الثلاثاء، 22 أغسطس، 2006

سياسة ما بعد الحرب


فشلُ الاسرائيليين في تحقيق انتصار مدو على الجبهة اللبنانية ستكون له نتائج سياسية كبيرة الاهمية في الجانب العربي، ابرزها هو دخول القوى الشعبية كعامل فعال في الصراع مع اسرائيل وفي اي صراع قادم مع قوى اجنبية. صحيح ان المقاومة الخلاقة التي جسدها اللبنانيون لم تكن الاولى في تاريخ العرب الحديث، لكنها تميزت على ما سبقها بعوامل استثنائية، من بينها مثلا: ان حزبا سياسيا اهليا تحمل الجزء الاعظم من المسؤولية في هذا الصراع واداره بكفاءة يحسده عليها جنرالات الجيوش العربية.
في الثمانينات وقبلها حذر باحثون عرب مما وصفوه بالانكشاف الاستراتيجي تجاه الخارج. وتتلخص فكرة الانكشاف في ان دولة أو امة ما يجب ان تتمتع بقابلية لصد التدخلات الخارجية من خلال توفير مجموعة من العوامل الضرورية للامن القومي، ويدخل ضمنها كفاءة القوات المسلحة والاجماع الوطني وكفاءة توفير مصادر العيش الضرورية في الاوقات العادية واوقات الازمة. وأشار معظم تلك البحوث الى ضرورة ردم الهوة التي تفصل المجتمع عن الدولة كعامل حاسم في التعبئة للحرب أو لمنع الحرب، لكن ايا من اولئك الباحثين لم يتخيل ان المجتمع يمكن ان يقوم بالمهمة كاملة من دون الدولة. من هذه الزاوية فان التجربة اللبنانية هي سابقة في تاريخ العرب وثقافتهم السياسية، واظن ان آثارها ستنعكس ايضا على مجمل علاقات العرب الدولية.
من المرجح ان الولايات المتحدة الامريكية او غيرها سوف تتردد الان قبل اتخاذ قرار بفرض غاياتها على العالم العربي، لا سيما حين يتعلق الامر بفرض الرؤية الاسرائيلية للسلام، خلافا لما كان عليه الامر منذ منتصف العقد السابق، حين جرت عادة السياسيين الامريكيين على لعب دور المراسل الدبلوماسي لحكومة اسرائيل بدل دور الوسيط الذي يملك اوراق الحل كما كان يقول الرئيس السابق انور السادات.
من الناحية النظرية البحتة فانه لا توجد دولة عربية مكشوفة بقدر لبنان، عدا عن التركيبة الطائفية للنظام التي تحول بذاتها دون تحقيق اجماع وطني على الخيارات الاستراتيجية، فان صراعات القوى المشاركة في المشهد السياسي الداخلي هي بصورة أو باخرى انعكاسات لصراعات في الخارج، الجيش اللبناني هو اقرب ما يكون الى قوات احتياط للشرطة منه الى شبيه لما عند الدول المحاذية، لكن مع ذلك فان لبنان هزم اسرائيل مرتين، وجاءت الهزيمة الثانية استثنائية بمقاييس عديدة.
لا شك ان الموقف العربي اصبح اليوم اكثر قوة، فالمساهمة الشعبية في اي صراع مع الخارج تعطي للمفاوضين والدبلوماسيين اوراقا اضافية مهمة. نتذكر مثلا ما نقله الاستاذ هيكل عن لقاء رئيس الوزراء فؤاد السنيورة مع وزيرة الخارجية الامريكية، فقد قال لها: ببساطة انه سيستقيل اذا فرضت واشنطن تصورها للحل على لبنان. ومعنى استقالة الحكومة، هو تحول حزب الله الى شبه حكومة ومفاوض وحيد، وهذا أسوأ كابوس يمكن ان تتخيله رايس واصدقاؤها، الخوف من مواجهة هذا الخيار هو الذي حمل واشنطن وباريس وبالطبع تل ابيب على تليين موقفها واتخاذ قرار في مجلس الامن يختلف جوهريا عن المشروع الاصلي الذي دعمته فرنسا والولايات المتحدة، وحتى بعد وقف اطلاق النار، فمن الواضح لاسرائيل وغيرها ان لبنان ليس بالارض الرخوة التي يمكن لهم ان يفرضوا فيها ما شاؤوا، وقد بدا هذا جليا في تراجع فرنسا عن القيام بدور محوري في القوات الدولية المنتظر نشرها في الجنوب، اضافة الى تراجع الدعوات المتشددة التي كانت تصر على تجريد سلاح المقاومة قبل انسحاب اسرائيل.
ما فعله حزب الله اذن كان بالنسبة للدول العربية رمية من غير رام، فقد اعطاها ما لم تحلم به طوال العقدين الماضيين. وجدير بالدول العربية جميعا ان تعزز اليوم هذا المكسب باطلاق حملة واسعة رسمية وشعبية لاعادة بناء البيوت والمرافق العامة التي دمرت، وعلاج الجرحى، والتعويض عن مصادر الرزق التي خسرها اصحابها، هذه بلاشك مهمة مكلفة، لكنها ممكنة بتظافر الجهد الاهلي والرسمي.
اعلن حزب الله انه سيقوم من جانبه بهذه المهمة، واذا بدأ فيها بنفس الدرجة من التجرد والاخلاص والجدية التي رأيناها خلال الحرب، فسيكون هذا اضافة عظيمة الى دوره كلاعب محوري في الساحة اللبنانية، وربما يتحول الى انموذج للعمل الاهلي في بقية الدول العربية، نعلم ان هذا ليس من الاحتمالات المريحة للكثير من الحكومات العربية. ومن الافضل لها اذن ان تبادر للمساهمة في هذا الجهد كي تعوض ما فات وكي تعزز موقفها السياسي امام شعوبها وامام العالم.
اغلى الامنيات ان نرى قادة الدولة وممثلي المجتمع الاهلي يدا واحدة في الحرب والسلم، فاذا فات الاول فلا ينبغي ان يفوت الثاني، خاصة وانه خال من بواعث القلق الذي عبرت عنه الحكومات العربية اثناء الحرب، ويجب ان يشعر القادة العرب بقلق جدي فيما لو واصلوا موقف المتفرج بينما يعيد اللبنانيون بناء ما دمره اعداء العرب جميعا، فمثل هذا الموقف سيوجد ارضية ذهنية وربما اجتماعية لتبلور نماذج مثل نموذج حزب الله، اي قوة اهلية تأخذ المبادرة ولا تنتظر رأي الحاكم.
   - 22 / 8 / 2006م - 

الثلاثاء، 1 أغسطس، 2006

ضرورة التنمية السياسية



قطعت البحرين والكويت خطوات طيبة في طريق التنمية السياسية. وتحتاج دول الخليج الاخرى لتسريع الخطى في نفس السبيل. صحيح ان البلدين لم يصلا بعد الى مستوى الديمقراطية الكاملة ، لكن الامور نسبية. ما اريد الاشارة اليه هنا يتعلق تحديدا بتحديث النظام الاجتماعي ولا سيما الثقافة والقيم المؤسسة لمجتمع سياسي ديمقراطي. وهي غاية يمكن ان تمثل نقطة التقاء لقادة المجتمع والسياسة ، سواء اولئك الذين يرون في الديمقراطية نظاما امثل لادارة الحياة العامة ، او نظراؤهم الذين لا زالوا مؤمنين بالنظام الابوي ومحورية الدولة. 

ارتبطت فكرة التنمية منذ تبلورها بفكرة التحديث. فعلى الرغم من تمايز الفكرتين على المستوى المفهومي ، الا ان الميل الغالب بين منظري التنمية ينحو صوب الربط العضوي بينهما على المستوى الوظيفي ، بحيث يمكن القول ان معظم التعريفات المتداولة توحي بان التنمية في شتى صورها هي طريق للتحديث. لهذا السبب ايضا اصبح ممكنا تمييز مسارات فرعية عديدة ضمن اطار المفهوم العام للتنمية . جربت مجتمعات الخليج جميعا مسار التنمية الاقتصادية واكتشفت فوائده. واظن انها تتفق اليوم على ان نظام الاقتصاد الحديث – رغم نواقصه – اقرب الى روح الانسان وتطلعاته واقدر على ضمان مستوى العيش الذي يليق به. 
الذين جربوا التنمية السياسية اكتشفوا ايضا ، او سيكتشفون ، ان نظاما سياسيا حديثا سيكون اقدر على تحقيق انسانية الانسان وتمكينه من التعبير عن جوهر وجوده. لكن من الواضح ان التنمية السياسية لا تزال موضع ارتياب من جانب السياسيين لان تحقيقها يتطلب تخليهم عن مكاسب او امتيازات او طريقة في العمل اعتادوا عليها لزمن طويل.

اذا اخذنا بعين الاعتبار الكلفة التي يدفعها اصحاب القرار (ونعرف انهم مترددون في قبولها حتى الان) ، فان المسار الثالث للتنمية ، اي تحديث النظام الاجتماعي ، لا ينطوي على عبء كبير ، رغم ان ثمراته لا تقل عن ثمرات التحديث الاقتصادي. ولهذا السبب اشرت سلفا الى انه يمكن ان يشكل نقطة التقاء للمطالبين بالاصلاح في المجتمع واصحاب القرار المترددين ازاء التحديث السياسي ولا سيما الجزء الجوهري منه ، اي الديمقراطية.

مضمون التنمية الاجتماعية هو اعادة تنظيم شبكة العلاقات الداخلية للمجتمع وعلاقته مع الدولة وادائه الثقافي والاقتصادي وتطلعاته السياسية. اما غرضها فهو تمكين المجتمع من التفاعل مع مسارات التحديث الاخرى ، سواء في قطاع الاقتصاد ، او الادارة الرسمية او القانون او غيرهم ، وبطبيعة الحال الاستفادة من الفرص الجديدة التي توفرها هذه التغييرات. من الناحية الفعلية فقد ثبت ان التحديث الجزئي ، اي تحديث الاقتصاد بمفرده او تحديث القانون او الادارة الرسمية بمفردهما هي امور ممكنة ، خلافا للاعتقاد الذي ساد في بعض الاوقات بان اجتزاء التنمية سيؤدي الى فشلها. لكن من الانصاف ايضا القول بان التنمية الجزئية تخلف تشققات في النظام الاجتماعي غالبا ما ترتد على شكل تفكك وانهيار لمنظومات القيم الناظمة للعلاقات الاجتماعية ، وبالتالي تأزم النظام الاجتماعي وتدهور العلاقة بين المجتمع والدولة.

 ما نراه في الحياة السياسية الخليجية من ميل مفرط للمنظومات الاجتماعية القديمة مثل العشيرة والقبيلة والطائفة وما نراه احيانا من ظهور غير مبرر للثقافة الخرافية والانعزالية ، يرجع في ظني الى تلك التشققات التي تركت من دون علاج. قد نذهب الى مدى ابعد على المستوى النظري فنقول ان هذه المشكلات هي تعبير عما يسميه الباحثون بالاغتراب الاجتماعي ، اي انقطاع الصلة الروحية او الثقافية بين الافراد (او الكتل الاجتماعية) وبين منظومات العمل التي خلقتها الحداثة في مجال معين مثل الاقتصاد. لكن التنمية الاجتماعية تتطلب ما هو اكثر من علاج هذا الاغتراب. نحن بحاجة في حقيقة الامر الى صياغة اجماع جديد بين اعضاء المجتمع من جهة ، وبينهم وبين النخبة السياسية من جهة اخرى ، على نظام الحياة الذي يحقق آمالهم.

 في هذا السياق فان اعادة تشخيص مكانة الفرد كفاعل مستقل في النظام الاجتماعي تحتل في تقديري المرتبة الاولى من الاهمية. يقوم مفهوم الحداثة على الربط بين قيمة الفرد وكفاءته ، وبين مكانته والدور الذي يؤديه فعليا. خلافا للنظام القديم الذي يربط بين قيمة الفرد وانتمائه ، او بين مكانته وصفته. ويأتي بعد ذلك الفصل بين شريحتين من الحقوق الضرورية للفرد ، اي الحقوق الطبيعية التي يجب ان يتمتع بها باعتباره انسانا ، والحقوق المدنية التي يتمتع بها باعتباره مواطنا.

في مثل مجتمعاتنا التقليدية ، فان حقوق الافراد وحرياتهم تعتبر غالبا "منحة" يقدمها المجتمع او الدولة كمكافأة للفرد على ادائه للواجبات الاجتماعية. وهذا المفهوم قد يكون مقبولا – رغم انه غير مبرر تماما – حين يتعلق الامر بالحريات المدنية ، اي تلك التي يتمتع بها في ظل القانون . لكن من الخطأ الرجوع الى نفس المفهوم حين يتعلق الامر بالحقوق الطبيعية التي ينبغي ان تكون سابقة للقانون والمواطنة بل وحاكمة على اي قانون .

 اعتقد انه ينبغي على المجتمع والدولة التوافق على ان المساواة وحرية التفكير والتعبير والاعتقاد والتملك هي حقوق للفرد بما هو انسان وبغض النظر عن اي قانون او سياسة او علاقة . يمكن لتوافق من هذا القبيل ان يرسي اساسا متينا لاجماع وطني جديد . وثمة خطوات ضرورية لجعل الاجماع الجديد فعالا ومحسوسا ، ربما نعود اليها في مقالات قادمة . لكن خلاصة ما اردنا التاكيد عليه هنا هو ان التنمية الاجتماعية ، بمعنى اعادة تنظيم شبكة العلاقات الاجتماعية تمثل حاجة ماسة لتعزيز مسارات التحديث الاخرى ومعالجة المشكلات التي يمكن ان تنتج عنها ، وهي علاوة على فوائدها ، قليلة الكلفة ، كما ان انجازها ممكن حتى لو تاخرت التنمية السياسية .