‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاصلاح الاداري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاصلاح الاداري. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 يناير 2016

حول برنامج التحول الوطني

بحوث التنمية الحديثة ، تجمع على استحالة تحقيق نمو متوازن ومستدام ، دون الانخراط الفعال للمجتمع في سياسات التنمية وبرامجها.

كان برنامج التحول الاقتصادي الوطني موضوعا لمناقشات عديدة في الصحافة السعودية خلال الأيام الماضية ، رغم انه لم يعلن رسميا.  تناقش هذه المقالة فكرة التحول في عمومها. وتؤكد على أهمية المشاركة الأهلية في استراتيجيات العمل التي يتضمنها اي برنامج من هذا النوع.
ينبغي الاشارة اولا الى انطباع عام فحواه ان البرنامج العتيد يمثل نوعا من الاستدراك او التعديل على خطط التنمية الخمسية التي تبنتها المملكة منذ العام 1971. واذا صح هذا التقدير فانه من الضروري ايضاح الاسباب التي أوجبت ذلك الاستدراك او التعديل. تنطوي الاسباب بطبيعة الحال على قراءة نقدية للنتائج التي أثمرت عنها خطط التنمية طوال الاربعين عاما الماضية. ليس من أجل جلد الذات ولا توجيه الاتهام الى احد بعينه ، بل من أجل فهم المسار والاهداف على نحو أوضح.
أشير أيضا الى عامل التوقيت. فالفهم العام يميل الى اعتبار البرنامج واحدا من المعالجات التي أملتها ظروف الانكماش الاقتصادي الراهن. ينصرف هذا الفهم – اذا صح – الى الظن بأن البرنامج يستهدف توفير مصادر دخل بديلة عن تصدير البترول الخام ، او تقليص النفقات الحكومية الحالية. ان توضيح هذا الجانب ضروري لتقييم السياسات التي يفترض ان يحتويها البرنامج المذكور ، اي اختبار ما اذا كانت تؤدي حقيقة الى هذه الغاية ام لا.
نحن بحاجة الى توضيح هاتين المسألتين ، من أجل اقناع المجتمع بالمشاركة الفاعلة في عملية التحول. ويحسن القول في هذا المقام ان خطط التنمية الخمسية التسع السابقة  لم تلحظ هذا الجانب. فكأن واضعي تلك الخطط افترضوا تحميل الدولة أعباء التنمية بكاملها. ونعلم ان بحوث التنمية الحديثة ، سيما في العقدين الماضيين ، تتفق جميعا على استحالة تحقيق نمو متوازن ومستدام ، من دون الانخراط الفعال للمجتمع في سياسات التنمية وبرامجها.
التنمية في مفهومها الحديث تتجاوز تمويل المشروعات وانشاء البنى التحتية ، الى خلق مصادر جديدة ، مادية وتقنية ، تتعدد وتتنوع على نحو يستحيل على جهة واحدة تحديدها سلفا واستيعاب ابعادها. المجتمع ككل ، هو البيئة الطبيعية لظهور وتبلور هذه المصادر. الامر الذي يوجب على مؤسسات التخطيط استنهاض هذه الطاقة الكامنة وتفعيلها ورعاية تطورها وربطها بدائرة الاقتصاد الكلي.
المثال الذي يضرب في هذا السياق هو اقتصاد المعرفة ، الذي ظهر في السنوات الاخيرة ، وتحول سريعا الى مولد رئيس للصادرات وفرص العمل ، ومحركا للنمو التقني. مشروعات مثل الهواتف الذكية من شركة ابل  ، والمتاجر الالكترونية مثل امازون ، والبوابات الالكترونية مثل غوغل الامريكي وعلي بابا الصيني ، أضافت عشرات المليارات من الدولارات الى الدخل القومي لبلدانها ، لكنها – فوق ذلك - ساهمت في تسريع التطور التقني الذي خلق ملايين من الوظائف الجديدة. لم يكن اي من هذه المشروعات حكوميا ، ولا بدأ بدعم حكومي ، بل كان ثمرة لابداع الناس وتوفر الحاضن الاجتماعي المناسب لهذا الابداع ، مع الدعم والاحتضان الرسمي في وقت لاحق. مثل هذه المشروعات وفرت للدولة ما لم تستطع توفيره اجهزتها ، رغم انها لم تنفق عليه اي شيء تقريبا.
استنهاض الطاقات الكامنة في المجتمع سيريح الدولة من نفقات كثيرة ، لكنه ايضا سيحول المجتمع من عبء على نفسه وعلى الدولة ، الى شريك في حل مشكلاته. وهذا من أبرز أغراض التنمية البشرية التي يتحدث عنها عالم اليوم.
الشرق الاوسط 27 يناير 2016
http://aawsat.com/node/553681/

الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

انا المسؤول



"القدر الأكبر من المساءلة حول حريق مستشفى جازان ، يقع  على المسؤول الأول عن قطاع الصحة. ولذا فالمساءلة تقع علي شخصيا قبل أي احد".
هذا تصريح لوزير الصحة السعودي المهندس خالد الفالح ، وأظنه أهم تصريح لوزير عربي خلال سنة 2015. هناك طبعا تصريحات كثيرة مهمة لسياسيين ووزراء حول مختلف قضايا الشأن العام. لكنا نادرا ما سمعنا قياديا في قطاعات الخدمة العامة يخرج الى العلن بعد حدث كارثي كالذي جرى في جازان ويعلن انه يتحمل المسؤولية عن التقصير الذي قاد الى الكارثة.
مثل هذا السلوك كان قصرا على المجتمعات المتقدمة. سمعنا مثلا رئيس فنزويلا يقول قبل ثلاثة اشهر انه سيحلق شاربه ، ان لم تنته الحكومة من بناء ربع مليون وحدة سكنية ، وعدت بها خلال هذا العام. وسمعنا عن وزير بريطاني استقال بعدما كشفت الصحافة انه قبل ضيافة على حساب احد السماسرة. وعن وزير ياباني انتحر بعدما انكشفت علاقاته العاطفية خارج اطار الزواج .. الخ.
اما في العالم العربي فيقضي العرف بان يعلق الوزير مسؤولية الكوارث على مشجب القضاء والقدر ، او تقصير المقاولين أو كسل الموظفين أو حتى جهل الشعب. هذا اذا لم يكن مؤدلجا فيحولها على احدى المؤامرات الدولية الكثيرة.
تحمل الوزير المسؤولية عن أخطاء وزارته تقليد راسخ في المجتمعات المتقدمة. وهو يكافأ عادة على انجازاتها ، فعليه بالمقابل تحمل المسؤولية عن عيوبها. والغرض من هذا التقليد هو مقاومة الفساد والتسيب في رأس الهرم الأداري. ان معرفة قادة الجهاز بانهم سيكونون الملومين على أي تقصير ، هو الذي يجعلهم حريصين على مقاومة الفساد والتسيب في المستويات الأدنى.
نعرف أيضا ان المسؤولية المقصودة هنا هي مسؤولية أخلاقية وسياسية وليست جنائية. وهي تعني قبول الوزير بمبدأ التحقيق المحايد (اي غير الخاضع لتاثيره أو تأثير العاملين تحت إدارته) في اسباب الخطأ ثم الاستعداد للاستقالة وتحمل اللوم ، اذا تبين انه كان قادرا على منع الخطأ لكنه تهاون او قصر في أداء الواجب. ومن ذلك مثلا وضع لائحة عمل خاصة بالسلامة المدنية في المباني والمشروعات التي تديرها وزارته ، ووضع برنامج للتفتيش الدوري للتأكد من التزام الادارات الفرعية بالمعايير واللوائح ، وتوفير الأموال اللازمة لضمان تطبيق هذه المعايير.
لقد اعتدنا على سماع "كليشيه" ان المنصب تكليف لا تشريف ، من معظم الذين تقلدوا مناصب رفيعة. لكنا وجدناهم لاحقا ، احرص على التمسك بالكرسي ، من حرص الطفل على حليب أمه. معنى التكليف ان تتخلى عنه اذا تبين فشلك فيه او عجزك عن القيام به.
لو تقبل كافة القياديين في الاجهزة الرسمية مبدأ المسؤولية السياسية والاخلاقية ، واعلنوا استعدادهم لترك مناصبهم في حال الاخفاق ، لتحولت الادارة الحكومية الى مصنع للقادة وخبراء الادارة ، ولأصبحت الخدمات العامة مضرب المثل في الكفاءة والانجاز.
بالعودة الى تصريح الوزير الفالح ، فاني ادعو جميع وزرائنا ومديري قطاعات الخدمة العامة في بلدنا ، الى الاعتبار بما فعله هذا الوزير الشجاع ، وتكرار مبادرته حتى تتحول الى تقليد ثابت في اجهزة الدولة وقطاع الأعمال. يجب ان يؤمنوا جميعا بان رأس الجهاز يتحمل كامل المسؤولية ، عن كل عيب في الادارات التابعة له ، مثلما يتقبل المديح حين يحقق انجازات ونجاحات. هذا طريق مجرب لترسيخ الانضباط وتعزيز قيمة الكفاءة.
الشرق الاوسط 30 ديسمبر 2015
http://aawsat.com/node/531686/

الثلاثاء، 17 يونيو 2014

"عجلة التنمية" المتعثرة


السؤال الذي يشغل الدكتور ابراهيم العواجي هو: لماذا فشلنا في بلوغ الاهداف التي حددتها خطط التنمية؟. هذا ينصرف  الى سؤال اخر: لماذا نعجز حتى اليوم عن وضع معايير دقيقة لقياس انتاجية الادارة الرسمية ، رغم الاموال العظيمة التي انفقت على تطويرها؟.
في كتابه الجديد "التنمية وعربة الكرو" يلخص العواجي تأملاته في تجربة امتدت ربع قرن ، عمل خلالها وكيلا لوزارة الداخلية. وهو يقول انه حاول كما حاول كثيرون غيره ، تجاوز العلل المزمنة في النظام الاداري ، لكنه يقر في نهاية المطاف بان "عوامل ثقافية" هي التي اعاقت تطور الادارة وعطلت – تبعا لذلك – عجلة التنمية.
يشير الكتاب مثلا الى نظام المشتريات الحكومية الذي استهدف – فرضيا - مضاعفة الدورة المحلية لراس المال وتنويع مصادر الانتاج. لكنه تحول في واقع الامر الى قناة لتصدير الرساميل للخارج. السبب الذي يشير اليه دون ذكره صراحة هو ان صاحب القرار المالي والاداري يريد منتجا نهائيا ولا يهتم كثيرا بتفاصيل المسار المنتهي بالانجاز. جرى العرف مثلا على ايكال المشاريع الكبرى لشركات اجنبية تتغطى بواجهة وطنية ، لان الشركات المحلية غير مؤهلة وصاحب القرار لا يعتبر نفسه مسؤولا عن تأهيل الشركات المحلية. حصاد هذا العرف العليل هو اننا لا نزال بعد 45 عاما من انطلاق خطط التنمية ، متكلين على المقاولين الاجانب في كل شيء ، من بناء جسر الى بناء مدرسة الى انشاء مصنع الخ ..
قد يبدو الامر بسيطا طالما كنا نحصل على ما نريد. لكن الامر ليس كذلك كما يرى العواجي. التنمية ليست انشاء مبنى او فتح شارع ، بل عملية متواصلة ومتنامية. تخبرنا تجارب العالم ان استمرارية التنمية تعتمد كليا على  توسع مواز في دور "الطبقة الوسطى". كل مرحلة في اي عمل تنموي يجب ان تستهدف ضمنيا تمكين هذه الطبقة وتأهيلها كي تتولى المرحلة التالية. هذا هو الطريق الوحيد لجعل التنمية مستدامة ولجعل ناتجها الاقتصادي رافدا جديدا لدورة راس المال المحلي.
هذا مثال عن الفارق بين الادارة الشخصية والادارة المؤسسية. في الاولى يصدر القرار عن شخص واحد ليس لديه الوقت لدراسة تفاصيل المشروع. بينما في الحالة الثانية يصدر القرار ضمن حزمة كاملة تدرس وتتقرر وفقا لتصور متكامل يلحظ جميع الابعاد المؤثرة والمتأثرة بالعملية التنموية وانعكاساتها وما يستلزمه التعامل مع نواتجها الفورية واللاحقة.
خلاصة تأملات العواجي هي ان نجاح التنمية في المملكة مشروط بالتحرر من الاعراف القديمة والثقافة القديمة ونظام الادارة الشخصية القديم. مالم يتحقق ذلك فسوف نضطر دائما الى التعامل مع اوضاع غريبة مثل ان ان نستقدم مئات الالاف من العاملين الاجانب سنويا ، بينما نعجز عن توفير وظائف كافية للمواطنين ، ومثل ان نملك جميع الموارد المالية الكافية لكن نصف مشاريعنا يتأخر او يتعثر.
الاقتصادية 17 يونيو 2014
http://www.aleqt.com/2014/06/17/article_858209.html

مقالات ذات علاقة


الثلاثاء، 16 يوليو 2013

نقاط الاحتكاك بين المجتمع والدولة


لازلت اذكر خط الهاتف الذي دفعت للحصول عليه مبلغ 14,000 ريال في مطلع التسعينات. ولازلت اذكر هواتف سيناو اللاسلكية التي اضطررت لاستعمالها ، لان الهاتف كان يومئذ ادارة حكومية ، لا تسمع ردا من موظفيها سوى "لا توجد بدالة ، البدالة ممتلئة وليس فيها امكانية لارقام جديدة" الخ. لم نعد نسمع اليوم هذه الاسطوانة ، لان الحكومة قررت ان تريح نفسها من تجارة الاتصالات. وحسنا فعلت.
في هذا اليوم لم يعد الناس يلومون الحكومة اذا تعطلت هواتفهم ، لان الهاتف لم يعد دائرة حكومية. لو اردنا صياغة هذا المعنى بلغة سياسية فسنقول ان خدمة الاتصالات لم تعد نقطة احتكاك بين الحكومة والجمهور ، كما كان الامر قبل عشرين عاما.
جوهر المسألة اذن هو عدد "نقاط الاحتكاك" بين المجتمع والدولة. نفهم ان رضا الناس ليس غاية يسهل ضمانها. لكن الفرق شاسع بين فلسفة في العمل الاداري هدفها تقليل نقاط الاحتكاك ،  اي تقليل مساحة التغاضب بين الدولة والمجتمع ، وفلسفة معاكسة تستهدف ، او تؤدي – موضوعيا – الى زيادة نقاط الاحتكاك ، اي تقليل مساحة التراضي بين الطرفين.
دعنا نضرب مثلا اخر من حوادث هذه الايام. فقد ذكرت الصحف ان هيئة الاتصالات ، وهي جهة حكومية ، تريد ايقاف خدمة الواتس اب. وشهدنا الحملة الواسعة في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي ، التي تندد بهذه الفكرة. حظر الواتس اب سيخلق نقطة احتكاك جديدة بين الحكومة من جهة وبين ثلاثة ملايين من مستعملي هذا التطبيق في المملكة. فهل تحتاج الحكومة الى هذا؟.
هذا المقال لا يخاطب هيئة الاتصالات ، وليس غرضه المطالبة بابقاء الواتس اب او غيره. بل يستهدف على وجه التحديد تنبيه مسؤولي  البلد الى التبعات السياسية لقراراتهم. اعلم ان بعض  القرارات يتخذ على اعلى المستويات ، وبعضها يتخذ في مستويات متوسطة او دنيا ، ويوقعه احد الكبار دون تمحيص لمضمونه ، او لانعكاساته على مسار العلاقة بين الدولة والمجتمع ، اي "عدد نقاط الاحتكاك" التي يضيفها او يقللها.
ولهذا فاني اتمنى ان يبادر كل وزير الى مراجعة القرارات والاجراءات المتخذة في وزارته ، تلك المتعلقة خصوصا بتعاملات الوزارة مع الجمهور ، وان يضع امامه دائما السؤال التالي : كيف ينعكس كل منها على علاقة المجتمع بالدولة ، هل يزيد نقاط الاحتكاك ام يزيد مساحة الرضا والتراضي.
لا شك ان رضا الجمهور عن الخدمات العامة التي تقدمها اجهزة الدولة هو اهم معايير النجاح السياسي ، وبالعكس فان غضب الجمهور دليل واضح على الفشل.
ترى ما الذي يريده الوزير او المسؤول الكبير: ان يوصف  بالنجاح ام يوصم بالفشل؟. هل يريد تلطيف العلاقة بين المجتمع والدولة ، ام يريد زيادة نقاط الاحتكاك بينهما؟. هذا هو لب الموضوع.
الاقتصادية 16 يوليو 2013

http://www.aleqt.com/2013/07/16/article_770690.html

مقالات ذات علاقة


الثلاثاء، 9 يوليو 2013

يسروا القانون كي تكسبوا طاعة الناس

تقول وزارة العمل إنها استطاعت تصحيح 40 فيالمائة من المخالفات الخاصة بالعمالة الأجنبية. ويحق للوزارة أن تفخر بهذا الإنجاز الذي تحقق خلال 90 يوما. لكن ما يهمنا فعلا هو قراءة هذه التجربة ودروسها. وأهم تلك الدروس في ظني هو ''أثر اللين والملاينة في التزام المجتمع بالقانون''.
يعرف الذين أقاموا في الدول الصناعية أن الناس لا يضطرون إلى مراجعة الدوائر الحكومية والمصارف، وحتى الشركات الخاصة، إلا في أضيق الحدود، لأن جميع المعاملات تتم بالبريد والهاتف.
أما في بلدنا فيستحيل إنجاز معاملة دون مراجعة عديد من الدوائر. خلال الأسبوع الماضي أمضيت أربعة أيام لاستخراج شهادة زكاة. قلت لأحد الإداريين هناك إننا نضيع هذا الوقت الطويل كي ''ندفع'' المال للحكومة، فكم من الوقت سنصرفه لو احتجنا لقبض مال منها؟
صورة ذات صلة
الفارق بيننا وبين الدول المتقدمة يكمن في الأساس الفلسفي للقانون. تبنت تلك الدول فلسفة متفائلة إزاء الطبيعة الإنسانية، فحواها أن أكثرية الناس خيرون يريدون العيش في إطار القانون، ولذا يوضع القانون بهدف مساعدتهم وتسهيل أمورهم.
أما في المجتمعات التقليدية مثل مجتمعنا فتسود فلسفة متشائمة إزاء الطبيعة الإنسانية، فحواها أن الناس لو تركوا من دون ضابط أو رقيب، فسيعبثون ويفسدون. ولهذا يميل واضع القانون إلى التشدد في نصوصه، كي يجبر الجميع على الانضباط ويضيق الخناق على العابثين.
بعبارة أخرى فإن القانون في الحالة الأولى يوضع لمساعدة الأكثرية الطيبة، ولو أدى إلى تمكين الأقلية العابثة من الإساءة. أما في حالتنا فيوضع لردع الأقلية العابثة، ولو أدى إلى تعسير الحياة على الأكثرية المطيعة للقانون.
تجربة التسعين يوما التي أمر بها الملك لتصحيح أوضاع الوافدين أثبتت أن الأكثرية الساحقة من الناس تريد العيش في ظل القانون، وإنها ستسعى لذلك حين تجد القانون يسيرا ومساعدا.
ينبغي للحكومة أن تسأل نفسها: لماذا عجزنا عن حل هذا المشكل طيلة ثلاثة عقود، بينما نجحنا في حل 40 في المائة منه خلال ثلاثة أشهر؟
الفارق الوحيد هو أن الحكومة يسرت الإجراءات، وخففت من القيود القانونية الثقيلة التي كانت مفروضة في الماضي. ألا يكفي هذا للتدليل على أن عسر القانون هو أبرز أسباب التهرب منه، وأن يسر القانون هو الطريق الوحيد لتشجيع الناس على طاعته وتكييف حياتهم ضمن إطاره؟
زبدة القول أن القانون الضيق الشديد يدفع الناس قسرا للقفز فوقه، بينما القانون اليسير السهل يدفع الناس تطوعا لطاعته والانسجام معه. نحن في حاجة إلى تغيير الفلسفة التي يوضع النظام على أرضيتها. دعونا نثق بالإنسان، بطبيعته الخيرة، وأن نضع القانون على هذا الأساس، حتى لو أدى إلى منح 100 مخالف فرصة للعبث. لا ينبغي أن نعسر حياة ملايين الناس من أجل عشرة أو 100 أو حتى ألف عابث.

مقالات ذات علاقة

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

اللامركزية الادارية ضرورة اليوم وليس غدا


شعر الكثير منا بالاسى حين تابع العام الماضي افتتاح مترو دبي بعد اقل من خمس سنين على اقرار مشروعه ، بينما كنا ننتظر افتتاح مترو الرياض الذي وعدنا به في 2009 ، وتخصيص الخطوط السعودية وفتح سوق النقل الجوي امام ناقلين جدد ، وغير ذلك من المشروعات الضرورية لتيسير المواصلات في المملكة.

خلفية الاهتمام بهذه المشروعات هو ضيق الناس بازدحام العاصمة ومشكلات النقل الجوي والبري وغيرها. معظم المتحدثين في هذا الشأن ينادون بالتوسع في النقل العام بمختلف وسائله. وهو حل لجأت اليه معظم دول العالم في العقود الماضية.
لكن هذه الحلول لن تكون فعالة في المستقبل. لندن التي تتمتع بشبكة قطارات ضخمة وثلاث مطارات دولية لم تنج من الزحام. ومثلها نيويورك وغيرها من المدن الكبرى.
الحل الفعال ، والاقل كلفة ، هو اللامركزية الادارية. التي تعني :
 أ) توزيع الادارات التابعة لوزارة واحدة بين المدن المختلفة.
 ب) نقل شريحة واسعة من اعمال وصلاحيات الادارات المركزية في العاصمة  الى فروعها في المناطق.
ج) الغاء جميع المراجعات الشخصية  التي يمكن استبدالها بالمتابعة عن طريق التلفون والمراسلة.

في الماضي كان البيروقراطيون يبررون تجميع الادارات والموظفين في مكان واحد بالحاجة الى تسريع العمل. وهذه فائدة معقولة مادام عدد الموظفين صغيرا. لكن مع مرور الوقت وتزايد العدد تتلاشى هذه الفائدة. تضم وزارات الدولة اليوم مئات الالاف من الموظفين الذين لا ضرورة لبقائهم في المباني المركزية. اضف الى هذا عشرات الالاف من الناس الذين يراجعون هذه المباني من اجل معاملات صغيرة وكبيرة. ومثلهم من موظفي القطاع الخاص الذي ينفذ اعمالا للوزارات .
هذا يعني ربما ربع مليون سيارة او اكثر تستعمل شوارع العاصمة كل يوم. ويعني ملايين ساعات العمل التي تضيع في زحام الطرق.

اتساءل مثل غيري: ما الذي يستوجب احتفاظ وزارة التربية والاعلام والكهرباء والشؤون الاجتماعية والمالية والتجارة ومؤسسة النقد وعشرات من الادارات الاخرى بمعظم موظفيها في العاصمة. ما هو الضرر الذي سيحدث لو وزعت بعض الادارات ، بين مدن المملكة المختلفة؟

فوائد التوزيع واضحة ، فهو سيقلل كلفة العمل وزحام العاصمة ، وسيرسي ارضية للتخلص من المراجعات الشخصية الكثيرة والمرهقة ، ويستبدلها بالتواصل عبر التلفون او الرسائل. والاهم من هذا وذاك فانه سيدفع عجلة النمو في المدن التي تحتضن المقرات الجديدة ، من خلال زيادة الطلب على السكن  والسوق ، وبالتالي تسريع دورة راس المال المحلي وتحسين مستوى المعيشة.

لقد حان الوقت للتخلص من الثقافة التي تعتبر البلد ملخصا في العاصمة. وقد حان الوقت لتفويض امارات المناطق وفروع الوزارات فيها بجميع صلاحيات المركز ، حتى لا يضطر احد لارسال معاملة الى الرياض فضلا عن السفر اليها للمتابعة الشخصية.

زحام المدن ليس مشكلة مواصلات فقط ، بل هو اهلاك سريع للبنية التحتية ، وتعقيد للحياة الاجتماعية ، وزيادة في التوتر النفسي للافراد ، فضلا عن الامراض الناتجة عن التلوث.
الاقتصادية 3 ابريل 2012

الخميس، 11 نوفمبر 2010

قليل من صور الفساد



القضاء على الفساد الاداري يتوقف على التخلص كليا ونهائيا من نظام الادارة الشخصية التي تربط كل عمل ومعاملة وقرار بموافقة شخص المدير. هذا النظام يوفر بيئة خصبة لظهور الفساد الاداري في معناه الاوسع اي ذلك الذي يشمل الرشوة والمحسوبية ، كما يشمل تعطيل الاعمال وزيادة كلف الاستثمار ، كما يشمل الانفراد بالراي في تقرير المصالح العامة .
في هذا النظام تشيع المحسوبية . اذا كنت صديقا للمدير او جارا لاخيه او قريبا لزوجته فحقك محفوظ . فان لم تكن كذلك فسوف تضطر للبحث عن وسيط او شفيع يقنع المدير الهمام ، بالشيمة او بالقيمة كما يقول قومنا . في حادثة من الحوادث دفع احدهم عشرين الف ريال لسائق المدير كي يضمن لابنته كرسيا في الجامعة . وفي حادثة اخرى حاول رجل اعمال دفع بضعة ملايين للحصول على ترخيص تجاري استثنائي . وهذه وغيرها من الامثلة تنشرها الجرائد ويعرفها عامة الناس. والسبب فيها جميعا ان "راي" سعادة المدير هو قفل العمل ومفتاحه معا .
تأخير المعاملات هو صورة اخرى من صور الفساد الاداري المعتادة في ظل نظام الادارة الشخصية. بعض المعاملات تستغرق خمس دقائق على ابعد تقدير ، لكن انتظار توقيع المدير يجمدها شهرا او شهرين او ربما اكثر . بعض المعاملات يستدعي دفع غرامات على التاخير ، لكنهم لا يهتمون بهذا. الادارة ليست مسؤولة عن وقت الناس ، وهي اساسا لا تعتبر ان للزمن قيمة حتى تستعجل الامور ، فكل شيء قابل للانتظار حتى تنتهي اجتماعات المدير او حتى يعود من الاجازة .. الخ.
الوقت له ثمن اقتصادي يعرفه جميع المحترفين ورجال الاعمال ، الساعة لها قيمة والدقيقة لها قيمة ، يمكن استثمارها في زيادة الانتاج او انفاقها في تعبئة اوراق مكررة والجري وراء هذا الموظف او ذاك او انتظار فراغ المدير او او .. الخ. اذا كنت ستبدأ استثمارا في وقت معين ثم تاخرت البداية سنة او اقل او اكثر فانت تخسر بما يعادل الدخل المتوقع خلال هذه الفترة . لو كنت ستربح في هذا العام مئة الف ، فان المئة الف هي خسارة سببها الوحيد هو تعطيل المعاملة.
 المدير الذي رايه محور الادارة يرضى ويغضب ، فاذا رضي سهل معاملات الناس ، وخفف من الاجراءات اللازمة للموافقة عليها . واذا صادف ان غاضب زوجته او عاكسه صبي بسيارته او علم بخسارته في سوق الاسهم ، فياويل الناس ويا سواد ليلهم . سوف يقرر المدير في هذا اليوم وضع العشرات من القيود والتعليمات والاجراءت كي لا تمر معاملة الا بعد ان يلج الجمل في سم الخياط.
اخيرا فان الادارة الشخصية توفر بيئة للتمييز بين الناس في الفرص والتكاليف . فالقريب او المقرب يحصل على حقه وزيادة ، والبعيد لا يحصل على حقه الا بعد ان يدفع مالا او وقتا او كرامة من خلال التوسل بهذا وذاك او التملق لهذا وذاك.
اذا شاع الفساد في اي من صوره ، رشوة كان او تعطيلا ، او ارهاقا للجسم والكرامة ، فان ضحيته الاولى ستكون هيبة القانون وهيبة السلطة ، ورضى العامة الذي هو اساس الاستقرار والتقدم . نحن لا نستطيع وضع رقيب على كل موظف ، لكننا نستطيع اقرار قانون يلغي الحاجة الى راي المدير وتوقيعه . نستطيع اقرار قانون ينظم تظلم الناس من تصرفات المدراء والموظفين ، نستطيع اقرار قانون يفرض على الدائرة الحكومية دفع المقابل المادي لتعطيل العمل . عندئذ سنجد اشكال الفساد هذه تتراجع الى حدها الادنى.

هذا ما يسمونه في علم السياسة بالمسؤولية  او المحاسبة. القانون هو الاطار الصحيح للعلاقة بين المجتمع والادارة الرسمية ، وسيادة القانون تعني توفير اليات للتظلم ومحاسبة الاشخاص الذين يحولون الادارة الرسمية من وعاء لتطبيق القانون الى مجلس لانفاذ ارائهم الشخصية والتعبير عن ميولهم ونزعاتهم الخاصة او الحكم كما يحلو لهم.

الاثنين، 11 أكتوبر 2010

بيروقراطية مقلوبة

البيروقراطية وسيلة لا غنى عنها لعقلنة الادارة وتحويلها من سلطة شخصية تحكمية الى تجسيد لسلطة القانون.  هذه هي الخلاصة التي توصل اليها ماكس فيبر ابرز الاباء المؤسسين لعلم الادارة الحديث في كتابه المرجعي "نظرية التنظيم الاجتماعي والاقتصادي".
لكننا الان نتحدث عن البيروقراطية باعتبارها رمزا للرتابة وانعدام الابداع والتعطيل. هذا يكشف عن ان الشيء ونقيضه يمكن ان يجتمعا في الواقع . او ربما يكشف عن امكانية انقلاب المعاني الراقية الى نقيضها حين تنقل المفاهيم بطريقة القص واللصق ، اي نسخ الاليات والادوات من دون فلسفتها.
***
بين ابرز تطبيقات الادارة الحديثة نشير الى تقسيم العمل ومنح الموظفين الصلاحيات المناسبة لاداء واجباتهم بصورة تامة بحيث لا يحتاجون للرجوع الى رئيسهم في كل امر. نحن نعاني من علة حقيقية تتمثل في ان كل موظف يعتبر نفسه مسؤولا عن كل شيء وفي الوقت نفسه مفتقرا الى صلاحية البت في اي شيء ، فهو يراجع ما فعله الموظف الذي سبقه الى المعاملة رغم انه انه ليس مسؤولا عن عمله ، ثم يحيلها الى المدير الذي لا يفعل شيئا سوى التوقيع . كان يمكن ان يقوم الموظف الاول بانهاء المعاملة والتوقيع عليها طالما كانت مستوفية للشروط. واذا لم تكن كذلك فقد كان يستطيع ببساطة مطالبة المراجع باستكمال المتطلبات ، وبهذا يوفر وقت الجميع.

واذكر ان زميلا لي راجع بريد القاهرة قبل سنوات لارسال بضعة كتب. يقول الزميل انه انفق يوما كاملا في التنقل بين المكاتب ، وملأ ورقة كاملة بالتوقيعات والاختام ابتداء من توقيع موظف الوارد ثم موظف التصدير والجمارك والثقافة والمالية والضرائب وبين كل اثنين هناك موظف ثالث مهتمه التدقيق في عمل الموظف السابق حتى وصل اخيرا الى الموظف الذي مهمته وزن الارسالية ولصق الطوابع عليها ومن بعده هناك طبعا المدقق والمدير وموظف الصادر. لا ادري اذا كانت هذه الصورة الكاريكاتورية لا تزال موجودة الى اليوم ، لكنها مثال واقعي على توزيع الاعمال دون توزيع متناسب للصلاحيات. ان الكلفة المالية للوقت الذي انفقه مجموع هؤلاء الموظفين اضافة الى المراجع يبلغ اضعاف قيمة العمل الذي انجز فعلا.

اذكر ايضا انني راجعت مسؤولا كبيرا فوجدت على مكتبه رزمة ضخمة من الملفات ، وكان يفتح كل ملف ويوقع صفحته الاولى . وحين انتهى بعد نصف ساعة تقريبا سألته عن فحوى هذه الملفات التي تتطلب توقيع مدير في موقعه فاجاب بانه ينفق ما يعادل ساعتين كل يوم في التوقيع على مثل هذا النوع من المعاملات التي يمكن لاصغر موظف في الوزارة انجازها ، لكن النظام يتطلب توقيع وكيل الوزارة او من هو في مستواه.

في الادارة الحديثة يصنف الاداريون الى ثلاث شرائح من حيث الفاعلية والانتاج : اداري ينفق وقته في الاعمال التي يقوم بها في العادة موظفوه ، واداري يقوم بالاعمال التي يمكن تحويلها لموظفيه ، واداري يركز جهده على الاعمال التي لا يمكن لمن هم دونه انجازها. فالاداري الاول فاشل تماما والثاني معطل لعمل الادارة بينما الثالث هو المدير الناجح.

الموضة الجديدة في عالم الادارة هي تلك المسماة بالنافذة الواحدة او المحطة الواحدة One-Stop Shop حيث يقوم موظف واحد بانجاز المعاملة كلها دون ان يرجع الى غيره. وهناك ايضا مفهوم الحكومة الالكترونية الذي يفترض انجاز المعاملات دون مراجعة الدوائر او اللهاث بين المكاتب . وطبقا لتقرير في صحيفة بريطانية فان تطبيق هذا المفهوم قد وفر نسبة معتبرة من نفقات التشغيل المعتادة في الدوائر التي اخذت به.

اظننا قادرون على التقدم تدريجيا في هذا الاتجاه ، لكننا نحتاج قبل ذلك الى تيسير القانون وتوضيحه وفوق ذلك اعادة النظر في فلسفته. يجب ان يكون غرض القانون هو تنظيم العمل والتيسير على الناس وليس فقط سد الابواب امام العابثين . من بين ملايين الذين يراجعون الدوائر الحكومية هناك اقلية صغيرة جدا تريد العبث بالقانون او الالتفاف عليه اما الاكثرية الساحقة فهي تريد الالتزام به ، وليس منطقيا ان نعسر حياة الاكثرية من اجل اقلية لا تذكر. ثم ياتي بعد ذلك التوزيع السليم للمهام والصلاحيات كي نجعل الادارة العامة حلالا لمشكلات الناس لا عقدة في حياتهم.

عكاظ 11 يناير 2010

الأربعاء، 12 سبتمبر 2007

حتى لا تكون الادارة الحكومية عش دبابير



                                                                                                       ~ينبغي جعل عمل الدوائر الحكومية علنياً ومكشوفاً وتمكين الصحافة والناس من نقد موظفيها }
لا اعرف الذي اطلق على المديرين وكبار الموظفين اسم “المسؤول” ، فهذا اللقب لم يُنقل من تراث العرب القديم . ولعله وضع كترجمة لمسمى الرئيس او المتصدي (officer, principal, director) الذي وصلنا مع انتقال نظم الادارة الاوروبية الى العالم العربي . على اي حال فان اختيار ذلك المسمى ينم عن ذكاء صاحبه ورغبته في نقل جوهر المفهوم الاوروبي الحديث في الادارة الحكومية ، اي كون الوظيفة تكليفا تترتب عليه محاسبة ومساءلة وليست مجرد سلطة للامر والنهي والتصرف.
في سياق نقل التجربة الاوروبية ، تميل معظم الدول العربية اليوم الى اطلاق مسمى “الخدمة المدنية” على منظومة الادارة الحكومية. وقد اقتصر هذا الوصف على العنوان العام ولم يسرِ الى افراد الادارة كما هو الحال في الدول الصناعية . نعرف ان الموظف الحكومي هناك يوصف رسميا بالخادم المدني civil servant ، لكن يبدو ان لهذا المسمى وقعاً ثقيلاً في ثقافتنا ، ولهذا اعرضنا عن استعماله في وصف الموظفين الحكوميين . وعلى اي حال فان اختيار المسميات يعكس رغبة في تحقيق معنى ومضمون الاسم . وفقا لهذا فانه ينبغي ان يعمل موظفو الدوائر الحكومية ، في جميع مراتبهم ، كخدام للشعب ، لا كمتسلطين عليه.
يُعتبر مفهوم “الخدمة العامة” ومفهوم “المسؤولية والمحاسبة” من ابرز ما يميز نظم الادارة الحديثة عن نظيرتها التقليدية.  حين نقول ان فلانا مسؤول ، فهذا يعني – في الاصل النظري على الاقل – انه معرض للمساءلة على اعماله ، اي ان سلطته غير مطلقة . صاحب السلطة المطلقة الوحيد هو رب العالمين الذي “لا يسأل عما يفعل” اما باقي الناس فهم جميعا معرضون للمساءلة والحساب. الموظف الحكومي يقبض راتبه مقابل خدمة الناس وليس مقابل التسلط عليهم ، لأن اموال الحكومة هي في الاصل وفي النهاية اموال عامة ، اي مملوكة لمجموع الشعب . الموظف بهذا المعنى اجير عند المواطنين ، وليس من المعقول ان يستأجر المواطنون من يهينهم او يعطل مصالحهم او يؤذيهم بمثل “تعال بكرة” ، و “شوف لك احد” و “تعرف الطريق” وامثالها
مثل كثير من المفاهيم والانظمة الجيدة التي تطبق بالمقلوب حين تنتقل الى مجتمعات متخلفة ، فان مسمى “المسؤول” اصبح عندنا علامة على صاحب السلطة ، اي الشخص الذي بيده الامر والنهي والقرار ، والذي يستطيع ان يفعل ما يشاء من دون ان يتعرض للمساءلة والمحاسبة . هذه الخلطة المقلوبة هي نتاج للثقافة التقليدية التي يمكن ان نصفها بالسلطوية ، والتي تخلط بين عنصري الادارة المدنية والسلطة السياسية ، وتنظر الى الاولى كامتداد للثانية
هذه الثقافة ليست حكرا على بلدنا او بلدان العالم الثالث ، فهي موجودة في كل بلاد العالم . لكن المجتمعات المتقدمة اكتشفت سوءاتها مبكرا وحاولت توفير علاجات . من ابرز هذه العلاجات هو اختصار مجال التصرف الشخصي للموظفين ، كبارا كانوا او صغارا ، وذلك بالتوسع في وضع القوانين واللوائح لكل كبيرة وصغيرة ، وجعل هذه القوانين – وليس رأي المدير - معيارا وحكما فاصلا بين الدائرة الحكومية وبين الجمهور.
ومن بين العلاجات الفعالة ايضا ، العلنية او الشفافية ، اي جعل عمل الدوائر الحكومية علنيا ومكشوفا للجميع ، وتمكين الصحافة وعامة الناس من مناقشة كل دائرة وتقييم ونقد موظفيها بأشخاصهم ووظائفهم ، بل نقد القوانين واللوائح التي تنظم عملهم. ومن بين العلاجات المؤثرة هو التغيير المنتظم لاصحاب المناصب ، كي لا يتحول المنصب الى عش للدبابير. على ان أبرز علاج هو توزيع السلطة وتوزيع مصادرها في المجتمع ، وبين أبرز آليات هذا التوزيع هو تعزيز منظمات المجتمع المدني ، تخصيص الخدمات العامة ، وتعزيزر اللامركزية الادارية.
تطوير الخدمة العامة يحتاج اذن الى تغيير في فلسفة الادارة الحكومية وفي البيئة الثقافية الحاضنة لها . وهذا يحتاج الى جهد واسع النطاق تشارك فيه اجهزة الاعلام والتعليم والهيئات التشريعية فضلا عن النخبة الاجتماعية ، وهو يحتاج خصوصا الى مُدونّة لحقوق المواطن يكون لها صفة قانونية عليا ويجري تداولها وشرحها حتى تتحول الى عنصر ثابت في ذهنية كل المواطنين.

عكاظ  12 سبتمبر2007  العدد : 2278

جدالات ما بعد شحرور

فكرة هذا المقال معروفة لجميع القراء. واظنها مقبولة عند معظمهم . وخلاصتها ان اكثر المفاهيم مرهون بزمن محدد ، قد يمتد بضعة اعوام او عدة ...