‏إظهار الرسائل ذات التسميات الخليج العربي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الخليج العربي. إظهار كافة الرسائل

09/08/2017

العلمانية على الطريق


||الجدل الحالي حول العلمانية في العالم العربي ، لا سيما منطقة الخليج، يشير إلى تحول ملموس نحو القبول بالتعددية على المستوى الفكري والاعتقادي، وسيادة القانون على المستوى السياسي والاجتماعي||
عاد الجدل حول العلمانية إلى منتديات الخليج بعد الحديث المشهور لسفير دولة الإمارات في واشنطن. كانت الصحافة السعودية قد شهدت جدلاً أوسع في مطلع العقد الجاري، محوره المفاضلة بين الدولة الدينية والمدنية. وانقسم الناس يومذاك – كما اليوم – بين داعٍ للعلمانية وبين رافض لها من الأصل، وبين من يناقش في التفاصيل.
المقارنة بين جدل اليوم وجدل الأمس، تكشف أن بعض رافضي العلمانية في 2012 يميلون اليوم إلى التعامل معها كاحتمال ممكن، مع بعض التعديلات. ونشير إلى أن الجدل حول المسافة بين الدين والعلمانية، شأنه شأن كل القضايا المرافقة للتحول الاجتماعي، يتصاعد أو يتراخى بتأثير الصراعات السياسية، التي لا يخلو منها بلد عربي. ولذا فإنك لا تطمع في نقاش ثقافي متراكم، قدر ما تراقب التحولات الإجمالية على الخط الممتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
أظن أن النقاشات الأولى قد لفتت أنظار الإسلاميين إلى أعمال المرحوم د. عبد الوهاب المسيري، سيما كتابه «العلمانيةالجزئية والعلمانية الشاملة». وأرى أن كتاب المسيري يصلح للقارئ الأوروبي أكثر مما يصلح للقارئ العربي؛ فهو ينطلق من فرضية مكتومة إلى حد ما، فحواها أن العلمانية متحققة فعلاً، وأنها تفرز مفاعيلها الفلسفية والثقافية والمادية، وتؤثر في البنية العميقة للمجتمع. وهذه فرضية قد تكون صحيحة في المجتمعات الصناعية. لكنني أظنها غير واقعية في المجتمعات العربية.
د. عبد الوهاب المسيري

ركز الكتاب على مخاطر المادية المفرطة وتغوّل رأس المال. وتبنى مقاربة طورها فلاسفة أخلاقيون غربيون، تحذر من تسليع الإنسان. وقد بسط النقاش في موضوع العلمانية وفصله، على نحو يقود القارئ – المتشدد خصوصاً – إلى رؤية تفارق الثنائية التقليدية التي تقرن العلمانية بالكفر، وتضع الدين والعلمانية على طرفي نقيض. وهي ثنائية تنطوي على محمول رمزي وعاطفي لا يسمح بتفكير واقعي.
احتمل أيضاً أن تأملات الإسلاميين في التجربة الناجحة لحزب «العدالة والتنمية» التركي، قد أسهمت في تعزيز مفهوم الدولة المدنية، التي تسمح بنوع من التعايش بين المشاعر الدينية والحكم المدني، في ظل قانون يحمي التنوع الثقافي والتعددية السياسية. وأذكر أن الرئيس رجب طيب إردوغان أثار جدلاً واسعاً في سبتمبر (أيلول) 2011 حين دعا المصريين إلى وضع دستور يحترم مبادئ الدولة المدنية. وصرح في حديث لقناة مصرية بأن «العلمانية ليست معادلة رياضية تطبق في كل مكان على نحو واحد. العلمانية تحترم كل الأديان ولا تنفي الدين أو تدعو إلى اللادينية. الحكومة التركية تطبق العلمانية، لكن الشعب حر في التدين وفق ما يعتقد».
زبدة القول إن الجدل الحالي حول العلمانية في العالم العربي، ولا سيما منطقة الخليج، يشير إلى تحول ملموس نحو القبول بالتعددية على المستوى الفكري والاعتقادي، وسيادة القانون على المستوى السياسي والاجتماعي. يجب القول إن هذا التحول لم يصل بعد إلى مراحل متقدمة، وإن مسافة طويلة تفصلنا عن مرحلة النضج، حين يتعامل المجتمع والقوى الناشطة فيه خصوصاً، مع حرية التفكير والاعتقاد وحاكمية القانون، كمسلمات وضرورات للحياة المدنية السليمة.
هناك بطبيعة الحال متشائمون يشيرون دائماً إلى تصريحات هذا الزعيم أو ذاك، كدلالات على أننا لا نزال في المربع الأول. لكن ما أظنه مهماً هو الحراك الاجتماعي الواسع، الذي يكشف عن تحول تدريجي في البنية وأنماط التفكير، قد لا نرى نتائجها سريعاً، لكننا نستطيع لمس بواكيرها.
الشرق الاوسط 9 اغسطس 2017 http://aawsat.com/node/994501
 مقالات ذات علاقة

26/12/2007

للخروج من حالة الاحتباس

 وعندئذ فانها سوف تتحول من دفقات محلية محدودة الاثر الى روافد في نهر يكبر ويزداد غنى وتنوعا كلما تمدد. واظن ان اقرب السبل الى ذلك هو تغطيتها من جانب الاعلام الرسمي. صحيح ان قناة «الاخبارية» قد عرضت في بعض الاحيان نشاطات من ذلك النوع. لكن الصحيح ايضا ان ما جرى تغطيته ليس سوى قطرة في بحر من مجموع المناشط الفعلية. ومما يؤسف له ان الصحافة المحلية بقيت هي الاخرى بعيدة عن هذا، كما لو ان جميع اجهزة الاعلام متفقة على تجاهل تلك الاعمال المجيدة رغم ان تلك الاجهزة تنشر مقالات تجأر بالشكوى من ضيق الحياة الثقافية وقلة الحراك، وتتفنن احيانا في السخرية من المثقفين المتهمين بعدم الفاعلية والاعتزال في الابراج العاجية، وما الى ذلك من انواع التهريج السهل.

د. محمد الرميحي
دعونا نجعل العام الجديد موسما ممتدا للثقافة والعلم. ليس لعقد المهرجانات والنشاطات الاحتفالية، بل لاطلاق الافكار الجديدة والتأكيد على المبادئ الكبرى للحياة الثقافية السليمة.

لو حسبنا مجموع النشاطات الثقافية التي شهدتها مدن المملكة على امتداد العام الجاري لبلغت عدة مئات. تميز بعض هذه النشاطات بملامسة عميقة لقضايا جوهرية في الثقافة والمجتمع. وتظهر حسبة غير كاملة ان محافظة القطيف مثلا قد شهدت نحو ستين نشاطا تراوح بين محاضرة عامة وندوة نقاشية ومسرحية وفيلم قصير ومعرض للصور الفوتوغرافية والرسم والخط وما الى ذلك من التعبيرات الثقافية الجمعية.

ولم نحسب ضمن العدد السابق النشاطات الفردية مثل اصدار الكتب، كما لم نحسب ضمنه النشاطات الثقافية الروتينية التي لا تنطوي على اضافات الى المشهد. شهد العديد من محافظات المملكة الاخرى نشاطات مماثلة، ربما اقل وربما اكثر. هذه النشاطات هي اجزاء منفصلة في حركة ثقافية كبيرة. وهي تشير الى سياق حياتي جديد عرفنا نظيرا له في منتصف الثمانينات، لكنه غاب تماما خلال العقدين الماضيين.

جميع هذه المناشط او اغلبيتها الساحقة ولدت بمبادرات اهلية، استعان قليلها بأجهزة رسمية، وبقي معظمها اهليا من مبتدئه الى منتهاه.

يمكن للحراك الثقافي ان يشكل مخرجا فعالا من حالة احتباس اجتماعي يشكو منها كثير من الكتاب واصحاب الرأي. نشاطات العام الجاري تظهر ان حالة الركود التي شهدناها في الاعوام السابقة، لم تعد قائمة، او على الاقل، لم تعد ظاهرة عامة. نحن بعبارة اخرى لا نعاني من الركود الثقافي بل من الاحتباس. والاحتباس ليس حالة عدمية، بل هو تعبير عن وجود مقيد او محصور ما نحتاجه اليوم هو اطلاق هذه الحالة من محابسها بتوفير الفرصة للنشاطات المحلية المتباعدة والمنفصلة كي تتواصل.


قبل سنوات نشر المفكر الكويتي د. محمد الرميحي كتابا بعنوان «الخليج ليس نفطا»، ركز فيه على جوانب النشاط الثقافي التي تشير الى نمو انساني يوازي النمو الاقتصادي. وكان غرض الرميحي هو دفع التشنيع عن الخليجيين بالانغماس الكامل في المال والسوق والرفاهية المادية، وانحدار قيمة العقل والتفكير والثقافة، وهي اعظم سمات الانسانية الطبيعية. وينبغي القول الان ان حراكا ثقافيا واسعا وعميقا، هو الرد الاقوى على ما نشهده احيانا من استصغار او ربما تجاهل من جانب الاخرين.

لكن ثماره لا تقتصر على هذا، فهو ايضا اداة فعالة لعقلنة المطالب والمشكلات والقضايا الاشكالية وموارد الجدل، سواء على المستوى الاجتماعي المحلي او على المستوى الوطني. كما انه اداة فعالة لترسيخ روحية الحوار وبناء الشخصية المتعددة الابعاد. وبعبارة اخرى فانه اداة للقضاء على التعصب والغلو والاغتراب. زبدة القول ان التغطية الاعلامية للنشاطات الثقافية المحلية سوف تسهم في الكشف عن حركة ثقافية وطنية واسعة، وسوف يسهم في تحويلها من مستوياتها الاولية الى مستويات اوسع واكثر عمقا.

واظن ان المسؤولية الاولى في هذا الجانب تقع على وزارة الثقافة والاعلام. فهي مطالبة بالخروج من القوقعة التي يسمونها النوادي الادبية وجمعيات الثقافة والفنون، والانفتاح على النشاط الاهلي الحر. ليس بتوجيهه ولا بالتحكم فيه ولا حتى بدعمه، بل فقط وفقط بتغطيته، فهذا كاف لتعويمه وتعميمه وتعميقه.
وللمثقفين الافراد دور هام في هذا السياق، لكن هذا موضوع آخر ربما نعود اليه لاحقا.
مقالات ذات صلة

17/04/1995

البيئــة .. حاجــة اقتصــادية ايضــا



اينما ذكر الخليج العربي تواردت الى الاذهان صورة  البترول ، البترول وهو مكائن تنبش الارض بحثا عنه ، والبترول وقد تحول من زيت اسود كريه الرائحة كما وصفه المكتشفون الى ثروة تصنع جمال الحياة وناعم العيش ، فالبترول هو سر الخليج الاعظم ، وهو صانع حاضره.

لكن هذا الزيت الاسود الثمين ، هو ـ من الناحية الاخرى ـ المصدر الرئيسي للتحدي البيئي في المنطقة ، ثمة اسباب كثيرة يحتمل ان تؤدي الى افساد البيئة النظيفة ، التي نمني النفس ببقائها والتمتع بنعيمها ، لكن البترول يبقى هو التحدي الكبير .

شهدت حرب الخليج الثانية تبلور المخاطر التي يمثلها البترول على البيئة المحلية في الخليج ، فقد ادى القصف المتبادل الى اصابة عدد من منشآت البترول اصابات مباشرة او غير مباشرة ، وشعر الناس لاول مرة بحقيقة مايتهدد حياتهم من وراء هذا العملاق ، الذي كان في زمن السلم مصدرا للرفاهية ونعيم العيش .


البيئة كسلاح
ويعتبر التخريب المتعمد الذي قام به الجيش العراقي خلال المراحل الاخيرة للحرب ، السبب الرئيسي للمخاطر البيئية التي شهدتها هذه الحرب ، فقد قام الجنود قبيل انسحابهم من جنوب الكويت ، بتدمير الصمامات وخطوط النقل المتصلة بالابار ، وجعل الزيت الخام يتدفق باتجاه شاطيء الخليج ، في الوقت الذي كانت المنطقة تتعرض للقصف المدفعي والصاروخي ، الامر الذي ادى الى اشتعال الزيت المتدفق وحول المنطقة المحيطة بالحقول الى بركان ، يقذف بالادخنة السوداء ، والغازات الضارة الى أجواز الفضاء .

وقيل في تفسير هذا العمل التخريبي ، ان العراقيين كانوا يريدون تغطية انسحابهم السريع من المنطقة ، باشغال المقاتلين على الجبهة الاخرى ، او لمنع انزال محتمل للمشاة والمعدات على الشواطيء ، لكن كثيرا من المحللين اعتبروا غرض القيادة العراقية أوضح من هذه التفسيرات ، وهو يتلخص في اشعار الطرف الآخر ، بقدرتها على جعل الحرب مكلفة وفادحة الاضرار ، فالتخريب المتعمد لمنشآت مدنية ، لايؤدي في حقيقة الامرالى اضعاف الجهد العسكري ، قدر مايؤدي الى بلبلة الراي العام .

لبضعة اشهر بعد التحرير بقيت اراضي الكويت مغطاة بسحب من الدخان الاسود ، كانت ـ لكثافتها ـ تحجب الشمس في الاسابيع الاولى ، ثم تلاشت حتى انتهت بمرور الزمن ، وقد ادت كما قالت الصحف الكويتية الى مضاعفة معدلات الاصابة بامراض الجهاز التنفسي ، فضلا عن الامراض الناتجة عن القلق والتوتر النفسي ، وكنت اظن ان من المهم للمنطقة ، ايلاء الموضوع القدر الكافي من الاهتمام على المستوى العلمي ، لكن لم يتسن لي الاطلاع على دراسات متكاملة ، حول مخاطر التلوث البترولى في المنطقة ككل ، ولعلها لاتكون موجودة او متداولة ، ماخلا الدراسات التي وضعتها الهيئة الاقليمية لحماية البيئة البحرية ، التي كانت نشطة قبل الحرب ، وركزت على مشكلات التلوث البترولي في السواحل .
نماذج وطنية
وبالنظر لهذا النقص الملحوظ ، فقد قامت وزارة الدفاع بتاسيس المشروع السعودي للتوعية البيئية ، الذي يأخذ بعين الاعتبار موضوع نظافة البيئة كتحد راهن ومستقبلي ، وحسب علمي فان هذا المشروع هو الاول على المستوى الخليجي ، الذي ينظر للقضية من وجوهها المختلفة ، ولاسيما المحافظة على التنوع البيئي ، وهو الجانب غير المثير للاهتمام كثيرا ، على رغم جوهريته واهميته .وعلى المستوى الرسمي ايضا فان الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس ، بذلت جهدا طيبا في وضع ضوابط ملزمة ، على المعدات والاجهزة التي تنتج غازات او نواتج ملوثة ، وبين ابرزها السيارات ومعدات النقل ، اضافة الى المكائن المستخدمة في الصناعة ، فضلا عن الموصفات الخاصة بالاغذية المستوردة .

 لكن لايزال جهد الهيئة مركزا على السلع المستوردة ، وهذا امر قابل للتفهم اذ انها ليست هيئة بيئية بالمعنى الفني ، بل هيئة رقابة على المواصفات ، تنشط اساسا في نقاط الاتصال بين المملكة والاسواق الدولية . لذا فالذي نتطلع اليه هو تطوير مشروع التوعية البيئية ، ليأخذ على عاتقه مجموع العناصر التي تتعلق بالبيئة ، وذلك يقتضي ان تتحول الى هيئة وطنية ، قادرة على وضع المواصفات او اقتراح الانظمة .

نشير ايضا الى جهد تقوم به هيئة اخرى غير بيئية ، لكنها تقدم خدمة جليلة على هذا الصعيد ، وهو مشروع هيئة الاغاثة الاسلامية للاستفادة من علب الالمونيوم المستعملة ، اننا نستهلك كل يوم عشرات الالاف من هذه العلب ، التي تباع فيها المرطبات ، وقد وزعت الهيئة حاويات في بعض المدن لتلقى فيها العلب الفارغة ، حيث يجري صهرها واعادة انتاجها ، فتوفر الهيئة من بيع الالمونيوم الخام تمويلا لبعض مشروعاتها الخيرية .

البيئة .. اقتصاد ايضا
 ان المخلفات المعدنية هي واحدة من مسببات التلوث الرئيسية ، لكنها من الناحية الاخرى تمثل مصدرا للثروة لو اعيد تدويرها واستخدامها كخامات صناعية ، وفي بعض الدول الاوربية تضع البلديات حاويات لكل شيئ قابل للتدوير، من الصحف المستهلكة الى القناني الزجاجية الى علب الالمونيوم والاخشاب ، ويلعب الاعلام والتعليم دوره ، في اقناع الناس وتعويدهم علىان يحملوا مخلفاتهم من هذه المواد الى تلك الحاويات ، التي تتحول من عبء يكلف التخلص منه اموالا كثيرة الى مصدر للمال .

وعلى اي حال فان اعادة تدوير المواد المستهلكة هو بحد ذاته باب واسع ، نحتاج للدخول فيه لاعتبارات عديدة ...
اولها التخلص من المواد المستهلكة التي تسبب اضرارا للبيئة ، اوعلى اقل التقادير خفض كميتها الى الحد الادنى .

 وثانيها المحافظة على مواردنا الطبيعية غيرالقابلة للتجدد ، او البطيئة التجدد .
 وثالثها اضافة نشاط جديد الى الحياة الاقتصادية يوفر مزيدا من الدخل ومزيدا من فرص العمل ، فضلا عن انه يوفر بعض المال العام ، الذي ينفق على نقل النفايات والتخلص منها .

لقد ادى التحسن السريع في مستوى المعيشة ، الى ايجاد نمط حياتي طابعه العام الاستهلاك المفرط ، وليس من المقدر ان ينخفض هذا المستوى من العيش ، خلال السنوات القليلة القادمة ، الى حدود مقلقة ، لكن الشيء الذي يبدو مؤكدا  ،  هو انه لن يتطور الى مراحل اعلى خلال الفترة نفسها ، بالنظر الى الاوضاع الاقتصادية العامة ، التي تمر بها المنطقة والعالم ، ولهذا فمن الضروري ان نفكر جديا في الحفاظ على الحد الاقصى الممكن من الموارد المحلية ، التي سيكون استبدالها مكلفا لو فرطنا فيها بلا حكمة ، ويبدو لي ان سياسة شاملة تعتمد على دراسة موسعة لكل مايمكن اعادة تدويره والاستفادة منه تكرارا ، اصبحت اليوم شديدة الاهمية ، وستزداد اهمية مع مرور الزمن .
اليوم   17 ابريل 1995

10/04/1995

البيئة وحاجات الحياة


كان انفجارالمعمل النووي في تشرنوبيل باوكرانيا عام 1986 اوضح اشارة لما يمكن ان تفعله التكنولوجيا بالبيئة ، والذي حدث في تشرنوبل كان عبارة عن تشققات صغيرة ، ادت الى انهيار في جدران المفاعل ، واطلقت كمية هائلة من الاشعاعات الضارة ، ادت الى  القضاء على امكانات الحياة في مناطق شاسعة حول المعمل ، لسنوات طويلة في المستقبل ، قدرت بثلاثة قرون في المنطقة المتاثرة مباشرة بالاشعاع ، اما التاثيرات غير المباشرة ، فقد وصلت الى اراضي السويد في شمال اوربا .

وفي حادث اخر ادى تسرب النفط الخام ، من ناقلة تابعة لشركة اكسون الامريكية عام 1989 الى تلويث بحيرة في الاسكا ، وسبب اضرارا على البيئة الطبيعية ، قدرتها المحكمة بما لايقل عن بليون دولار ، ويشير كلا الحادثين وغيرهما من حوادث التلوث ، الى حقيقة ان التكنولوجيا التي يستمتع البشر بنتاجها ، ليست بلا ثمن ، بل لم يكن ثمنها سهلا ، وتلك طبيعة الحياة ، اذ ليس بالامكان ان يحصل الانسان على كل مايريد ، دون ان يدفع الثمن الذي سيكون في معظم الاحيان باهضا .


التنوع  البيـئي
يؤدي تلوث البيئة الى تدمير تدريجي لما يسميه الخبراء بالتنوع البيئي ، فحياة البشر والحيوان والنبات والكائنات الصغيرة الاخرى ، هي حلقات في سلسلة متصلة ببعضها ، تتكامل مع المكونات الاخرى للطبيعة ، كالماء والهواء والتراب ، وما يحتوي عليه كل منها من  عناصر ، ان القضاء على اي جزء من هذه السلسلة يجعل الحياة صعبة ، او مكلفة ، وفي بعض الاحيان مستحيلة في الحلقات الاخرى .

وقد ادى الخوف من التاثيرات السلبية للتكنولوجيا ببعض الناس ، الى محاولة اثبات فوائد العيش على الطبيعة ، وتجنب استعمال المواد والاجهزة التي يحتمل ان تخلف اثارا ضارة على البيئة .

 لكن لايبدو ان مثل هذا الاتجاه قابل للنمو ، او التحول الى تيار واسع في العالم ، فالجماعات المعارضة لانشار التكنولوجيا النووية ، حتى في الاغراض السلمية ، ينتمون جميعا الى الدول المتقدمة ، بينما لايتوقع ان يشهد العالم الثالث حركة معارضة للانتشار النووي ، بل ان ابناء الاقطار النامية سيرحبون على الارجح  ، بتنامي الاستفادة من الكنولوجيا النووية في بلادهم ، بغض النظر عن المخاطر التي قد تنجم عنها ، فالعالم الثالث يفتقر الى الحد الادنى من مقومات الحياة المتقدمة ، بخلاف الدول الصناعية التي يتمتع ابناؤها بكل ماتوصل اليه العلم من وسائل ، ومن ضمنها امكانية الاستغناء عن نوع معين من التكنولوجيا بانواع اخرى تقوم مقامها ، مثل استبدال مصادر الطاقة المسببة للتلوث بمصادر اخرى نظيفة ، وهو مالا يتوفرفي البلاد الفقيرة او التي لازالت في طور النمو ، مما يجعل اي نوع من  التكنولوجيا ، موضع ترحيب ، بغض النظرعن اضراره .

الضرورات والترف
 ويبدو ان  هذا ايضا هو تقدير الدول الصناعية ، ففي مؤتمر للبنك الدولي شكا ممثل تايلند ، من  ان المصانع التي تبيعها اليابان الى بلاده ، تنتمي جميعها الى الاجيال القديمة تقنيا ، والتي لاتتوفر  فيها تجهيزات للسيطرة على النواتج الملوثة  ، فاجابه مندوب اليابان بان سعي الاقطار النامية لتكنولوجيا نظيفة ، هو نوع من الترف غير مقبول .

على ان قلة الاهتمام بالبيئة في الدول النامية ، قد تؤسس لمشكلات كبرى لاتظهر بجلاء في الوقت الراهن ، لكنها ستكون شديدة الوقع في المستقبل ، واذا كانت بعض الاقطار قد بدأت بوضع قوانين للسيطرة على حجم التلوث  ، من المتوقع ان يكون لها اثار طيبة على مستوى نظافة البيئة ، فاننا بحاجة الى اهتمام اوسع ، ياخذ بعين الاعتبار مجموع العناصر التي يتشكل منها موضوع المحافظة على البيئة ، اهتمام رسمي ووعي شعبي ، يستهدف بالدرجة الاولى المحافظة  على الجزء الجوهري من الموضوع ، وهو التنوع البيئي .

اختلاف العناوين
ان غياب سياسة واضحة تدعمها اجراءات تنفيذية ، وغياب الحديث عن قضايا البيئة في  وسائل الاعلام ، قد ادى الى تطبيع القضاء على التنوع البيئي ، في الوقت الذي تنفق اموال طائلة ، لاستعادة مايجري القضاء عليه باستمرار ، ان اختلاف  العناوين والمسميات ، يلعب هنا دورا فعالا في اقامة تسلسل متعارض ، طابعه العام غياب المنطق ، من ذلك مثلا القضاء  على الريف ، ثم الانفاق على اقامة الحدائق ، والقضاء  على التكوين الطبيعي للشواطيء ، ثم اقامة شواطيء اصطناعية للنزهة .

وبالنسبة لبلادنا فان ما يواجهها من مشكلات بيئية ، لايزال  في حده الادنى ، وتلك نعمة من الله تعالى تستحق الشكر ، لكن لاينبغي التهوين  من الاحتمالات السيئة في المستقبل ، اذ ان قلة الاهتمام ، او تهوين المخاطر قد يكون هو بالذات ، المدخل الى تضخيمها وتعميقها .

نظرة الى المستقبل
 فلنأخذ مثلا تاثير الاسكان على البيئة ، فقد ادى النمو الاقتصادي الى تمدد معظم المدن والقرى ، وجاء هذا التمدد في كثيرمن الحالات على حساب الاراضي الزراعية المحيطة ، وفي المناطق الساحلية جرى تمدد للمناطق السكنية في البحر ، مما قد يقضي على الحياة الطبيعية في الشواطيء ، ويبدو ان تناقص الثروة السمكية في  المنطقة ،  على رغم تطور وسائل الصيد في العقدين الاخيرين ، يرجع الى هذا السبب بالذات ، او ان هذا احد اسبابه الرئيسية .

 ومن المتوقع ان يكون لهذا التناقص في  المصادر الطبيعية  تاثيرات اقتصادية وبيئية غير مريحة ، ربما لانلتفت اليها اليوم لانشغالنا بسواها ، او لعدم ظهورها في صورتها الكاملة ، لكن لاينبغي التهوين مما قد يأتي في مستقبل الايام .

والذي ارى انه ينبغي الاهتمام بقضية البيئة ، لا من الزاوية المتعارفة اي مسالة التلوث فحسب ، بل من مختلف جوانبها ، اخذا بعين الاعتبار الجزء الجوهري من ال موضوع وهو الحفاظ على التنوع البيئي الضروري لحياة البشر ، وفي هذا المجال فان الجامعات ومراكز البحث العلمي ، ووسائل الاعلام ، اضافة الى الاجهزة الرسمية ذات العلاقة تتحمل مسئولية رئيسية .
نشر في  اليوم  10 ابريل 1995

هل تعرف "تصفير العداد"؟

اشقاؤنا في اليمن هم اكثر العرب استعمالا لعبارة "تصفير العداد". ذلك ان رئيسهم السابق ، المرحوم علي عبد الله صالح (1942-2017) ...