثواب والعقاب او الواجب والمحرم.
 وبالمناسبة فهذا النقاش ليس جديدا ، فقد تطرق اليه بعض قدامى الفقهاء. وقد احتج بنفس المقولة الشيخ يوسف البحراني (ت-1772م) ، مستدلا بالاية السابقة وبقوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين-النحل 89)، ورد عليه الشيخ احمد النراقي (ت-1828م) بان المقصود هو ما يقتضي شأنه ووظيفته بيانه ، لا كل شيء على نحو الاطلاق. فالبديهي ان كثيرا من الامور لم تبين في الكتاب ، سواء الكتاب في معنى القرآن او في معنى الشريعة. وذلك لانها ليست مما هو مطلوب من الكتاب بيانه. كما ان عدم البيان لا يوجب الظن بالنقص فعدم بيان ما ليس مطلوبا ليس مظنة نقص. بل لعل بيان غير المطلوب يعد تكلفا. والتكلف مما يعاب على الكامل [1]. اما حمية اولئك الدعاة وحرصهم على دينهم ، فهي شعور مشكور ودليل على صلاح نيتهم ، ونسأل الله ان يثيبهم عليها. لكن صلاح النية شيء وصلاح العمل شيء اخر. الا ترى ان بعض الاباء يضربون ابناءهم بقصد التهذيب ، فيؤدي ذلك الى كراهية الابناء للاباء. بل الا ترى ان تشدد بعض قومنا في الزام غيرهم بطريقة تدينهم الخاصة ، قد ادى الى نفور هؤلاء من الدين كليا. فهذا وذاك دليل على ان النية الصالحة غير العمل الصالح. وقد كان حديثنا عن العمل وليس عن النية.

وعطفا على حديثنا السابق. اقول ان ذلك التكلف في ربط كل شيء بالاسلام ، قد عمق التفارق بين العلم والهوية الذي اشرنا اليه. كل مسلم في هذا اليوم ، يريد المحافظة على هويته ، ويريد في الوقت نفسه الحصول على العلوم الحديثة التي تطورت عند الغرب. نحن نعلم ان لا سبيل للحصول على العلم سوى بالتعلم من اهله. لكن بالنظر لما قلنا من تفارق ، فقد اصبحنا نعيش حياة مزدوجة: نرغب في ان نكون مثل الغرب في علمه وتقدمه وقوة مجتمعه ، وفي الوقت نفسه نعتبرها غير سليمة وغير مشروعة. وقد ادت هذه الازدواجية ، الى التضحية بجوهر مطلبنا ، اي التعلم واعادة انتاج العلم ، واستبدالها باستهلاك منتجات ذلك العلم. ترى دعاتنا مثلا ، بل جميع قومنا ، يتبارون في استخدام احدث التجهيزات التي انتجها العلم الغربي في كل مجال من مجالات الحياة. لكنهم لا يتوقفون عن شتم الغرب الذي انتج لهم هذه الاشياء.
ولو اقتصر الامر على الشتيمة لهان الامر.  لكن وراء هذا التركيز على التمايز والعداوة يكمن خلط رهيب بين فكرتين مختلفتين تماما: فكرة الاستقلال عن الغرب ، وفكرة الانفصال عنه. وقد كان الجدير بهم ان يركزوا على الاولى. اما الثانية فمستحيلة ، ومآلها تكريس الحاجة الى الغرب ، والبقاء متكلين عليه. 
فكرة الاستقلال تعني بالضبط: السعي للاكتفاء الذاتي في كل مجال ، في العلوم والاقتصاد والثفافة وغيرها. واول هذا السعي هو الانفتاح على الغرب للتعلم منه ، ثم اعادة انتاج ما تعلمناه ضمن اطارنا الثقافي الخاص. فاذا نجحنا في هذا المسعى ، فسوف نكون اندادا للغرب ، قادرين على الاستقلال عنه. ولا يضيرنا يومئذ الاتصال به او التعاون معه ، لان القوي والمكتفي لا يتاثر سلبيا بالتعاون مع منافسيه.
 اما فكرة الانفصال فان تطبيقها الفعلي هو التناكر مع الغرب ، اي الغاء القيمة المعنوية للعلم الذي نحصل عليه منه. ومآل هذا هو كسر السلسلة الطبيعية المفترضة لتطور العلم ، اي الانتقال من التعلم الى اعادة انتاج العلم ، ضمن الاطار الثقافي الخاص. وهذا ما نجده اليوم واقعا يمشى على قدمين. لقد تعلم عشرات الالاف من المسلمين في الغرب. لكن تلك العلوم لا تحصل على التقدير والقيمة التي تليق بها بين قومهم. ولهذا فان الاغلبية الساحقة من هؤلاء المتعلمين ، تكتفي بما تعلمته ولا تسعى الى تطويره ، اي لا تتعامل مع المرحلة الاولى كبداية لسلسلة ، بل هي بالنسبة اليها بداية ونهاية.






[1] قال البحراني بان الاخبار مستفيضة في ان كل حكم مبين في الكتاب والسنة حتى ارش الخدش. يوسف البحراني: الحدائق الناضرة (بيروت 1993) ، دار الاضواء ، ج. 24 ، ص. 382.  وعقد الكليني بابا خاصا عنوانه (باب الرد إلى الكتاب والسنة وانه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس اليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة) انظر الكليني : الكافي 1/113.
وهوّن النراقي من شأن الروايات الواردة بهذا الشأن واصفا اياها باخبار الاحاد ، وقال ان معناها بالتحديد هو ان ما كان فيه حكم ، فقد بين القرآن أو السنة ذلك الحكم ، لا انهما قد بينا الحكم في كل موضوع. احمد النراقي: عوائد الايام ، (قم 1408) ، مكتبة بصيرتي، ص. 123
ومن المحتمل ان راي النراقي كان يستهدف التاكيد على وجود دائرة من الاعمال خارج حدود التكليف ، ضمن الجدل القائم حول تعريف الاباحة وما اذا كانت حكما ام لا ، ومن المتفق عليه ان هناك موضوعات كثيرة لم ترد فيها احكام في القرآن والسنة ، وابرزها الموضوعات التي ظهرت بعد انتهاء عصر النص ، لكن البعض يجادل في ان هذه الموضوعات قابلة للتكييف ضمن احد الاطارات التي تندرج تحت القواعد الشرعية العامة ، واقترح المرحوم الصدر دائرة موضوعية للمستجدات اطلق عليها اسم منطقة الفراغ التشريعي ، وذهب إلى ان كثيرا من احكامها يستنبط استنادا إلى القواعد العامة والترجيح بين المصالح.

(كتاب) الحداثة كحاجة دينية

هذه مرافعة على شكل حوار بين عقلين حول واحد من اهم الاسئلة في واكثرها اثارة للحرج في ثقافتنا الدينية المعاصرة ...
 سؤال: كيف ينهض المسلمون من سباتهم المزمن ، وكيف يعودون الى قطار الحضارة بعدما نزلوا او انزلوا منه.
هي سلسلة من التساؤلات يتلو كلا منها ما يشبه الجواب ، لكنه جواب مؤقت ، اذ لا يلبث ان يثير سؤالا اخر يتلوه جواب اولي وهكذا. فالغرض اذن ليس تقديم اجوبة نهائية. ... هذه المرافعة تحاول اثارة ذهن القاريء ومجادلته ودفعه للتفكير في السؤال.
 في ظني ان تفكيك وتفصيح سؤال النهضة هو بذاته الجواب عليه .

للقراءة براحة اكثر اضغط هنا

الثلاثاء، 8 يناير 2013

"اخبرني من اثق به..."


نحن لا نتفق في افكارنا ورؤيتنا للعالم ، لاننا ننظر الى الشيء الواحد بخلفيات متباينة ، فيفهمه كل منا على نحو مختلف. ولهذا السبب ايضا ، فان النقاش بين المنتمين الى تيارات مختلفة ، لايؤدي غالبا الى الاتفاق على نتيجة واحدة ، او تسليم احدهما برأي الاخر مهما قويت ادلته. هذه خلاصة الرؤية التي قدمها المفكر الامريكي توماس كون في نقده للقائلين بان التجربة العملية برهان على سلامة الفكرة او خطئها.

خصص كون كتابه الشهير "بنية الثورات العلمية" لشرح مفهوم النسق=paradigm ، وكيف تتقاطع في داخله القضايا العلمية البحتة مع المصالح الاجتماعية ، التي تحكمها في معظم الاحوال تصورات انطباعية وغير علمية بالمعنى الدقيق.

النسق او الباراديم - كما صاغه كون - نظام اطاري شبه مغلق ، يمنح اتباعه هوية جمعية تميزهم عن غيرهم. يتضمن هذا الاطار نظريات ومناهج تفكير وعمل ، وهيكل علاقات وتراتب، يتعامل معها الاعضاء كمسلمات. مجموع هذه الاعتبارات هي اشبه بايديولوجيا ، تقدم نفسها كصورة حقيقية للعالم. كل شيء داخل النسق يعتبره الاعضاء – او الاتباع - صحيحا ومعياريا، وليس موضوعا للنقاش. وبالعكس من ذلك فكل شيء خارج النسق مرفوض، او على الاقل مشكوك وموضع مساءلة.

يستريح الانسان – غريزيا – الى الاشخاص الذين يالفهم ويشاركونه اراءه وميوله ولغته وطريقة عيشه. ويستريح اكثر الى من يتبعونه ويقدرونه ويخدمونه. ولهذا فهو يتعامل مع المعلومات التي ينقلونها اليه بقدر كبير من الثقة ، ويقبلها من دون نقاش. كما يميل الى قول الاراء التي تستجيب لرغباتهم ، وتلبي تطلعاتهم ، وتعزز علاقتهم به. مقولة "اخبرني من اثق به..." مثال واحد على هذا السلوك.

 تقوم هذه العلاقة بين المنتمين الى نسق واحد. وهي اكثر تركيزا بين الاشخاص الذين يطورون رابطة اعمق فيما بينهم ، مثل الانتماء الى تيار سياسي او فكري واحد ، او جماعة نشاط واحدة. حيث يضاف الى الالفة والقرب الاجتماعي ، وحدة الافكار والاهداف والمواقف والهموم. ويصل التوحد الى اعلى درجاته في مرحلة "التنميط"، حين يتفق اولئك الاشخاص على صفة او بصمة تعبر عن مجموعتهم ، واخرى تعبر عن كل فريق من المجموعات  المنافسة.

صراعات الطوائف والاحزاب والمجموعات الدينية ، النشطة حاليا في بلادنا وحولها ، تكشف عن قوة تاثير النسق في سلوك الافراد ، القادة واتباعهم على حد سواء ، الا ما قل وندر.

تزداد اهمية النسق في ظروف التازم. وتلعب الثقافة دورا جديدا يتمثل في حراسة الجماعة ، حزبا كانت او تيارا او مذهبا. وفي ظرف كهذا ، يصبح الصراع عاملا مؤثرا في فهم المصادر الثقافية ، وبينها الدين.  ولذا نجد اللغة الدينية مستعملة بكثافة في الصراع بين الفرقاء الذين ينتمون جميعا الى دين واحد ، لكنهم يستعملون مصادره بطرق متباينة ، ولاغراض متعارضة .

الاقتصادية 8 يناير 2013
http://www.aleqt.com/2013/01/08/article_723228.html

الثلاثاء، 1 يناير 2013

اول الصراع بين دعاة الحداثة وحماة التقاليد



المنطق الداخلي للثقافة التقليدية قائم على ذات الارضية التي ارساها الفيلسوف اليوناني ارسطو قبل 23 قرنا. وهو منطق اثر بعمق على تفكير قدامى الاسلاميين. وهيمن على التفكير الاوروبي حتى اواخر القرن السابع عشر. تصور ارسطو فردا تصنعه الجماعة، تشكل عقله وشخصيته ومسار حياته.

راى ارسطو ان بلوغ السعادة هو غاية الحياة الانسانية. والسعادة عنده ليست ظرفا سيكولوجيا يستشعره الفرد من خلال تحقيقه لذاته، بل هي وصف لمرحلة في تطور الانسان، تعرف طبقا لمعايير موضوعية لا يشارك الفرد في اختيارها او تشكيلها. الصفات الفاضلة ، الصحيح والخطأ، قيم ثابتة لا يخترعها الافراد. وتبعا لذلك فنحن لا نقرر ما هي السعادة التي نريدها. بل نلتزم بمفهومها وطريقها الذي حدده غيرنا، والا كان مصيرنا السقوط في الهاوية. الفرد اذن صنيعة المجتمع الذي يعيش فيه. هويته، شخصيته، وفضائله، كلها ثمار للعيش في الجماعة والخضوع لنظامها الثقافي.

هذه الرؤية هي الاساس الذي يبرر رفض التقليديين للتعددية الثقافية وحرية الراي والتعبير. المجتمع الفاضل في رايهم هو ذلك الذي تسوده ثقافة واحدة وخيارات محددة ، هي الخيارات التي يرونها فاضلة. ما سوى ذلك قد يشوش اذهان الافراد وقد يحرفهم عن طريق السعادة. وعليه فمن الخير للفرد ان يكون سعيدا ولو على حساب حريته.

 لم تعد رؤية ارسطو مقبولة في عالم اليوم. المنطق الداخلي في الفلسفة الاخلاقية المعاصرة يقرر استقلال الفرد بهويته التي تجسد ذاته ، والتي تبقى حية حتى لو اندمج في مجتمع او تبنى عقيدة. وحسب تعبير كولين موريس فان جوهر الفردانية يكمن في التجربة النفسية التي أشعر معها بانه لا احد غيري هو انا، ولا احد غيري يرى الاشياء كما اراها.

راى الحداثيون ان استقلالية الوجود الانساني وحرية الفرد في خياراته الحياتية اساس لمسؤوليته عن تلك الخيارات. طبقا لهذه الرؤية فان فهم الانسان لعالمه يسير في اتجاهين متفاعلين : يتاثر الفرد بمحيطه، لكنه في نهاية المطاف يتخذ قراره بعقله المستقل عن المحيط. صحيح ان محيطي يؤثر في فهمي للاشياء ، كما يؤثر على قدراتي وافعالي. لكن قبولي بالانسياق مع المحيط او الاستقلال عنه هو ايضا قرار اتخذه باختياري واتحمل تبعاته بمفردي. طالما قبلنا بكون الفرد عاقلا، حرا، ومستقلا ، فان قراره يعكس ذاته الخاصة وليس تاثير الاخرين.

هذه الرؤية وتلك تتبناها تيارات تتصارع في مجتمعنا وفي غيره. ويتجلى الصراع في قضايا مثل الحريات الفردية والعامة، وفي تعريف "الضوابط" المسموحة ومستوى الضبط. في كل الاحوال فان جوهر الجدل يتناول موقع الفرد: هل هو مستقل مسؤول عن خياراته ، ام تابع للجماعة ، ذائب في بحرها.

الاقتصادية 1-1-2013
http://www.aleqt.com/2013/01/01/article_721390.html