‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفساد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفساد. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 2 مارس 2016

خطوط الانكسار


التحولات الجارية في الشرق الاوسط ، سيما تعثر مسيرة الربيع العربي وتفاقم العنف ، اعادت احياء نقاشات قديمة حول ما يعرف في العلوم السياسية بخطوط الانكسار = fault lines. يشير هذا المفهوم الى اي عامل أو ظرف يسهم في تقليص رضا الناس عن النظام الاجتماعي ، أو تدهور الثقة في الدولة ، أو تراجع هيبة القانون ، أو شيوع العنف وتجاوز القانون ، أو تراجع الأمل في المستقبل. وهذه تترتب عادة على انهيار الامن او تدهور مستوى المعيشة او شيوع الفساد واستغلال السلطة او التمييز بين المواطنين. اي - بعبارة موجزة - فشل الدولة في القيام بواجباتها ، وعدم توفر بدائل تملأ الفراغ.
ظروف الثورات والحرب الاهلية تعتبر حالات نموذجية لظهور خطوط الانكسار في النظام الاجتماعي. اما في حالات السلم فان ابرز العلامات التي تشير الى ذلك الظرف هي انتشار الفساد بين موظفي الدولة.  وهي ظاهرة تتوازى غالبا مع بروز مراكز قوى او جهات نافذة تعالج المشكلات بالرشوة ، وتتاجر بالرشوة. تعتبر هذه الظاهرة في بداياتها مخرجا مناسبا من العسر. لكنها تصل في وقت متأخر الى ما يسمى في الاقتصاد بحالة الاشباع الحدي ، أي تفاقم الظاهرة وتصاعد الكلفة المالية للحلول ، على نحو لا تعود معه متيسرة الا للاثرياء ، فتتساوى عندئذ قيمة الغرض المطلوب وكلفة الرشوة ، فتتسع نتيجة لذلك شريحة المحرومين والمستبعدين وتتقلص الشريحة المحظوظة.
طبقا لاستنتاج صمويل هنتينجتون في كتابه الشهير "النظام السياسي لمجتمعات متغيرة" فانه اذا تحول الفساد الاداري الى ظاهرة عامة ، فان معالجته باصدار المزيد من القوانين قد يأتي بنتيجة معاكسة ، اي مضاعفة فرص الفساد بدل تقليصها. بل ان هنتينجتون كان يعتقد ان السماح بالرشوة قد يكون افضل – في المدى القصير – من اصدار المزيد من القوانين التي تزيد الامور تعقيدا. زبدة القول ان الرشوة بذاتها ليست بالأمر الخطير ، لكن تفاقمها وتحولها الى ظاهرة عامة يكشف عن وجود ظرف خطير قد لا يكون مرئيا بوضوح.
يضرب المثل عادة بالهند ، وهو مثال يساعد في فهم العوامل المختلفة التي تتدخل في تحديد مستوى خطورة خطوط الانكسار. تشتهر الهند بانتشار الرشوة واستغلال الوظيفة للاثراء. لكن هذا لا يعتبر دافعا محتملا للثورة ، ولا دليلا قويا على قيام ظرف ثوري. ذلك ان الهند تتمتع بنظام مؤسسي يوفر فرصا واسعة للمشاركة الشعبية في العمل السياسي والتعبير عن الرأي ، في جميع المستويات. لا يتم التستر على الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي تفتح الباب امام الفساد ، فالحكومة صريحة مع الناس ، كما ان الاحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني الكثيرة والصحافة الحرة تتولى فضح اي تستر. يمكن للجمهور ان يغيروا الحكومات المحلية والحكومة القومية كل أربع سنوات اذا غضبوا على أي منهما. هذا التنظيم المؤسسي الراسخ يشكل خط تفريغ للأزمات والاحتقانات ، ويجري باستمرارالتأكيد على قيمة هذه البدائل من جانب النخبة الحاكمة.
ان فشل النظام الاداري للدولة او عسر القانون وكذلك الصعوبات الاقتصادية والسياسية ، قد تسهم في تشكيل خطوط انكسار للنظام الاجتماعي ، لكن توفر عوامل تبريد وامتصاص للتازمات ، كما ذكرنا في مثال الهند ، يمكن ان يشكل صمام أمان ، اي أداة تحييد  للتوترات، تسهم بفاعلية في تبديد الزخم الثوري والحيلولة دون تراكم الانكسارات. 

الشرق الاوسط 2 مارس 2016
 http://aawsat.com/node/581836

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

التعسير على المواطن فساد أيضا


الجدل بين جوازات جسر الملك فهد وهيئة مكافحة الفساد الذي نشرته''الاقتصادية'' نهاية الأسبوع الماضي كشف عن قلة اكتراث بالمشكلات التي يواجهها المواطن، حتى لو وجد نصيرا في هيئة رسمية مثل ''نزاهة''. نقلت الهيئة في تقريرها انطباعات سلبية لمواطنين يستعملون الجسر. 

المشكلات التي ذكرها تقرير الهيئة يعرفها جل من عبر الجسر، فضلا عن إدارته. نتذكر تصريحات رئيس مجلس إدارة الجسر صالح الخليوي في آذار (مارس) 2009 الذي قال للصحف ''إن كبائن العبور ستزداد إلى 48 قبل نهاية 2012 لاستيعاب الزيادة المتنامية في عدد المسافرين''. وتكرر هذا الوعد خلال العام التالي، مما يؤكد أن الوضع الذي انتقدته ''نزاهة'' ليس جديدا ولا مجهولا.
لهذا السبب فإن رد إدارة الجوازات مستغرب جدا؛ فهي بدلا من إطلاع الناس على الأسباب الكامنة وراء ضعف خدماتها، ركزت على أن الهيئة لم تتواصل معهم. حسنا، لا يهمني كمواطن أن تتصل الهيئة بالجوازات أو لا تتصل. ما يهمني هو معالجة المشكلة التي شرحها التقرير. وهي مشكلة أعرفها ويعرفها كل الناس. ولذا فإن مجادلة إدارة الجوازات للجانب الشكلي من الموضوع مخيب للأمل، وقد يشير إلى قلة اهتمام ببحث المشكلة.
سألني أحد الزملاء: هل كان تدخل هيئة مكافحة الفساد في هذه المسألة مناسبا وصحيحا؟ هذا سؤال يخفي وراءه سؤالا أسبق، فحواه: هل يعتبر تخلف جهاز حكومي عن الوفاء بمهامه نوعا من الفساد؟
افترض أن الجواب نعم. ومبرره أننا نفترض أن إقامة جهاز حكومي مثل جوازات الجسر مسبوق بدراسة لموضوع عمله وحاجاته البشرية والمادية، وبناء على هذه الدراسة تتقرر ميزانيته وعدد العاملين فيه. أي قصور يظهر بعد بدء العمل يدل على واحد من اثنين: إما أن التقديرات السابقة كانت خطأ، أو أن التقديرات صحيحة لكن إدارة الجهاز أو موظفيه لا يقومون بواجباتهم كلها.
فلنأخذ بحسن النية ونقول إن التخطيط الأولي لخدمات الجسر لم يتوقع زيادة كالتي ظهرت منذ 2009 ''وذكرت هذه السنة تحديدا لأن إدارة الجسر أعلنت يومها أنها تعلم بالقصور كما أشرنا في أول المقال''. حسنا، لقد انقضت خمس سنوات على ذلك التاريخ، أفلا تكفي هذه المدة لعلاج المشكلة المعروفة؟
أعتقد شخصيا أن المشكلة متعددة الأبعاد والأسباب. وإدراك أيضا أنها قديمة، فكلنا يعرفها منذ عشر سنين على الأقل. ونعلم أيضا أن معظم الشكوى تتعلق بالجانب السعودي من الحدود، فالأمور في الجانب الآخر أفضل بكثير.
إذا كانت المشكلة في القانون المنظم لعمل الجوازات والجمارك، أفلا يمكن إصلاحه؟
وإذا كانت المشكلة في عدد الموظفين، أفلا يمكن زيادتهم؟
السؤال الأكثر أهمية: هل يجب على السعوديين أن يجربوا المعاناة مع كل دائرة رسمية؟ ألا يعتبر التعسير على المواطنين هنا أو هناك فسادا؟!

الاقتصادية الثلاثاء 31 ديسمبر 2013 http://www.aleqt.com/2013/12/31/article_811876.html

الثلاثاء، 30 أبريل 2013

حياتنا مليئة بالأسرار


سألني أحد الزملاء عن مصير المليارات التي حصلنا عليها في إطار تعويضات حرب الخليج. نعلم أن المملكة كانت بين أكثر الدول تضررا بهذه الحرب، وأن مصلحة الأرصاد وحماية البيئة التي تمثل الجانب السعودي في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتعويضات قد تسلَّمت 4.5 مليار ريال على الأقل.

بحثت في موقع المصلحة على الإنترنت، وفي مواقع مشابهة عن المشروعات التي صرفت فيها هذه الأموال، وعما إذا كان قد جرى تعويض الشركات والأفراد الذين تضرروا بالحرب، أسوة بما حصل في دول أخرى. لكني لم أجد أي معلومات من هذا القبيل. كما أني لم أسمع بخطة مماثلة في بلدنا. ولا أعلم إن كان مثل هذا الموضوع قد وضع على طاولة النقاش أم لا.

وعلى أي حال، فعدم معرفتي ليس دليلا على عدم وجود شيء. لكن الذي أثار دهشتي هو عدم وجود أي معلومات عن هذه المسألة المهمة في أي موقع حكومي عام.

فشلي في الحصول على تلك المعلومات حرّك فضولي لمطالعة مواقع رسمية أخرى. بدأت بموقع وزارة التربية باحثا عن مشروع الـ200 مدرسة التي كان مقررا افتتاحها بداية 2012. ونعلم أن الشركات الصينية التي التزمت بالمشروع، تخلت عن العقد بعد ثلاث سنين من توقيعه. كنت أبحث عن أي معلومات حول الموضوع في موقع الوزارة ، ولا سيما عن مصير الملياري ريال التي قيل إنها رصدت للمشروع. لكن لم أجد أي معلومات تشبع فضول الباحث.

قادني الفضول أيضا إلى موقع وزارة العمل، فبحثت عن أي دراسة محكمة حول البطالة وتحولات سوق العمل السعودية الراهنة والمتوقعة. وبحثت عن أي دراسة حول الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لبرامج الوزارة المثيرة للجدل، كبرنامج نطاقات وبرنامج حافز وأمثالهما. ولم تكن النتيجة خيرا من سابقتها.


لا أريد الإشارة إلى موقع هيئة الرقابة والتحقيق التي يرجع أحدث تقاريرها المنشورة على الموقع إلى عام 1430 (للتذكير نحن الآن في منتصف 1434هـ). وهذا التقرير، مثل تقرير العام الذي سبقه يتألف من صفحتين (فقط) عن عمل سنة كاملة. ولا أريد الإشارة إلى موقع مصلحة الزكاة، وعشرات المواقع الرسمية الأخرى، التي يفترض أن توفر معلومات موثقة لعامة الناس حول أعمال أجهزة الدولة، حول مشروعاتها القائمة والمقررة، وإدارتها للمال العام الموكل إليها، وحول إخفاقاتها ومبررات الإخفاق، وحول خططها المستقبلية.

أشعر بعد تلك الجولة بأن حياتنا العامة مليئة بالأسرار. بعض هذه الأسرار مقصود لذاته. وبعضها غير مقصود، لكن يبدو أن الإداريين يكرهون إشاعة المعلومات أو يخشون أن يأتي من يحاسبهم بناءً عليها. وأميل إلى الظن أن مجتمعنا كله، عامة الناس ورجال الحكومة، لم يألفوا فضيلة الكتابة والقراءة، ولم يتعلموا قيمة التوثيق وحفظ المعلومات. هل سنبقى على هذه الحال؟.

الاقتصادية الثلاثاء 1434/6/20 هـ. الموافق 30 إبريل 2013 العدد 7141

الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012

فاتورة الوزير

في يوم صيفي من ايام 1993 التقى جوناثان ايتكن في مقهى باريسي بصديق جديد. وبعد ساعة ، خرج دون ان يدفع الفاتورة. عرف الناس بالقصة في ابريل 1995 حين نشرت صحيفة الغارديان تحقيقا على صفحتها الاولى ، اثار سؤالا بسيطا ، لكنه بدا للناس شديد الاهمية: "من دفع الفاتورة؟.
كان ايتكن نجما صاعدا في سماء السياسة البريطانية. فهو الوزير المسؤول عن مبيعات الاسلحة، وعين في وقت لاحق وزيرا للمالية. وهو منصب يؤهل شاغله – حسب العرف الدارج – لرئاسة الحكومة او الحزب الحاكم.
لكن الصحافة الحرة "جابت فيه العيد" كما يقول اهل بلدنا . في 1999 وقف جوناثان ايتكن امام القاضي الذي حكم عليه بالسجن ، بعدما خسر الوزارة وخسر مقعده البرلماني ، وانهار مستقبله السياسي.
"الفاتورة" هي كل المسألة. اكتشف صحافي شاب ان شخصا ما قد دفع فاتورة الوزير. فتساءل في نفسه: ما السبب الذي يدعو شخصا للانفاق على شخص آخر ، صادف انه وزير لمبيعات الاسلحة؟. تحقيقات الصحفي قادته الى كشف تعاملات غير قانونية تتضمن دفع رشاوى لنافذين اجانب لتامين مبيعات عسكرية.
ناقشت احد اساتذتي يوما حول دور القضاء والبرلمان والصحافة في تطهير المجتمع السياسي ، فقال لي ان فصل السلطات عامل مهم ، لكن الصحافة هي الاداة الاكثر فاعلية ، لسبب بسيط هو ان تلك المؤسسات تحتلها النخبة التي قد تتوافق – ضمنيا على الاقل – على السكوت او التكاذب. لكن الصحافة لا تسكت طالما وجد قانون يحمي حق التعبير والنشر. لهذا فان معظم قضايا الفساد التي كشفت في الدول الصناعية ، ظهر خيطها الاول في الصحافة.
يؤدي الفساد المالي والاداري الى اضعاف هيبة الدولة ، واثارة الارتياب في مشاريعها. من المؤكد ان كبار رجال الحكم في اي دولة حريصون على نقاء المؤسسات التي يرأسونها. في المقابل ، يصطنع الفاسدون  الف طريقة وطريقة لتسويغ مسلكهم وابرازه كممارسة شريفة وعادلة .
الصحافة الحرة هي الاداة الوحيدة القادرة على كشف الفساد المستتر. حرية الصحافة لا تعني – فقط – السماح بالحديث عن وجود فساد او الحاجة الى مكافحته . بل تعني تحديدا توفر قواعد قانونية تحمي الصحف والصحفيين من انتقام الفاسدين وحلفائهم. لا معنى لحرية الصحافة اذا كان الصحفي سيخسر وظيفته بعد نشره تحقيقا عن حالات فساد. ولا معنى للحرية اذا عوقبت الصحيفة بحجب الاعلان عنها او منع النشر فيها او طرد مراسليها.
يعرف الناس مئات من حوادث الفساد ، وثمة جديد يظهر كل يوم. من المشكوك فيه ان تستطيع هيئة متخصصة متابعة هذه الحوادث ، فضلا عن التحقيق في كل واحدة منها. لكن الصحافة تستطيع اذا ضمن القانون حريتها ووفر لها الحماية اللازمة. ربما لا يخشى الفاسدون من المحاكم ، لانهم يستطيعون تدبير اقوى المحامين. لكنهم يخشون الصحافة، لانهم – ببساطة – يخشون الفضيحة اكثر مما يخشون ربهم واكثر مما يخشون القانون.
تطهير بلدنا من الفساد رهن بتوفير الضمان القانوني لحرية الصحافة. لسنا بحاجة الى اعادة اختراع العجلة. وجد الفساد قبل ان نعرفه.  وعرف علاجه قبل ان نتحدث عنه . وطالما تاكدنا من فاعلية الدواء ، فلنجربه علاجا لعلتنا ، والباقي على الله.
الاقتصادية 23 اكتوبر 2012

مقالات ذات علاقة




الثلاثاء، 16 أكتوبر 2012

يا ملقوف ايش دخلك

يمتد طريق الخليج نحو أربعة أميال محاذيا للساحل. حتى عام ٢٠٠١ كان الناس يسمونه ''الكورنيش''، حيث أقامت البلدية ملاعب للأطفال وزرعت رصيفه الواسع المطل على البحر. وكنت تجد في أي مساء عشرات من العائلات وأطفالهم يقضون وقتا ماتعا بين البحر والشجر، لكن هذا الطريق الجميل لم يعد كورنيشا كما أراد الناس. في يوم عادي لا يختلف عن سائر الأيام وصلت عشرات من شاحنات الرمل وبدأت في دفن ما كان يومئذ بحرا. الكورنيش الذي سعد به الأطفال سنوات، أصبح طريقا داخليا محصورا بين أتربة الأرض المدفونة شرقا والسيارات المسرعة غربا. دهش الناس لمشهد الدفن، فالمنطقة مصنفة رسميا كمحمية طبيعية - هذا ما يتداوله الناس على الأقل - وثمة أمر ملكي بمنع الدفن فيها. وثمة بين الأهالي من يقول إن مصائد السمك القريبة من الساحل هي أملاك للصيادين، طبقا لتقليد قديم يسمح بحيازة جزء من الفضاء البحري، لكن شاحنات الرمل والجرافات لا تفهم التقاليد ولا تهتم بالسمك.

تحدثت يوما مع مسؤول في البلدية عن حدود مسؤوليتها عما جرى، فأجابني، وعلى وجهه سحابة خجل، بأن الأمر لا يتعلق بتقصير من طرفهم. لم يتقدم أحد للبلدية طالبا رخصة دفن حسب مقتضى القانون، بل إن ما يسمونه اللجنة الرباعية التي تفصل في قرارات دفن السواحل لم تجتمع لهذا الغرض أصلا. بكلمة أخرى فقد كان ثمة يد قوية تجاوزت القانون ومنفذيه، وفعلت ما شاءت دون وجل.
حسنا .. هل على البلدية أن تتخذ إجراء؟
يقول المسؤول إياه إنه كتب لرئيسه فأجابه شفهيا: ''إيش بيدنا''.. هذا الموضوع فوقي وفوقك. سألت أحد السكان المجاورين: هل فعلوا شيئا؟ فأخبرني أن جماعة من المهتمين خاطبوا هذه الجهة وتلك، فما حصلوا على جواب. معظم الناس يعرفون هذه القصة، وكثير منهم يعرف العشرات من أمثالها، مما ينبغي أن يصنف في الأوضاع العادية في خانة الفساد والاستيلاء على المال العام، لكن لا أحد يأخذ الأمر إلى نهاياته الطبيعية، أي التحقق مما إذا كانت القصة فسادا حقيقيا أو مجرد ظنون، ثم الضرب على يد الفاسدين والمستفيدين من الفساد.
أظن أن أكثر التجاوزات على المال العام جرت على هذا النحو: شخص ذكي أو نافذ يواجهه موظفون ضعفاء أو خائفون ومجتمع محبط أو متساهل. لو ذهبت إلى الشخص الأول ''صانع المشهد'' وسألته لأجابك ببساطة: إيش دخلك؟ ولو سالت موظف البلدية أو موظف أملاك الدولة لأجابك: إيش دخلني؟ ولو تحدثت مع الصحافة لقالوا لك: لا نستطيع التدخل.
أطرف الأجوبة التي سمعتها هي قول أحدهم: هذي أملاك الحكومة، لا هي إرث أبي ولا أبيك، الحكومة ترى وتسمع، ولو أرادت منعه لفعلت. هذا الجواب يلخص فلسفة ''إيش دخلك''، ومعناه أن المواطن لا يعرف نفسه كجزء من منظومة الحفاظ على ثروة الوطن ولا كشريك في نظامه الإداري والقانوني.
لا نستطيع اجتثاث الفساد طالما بقيت ثقافتنا فاسدة، الثقافة الفاسدة هي ببساطة تقبل التعامل مع الفساد باعتباره وضعا طبيعيا أو باعتباره مسؤولية الآخرين. الثقافة الفاسدة تنظر إلى الدولة والمجتمع كعالمين منفصلين: أحدهما له دخل والآخر لا دخل له.
بسبب الثقافة الفاسدة يميل الإداريون إلى كتمان حوادث الفساد. وبسبب الثقافة الفاسدة يعتقد الناس أن تدخلهم ليس موضع ترحيب، ولن يكون مؤثرا، وبسببها لا يخجل موظف من مخاطبة مواطن ''يا ملقوف .. أنت إيش دخلك؟''.
الاقتصادية 6 اكتوبر 2012

الخميس، 11 نوفمبر 2010

قليل من صور الفساد: الادارة الشخصية




القضاء على الفساد الاداري يتوقف على التخلص كليا ونهائيا من نظام الادارة الشخصية التي تربط كل عمل ومعاملة وقرار بموافقة شخص المدير. هذا النظام يوفر بيئة خصبة لظهور الفساد الاداري في معناه الاوسع اي ذلك الذي يشمل الرشوة والمحسوبية ، كما يشمل تعطيل الاعمال وزيادة كلف الاستثمار ، كما يشمل الانفراد بالراي في تقرير المصالح العامة .Survival Guide for Millennial Managers — The Bossy Times
في هذا النظام تشيع المحسوبية . اذا كنت صديقا للمدير او جارا لاخيه او قريبا لزوجته فحقك محفوظ . فان لم تكن كذلك فسوف تضطر للبحث عن وسيط او شفيع يقنع المدير الهمام ، بالشيمة او بالقيمة كما يقول قومنا . في حادثة من الحوادث دفع احدهم عشرين الف ريال لسائق المدير كي يضمن لابنته كرسيا في الجامعة . وفي حادثة اخرى حاول رجل اعمال دفع بضعة ملايين للحصول على ترخيص تجاري استثنائي . وهذه وغيرها من الامثلة تنشرها الجرائد ويعرفها عامة الناس. والسبب فيها جميعا ان "راي" سعادة المدير هو قفل العمل ومفتاحه معا .
تأخير المعاملات هو صورة اخرى من صور الفساد الاداري المعتادة في ظل نظام الادارة الشخصية. بعض المعاملات تستغرق خمس دقائق على ابعد تقدير ، لكن انتظار توقيع المدير يجمدها شهرا او شهرين او ربما اكثر . بعض المعاملات يستدعي دفع غرامات على التاخير ، لكنهم لا يهتمون بهذا. الادارة ليست مسؤولة عن وقت الناس ، وهي اساسا لا تعتبر ان للزمن قيمة حتى تستعجل الامور ، فكل شيء قابل للانتظار حتى تنتهي اجتماعات المدير او حتى يعود من الاجازة .. الخ.
الوقت له ثمن اقتصادي يعرفه جميع المحترفين ورجال الاعمال ، الساعة لها قيمة والدقيقة لها قيمة ، يمكن استثمارها في زيادة الانتاج او انفاقها في تعبئة اوراق مكررة والجري وراء هذا الموظف او ذاك او انتظار فراغ المدير او او .. الخ. اذا كنت ستبدأ استثمارا في وقت معين ثم تاخرت البداية سنة او اقل او اكثر فانت تخسر بما يعادل الدخل المتوقع خلال هذه الفترة . لو كنت ستربح في هذا العام مئة الف ، فان المئة الف هي خسارة سببها الوحيد هو تعطيل المعاملة.
 المدير الذي رايه محور الادارة ، يرضى ويغضب ، فاذا رضي سهل معاملات الناس ، وخفف من الاجراءات اللازمة للموافقة عليها . واذا صادف ان غاضب زوجته او عاكسه صبي بسيارته او علم بخسارته في سوق الاسهم ، فياويل الناس ويا سواد ليلهم . سوف يقرر المدير في هذا اليوم وضع العشرات من القيود والتعليمات والاجراءت كي لا تمر معاملة الا بعد ان يلج الجمل في سم الخياط.
اخيرا فان الادارة الشخصية توفر بيئة للتمييز بين الناس في الفرص والتكاليف . فالقريب او المقرب يحصل على حقه وزيادة ، والبعيد لا يحصل على حقه الا بعد ان يدفع مالا او وقتا او كرامة من خلال التوسل بهذا وذاك او التملق لهذا وذاك.

اذا شاع الفساد في اي من صوره ، رشوة كان او تعطيلا ، او ارهاقا للجسم والكرامة ، فان ضحيته الاولى ستكون هيبة القانون وهيبة السلطة ، ورضى العامة الذي هو اساس الاستقرار والتقدم . نحن لا نستطيع وضع رقيب على كل موظف ، لكننا نستطيع اقرار قانون يلغي الحاجة الى راي المدير وتوقيعه . نستطيع اقرار قانون ينظم تظلم الناس من تصرفات المدراء والموظفين ، نستطيع اقرار قانون يفرض على الدائرة الحكومية دفع المقابل المادي لتعطيل العمل . عندئذ سنجد اشكال الفساد هذه تتراجع الى حدها الادنى.

هذا ما يسمونه في علم السياسة بالمسؤولية  او المحاسبة. القانون هو الاطار الصحيح للعلاقة بين المجتمع والادارة الرسمية ، وسيادة القانون تعني توفير اليات للتظلم ومحاسبة الاشخاص الذين يحولون الادارة الرسمية من وعاء لتطبيق القانون الى مجلس لانفاذ ارائهم الشخصية والتعبير عن ميولهم ونزعاتهم الخاصة او الحكم كما يحلو لهم.

مقالات ذات علاقة

يا ملقوف ايش دخلك

الاثنين، 29 مارس 2010

من أبواب الفساد



؛؛ كلما عسر القانون وضاقت السبل النظامية لتحصيل الحقوق ، لجأ المواطن الى الطرق الخلفية وانفتح الباب للمحسوبية والفساد والرشوة ؛؛

في سنواته الأولى كان صندوق التنمية العقارية ينجز طلبات قروض السكن في ظرف أسابيع. أما في هذه الأيام فإنك لا تأمل في الحصول على قرض بعد عشر سنوات. وإذا ذهبت إلى البلدية أو الصحة أو الداخلية أو القضاء أو غيرها فسوف تجد شيئا مماثلا، لا يصل دائما إلى عشر سنوات لكنك لن تدري أبدا متى تنتهي. ويقول لك الموظفون ببساطة: راجع بعد أسبوع، أو راجع بعد شهر، أو راجع بعد..وإذا كنت مضطرا إلى إنجاز المعاملة فقد تجد من يخبرك بأنه رجل الساعة، لكن ساعته تحتاج إلى وقود كي تتحرك، وهو سيعطي هذا وذاك ممن تمر عليهم المعاملة، لأن ساعاتهم هي الأخرى تحتاج إلى وقود.
وسمعت رجلا يشكو في مجلس حظه العاثر بعدما فقد وظيفته جراء إصابة. وهو يعرف أنه يستحق تعويضا يقابل العلاج وفقدان الوظيفة، لكن الشركة ماطلته سبع سنين. واشتكى إلى مديرها، ثم اشتكى عليها في كل مكان يظن أنه قد يسمع الشكوى، فلم يجد جوابا. فرد عليه أحد الجالسين بأنه أخطأ الطريق، ولو كان حكيما لحصل على حقه في أسابيع. فالتفتنا جميعا لنفهم الحكمة الجديدة، فإذا بالرجل يتحدث عن واسطة في الجهة الفلانية، وذكر قصصا يقول إنها حدثت، وإن أصحابها حصلوا على كافة التعويضات التي طلبوها، بل إن واحدا منهم حصل على تعويض يعادل ستين راتبا إضافة إلى جميع نفقات علاجه. حديثنا عن الفساد الإداري لا يشير فقط إلى الرشوة أو استغلال الوظيفة، بل يشمل خصوصا التقصير الذي يفتح أبواب الفساد. ونفهم أن معظم الموظفين لا يقصرون في واجباتهم عمدا أو تعنتا. الأكثرية الساحقة من الناس، موظفين كانوا أو مراجعين، يريدون العيش في سلام مع أنفسهم ومع الآخرين، وهم يعلمون جميعا أن الفساد والتقصير والتعنت لا يأتي بسلام النفس ولا بالسلام مع الغير.
ربما تجد أقلية ممن فسدت طبائعهم لكن الأكثرية ليست كذلك. المشكلة ليست دائما في أشخاص الموظفين. بل تكمن ربما في آليات العمل والعلاقة بين الإدارة والمراجعين. بعض الوزارات استحدث نظاما للمتابعة الآلية. وزارة الداخلية والتعليم العالي مثلا تضع أرقام المعاملات المقدمة إليها على الإنترنت. يراجع الناس موقع الوزارة على الإنترنت فيعرفون أن معاملتهم قد سجلت، لكنهم لا يعلمون متى ستنتهي ولا يعلمون في أي مرحلة هي، وما إذا كانوا يحتاجون إلى المراجعة الشخصية أم لا. هذا تطوير مشكور، فهو يعطي المراجعين شيئا من الاطمئنان بأن معاملاتهم مسجلة فعلا وليست مهملة في درج من الأدراج. لكنه لازال خطوة صغيرة بالقياس إلى ما هو مطلوب. 
رغم أن معظم الوزارات تملك بنية تحتية ضخمة للمعاملات الإلكترونية، إلا أنها لا زالت متمسكة بنظام العمل التقليدي. فهنا وهناك لا بد من المراجعات الشخصية المتكررة، ولا بد من المعاملات الورقية، و«كتابنا وكتابكم»، و«كلم فلان» و«ماذا قال علان» و«راجعنا بعد أسبوع» وراجعنا بعد... إلخ. 
الحل المبدئي الذي أقترحه هو أن يتبنى مجلس الوزراء قرارا يتضمن أربعة مبادئ:
الأول: إلزام الدوائر الحكومية بتعيين الزمن الأقصى للبت في كل نوع من المعاملات بالسلب أو الإيجاب.
الثاني: وضع آلية للتظلم والاستئناف إذا لم يرض المراجع بالنتيجة تتضمن موعدا للفصل النهائي في الشكوى.
الثالث: التحديد المسبق لمسار المعاملة والوثائق المطلوبة لإنجازها والدوائر التي ستمر فيها بحيث لا يطلب غيرها إلا في الحالات الاستثنائية
الرابع: طريقة رد الإدارة على المواطن ويشمل العدد الأقصى للمراجعات الشخصية أو اعتماد الرد الكتابي بالبريد العادي أو الإلكتروني القابل للتوثيق والتأكيد.النسبة الكبرى من معاملات المواطنين صغيرة ولا تحتاج إلى تدخل رؤساء الدوائر، لكنها فعليا مختلطة مع معاملات كبرى معقدة. ولهذا فإن تحديد المسارات وتعيين المدد القصوى سوف يولد ضغطا في داخل كل إدارة لإنجاز تلك المعاملات التي تعد بمئات الآلاف وسوف يترك جانبا شريحة صغيرة من المعاملات التي تحتاج واقعيا إلى وقت طويل وتدخل من جانب مراتب عليا. 
مثل هذا العلاج المبدئي سوف يريح معظم المواطنين ويعزز رضاهم عن أداء الإدارة الرسمية كما سيغلق أبواب الفساد والواسطة التي تولد لنا اليوم أنواعا من الحكمة الغريبة.

عكاظ 29-3-2010

مقالات ذات علاقة

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...