الاثنين، 13 يوليو، 2009

المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال: مناقشة نظرية


خلال الأيام الماضية تعرض عدد من الكتاب في الصحافة المحلية إلى المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال. أي الدعم الذي تقدمه الشركات والأثرياء للخدمات العامة في مختلف جوانبها. يعرف الجميع أن عددا قليلا نسبيا من رجال الأعمال يخصص نسبة من إيراداته السنوية لأعمال الخير، فغالبيتهم مشغول بجمع المال والرفاهية الشخصية. ولهذا فقد أصبح هؤلاء وغيرهم موضوعا ثابتا للتقريع على يد الصحف وكتابها، وقد نسمع في بعض الأحيان مسؤولين رسميين وقادة مجتمع يتحدثون في الاتجاه نفسه.
ويبدو لي أن الموضوع بجملته غير واضح المعالم. فالانطباع السائد هو أن الناس جميعا، الأغنياء والفقراء، يقدمون صدقاتهم بصورة شخصية إلى المحتاجين أو إلى من يوصلها للمحتاجين، أما الخدمات العامة التي يستفيد منها عامة الناس، بمن فيهم المقتدرون، فهي مهمة الدولة.
"المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال" ليست من المفاهيم الموروثة في ثقافتنا المحلية، بل جاءتنا مع الانفتاح الثقافي والاقتصادي على العالم ولا سيما السوق الأمريكية التي يعتبر قطاعها التجاري أكبر ممول غير حكومي للأعمال التطوعية والخدمات الخيرية على مستوى العالم. لا أدري كيف ظهر هذا المفهوم ومن الذي طوره على النحو الذي نعرفه اليوم.
 لكنه دخل بحوث الفكر السياسي في منتصف السبعينيات في سياق الجدل حول العدالة الاجتماعية ومعايير قياسها، ولا سيما بحوث العدالة التوزيعية، أي معايير التوزيع العادل للثروة والموارد العامة وفرص النمو. العدالة التوزيعية مفهوم سياسي يتعلق بنظام العلاقة بين المجتمع والدولة وإدارة المال العام والقوانين التي تضمن تكافؤ الفرص.
في أول الأمر كان مبدأ العدالة يناقش في الإطار الفلسفي، لكنه انتقل من ثم إلى الفكر السياسي، ولا سيما ضمن التفكير في دور الدولة كضامن لأملاك الناس وأموالهم. نظر قدامى الليبراليين إلى التملك كحق مطلق لا يجوز حجبه أو تحديده واعتبروا حماية الحكومة لهذا الحق وسيلة لتعاظم الثروة العامة وازدهار البلد.
 لكن القرن العشرين شهد تحولا عن هذا التفكير بعدما ساد الاعتقاد بأن التملك المطلق يؤدي بالضرورة إلى استغلال الضعفاء وتدمير قيمة الإنسان. وينسب الفضل في هذا التحول إلى المفكرين اليساريين الذين قدموا مجادلات قوية ضد مبدأ السوق الحرة والملكية الفردية وبقية أركان التفكير الرأسمالي. تركزت هذه المجادلات حول فكرة العدالة والاستغلال.
الأكثر ثراء هو الأقدر على التأثير في السوق وفي النظام العام، وهو قد لا يتوانى عن استغلال السلطة والمال والبشر من أجل المزيد من السلطة والمال. رأى اليساريون أن الاستغلال هو جزء من بنية السوق الحرة. لأن كسب المال هو المعيار الوحيد للنجاح فيها. كلما تضخمت ثروة شخص اعتبر ناجحا والعكس بالعكس. من الناحية الواقعية فإن أقلية صغيرة في كل مجتمع تستطيع مراكمة ثروات كبيرة، وهذا سيأتي بالضرورة على حساب الأكثرية. فما تحصل عليه من مال يخسره شخص آخر، ولا يمكن للجميع أن يربحوا دون أن يخسر أحد. بدلا من ذلك اقترح اليساريون نظاما للتوزيع المركزي للخيرات العامة، على شكل منظومة موحدة تتكفل بسد الحاجات الأساسية لجميع الناس من السكن إلى التعليم والصحة العامة والمواصلات والوظائف.
تبدو حجة اليساريين معقولة إلى حد كبير فالثروة التي يجمعها شخص لم تتخلق في فراغ، بل هي ثمرة لاستثمار موارد كانت في الأصل ملكا لجميع الناس. هذا يثير بطبيعة الحال سؤالا جديا فحواه: هل للمجتمع حق في الثروة التي انتقلت من ملكية الجميع إلى يد شخص واحد؟ . صحيح أن ذلك الفرد بذل جهدا استثنائيا حتى جمع ثروته.. لكن ما هي حصة الجهد الذهني والبدني في تكوين الناتج، وما هي حصة رأس المال الأصلي، أي الموارد المشتركة في تكوينه؟
هذا السؤال والكثير من الأسئلة المماثلة مطروحة بشكل جدي على طاولة النقاش. في ما يخص مفهوم «المسؤولية الاجتماعية لقطاع الاعمال» فإن هذه المناقشة تمثل مدخلا ضروريا لتعريف طبيعة تلك المسؤولية، ما إذا كانت تشكل إحسانا من دون التزام، أو التزاما برد جزء من الفضل للمجتمع الذي خلق الإمكانية والفرصة للإثراء.
صحيفة عكاظ - 13 / 7 / 2009م 

الاثنين، 6 يوليو، 2009

مرة اخرى : جدل الدين والحداثة


الجدل الذي رافق انتخابات الرئاسة الايرانية وما بعدها ركز الاضواء على نقاش قديم حول فرص المواءمة بين الدين والحداثة في تجلياتهما المختلفة ولا سيما السياسية منها . وصف الاستاذ مظاهر اللاجامي محاولات الباحثين في هذا الصدد بانها تلفيق ، وكتب الاستاذ في علم الاجتماع السياسي د. خالد الدخيل نقدا معمقا لكتابي "حدود الديمقراطية الدينية" ركز على التعارض الذاتي بين الدين والديمقراطية.

انني من المؤمنين بامكانية تطوير نموذج للحداثة يستوعب الحاجات الثقافية والمادية الخاصة لكل مجتمع . توصلت الى هذه القناعة بعد سنوات من البحث والمراجعة والجدل الذي زادني – في الوقت نفسه- تفهما واحتراما لتحفظات المعترضين واسباب قلقهم . وقد عرضت شريحة واسعة من تلك الاسباب والجوانب الاشكالية في كتاب "الحداثة كحاجة دينية".

 يركز مفهوم الحداثة على دور الانسان كمصدر للقيم والمعايير والمعرفة. وهذا ينطبق على انسان المجتمعات التي ابدعت مفهوم الحداثة وتلك التي تلقته لاحقا . خلال قرن تقريبا شارك مفكرون من شتى انحاء العالم في نقد وتطوير العناصر التي يتشكل منها مفهوم الحداثة. محورية الانسان الفرد ، العقلانية ، معيارية العلم ، التعاقد والارادة الحرة كارضية لتفويض السلطة... وغير ذلك من مكونات المفهوم خضعت لنقاشات معمقة برهنت على ان الحداثة تابى – بطبيعتها – القولبة والحصر الايديولوجي .

على الطرف الاخر فان تقاليد البحث في الفكر الاسلامي تسمح بالتمييز بين القيم الاساسية للدين وبين اجتهادات المسلمين على اختلاف توجهاتهم وعصورهم . هذه المساحة هي التي سمحت دائما بوجود افهام متعددة للمبدأ الواحد واشكال متعددة من الممارسة الدينية . ثمة قيم اساسية في الدين لا يختلف عليها اثنان ، مثل العدل وكرامة الانسان والمساواة ، وثمة الى جانبها تجربة دينية تعبر فقط عن فهم مجتمع معين لتلك القيم.

نعرف بالبديهة ان فهم الانسان لفكرة ما ثم تطبيقها يتاثر بالضرورة بعوامل عديدة واحيانا متعارضة ، وبينها عوامل ذاتية مثل القدرات العلمية للفرد وتربيته العائلية ونفسيته ، وبينها عوامل اجتماعية كالثقافة العامة ومصادر المعيشة ونوعية الفرص والتحديات التي تواجه الجماعة ، ويضاف اليها طبعا المستخلصات الثقافية للتجربة التاريخية لهذه الجماعة .

من المفهوم ان نطاق وعمق تاثير هذه العوامل يختلف بين مجتمع واخر تبعا لاختلاف ظروفه الفعلية وتجربته التاريخية ، كما يختلف تلقي الافراد للفكرة نفسها تبعا لاوضاعهم الذهنية والنفسية والمادية. هذا هو المنطق الطبيعي للحياة والاشياء . ومن هنا نجد قراءات عديدة وتطبيقات متنوعة للفكرة الدينية ، تستلهم جميعا القيمة الاساسية ، لكنها تقدم تجارب متغايرة.  قد نطلق على هذا التنوع اسم الاجتهاد او تعدد القراءات او التمييز بين الثابت والمتحول ، او اي اسم شئت . لكن  الجوهري في الموضوع كله هو امكانية انتاج تجارب دينية متغايرة بين مجتمع واخر. لا اظنني بحاجة الى ادلة لاثبات هذا الادعاء لان تاريخنا والواقع الذي امامنا يكشف عن تنوع في الافهام والتطبيقات يستحيل حصره.

الرسالة النهائية لهذا التحليل هي ان افراد المسلمين والجماعة المسلمة يقومون فعلا – وهم على حق في ذلك – باعادة تشكيل حياتهم الدينية بين ظرف واخر كي تتناسب مع ثقافتهم ، حاجاتهم ، همومهم ، ظروفهم ، وتطلعاتهم ، وهذا ما اسماه هانس جورج غادامر بالافق التاريخي للفكرة.

لكل جيل حق ثابت في صوغ فهمه الخاص للفكرة الدينية وكذلك تجربته الدينية . وهذا يشمل بالتاكيد حقه في تقريب الفكرة او تطبيقاتها الى المباديء والقيم التي تبدو – في وقت معين – ضرورة للحياة ، او وسيلة للارتقاء بالحياة . بعبارة اخرى فلسنا مضطرين لسؤال اسلافنا الذين ماتوا عن امكانية التقريب بين الحداثة وقيم الدين . نحن مثلهم لدينا الحق ولدينا القدرة على الفحص والاختبار والنقد ثم الاخذ بالفكرة او تعديلها او اعادة انتاجها ضمن نسيجنا القيمي الخاص ، كما فعل الاسلاف مع الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية وغيرها.

الاسلام والحداثة ، كلاهما يفتح الباب امام النقد والتجريب والمعالجة الهادفة الى انتاج افكار جديدة او اعادة انتاج افكار مسبقة في صيغ جديدة . وهذا هو المنطلق في القول بامكانية المواءمة بين الاسلام والحداثة وما ينتج عنهما من معايير وادوات عمل.
عكاظ 6 يوليو 2009