الأربعاء، 31 ديسمبر، 2014

موسم الهجرة الى السلاح



ثمة حولنا ما يمكن وصفه بجيش أممي يتألف من الاف الشبان المستعدين للهجرة من أوطانهم الى سوح القتال. من افغانستان الى لبنان ومن اواسط آسيا الى تشاد والبلقان. انه جيش غير منظم ولا منضبط ، لا يسعى رجاله وراء الرواتب والرتب العسكرية ، مقصدهم الوحيد مكان يتيح لهم المشاركة في الحرب.
عرفنا رجالا من الخليج قاتلوا في الشيشان والبوسنة ، وجزائريين قاتلوا في افغانستان ، وتونسيين ذهبوا الى العراق وسوريا ، وهكذا. شهد العالم ظاهرة شبيهة في اربعينات القرن المنصرم حين تنادى الشيوعيون للمشاركة في الحرب الاهلية الاسبانية (1936-1939) نصرة للجمهوريين بقيادة "الجبهة الشعبية"  اليسارية. كذلك الحال في السبعينات حين انضم عشرات من الناس من دول مختلفة الى المقاومة الفلسطينية. لكن هذه مثل تلك كانت اضيق نطاقا من الحشد الاممي الذي نشهده اليوم.
اظن ان الاف الشبان الذين تسللوا من بلدانهم للالتحاق بالجماعات المقاتلة منذ اوائل الثمانينات ، كانوا يسعون وراء تحقيق ذواتهم من خلال القيام بعمل ، قدروا انه يسهم في تغيير العالم. الاف مثلهم حاولوا تحقيق ذواتهم من خلال التجارة او العلم او الدعوة الدينية او حتى من خلال المشاركة في الصراعات السياسية السلمية ، او غيرها من الحقول. لكن اولئك الشبان على وجه التحديد رأوا في الحرب ظرفا وحيدا لتحقيق الذات. والمثير في الامر ان هؤلاء اشد ميلا الى الجماعات الاكثر تطرفا ، اي الاكثر استعمالا للعنف. ثمة عشرات من الجماعات المسلحة التي توصف احيانا بانها معتدلة ، لكن المهاجرين للحرب يتجهون عادة للجماعات المشهورة بالتطرف. هذا يكشف ربما ان العامل المحرك لهم ليس الجهاد كموضوع ديني ولا التحرير كموضوع سياسي ، بل الحرب ذاتها كأداة للتغيير. السلاح هو عباءة سوبرمان التي يرتديها الانسان العادي فيمسي قادرا على قهر الغير والزامه بمشيئة المسلح او الجماعة التي ينتمي اليها.
من يستمع لأحاديث الشباب الذين تضيق نفوسهم بأساليب الدعوة البطيئة والحوارات الطويلة المملة والاساليب البيروقراطية التي تتبعها الحكومات ، فسوف يكتشف دون عناء انهم يبحثون عن عصا سحرية ، يهزونها في وجه المشكلة فيولد الحل. بالنسبة لكثير من الشباب الحالم ، فان السلاح هو العصا السحرية التي تغير الحقائق على الارض ، وتحولهم من كائنات متسائلة معطلة او مقيدة الى شركاء في تغيير العالم.
بحث الشباب عن ذاتهم ، بحثهم عن دور في تغيير الواقع ، ليس السبب الوحيد الذي حرك الاف المهاجرين نحو ساحات الحرب المتنقلة. لكنه – كما أظن – عامل يستحق التأمل. لو درسناه كواحد من الاحتمالات فلربما ساعدنا في كشف نقاط ضعف في نظامنا الاجتماعي او في سياساتنا او في نظامنا القانوني ، تشكل في مجموعها الثقب الاسود الذي يتساقط فيه هؤلاء الشباب ، فيتحولون من قوة بناء الى مكينة قتل وتدمير في هذا البلد او ذاك.
الشرق الاوسط 31 ديسمبر 2014 مـ رقم العدد [13182]
http://aawsat.com/node/255216#.VKwVZdJoERo.twitter

الأربعاء، 24 ديسمبر، 2014

يوم رحب الناس بالخلافة


التمدد السريع لتنظيم الدولة الاسلامية "داعش" على مساحات شاسعة في سوريا والعراق ، وانضمام الاف المقاتلين الى صفوفه ، يكشف عن ظرف اجتماعي متأزم ، مستعد للترحيب بأي قوة ترفع شعارا مواتيا ، او على الاقل غير مبال بانهيار الدولة القائمة وحلول جماعة مسلحة مكانها.
صحيح ان النزاعات الاهلية توفر مثل هذه الفرص في أي مكان. لكن هذا لا يحدد المسؤولية عن العوامل التي تدفع الناس للترحيب او عدم الاكتراث بتطور من هذا النوع. كما لا يحدد مستوى وطبيعة النزاع الذي يسمح بظهور نظائر لتنظيم "الدولة". بعبارة اخرى فنحن امام سؤالين ، اولهما: هل هناك ظرف آخر غير الحرب الاهلية يمكن اعتباره مواتيا لظهور جماعات مسلحة نقيضة للدولة؟. والثاني: اذا كان ظرف النزاع الاهلي هو الوحيد الذي يعتبر مواتيا ، فهل ثمة نوع معين من الصراعات الاهلية او مستوى معين نعتبر الوصول اليه ضروريا لظهور تلك الجماعات؟. الاجابة على هذين السؤالين سوف تمهد ايضا لتحديد بعض الحلول الممكنة ، ولا سيما تحريك الظرف الاجتماعي باتجاه جعله ممانعا لانتشار جماعات كهذه او لافظا لها.


يكشف مثال الجزائر (1997-2001) والصومال (1991-1997) عن مفارقة جديرة بالاهتمام ، وهي بقاء "الايمان بالدولة" في الحالة الاولى وغيابه في الثانية. واظن هذا اهم الاسباب التي جعلت الجزائر قادرة على اطلاق مشروع حل سياسي تمثل في قانون الوئام الوطني لعام 1999 ، بينما فشلت كافة مبادرات الحل السياسي السلمي في الصومال. الايمان بالدولة يعني تحديدا الاقتناع العميق عند عامة الناس بان حكومتهم ضرورية لحياتهم وانها تقوم فعليا بما يتطلبه هذا الدور. يتلاشى هذا الايمان اذا توقفت الدولة عن القيام بواجباتها او انحازت بشكل مفرط الى طرف اجتماعي ضد بقية الاطراف ، او فشلت لوقت طويل في معالجة مشكلات البلد الملحة.
في مقالته الشهيرة "التنمية السياسية والتفسخ السياسي-1965" ركز صمويل هنتيجتون على ما يسميه ظرف انفجار التطلعات ، وفشل الدولة في الوفاء بالوعود التي ترفع سقف توقعات الجمهور ، ويعتبره ابرز العوامل التي تنشر الاحباط في المجتمع ، وربما تمهد الطريق امام تحولات دراماتيكية ، مثل الاستيلاء على الدولة. واحتمل ان هذا هو السر وراء نجاح داعش في السيطرة المباغتة على محافظة الموصل العراقية منتصف يونيو الماضي. فرغم وجود الدولة وقواتها ، الا ان النزاعات السياسية المريرة في السنوات الماضية قضت تماما على الثقة المتبادلة بين الدولة المركزية والمجتمع. وتكرر هذا الامر في محافظة تكريت التي نعرف ان شريحة واسعة من سكانها شاركت قوات داعش في اسقاط مؤسسات الدولة.
لم يكن ثمة حرب اهلية فعلية في العراق كحال سوريا ، ولم تكن الدولة غائبة. الغائب الحقيقي كان الايمان بالدولة القائمة وانهيار الثقة بينها وبين مواطنيها. وهي حالة قد تظهر حتى في الدول القوية. ترى هل نستطيع تطوير وسيلة لقياس مستوى "الايمان بالدولة" في كل مجتمع عربي؟. هل نستطيع كعرب مصارحة انفسنا بالعوامل التي تؤدي الى تعزيز هذا الايمان او اضعافه؟. 
الشرق الاوسط  24  ديسمبر 2014 

مقالات ذات علاقة

الثلاثاء، 9 ديسمبر، 2014

فرصة لتطبيق ما ندعو اليه


يعيش في بلدنا نحو مليون مسيحي ، يستحقون في رأيي اشارة الى معرفتنا بهم واحترامنا لقناعاتهم. مناسبة الكلام هو اقتراب عيد الميلاد ورأس السنة. وهما ابرز مناسبتين لمسيحيي العالم ، مثلهما مثل عيدي الفطر والاضحى عند المسلمين. اتمنى ان تستثمر حكومتنا وصحافتنا هذه المناسبة للتعبير الصريح عن احترامها لمسيحيي العالم ، سيما هؤلاء الذين يعيشون بيننا ، نتعامل معهم ونتعاون وإياهم في عمران بلدنا وجعل حياتنا اكثر راحة ومستقبلنا اكثر ازدهارا. 


في اعوام ماضية تحدثنا كثيرا عن حوار الحضارات والاديان ، وأقامت حكومتنا مركزا دوليا بهذا الاسم. وهو جهد يجمل صورة السعوديين في العالم ، كما يجمل صورة المسلمين والعرب. اعلم ان أكثر الدعاة والناشطين يفخرون بحسن معاملة المسلمين لغيرهم في الازمان الماضية ، وهم يذكرون خصوصا ان المسيحيين واليهود وغيرهم من اتباع الديانات عاشوا بسلام وكرامة في المجتمعات المسلمة. ويعتبرون هذا الصنيع دليلا على اخلاقيات المسلم وفضائل الاسلام الذي يعلي من شأن الانسان ، أيا كان معتقده.
اعلم ايضا ان كثيرا من السعوديين المعاصرين سيرفضون هذه الدعوة ، لانهم يظنونها تطبيعا للعلاقة مع الكافر او لغير ذلك من الاسباب. هذا الرفض متناقض مع الفخر الذي أشرنا اليه. ولو ساءل كل منا نفسه: ايهما اصلح لديننا ووطننا: سعادة غير المسلم بالتعامل معنا والعيش بيننا ام تعاسته؟. هل سنكون اقرب الى اخلاقيات الاسلام اذا اظهرنا الاحترام للمسيحي ام سنكون ابعد عن قيم الدين الحنيف؟.
هذا يقودنا الى السؤال التالي: هل سيكون المسيحي الذي يعيش معنا سعيدا ونحن نتجاهل مجرد الاشارة الى اسعد أيامه. ام سيكون سعيدا اذا اظهرنا احترامنا له ومعرفتنا به وتقديرنا لمشاعره؟.
تخيل ان لديك جار مسيحي دعاك لحفل زواجه.. هل ستبارك له ام تعرض عنه؟. هل ثمة فرق بين ان تظهر الاحترام لفرد او تظهر الاحترام لمجموع الافراد؟.
جرت عادة حكومتنا على توجيه برقيات التهنئة للدول الاخرى في اعيادها الوطنية. وجرت عادة كثير من الدول المسلمة على تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد ورأس السنة. كما ان بابا الفاتيكان وزعماء الدول الاوربية اعتادوا تهنئة المسلمين باعيادهم ، فلم لا نقوم بمبادرة مماثلة؟.
في هذه الاوقات اشعر ان مبادرة كهذه ستكون مفيدة على المستوى الوطني ايضا ، لانها تعزز قيمة الحوار والاقرار بالتنوع الطبيعي في الثقافات والمعتقدات واحترامها. وهو امر ينعكس ايجابيا على ثقافتنا العامة ، التي مازالت تتوجس من المختلف والمخالف.
لا اريد الاستطراد في عرض الامثلة. غايتي هي دعوة حكومتنا وصحافتنا سيما كتاب الرأي لانتهاز فرصة اعياد الميلاد ورأس السنة ، لاظهار الاحترام للمسيحيين ، سيما من يقاسمنا العيش في بلدنا. دعونا نمارس فعليا ما ندعو اليه ، اي الاقرار بوجود المختلف واحترام خياراته ، بغض النظر عن رأينا فيها.
الاقتصادية 9-12-2014
http://www.aleqt.com/2014/12/09/article_913074.html

مقالات ذات علاقة

الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2014

داعش الباقية




في 1997 ظهر شبيه لداعش في الجزائر. لم يعلن دولة او خلافة ، لكن عمله الميداني وخطابه الديني لم يكن مختلفا عن داعش. تلاشت الظاهرة الجزائرية بعدما طبقت الحكومة قانون الوئام الوطني لعام 1999 ثم قانون المصالحة الوطنية (2005). طبقا لبيانات رسمية ، فان عدد الذين سويت اوضاعهم بلغ 17 الف مسلح ، عدا المئات الذين قتلوا في مواجهات مع الجيش. بعبارة اخرى فان الحجم المادي للظاهرة الجزائرية كان اكبر من شبيهتها داعش. لكنها مع ذلك اخفقت في مواجهة تيار الحياة المدنية الجارف ، رغم مقاومتها الشرسة لما يزيد عن سبعة اعوام.
نعلم من هذا ومن تجارب شبيهة ان الحياة الحديثة لا تسمح ببقاء دولة مثل دولة داعش. هذا لا يتعلق فقط بالنظام الدولي ، بل ايضا بالحاضن الاجتماعي المحلي وحركة الاقتصاد والسياسة في ابعادها المختلفة والمعقدة.  ولئن كانت الظروف الحرجة الراهنة في العراق وسوريا قد افرزت نشازا سياسيا من هذا النوع ، الا ان منطق الامور لا يسمح له بالاستمرار فترة طويلة.
سواء انتهينا من دولة داعش اليوم او غدا ، فلا ينبغي ان نغفل عن حاضنها الثقافي – الاجتماعي ، اي الذهنية الفردية او الجمعية التي تنظر الى نموذج داعش كعلاج مؤكد او محتمل لمشكلة يشعر بها الناس. وليس مهما ان تكون هذه المشكلة حقيقية او متوهمة. المهم انها تشغل اذهان الناس ويشعرون بالحاجة الى علاجها بأي طريقة.
السؤال الذي يستحق ان نتأمله بجدية وتركيز هو: ما هي المشكلات التي تشغل اذهان الناس على نحو يجعلها مهيئة لقبول نموذج الحل الذي تمثله داعش او تقترحه؟.
يذهب ذهني الى عدة احتمالات. لكن ابرزها في ظني اثنان ، احدهما محلي ينطبق خصوصا على الوضع في المملكة والثاني اكثر عمومية. المشكلة الاولى هي الرغبة في اكتشاف الذات وتحقيق الذات ، وهذه تخص الشباب. اما الثانية فهي مشكلة العجز عن التعامل مع ما يعتقد من تغول الغرب ضد العالم الاسلامي.
الدواء الانجع للمشكلة الاولى هو جمعيات العمل المدني التطوعي. اما المشكلة الثاني فهي اكثر تعقيدا ، وهي اقرب الى فحوى التفسير الرسمي لظاهرة التطرف ، اي ما يسمى بالغلو في الدين. لكن العلاج ليس بالنصائح وسرد الايات والروايات الدالة على الوسطية ، بل بتطوير خطاب ديني جديد يركز خصوصا على ظاهرة التنوع الثقافي والعلمي والسياسي ، ودور المسلم في العالم الجديد ، وسبل استثمار التنوع وعولمة الثقافة والاقتصاد. بعبارة اخرى فنحن بحاجة الى صياغة جديدة لمفهوم العلاقة مع المختلف سياسيا ودينيا ، سيما الغرب الذي ينظر اليه كقوة عدوان ذات واجهة سياسية ومضمون او محرك ديني (مسيحي غالبا).  وتبعا لهذا تطوير رؤية عصرية لقيمة الجهاد والدعوة ودور الافراد والجماعة المسلمة في هذا السياق. 
الاقتصادية 2-12-2014
مقالات ذات علاقة


الثلاثاء، 18 نوفمبر، 2014

مكارثية جديدة



سررت جدا لأن غالبية المجتمع السعودي تدعم الدعوة لإصدار قانون يحمي الوحدة الوطنية ويكافح العوامل التي تؤدي إلى إضعافها، لا سيما إثارة الحزازات المذهبية والعنصرية والقبلية والمتاجرة بالكراهية والنزاعات الاجتماعية.

مجتمعنا بحمد الله متفق على أن وحدته وسلامه الاجتماعي ليسا موضوعا للمساومات السياسية أو الخلاف، وأن هذا يجب أن يكون موضوعا لنظام قانوني يضمن حرية التعبير، لكنه – في الوقت نفسه – يحدد المسؤولية القانونية عن أي انحراف أو إفراط في ممارسة الحرية. أعلم أن بعض الناس قلق من تحول قانون كهذا إلى مبرر لتحجيم هامش الحرية المتاح، أو شكهم في قدرة المجتمع والنظام القضائي على التعامل مع مفاهيم حديثة مثل الحقوق الشخصية والمدنية.
أتفهم هذا القلق، لكني أيضا أشعر بالدهشة حين أسمع من يدعو للمدنية ويخشى القانون في الوقت ذاته. لا توجد مدنية من دون قانون، ولا يوجد سلم اجتماعي من دون قانون. كتب جان جاك روسو، المفكر المعروف، فيما يشبه السخرية "يوم اختار الإنسان المجتمع المدني فقد سار بمحض إرادته إلى سجن القانون"، لكن روسو يؤكد أيضا أن الحرية خارج المجتمع المدني ليست حقيقية لأنها غير مصونة ولا مضمونة. أما في المجتمع المدني فإن الحقوق التي يقرها لك القانون تقيم التزاما على المجتمع كله بصيانتها وتمكينك منها.

قد لا يكون القانون عادلا، لكنه بالتأكيد خير من اللاقانون. قد يكون تطبيق القانون سيئا، لكنه بالتأكيد خير من انعدامه. قد يتخذ بعض الأقوياء من القانون مطية لأغراضهم فيقمعون هذا أو ذاك تحت اسمه. لكن هذا ليس وضعا أبديا. حين لا يكون القانون حاكما فسيكون الحكم لنزوات الأشخاص وأهوائهم. فهل يريد عاقل أن تسير حياته وفق هوى شخص آخر؟. حين يوجد القانون سيرتقي وعي الناس بحقوقهم وحدودهم، وسيعملون على إصلاح التطبيقات الخاطئة. يتغير الأشخاص وتتغير مناصبهم وسلطاتهم، لكن القانون يترسخ وتقوم على أرضيته تقاليد سياسية وأعراف جديدة تحمي المسار التصاعدي للمجتمع والنظام السياسي. لم يحصل في أي تجربة سياسية معاصرة، أن تسبب القانون في تعطيل التطور السياسي. بل على العكس، نعرف من تجارب عديدة أن القوانين الناقصة وغير العادلة، شكلت أساسا ودافعا للتصحيح وظهور قوانين أرقى وأكثر عدالة.
 الذين يخشون مما يسمونه "مكارثية جديدة" يعلمون أن المكارثية القديمة تلاشت سريعا وتحولت إلى عار على صاحبها، لا لسبب سوى رسوخ القانون، وإصرار المجتمع على تطبيقه، ثم تصحيحه وتطويره.

يجب علينا جميعا أن نطالب بالقانون أولا، ثم سيادة القانون وعدالة القانون، هذا هو الطريق الوحيد لقيام حياة مدنية سليمة، وهذا هو الطريق الوحيد لوقف المتاجرين بمشاعرنا وعواطفنا وخلافاتنا، لا سيما بعدما رأينا بأعيننا العواقب الدامية لهذه التجارة المريعة.
الاقتصادية 18-11-2014

http://www.aleqt.com/2014/11/18/article_907011.html

الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

درس الفجيعة



سيمر وقت طويل قبل ان ينسى السعوديون جريمة الدالوة. لقد اختلفنا كثيرا وبحثنا عن كل المبررات الممكنة كي نرمي بعضنا بقلة العقل او قلة الدين او قلة العلم ، وكل ما يستدعي الكراهية والتنافر.
لكنا لم نتخيل ان تلك الجهالات ستفضي الى مذبحة علنية كالتي جرت في الدالوة. خسرنا في هذه الحادثة الاليمة 12 مواطنا. وهذا ليس سوى الدفعة الاولى من كلفة باهضة سنضطر الى تحملها ما لم نعمل سويا على لجم السفه المذهبي الذي اوصلنا الى الفجيعة.
ربما نرمي الخارج بالمسؤولية عما جرى ، لكن هذا لن يعالج علتنا. ربما نرمي تجار التغرير والفتن ، لكن هذا لن يمنع تكرار الجريمة. ربما نجلد ذواتنا بالسياط ، لكن هذا لن يغير المسار الذي اوصلنا الى شواطيء نهر الدم. الذي يعالج العلة ويمنع تكرار الجريمة ويوقف الانزلاق الى مستنقع الفتنة هو استراتيجية شاملة لتعزيز الوحدة الوطنية وتجريم دواعي الفتنة واسبابها وكل ممارسة يمكن ان تشعلها او تصب الزيت على نارها.

خلال الايام الماضية اعاد كثير من الكتاب وأهل الراي التاكيد على دعوات سابقة لوضع قانون لتجريم الكراهية ، شبيه بما فعلته دول كثيرة. هذه دعوة صادقة يجب ان تسمع. واني لأعجب ان مجلس الشورى الذي يضم نخبة البلد لم يتخذ مبادرة بهذه الاهمية ، مع ان جميع المواطنين ينتظرون منه ذلك ، وقد تصدى لأمور انفق فيها وقتا طويلا وهي اقل اهمية وحرجا من مسألة الوحدة الوطنية التي لا استقرار ولا سلام ولاتنمية ولا مستقبل من دونها.
نحن بحاجة الى قانون كهذا بلاشك. نحن بحاجة ايضا الى استراتيجية وطنية شاملة لاجتثاث الكراهية. كل تنوع يؤدي الى اختلاف. والاختلاف هو نقطة البداية للتنازع الذي قد يقود الى الفتنة. لا يمكن لنا ايقاف التنوع لانه سنة كونية ، لكننا نستطيع تحويلة الى مصدر اغناء للشخصية الوطنية والثقافة. وهذا ما فعلته المجتمعات المتحضرة سيما الصناعية.
اني ادعو بصورة محددة الى اقامة هيئة ملكية لتعزيز الوحدة الوطنية تركز على ثلاث مهمات: 1) مهمة قانونية تتمثل في وضع اطار قانوني لتجريم الكراهية والممارسات  المؤدية اليها. 2) مهمة ارشادية تركز على اصلاح السياسات واللوائح والاعمال الرسمية التي تسمح او تحمي اثارة الكراهية. 3) مهمة رقابية تتمثل في متابعة الممارسات التي تنطوي على او تؤدي الى الاضرار بالوحدة الوطنية واحالتها الى جهات الاختصاص ، سواء القضائية او الامنية او الادارية.
ظروفنا الراهنة لا تحتمل التهاون مع مسببات الفتنة ، وعلى الحكومة والمجتمع تبني مبادرات جادة لوقف الانزلاق الى هذا المستنقع الخطير. نحن لانستطيع التحكم في ما جرى فعلا ، فهذا اصبح من التاريخ. لكننا نستطيع التحكم في مستقبلنا ، بمنع تكرار مثل هذا الحادث المروع وحماية انفسنا وبلدنا من اخطاره.
الاقتصادية 11-11-2014

مقالات ذات علاقة

تحولات التيار الديني – 5 السلام مع الذات والسلام مع العالم

عن طقوس الطائفية وحماسة الاتباع

ما الذي نريد: دين يستوعبنا جميعاً أم دين يبرر الفتنة

ثقافة الكراهية

تجريم الكراهية

تجارة الخوف

في انتظار الفتنة

الحريات العامة كوسيلة لتفكيك ايديولوجيا الارهاب


الطائفية ظاهرة سياسية معاكسة للدين

الثلاثاء، 28 أكتوبر، 2014

التقصير



الأستاذ فهد الدغيثر مندهش لأننا جميعا نعرف سبب نجاح مشروعات "أرامكو" وأمثالها لكننا لم نحاول التعلم من هذه التجربة التي تعيش بيننا منذ نصف قرن (الحياة 26-10). أما أنا فلم أندهش، لأن الأمر ببساطة يتعلق بإرادة التعلم. من لا يريد أن يتعلم فلن يتغير حاله ولو أمضى ألف سنة يتابع تجارب الآخرين. شاهدنا مئات التجارب الشبيهة، في المملكة وفي العالم. لكننا اكتفينا بالتسلية. نستأنس برواية نجاحات الآخرين، ثم نوبخ أنفسنا قليلا، ثم نقول لبعضنا: "من لا يعمل لا يفشل"، ثم نمتدح بعض أوهامنا وربما يبالغ بعضنا فيكتب مثلا أن ألمانيا تدعو للاستفادة من تجربتنا التعليمية، ثم نضحك على هذه الكتابات، ثم تأتي قضايا أخرى تنسينا سابقتها ونعيد الكرة: مشاهدة، تسلية، جلد للذات، تبرير للتقصير، امتداح للذات، وهكذا.
زبدة القول إننا لن نستفيد من تجارب الغير ما لم نقبل بدفع ثمن التعلم منهم. نحن بحاجة إلى شجاعة الإقرار بالقصور وعدم تبريره، والجاهزية لدفع الثمن المطلوب، لأن المعرفة لا تأتيك مجانا.
رأى الأستاذ الدغيثر أن المعيار الرسمي في المناقصات الذي يرجح الأرخص ثمنا على الأجود هو سبب تعثر المشروعات العامة أو تدني كفاءتها، وذكر أيضا ضعف التأهيل الهندسي للدوائر المعنية بالمشاريع. وأعلم أن كلا السببين صحيح. ثمة جسر صغير في القطيف، مضى على البدء في بنائه أربع سنوات وما زال ينتظر فرج الله. يدعي أهل البلدية أنهم اكتشفوا عيوبا فيه وأن المقاول اكتشف اختلافا في الوصف الجيولوجي للأرض التي أقيم عليها، واكتشف الجميع لاحقا أخطاء في تقدير الكلف .. إلخ. وكل هذه تساق كتبريرات للتقصير. لكن السؤال المسكوت عنه دائما هو: ما الإجراءات التي اتخذت بحق المسؤول الذي وقع على تلك المواصفات، والذي فاوض المقاول، ثم وقع على أهليته؟ هل جرت مناقشة إدارية أو فنية صريحة ووضع تقرير كامل عن القضية، هل اكتشفت الإدارة المعنية تقصيرا متعمدا أو جهلا بالعمل أو غفلة عن المتابعة؟ وهل تم تحديد المسؤول أو المسؤولين عن كل تلك الأمور، وهل تمت محاسبتهم؟
اعتقادي الشخصي أن الحال لن يتغير إلا إذا وضع نظام يجبر مديري الإدارات الرسمية على تقديم بيان علني موثق عن أعمالهم في نهاية كل عام، يذكر فيه بوضوح بنود خطة العمل المقررة سلفا وما أنجز منها وما تعطل وأسباب ذلك.
العلنية والشفافية والمحاسبة علاج عظيم لأمراض الإدارة العامة، وقد جربها غيرنا وثبت نجاحها. هذه أعظم تجربة ينبغي لنا تعلمها، لكن التعلم - كما أسلفت - رهن بالشجاعة والجاهزية لدفع الثمن. بعد معرفة تجربة العالم، أجزم أنه لا يوجد علاج دون شفافية ودون محاسبة علنية.

الاقتصادية 28-10-2014
http://www.aleqt.com/2014/10/28/article_899882.html

الأحد، 19 أكتوبر، 2014

تنبيه الامة وتنزيه الملة : رسالة فقهية في الحكم الدستوري



تنطوي رسالة (تنبيه الامة وتنزيه الملة) على أهمية خاصة فهي اول محاولة مكثفة لفقيه بهذا المستوى تعالج اشكالية السلطة الدينية في العصر الحديث. كتبها في ظل حدث قائم هو الحركة الدستورية (ثورة المشروطة – ايران 1905م) . فهي تقارب ما يجري كل يوم ، وليست  تحليقا في الخيال ، أو تاسيسا على الفرضيات كما اعتاد كثير ممن كتبوا في هذا الموضوع.
تستهدف الرسالة بيان ان النظام السياسي الدستوري مشروع ومقبول من الناحية الدينية. وتكشف عن تطور مهم في فكر مجموعة الفقهاء الذين شاركوا في الثورة الدستورية ، يتجلى في تركيزهم – كما فعل المؤلف – على الدولة كمؤسسة وعلى سيادة القانون ومشاركة الشعب والحريات العامة ، ولعل العلامة النائيني من اوائل الفقهاء المسلمين الذين تحدثوا صراحة وبلغة دينية عن هذه المباديء الاساسية للدولة الحديثة.

المؤلف المرحوم الميرزا محمد حسن النائيني من اعاظم علماء الشيعة ، ومن ابرز مراجع التقليد ذوي الراي والنظر في القرون الاخيرة ، عدا عن ان شخصيته العلمية محل احترام وتقدير جميع الفضلاء والعلماء. اشتهر ببحوثه الاصولية العميقة سيما دفاعه عن دور العقل في التشريع واستنباط الاحكام . 

لتنزيل ملف الكتاب كاملا ، اضغط هنا 


الثلاثاء، 14 أكتوبر، 2014

ان تكون مساويا لغيرك



من النادر جدا ان تسمع زعيما يدعو للشدة في معاملة الناس. جرت عادة الزعماء والعلماء على القول بان اللين هو السنة الصحيحة. ويستشهدون على هذا بآيات واحاديث وينقلون روايات تاريخية عن ملاينة الزعيم او العالم الفلاني لمعارضيه فضلا عن اتباعه.
لكن مفهوم "اللين" لا يفيد كثيرا في العلاقات غير الشخصية ، سيما مع المخالفين. مبدأ الملاينة صحيح في علاقة محددة بينك وبين شخص آخر. او في علاقتك مع اتباعك والاشخاص الذين تجمعك واياهم قناعة مشتركة ومفهوم واحد للحياة والعالم.
اما المعيار الناظم للمواقف العامة والعلاقة مع المخالفين فهو مبدأ "التسامح". التسامح هو الاقرار بأن لكل انسان حق في اختيار ما يراه مناسبا لشخصه من فكرة او اعتقاد او طريقة عيش او منظومة علاقات اجتماعية او موقف سياسي او تصور عن المستقبل.
ارضية هذا المبدأ هي الايمان بعقلانية الانسان وحريته ، وكونه قادرا على حساب عواقب قراراته وافعاله وتحمل المسؤولية المترتبة عليها. نحن ننظر للناس كعقلاء يتبعون ما توصلوا اليه بعقولهم. انت تؤمن بعقلك وحقك في اختيار معتقدك ونمط عيشك ومواقفك ، وترفض ان يلزمك الاخرون بما لا تريد وما تظنه غير معقول ، رغم انهم يرونه معقولا وصحيحا.
هذا حقك ولا غبار عليه. لكن عليك ان تعلم بان الاخرين ، الذين يتفقون معك والذين يخالفونك ، يملكون نفس الحق. واذا مارسوه فسوف يتوصلون الى خيارات مخالفة لخياراتك. ستكون رؤيتهم للحياة والعالم مختلفة ، اولوياتهم مختلفة ، ونظام عيشهم مختلف. اي انهم سيكونون مختلفين عنك او مخالفين لك. هذا حقهم ، مثلما أقروا بحقك.
ثقافتنا الموروثة ونظام تعليمنا والقيم الناظمة لعلاقاتنا الاجتماعية قائمة كلها على اعتبار ان ما عندنا هو الحق الوحيد ، وان كل مخالفة له باطل يجب انكاره وردعه. والحق ان كل ما نعرفه وما نؤمن به اجتهادات تقبلناها لاننا الفناها او تعلمناها ، فاقتنعت بها عقولنا او ارتاحت اليها نفوسنا. وهي قد تكون حقا كاملا او ناقصا.
 الاخرون الذين يخالفوننا اتخذوا طريقا آخر لانهم اقتنعوا به او ألفوه. ولديهم عليه ادلة مثل ما لدينا من ادلة وربما اكثر. وهم يرونه حقا مثلما نرى الذي عندنا حقا. وهم – مثلنا – يغيرون اراءهم وقناعاتهم بين حين وآخر ، فهل كان الاول باطلا والتالي صحيحا ، او العكس؟
لا يمكن لاحد  اثبات ان ما يقوله هو عين مراد الخالق او الحق الوحيد. كل انسان يجتهد في اصابة الحق بقدر ما اعطاه الله من عقل وحرية ، وهو مسؤول عن عواقب خياراته. ان اردنا ان نوصف بالتسامح فعلينا الاقرار بان الناس سواسية في عقولهم وحقوقهم. ليس لأحد ان يرفع نفسه فوق الناس ، وليس لأحد ان يظن الحقيقة واحدة وانه وحده العالم بها دون الناس.
الاقتصادية 14-10-2014
http://www.aleqt.com/2014/10/14/article_895776.html



الثلاثاء، 7 أكتوبر، 2014

العامل الديني كمولد للعنف


دعنا نضع عضوا في "داعش" او نصيرا لها على طاولة المقارنة مع اشخاص آخرين من نفس البيئة او البيئات القريبة ، كي نبحث في الصفات الثقافية والنفسية والسلوكية التي تميز كلا منهما عن الآخر ، ثم نستقصي مصادر تلك الصفات. ثم نسأل انفسنا: لماذا أثرت تلك العوامل على الشخص الاول دون الثاني، اي ما هي المتغيرات التي تحدد مستوى او توقيت بروز النمط الداعشي.
هذا الاستقراء الذي يستدل بالظاهر على الباطن لا يستهدف تحديد العوامل المولدة للشخصية العنيفة ، بل عزل العوامل المشابهة التي تسهم في خلط الصورة ، وتمييزها عن المتغيرات المساعدة او المعاكسة. العوامل المنتجة للنمط الداعشي يمثل كل منها علة تامة ، اذا وجدت فسوف تنتج قطعا ذلك النمط ، اما العوامل الشبيهة فلا تلعب هذا الدور ولو تماثل ظاهرها مع العوامل السابقة. كذلك الحال بالنسبة للعوامل المتغيرة التي تلعب دورا مساعدا فحسب ، رغم ان وجودها ضروري لانتاج النمط او الحيلولة دونه.
الداعي لهذا الكلام هو شعوري بان النمط الداعشي لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه من جانب الباحثين السعوديين في علم الاجتماع وعلم النفس. معظم معرفتنا بهذه الظاهرة ثمرة لمقالات صحفية او كتابات اجنبية. وكلاهما لا يرقى الى مستوى البحث المتناسب مع اهمية الموضوع وخطورته. اجد ان كلا الصنفين متأثر بمواقف سياسية مسبقة ، وكليهما يركز على "دور التدين" في خلق النمط المذكور.
هناك بالطبع عناصر اخرى تذكر احيانا كتفسير لبروز الشخصية العدوانية. لكني اشعر ان المبالغة في التركيز على عنصر التدين خاصة اثمر عن تشويش فهمنا للموضوع. اني مدرك لأهمية الايديولوجيا في تحديد سلوكيات الافراد ، واثر الايمان والتدين في تبرير تلك السلوكيات وشحنها بقيمة متجاوزة للمعايير المادية والدنيوية. لكني – مع ذلك – اشك بقوة في دعوى ان التدين او الايديولوجيا هي العامل المولد للنمط الداعشي. اعلم ان منهجا دينيا محددا (السلفية المتطرفة مثلا) ارتبط بالنمط المذكور ، لكن من الضروري التساؤل: هل هذه علاقة علة بمعلول ، ام هو متغير مشروط بعامل او عوامل اخرى؟.
لو كان ارتباط علة ومعلول لوجب ان يترتب على كل الحالات نتيجة مماثلة. لكنا نعرف الافا من الناس يتبنون ذات المنهج وهم يعارضون النمط الداعشي. هذا يشير الى وجود عوامل اخرى. او ربما يدل على ان التدين هو عامل مساعد او متغير وليس علة. كذلك الحال في الظروف الاقتصادية التي اظنها اكثر اهمية من العامل الديني في توليد الانماط السلوكية. فالامثلة التي لدينا تؤكد انها ليست – بمفردها - علة تامة.

مرة اخرى فان الغرض من هذه التساؤلات هو دعوة الباحثين الى دراسة الظاهرة كموضوع علمي يستدعي بحثا مجردا ولو لم نصل الى نتائج قابلة للتطبيق ، وبغض النظر عن المواقف والتوجهات السياسية. 
الاقتصادية 7 اكتوبر 2014
http://www.aleqt.com/2014/10/07/article_894138.html

الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

درس عراقي لليمن


طيلة ثلاثين عاما (1978-2012) حاول الرئيس السابق علي صالح استعادة السيطرة على المناطق القبلية التي كانت – تقليديا – خارج سلطة الدولة. لكنه في نهاية المطاف نجح فقط في جعل نفسه القوة الاكبر بين قوى متعددة ، واقناع الجميع بأنه الخيار الاقل سوءا بين مجموع المتنافسين على السلطة. كانت الثورة الشعبية فرصة لتغيير هذا الميزان الذي استقر نسبيا منذ 1994 ، حين اثمرت الحرب الاهلية عن اضعاف ابرز منافسي الرئيس ، اي الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب وحزب الاصلاح في الشمال.
يعرف دارسو العلوم السياسية ان الثورات الشعبية والصراعات الاهلية تؤدي دائما الى قلب موازين القوى: اقوياء الامس يضعفون وضعفاء الامس يستقوون ، كما تولد قوى جديدة من رحم الصراع. حصل هذا في مصر وليبيا وتونس وسوريا والعراق ، وجميع الاقطار التي مرت بتجارب مماثلة. لكن هذا التغيير يبقى غالبا في الشارع ، ولا ينعكس على تشكيل الحكومة. ذلك ان النخب القديمة وحلفاءها في الاعلام والجيش والاقتصاد وحتى في المؤسسات الاجتماعية يعيدون انتاج قوتهم السياسية في اطار يناسب التحولات الجديدة. تتمتع النخب القديمة بخبرات متراكمة في العمل السياسي والقيادة. اما القوى الجديدة فهي تحسن تنظيم الاحتجاجات لكنها لا تجيد ترجمتها الى قوة انتخابية. في مصر مثلا ، كان الشباب صناع ثورة يناير 2011 ووقودها ، لكنهم فشلوا في تحقيق اي مكسب مهم في الانتخابات التالية للثورة. كذلك الحال في العراق بعد 2003. واظن هذا سببا رئيسيا لاستمرار الفوضى والتوتر في هذا البلد.
في ينايرالماضي انتهى مؤتمر الحوار الوطني في اليمن بعد عشرة اشهر من النقاش حول صورة النظام السياسي الجديد. علق اليمنيون آمالا عريضة على نتائج الحوار ، باعتبارها اساسا لما يعرف في العلوم السياسية بالاجماع الوطني الجديد. ولأنها شكلت نوعا من الاقرار الجمعي بتغير التوازنات السياسية وضرورة استيعاب القوى الجديدة والمهمشة. لكن الواضح ان النخب القديمة واصلت محاولاتها للالتفاف على تلك النتائج ، فلم تفلح الحكومة في تطبيقها رغم مرور ثمانية اشهر.
سيطرة الحوثيين على صنعاء كشفت عنصرا جديدا في  الصراع الاهلي: استمرار هيمنة النخب القديمة على المشهد السياسي قد يدفع القوى المهمشة الى اعاقة الدولة. الامساك بمراكز القيادة والقرار لا يعني بالضرورة سيطرة موازية على الارض. واذا قرر المنافسون خوض الصراع ، فقد يجد القائد نفسه مثقلا بالاوصاف والنياشين ، لكن من دون سلطة على الارض.
ليس ثمة حلول سهلة للازمة اليمنية. والحل لن يكون محليا بالكامل. اعتقد ان الحل يبدأ باستيعاب القوى الجديدة ، سيما الحوثيين والحراك الجنوبي وشباب الثورة ، في منظومة القرار السياسي والقوات المسلحة. كما اعتقد ان اليمن بحاجة الى حلفائها التقليديين ، سيما المملكة ومصر ، للعب دور الوسيط والضامن لما يجري من تفاهمات تجنب المنطقة ويلات وآلاما ، فيما لو تطاولت الازمة وتفكك الجيش والدولة.
الاقتصادية 30 سبتمبر 2014

http://www.aleqt.com/2014/09/30/article_892078.html

الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

قصة مغامرة


يوم تخرج شريف من كلية الصيدلة كان همه الوحيد هو البحث عن وظيفة مثل سائر الشبان. بعد تسعة اعوام من النجاح على مستوى الراتب والمكانة ، سأل نفسه يوما: هل استطيع تأسيس شركة مثل التي اعمل فيها؟. هذا السؤال استدعى جدلا داخليا حول احتمالات النجاح والفشل ، مقارنة بوظيفته المريحة نسبيا.
الذين سمعوا شريف يتحدث عن فكرته ، اخبروه عن تجارب من سبقوه وانتهى امرهم الى الافلاس. بالنسبة لاولئك فان الوظيفة تعني الامان على المدى البعيد ، دون تحمل مسؤوليات او خوض مغامرات.
لكن هذا الشاب الذي اختبر سوق الدواء نحو عقد من الزمن ادرك – مثل قلة من الاذكياء المغامرين – ان طريق النجاح لا يمر عبر الاساليب العتيقة ولا قصص الفاشلين. ثمة دائما فرصة في مكان ما تنتظر من يخرط شوكها كي يجني ثمرها. البداية الصحيحة هي الانطلاق من المعرفة التي تجنيها في سنوات الدراسة. المعرفة التخصصية بموضوع العمل هي الجزء الاهم من راس المال الذي تحتاجه.
بعد اربع سنين من تاسيس مشروعه الخاص اقتنع شريف ان تركه للوظيفة السابقة كان ربما افضل قرار اقدم عليه في حياته. فهو الان على بعد اسابيع قليله من افتتاح مصنع جديد ، حصل على معظم تمويله من ارامكو ، وهو مصنع يفخر شريف بانه سيسد حاجة ملموسة في القطاع الصحي وسيسهم في تنمية بلده. المسألة ببساطة انك تستطيع تقديم خدمة جليلة لوطنك بينما تحقق – في الوقت نفسه – اهدافك الشخصية.
يذكرني هذا بالمجادلة التي قدمها دانييل ليرنر في كتابه المرجعي "موت المجتمع التقليدي". قارن ليرنر بين المجتمعات الخائبة التي تقيم مقابلة حدية بين المصلحة الشخصية والعامة وتجادل دائما حول اولوية هذه على تلك ، في مقابل المجتمعات الحديثة والناهضة التي يطور اعضاءها مسارات جديدة تجمع المصلحتين الخاصة والعامة. في هذا النوع من المجتمعات يخدم الناس مصالحهم الشخصية بينما يسهمون في تطوير المجتمع ، يكافحون لفتح المنغلقات من اجل انفسهم ، لكنهم – بهذا العمل – يجعلون حياة الاخرين اسهل واكثر قابلية للنجاح ، يزيدون مكاسبهم الشخصية ، ويسهمون في الوقت نفسه في تطوير اقتصاد البلد.
تخبرنا بحوث التنمية الاجتماعية ايضا ان نسبة اصحاب الاعمال والعاملين لحسابهم self-employed  الى مجموع العاملين هو واحد من المؤشرات القوية الدلالة على نضج المجتمع وكفاءته. يتسم افراد هذه الشريحة – عادة - بالشجاعة والقدرة على المساومة وصناعة التوافقات وابتكار الحلول ، كما يطورون وسائل لادارة الاخرين بالاقناع ومن دون استعمال ادوات السلطة كما في الوظائف الحكومية. نعرف من تاريخ العالم ايضا ان المدن التي تعيش على التجارة اكثر اعتدالا وانفتاحا واكثر تنوعا وقدرة على التعامل مع المختلفين.
هل يكفي كل هذا لجعل تشجيع الشباب على خوض هذا التجربة هدفا من اهداف التعليم في بلادنا؟.
الاقتصادية 16 سبتمبر 2014
http://www.aleqt.com/2014/09/16/article_887286.html





الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2014

ابتكار المستقبل



الحصول على وظيفة في الادارة الحكومية او القطاع الخاص هو الهدف المحوري لكل طالب. وهو ايضا محور العملية التعليمية منذ بداية التعليم الرسمي ، في  المملكة ومعظم البلدان العربية. لقد اعتدت على سؤال الشباب عن مشروعاتهم الحياتية بعد التخرج ، ووجدتهم جميعا متفقين على جواب واحد هو "البحث عن وظيفة". كنت اسألهم دائما: لماذا لا تنشيء مشروعك الخاص؟ فيعتذر اغلبهم بعدم توفر راس المال الكافي. لكني اعلم ان هذا ليس سببا حقيقيا في اغلب الحالات. ثمة مئات من الاعمال يمكن اطلاقها براس مال صغير جدا ، وثمة – الى جانب هذا – عدد معقول من مؤسسات الاقراض التي تدعم المشاريع الصغيرة.
في سوق نشطة وسريعة التوسع مثل السوق السعودي ، يمكن للشبان الاذكياء ان يجدوا مئة فرصة وفرصة ، لو بحثوا عنها. المشكلة تكمن في النسق المعيشي وفي فلسفة التعليم والعرف الاجتماعي ، وهي جميعا تفترض – على نحو ضمني او صريح - ان نضج الفرد وانضمامه الى الحياة العامة يبدأ بالعمل اجيرا عندا الدولة او عند شركة قائمة.
يرتبط هذا بغياب مفهوم الاختيار والابتكار في ثقافتنا العامة ، الذي يعني – في وجهه الاخر – ذهنية المغامرة وتحمل المسؤولية الكاملة للخيارات الشخصية. اظن ان معظم الناس في بلدنا لا يربون ابناءهم على مواجهة التحديات واختيار طريقهم بانفسهم ، وتحمل اعباء قراراتهم. النظام التعليمي هو الاخر لا يعزز في الطالب روحية المغامرة والبحث عن الخيارات المختلفة ، والسعي وراء المجهولات وابتكار المستقبل الشخصي ، بدل تقليد خيارات الاخرين.
خلال الثلاثين عاما الماضية تبنى معظم الدول الاوربية فكرة دفع الشباب الى انشاء اعمالهم الخاصة.  ليس فقط لانها تعالج مشكلة البطالة ، بل لانها – ايضا – تعزز فرص الابداع والابتكار ، سيما في مسارات الاقتصاد الجديد. وطبقا للاحصاءات المتوفرة فان اربعة ملايين بريطاني يملكون اعمالهم ، وهو رقم يعادل 14% من اجمالي قوة العمل في ذلك البلد. وثمة 15 مليونا مثلهم في الولايات المتحدة ، يشكلون حوالي 11% من قوة العمل. اما في بلد مثل تركيا فيقال ان نسبة العاملين لحسابهم الخاص تزيد عن 40% من اجمالي قوة العمل.
لا نستطيع طبعا اقناع الناس جميعا بانشاء عملهم الخاص. لكنا نستطيع اعادة النظر في التوجيه التربوي والاعلامي ، وصياغته من جديد على نحو يشجع الشباب على التفكير في هذا الخيار. تعقد جامعاتنا ما يسمى بيوم المهنة في كل عام ، وغرضه دفع الطلاب الى الوظائف. ماذا لو عقدنا يوما للمشاريع الصغيرة ، غرضه دفع الشباب نحو ابتكار وظائفهم واعمالهم وخوض التحدي؟.
يمكن للشباب ان يضخوا روحا جديدة في الاقتصاد الوطني لو اصبحوا من صناعه. هذا ليس حلا لمشكلة البطالة فحسب ، بل هو ايضا اداة للتنمية الاجتماعية وصناعة المستقبل.
الاقتصادية 9 سبتمبر 2014
http://www.aleqt.com/2014/09/09/article_884830.html

الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2014

تغيير الباراديم

لم يتعرض مذهب فلسفي للنقد بقدر ما تعرضت له الماركسية. وهو امر قد يشير الى حجم التحدي الذي انطوت عليه مقولاتها. والمؤكد انها قد تركت تاثيرا عميقا ، ليس فقط على المدارس الفلسفية المعاصرة ، بل وايضا على شريحة معتبرة من العلوم الانسانية ، ومن بينها علم الاجتماع وفروعه. من بين الامثلة التي تذكر في هذا الصدد ربطها الشديد بين الذهنية الجمعية والظرف الاقتصادي.
جادل الماركسيون بأن الاقتصاد يقود الى اعادة تشكيل المجتمع على شكل طبقات متباينة ، لكل منها ثقافة خاصة تبرر رؤيتها للعالم وتعاملاتها مع المحيط. انطلاقا من هذا ، فهم يرون مثلا ان العمال يفكرون على نحو مختلف عن الفلاحين ، كما يختلف هؤلاء عن الطبقة الوسطى "البرجوازية الصغيرة" ، وتختلف هذه عن الطبقة العليا والمهمشين.
لم يعرض الماركسيون ما يكفي من الادلة الواقعية التي تؤكد حتمية تلك العلاقة. سيما في كون الاقتصاد عاملا وحيدا في تشكيل الذهنية الفردية والعامة او توجيه الثقافة. لكن لا شك ان تلك المقاربة قد لفتت انظار دارسي علم الاجتماع الى اهمية نظم المعيشة ومصادرها ووسائل الانتاج في تشكيل الذهنية الجمعية. بفضل مجادلات الماركسيين تلك ، نستطيع اليوم وضع تفسيرات متينة نسبيا للفوارق الذهنية والثقافية بين المجتمعات القروية والمدينية ، وبين المجتمعات الصناعية والفلاحية ، كما نستطيع وضع تفسيرات محتملة للفوارق بين ذهنية البيروقراطي والتاجر والمهندس.
 أسوق هذا الكلام في اطار النقاشات الجارية اليوم في المجتمع السعودي حول الثقافة التي تغذي العنف والارهاب. وغرضي هو الاشارة الى ان "تغيير الثقافة" لا يقتصر على تغيير الادوات الثقافية مثل المناهج الدراسية او خطب الجمعة ، وهو بالتاكيد لا يتحقق بحظر انواع معينة من الكتب او محاصرة تيارات ثقافية ودينية محددة . كما ان الارهاب لا ينتهي لمجرد حصول العاطلين جميعا على وظائف.
كل من هذه العناصر يشكل جزء ضروريا من منظومة علاج شاملة وطويلة الامد. لكن استمرار فاعليته ، اي تحوله من علاج آني الى علاج جذري ، رهن بتفاعله مع عناصر العلاج الاخرى ، اي المنظومة الكاملة التي تستهدف تغيير "البارادايم" ، اي النسق الحياتي والثقافي القديم الذي اتاح الفرصة لتبلور ذهنية الانقطاع والتفارق ، ومهد – بالتالي – للميول العنفية.
اني ببساطة ادعو للتفكير في علاقة النظام المعيشي/الاقتصادي بالثقافة العامة في المملكة. ربما تكون الثقافة التقليدية عاملا في تعزيز الميل للعنف ، لكني اتساءل: لماذا يميل الناس الى هذه الثقافة تحديدا ، ولماذا يميلون خصوصا الى جانب المنازعة فيها وليس جانب اللين؟. هل لنظام المعيشة دور في ترجيح هذا على ذاك؟.
اجد مهما ان نفكر في "الميل للعنف" كظاهرة اجتماعية مركبة ، ناتجة عن مقدمات مختلفة ، وليس مجرد حلقة مستقلة ، او نتيجة لعامل وحيد.

الاقتصادية 2 سبتمبر 2014

http://www.aleqt.com/2014/09/02/article_882504.html

الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

مقدسات التغيير


لو اردنا الاعتبار بدروس التاريخ ، فسوف نعرف ان الازمات الكبرى شكلت نقطة انبعاث للمجتمعات المغلوبة ، يوم  حظيت بشجاعة التحرر من الغرائز البدائية وقيود العادة.
كان ارنولد توينبي ، وهو ابرز مؤرخي القرن العشرين ، قد اعتبر الصراع محركا رئيسيا للتحولات الحضارية وحركة التاريخ بشكل عام. الامم التي تواجه تحديات وجودية تبدع وسائل جديدة لاستيعاب التحدي ومواجهته. صنف توينبي تلك التحديات الى ثلاثة مستويات: تحد ضعيف لا يثير اهتمام المجتمع ، وتحد جارف يقوده الى الاستسلام وربما تدمير الذات ، وتحد متوسط القوة يطلق طاقة حيوية جديدة ، تقاوم عوامل الوهن والهزيمة ، فيشكل - بالتالي- نقطة انطلاق الى مسار جديد نحو التقدم والقوة.
Arnold Toynbee
Arnold Toynbee
مناسبة الكلام هو التحولات الهائلة التي تواجه العرب هذه الايام ، وتحمل في مجموعها صفة التحدي الوجودي ، على النحو الذي شرحه توينبي. كشفت هذه التحولات عن نقاط ضعف كبرى في البنية الاجتماعية/السياسية لكافة المجتمعات العربية. لكنها كشفت ايضا عن نقاط قوة عظيمة الاهمية ، لا يصح اغفالها او تهوين اهميتها. ويهمني في هذه الكتابة التنبيه على ما اظنه شرطا ضروريا لتحديد اتجاه "الاستجابة للتحدي". الا وهو توفر ايديولوجيا التغيير. تتألف ايديولوجيا التغيير من مجموعات مقولات ميتافيزيقية (نتبناها بها لاننا نريدها وليس بالضرورة لانها ثابتة علميا او تجريبيا). تتمحور هذه المقولات حول ثلاثة مباديء ينبغي رفعها الى درجة القداسة: واولها تعزيز الايمان باننا - كمجموع - قادرون على حل مشكلاتنا بانفسنا ، قادرون على منافسة الاخرين والتفوق عليهم ، واننا – كأفراد – قادرون على تجاوز خلافاتنا والانصهار في بوتقة فكرة قائدة ، هي فكرة التقدم. المبدأ الثاني: هو ثنائية المتعدد/الواحد وخلاصتها ان كل مواطن فرد ، رجلا او امرأة ، مختلف عن الاخر في عقله او فكره او تطلعاته او همومه ، وان هذا التنوع في الافكار والتعبيرات والقدرات والتطلعات يقود طبيعيا الى فتح مسارات كثيرة ، يجب تأطيرها على نحو يجعلها روافد تصب في المجرى الرئيس لنهر التغيير وتساهم في حركة التقدم. المبدأ الثالث يتناول موضوع التغيير ، ويتلخص في اصلاح سياسي باتجاه توسيع ومأسسة المشاركة الشعبية في  الحياة العامة ، وتحول اقتصادي باتجاه التركيز على الصناعة سيما الصناعات الاساسية والتحويلية ، وتحول اجتماعي محوره صون الحريات الشخصية والمدنية لكافة الافراد.
زبدة القول ان الازمات الهائلة التي نمر بها هذه الايام يمكن ان تعصف بوجودنا كله (وقد شهدنا بدايات هذه الكارثة في اكثر من دولة مجاورة) ، كما يمكن ان تشكل مفتاحا لعصر جديد وتاريخ مختلف ، نحقق فيه اكثر آمالنا. اعلم ان احدا لن يختار الكارثة ، لكن اختيار البديل رهن بالاستعداد لدفع ثمنه السياسي والثقافي والنفسي. ولهذا حديث آخر ربما نعود اليه لاحقا.
الاقتصادية 26 اغسطس 2014
http://www.aleqt.com/2014/08/26/article_880253.html