الثلاثاء، 20 ديسمبر 2005

الجدل المذهبي والعاب الفيديو


 ~بعض الدعاة ، من الشيعة والسنة ، حول الجدل المذهبي الى حرب واستثمرها لكسب المال والشهرة}


اريد الاشادة هنا بشجاعة الشيخ حسن النمر ، الفقيه الشيعي السعودي ، الذي اعلن صراحة انه يحرم ويجرم شتم صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام ، رغم انه لا يعتقد بعصمتهم ولا يمنع نقد التجربة التاريخية التي خاضوها . وبهذه المناسبة فاني اشيد ايضا بشجاعة فقيه سعودي آخر هو الشيخ حسن الصفار ، الذي سبق الى اعلان مثل هذا الموقف . ويتمتع كلا الرجلين بمصداقية تضفي اهمية خاصة على اقواله . فكلاهما مشهود له بسعة العلم ويحمل لقب حجة الاسلام ، وكلاهما يتمتع بنفوذ بين قومه ، وبثقة كبرى المرجعيات الدينية ، كما يحظى الصفار باحترام كبير بين شيعة العالم .
وتكمن اهمية تصريحات الرجلين في الظرف الخاص والمكان الذي شهد اعلانها . خلال السنوات الثلاث الاخيرة تبلور بين السعوديين ، الشيعة والسنة ، شعور عميق بان عليهم وضع حد للجدل المذهبي السقيم الذي اضر بوحدتهم الوطنية واوشك في الوقت نفسه ان يقوض أخلاقياتهم الدينية .
منذ زمن طويل تحول الجدل المذهبي الى تجارة رابحة لعدد من الرجال ، من الشيعة والسنة . وكان من الامور المعروفة في مجتمعات الخليج ان اقرب الطرق الى الشهرة هو خوض هذا النوع من الحروب الوهمية . فالداعية الابرع في اصطناع القصص حول فساد عقيدة الطرف الاخر ، هو الاقدر على النفاذ الى قلوب الناس . وكانت الكتب الاكثر رواجا هي تلك التي تسرد الجدالات التاريخية والمعاصرة بين الفريقين.
في الحقيقة فان كلا من الطرفين ، الشيعة والسنة ، كان قد تصور نفسه يخوض حربا ضروسا في الدفاع عن عقيدته . لكنها لم تكن – في حقيقة الامر – سوى حرب رمزية ، فيها من الوهم كثير ومن الحقيقة اقل القليل. فهم لا يتجادلون حول تطوير بلادهم ، ولا حول مستقبل اطفالهم ، ولا يختلفون على سبل التحول الى مجتمع صناعي ينافس المجتمعات المتقدمة ، ولا يناقشون سبل تطوير العلم والمعرفة في مجتمعاتهم ، ولا يطرحون ابدا اي مسألة تتعلق بسبل النهوض الحضاري واكتساب القوة الذاتية . بل ينصب همهم كله على اثبات صحة او بطلان ما جرى قبل اربعة عشر قرنا من الزمن ، وتحديد المسؤول عن تلك الحوادث التي مضى زمنها ومات اصحابها وأكل عليها الدهر وشرب كرات ومرات ، ولم يعد لها من وجود في واقع الناس ، سوى الوجود الرمزي اذا لم نقل الوهمي.  بكلمة اخرى فان هؤلاء الناس مشغولون بحروب بين كائنات رمزية ، لها مسميات ولها عناوين ، لكن ليس لها وجود مادي في الواقع . حروب يستوى فيها النصر والهزيمة ، فلا المنتصر رابح ولا المهزوم خسران . ولهذا السبب بالذات فان قادة تلك الحروب وجنودها لا يكلون عنها ولا يملون منها ، فهي اشبه بالعاب الفيديو التي يستمتع بها الاطفال ايما متعة فينتصرون او ينهزمون دون ان يتحركوا من اماكنهم .  
video gaming, video games
 لكن اخطر ما في الجدالات المذهبية هو انها تولد او تعزز ثقافة الاقصاء ، التي تقود بالضرورة الى احتقار الطرف الاخر وفي مرحلة اعلى الى تكفيره ، واخيرا الى استباحة دمه . وما جرى في الجزائر في اوائل التسعينات ، وبعدها في افغانستان واليوم في العراق هو مثال على النتائج الكارثية لمثل هذه الثقافة البائسة .

منذ العام 2003 شهدت المملكة العربية السعودية ظهور تيار جديد يضم عددا بارزا من رموز النخبة الثقافية والسياسية وقادة الرأي ، تيار يدعو الى صياغة جديدة للعلاقة بين الاطياف المتعددة ، المذهبية والثقافية ، التي يتشكل منها المجتمع السعودي ، علاقة تقوم على احترام التنوع والتعدد الذي لا يخلو منه اي مجتمع والتاكيد على الشراكة المتساوية للجميع في التراب الوطني .


وكما جرت العادة فقد ارتاب كثير من الناس ، في هذا الطرف او ذاك ، في اول الامر ، في مصداقية هذه الدعوة وجدواها ، وبدأ بعضهم يتحدث عن خطوط حمراء وصفراء لا يمكن عبورها . وكما هي العادة ايضا فان تجار الخيبة قد رفعوا اصواتهم بالتحذير من مفاسد الحوار بين الطرفين وخطره الداهم على عقائد الناس . لكن مع استمرار الحوار الايجابي وشجاعة الرجال والنساء الذين شاركوا فيه ، فقد نجج الطرفان في ايصال شريحة واسعة من الجمهور الى فهم مشترك ، فحواه ان الجغرافيا قدر ، فما دمنا موجودين معا على ارض واحدة فلا يمكن لاحدنا ان ينفي الاخر او ينكره او يتجاهله . وان الاخوة والمحبة هي السبيل الوحيد لكي نعيش في امان وسلام ، ولكي تكون حياتنا ومستقبل اطفالنا اكثر جمالا وازدهارا .

في هذا المجال فان جانبا كبيرا من الفضل يرجع الى مبادرة الملك عبد الله بتاسيس مركز الحوار الوطني الذي احتضن حوارات متعددة ساهمت في تظهير هذا التيار الاصلاحي وتطوير طروحاته وعرضها على الملأ . كما اشير الى الدور الحيوي الذي لعبته جريدة "الوطن" في تجاوز الاوهام الموروثة في الصحافة المحلية التي دأبت على اغفال التعدد الواقعي في الاراء والتوجهات والانتماءات . قامت جريدة "الوطن" خلال السنوات الثلاث المنصرمة بالتاكيد على تعددية المجتمع السعودي ودعت الى الاقرار به واحترامه وفسح المجال امام تعبيراته الايجابية .

تصريحات الفقيهين الفاضلين النمر والصفار ، قابلتها دعوات متعددة من جانب كتاب ودعاة بارزين وشخصيات سياسية محترمة من السنة ، تدعو الى التخلص من القيود الثقيلة التي ورثناها من اسلافنا ، القيود التي تشدنا الى الماضي وتحجب عنا رؤية الحاضر والمستقبل . القيود التي تعيدنا الى الجدال والصراع حول الاموات والمقابر كلما اردنا ان نتحدث او نمد ايدينا الى الاحياء .

يمكن لنا كسعوديين ان نقوم بدور ريادي في اعادة الصفاء واللحمة الى عالم الاسلام . قد لا نستطيع الوصول الى وحدة اسلامية كاملة . لكن ليس ثمة شك في ان تحررنا من الصراع المذهبي والجدل حول الاموات ، سوف يسمح لنا بتوجيه اهتمامنا الى اعادة بناء حياتنا والتفكير جديا في اصلاحها وتطويرها . اي ان نفكر في بناء المستقبل بدل انشغالنا النفسي والثقافي في الجدل حول الاموات. (تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) . صدق الله العظيم.

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2005

الشيعة في زمن جديد



ثمة احداث تختصر قرونا من التاريخ الثقافي للمجتمعات التي تعرضت لها . واظن ان سقوط صدام حسين هو من هذا النوع من الاحداث . فيما يتعلق بالشيعة فان هذا الحدث يرقى من حيث الاهمية الى مستوى الثورة الايرانية لعام 1979 والتي كانت بدورها مرحلة فاصلة بين عصر ثقافي جديد وعصر قديم استمر خمسة قرون على الاقل.

قبل الثورة الايرانية كان الاعتقاد السائد بين الشيعة ينفي امكانية قيام حكومة شرعية قبل عودة الامام المنتظر ، وكانت فكرة انتظار الامام هي البديل الثقافي عن السعي للسلطة ، ولهذا فان جميع الفقهاء تقريبا مال الى تحريم او تقبيح المشاركة في اي نوع من الحكومات القائمة في مختلف العصور ، واجازها بعضهم في حال الضرورة ، ووضع اخرون شروطا على هذه المشاركة كي لا تتحول الى وسيلة لترسيخ الجور. لكن في جميع الاحوال فان الذين اجازوا المشاركة لم يصلوا الى حد اعتبار الحكومات القائمة شرعية بالمعنى الديني. ولعل المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء كان بين قلة من الفقهاء الذين ميزوا بين المشروعية ذات المصدر الديني وتلك القائمة على اساس عرفي (اعتبارها ضرورة لحفظ النظام العام ومصالح الجمهور) . العلامة النائيني تقدم خطوة اخرى فكتب في 1908 مطالبا بالتركيز على مؤسسة الحكم بدل الجدل حول شخص الحاكم . وقال في كتابه الشهير "تنبيه الامة وتنزيه الملة "  ان الحكم يمكن ان يكون مشروعا اذا التزم بدستور مكتوب وخضعت الحكومة للمحاسبة امام مجلس شورى منتخب ، بغض النظر عن شخص الحاكم  . لكن الحل الحاسم جاء على يد المرحوم الخميني الذي قرر ان السلطة هي الوسيلة الوحيدة لاصلاح شؤون المسلمين العامة ، ولهذا فان انتظار الامام لا يعني ابدا اعتزال الحياة السياسية .

منذ ذلك الوقت تلاشت الى حد كبير الفكرة التي تعتبر المشاركة في السلطة مساعدة للظالم او تشريعا للجور . ولم يعد الشيعة يرون حرجا في المشاركة في اي نظام سياسي . بل ان حزب الله الذي دعا عند انطلاقته الى ثورة اسلامية في لبنان ، لم يتردد في المشاركة في نظام سياسي علماني يحصر السلطة العليا في يد المسيحيين .

نجحت الثورة الايرانية في حل مشكلة تاريخية في الثقافة الشيعية ، لكنها جاءت بمشكلة اخرى ، او لعلها عمقت مشكلة قائمة . تلك هي الشعور بان الشيعة هم ضحايا لمؤامرة تاريخية كبرى قام بها الحكام الظالمون في الماضي وتقوم بها الدول العظمى في الحاضر. فكرة المؤامرة عميقة الجذور في الثقافة الايرانية وهي ترجع الى تاريخ طويل تعرضت خلاله ايران لغزو الجيران من الشمال والغرب والشرق والجنوب ، وخسرت في تلك الغزوات ما يزيد على نصف اراضيها . وقد اعيد انتاج فكرة المؤامرة في اطار ديني بحيث ربط بين تعرض ايران للغزو الخارجي وكونها شيعية المذهب . وانتقلت هذه الفكرة الى معظم شيعة العالم الذين ظنوا انهم يتعرضون لمؤامرة عالمية غرضها الوحيد هو القضاء على مذهبهم . وجاء توافق العالم الغربي على حصار ايران بعد الثورة ودعمه للعدوان العراقي عليها ليعزز فكرة المؤامرة التاريخية .

تعرض الشيعة في ظل صدام حسين الى مأساة لم يروا مثلها في اي وقت سابق . وشملت بالاضافة الى التصفية الجسدية لالاف من الرجال والنساء ، تهجيرا منظما طال ما يزيد عن ثلاثة ملايين مواطن ، اضافة الى تدمير البيئة الطبيعية كما حصل في الاهوار وتفكيك المؤسسات الاجتماعية الكبرى مثل الحوزة العلمية في النجف الاشرف . واستمر هذا النهج التدميري نحو ثلاثين عاما وصل معه شيعة العراق الى حافة اليأس من امكانية الوصول الى نهاية سعيدة لهذه الحقبة السوداء. ثم جاء الخلاص على يد الولايات المتحدة الامريكية ، الدولة التي اعتقدوا طويلا انها تقود المؤامرة التاريخية عليهم ، والتي وصموها لاجل ذلك بصفة "الشيطان الاكبر" .

لم يكن غرض الامريكان مساعدة الشيعة ولا الدفاع عنهم ، لكن حربهم مع صدام حسين ادت – موضوعيا – الى نهاية الحقبة السوداء . واستطاع الشيعة العراقيون ان يحصلوا على حقهم في حكم انفسهم للمرة الاولى منذ القرن العاشر الميلادي. لهذا السبب لم يجد الشيعة غضاضة في العمل مع عدوهم التاريخي المفترض ضد العدو الفعلي . لم يجد عامة الناس حاجة للبحث عن مبررات في كتب الفقهاء ، فالليل الذي انتهى اشد ايلاما من اي حاجة للتبرير.

بعيدا عن التوصيف السياسي لهذا الحادث فاننا امام حالة ثقافية جديدة خلاصتها ان فكرة المؤامرة التاريخية لم تعد موجودة في الاذهان . بكلمة اخرى فان الشيعة الذين سبق ان عزلوا انفسهم عن العالم ظنا بانه يتآمر عليهم ، وجدوا ان العالم ليس معنيا ابدا بصراع المذاهب وان ما يهمه اولا واخيرا هو صراع المصالح . اذا كانت مصلحة واشنطن معك فهي ستاتيك ، واذا كانت مع عدوك فهي ستذهب اليه. في اعتقادي ان هذا التطور يرقى الى مصاف الحوادث التاريخية الكبرى ، لانه انهي في اسابيع قليلة منظورات ثقافية سادت لقرون طويلة واعاقت الى حد كبير حركة مجتمع باكمله .

الثورة الايرانية كانت – بالنسبة للشيعة - بوابة لتشريع المشاركة في السلطة ، بغض النظر عن طبيعتها والقائمين عليها . كما ان المشاركة الامريكية في تغيير النظام العراقي هي بوابة للانفتاح على الحداثة وتياراتها النشطة في العالم .

يتحدث الشيعة العراقيون اليوم عن مفاهيم جديدة تماما على الخطاب العربي والاسلامي ، مفاهيم تنتمي بالكامل الى زمن الحداثة الثقافي . من ذلك مثلا اعتبار الحريات العامة خطا احمر لا يمكن تجاوزه باي قانون حكومي حتى لو قام على مبررات دينية . ومن ذلك القبول بالتعددية الثقافية من دون حدود او قيود ، ومنها المشاركة الجبرية للنساء في البرلمان والوزارة ، ومنها القبول بحكم محلي يتجاوز في كثير من الاحيان سلطة الدولة المركزية .

كل من الحدثين ، الايراني في 1979 والعراقي في 2003 يمثل فاصلة تاريخية بين زمنين ثقافيين . واظن ان من المهم ان نفكر في الانطلاق مما جرى فعلا لبناء منظومة ثقافية جديدة تكرس القطيعة مع تاريخ من المآسي الرمزية ، وتنفتح على عالم جديد رحب من فرص وامكانات التقدم . عالم عجزنا عن اكتشافه في الماضي ، لاننا سجنا انفسنا وعقولنا في صندوق رمزي مليء بالمآسي والهموم والاحزان.

الايام 13 ديسمبر 2005

الأربعاء، 7 ديسمبر 2005

كي نتخلص من البطالة



مشكلة البطالة التي تواجهها دول الخليج هي واحدة من مشكلات كثيرة ترجع الى سبب واحد يتمثل في انعدام التاسيس النظري المناسب للنظام الاقتصادي في اقطار الخليج. لو وجدت نظرية عامة للاقتصاد فان استراتيجيات العمل الاقتصادي، وبالتالي القرارات الحكومية ذات العلاقة سوف تاتي منسجمة، متناغمة ومتكاملة. وفي غياب هذه النظرية، فان كل قرار سوف يبنى على قاعدة منفردة، بل وربما متعارضة في بعض الاحيان مع القواعد التي بنيت عليها قرارات سابقة، او متعارضة مع الاعراف السائدة في قطاع الاعمال مثل هذا التعارض لا بد ان يؤدي الى اشكالات غير مريحة: تعطيل القرار مرة وتعطيل النشاط الاقتصادي مرة اخرى.
هذا الاستنتاج ليس مجرد فرضية بل هو واقع محسوس ولعل اخر الامثلة عليه هو قرار وزراء العمل الخليجيين بتحديد الفترة القصوى التي يسمح للعامل الاجنبي بالبقاء في المنطقة. وهو قرار غير منطقي وغير قابل للتطبيق، ولهذا فقد واجه معارضة فورية من جانب قطاع الاعمال كما ظهر في بيان غرفة تجارة الرياض مثلا.
الفرضية المعتادة ترجع مشكلة البطالة الى قلة فرص العمل، وهذا بدوره يرجع الى ضآلة حجم الاستثمار الحكومي او الاهلي. لكن دول الخليج لا تعاني من قلة المال. حتى في سنوات العسر الاقتصادي الماضية كان الحجم الاجمالي للاستثمار قادرا على توفير فرص عمل كافية. لكننا وجدنا ان معظم هذه الفرص ذهبت الى عمال وافدين. والسبب في ذلك كما يبدو لي هو عدم التوازن بين مستويات الفرص المتاحة. الشريحة الاعظم من الفرص تتعلق بوظائف قليلة العائد ولا تحتاج في العادة الى كفاءات كبيرة كما ان الشريحة العليا من الوظائف هي بطبيعة الحال ضيقة ولا تستوعب سوى نسبة صغيرة جدا من المؤهلين، وهي على اي حال ليست رهانا جديا للاغلبية الساحقة من طالبي العمل.
 اما النقص الحقيقي فهو في الوظائف المتوسطة التي تعادل عائداتها الاساسية ضعف المتوسط العام لكلفة المعيشة. ان الشريحة الاوسع من سكان الخليج ينتمون الى الطبقة الوسطى من حيث الكفاءة العملية ومستوى المعيشة ولهذا فان الوظائف المتوسطة هي خيارهم الطبيعي.
كانت امارة دبي هي الوحيدة في الخليج التي وضعت نظرية عامة لاقتصادياتها حين قررت ان الخدمات المالية والتجارية سوف تكون محور حياتها الاقتصادية. وبناء عليه فقد اعادت صياغة كامل منظومتها القانونية والادارية لخدمة هذا الاتجاه، ووجدنا كيف حققت نتائج مدهشة في فترة قصيرة. ولهذا فان هذه الامارة هي الوحيدة بين نظيراتها في الخليج التي لا تتحدث عن بطالة، بل عن فرص عمل متزايدة.
لو اردنا وضع نظرية كلية فلا بد ان تقوم على اعتبار البترول المحور الرئيس لاقتصاديات الخليج، ذلك ان الاحتياطي المتوفر والمتوقع سوف يكفي لما لا يقل عن نصف قرن. ويمكن لنا بالاعتماد على البترول وحده توفير فرص عمل كافية اليوم وغدا، بشرط ان يتحول الى صناعة متكاملة. رغم ان تصدير البترول يمثل في الوقت الحاضر المورد الاول والحاسم للدخل القومي، الا انه لم يتحول بعد الى عصب للحياة الاقتصادية. بكلمة اخرى فان صناعة البترول لا زالت محصورة جغرافيا في مناطق محددة وموضوعيا في قطاعات محددة، اما باقي القطاعات الاقتصادية فهي مجرد عالة على صادرات البترول وليست جزءا متفاعلا معها.
 ولهذا فان احد اغراض النظرية هو تنسيج صناعة البترول في كل اجزء الدورة الاقتصادية وتحويل هذه الدورة الى منظومة متفاعلة تدور حول الاستفادة القصوى من ذلك المورد. ويتحقق ذلك من خلال مسارين: الاول هو التحول من تصدير البترول الخام الى تصدير المشتقات البترولية والمنتجات الثانوية، والثاني هو التوجه نحو الاكتفاء الذاتي في التجهيزات والتقنيات المتعلقة بصناعة البترول. ونشير هنا الى الدعوات الملحة التي اطلقها اقتصاديون واكاديميون خلال العقود الثلاثة الماضية، لاستثمار العائدات البترولية في تنويع قاعدة الانتاج الوطني. هذه الدعوات تجاري قاعدة معروفة في علم الاقتصاد فحواها ان الاعتماد على تصدير المواد الخام يجعل المصدر اسيرا للمشتري، كما ان الاقتصار على محصول واحد يقلص مستويات الامان
فيما يتعلق بالمسار الاول فان التحول الى تصنيع البترول يتوقف على التوسع في انشاء مصانع التكرير والبتروكيمياويات وتتمتع دول الخليج بميزة استثنائية على غيرها من دول العالم هي توفر رؤوس الاموال اللازمة لهذه الصناعات التي تحتاج الى استثمارات ضخمة. التوسع في هذه القطاعات سوف يضاعف عائدات التصدير، ويوفر عددا كبيرا من الوظائف الجديدة، كما سيرفع المستوى العملي والتقني للبلاد في الحقيقة فان دول الخليج قادرة على التحول الى موفر رئيسي لمشتقات البترول والمواد الوسيطة للصناعات الكيميائية في العالم، مثل ما هي اليوم الموفر الرئيسي للبترول الخام ومع هذا التحول فان موقعها في السوق العالمي سوف يتعزز وسوف يوفر حماية اضافية لاقتصادياتها من تقلبات الاسواق الدولية.
اما بالنسبة للمسار الثاني، فان جانبا هاما من عائدات البترول الخليجي يذهب من جديد الى الدول المستهلكة ثمنا لاستيراد التجهيزات والتقنيات التي تحتاجها هذه الصناعة من المؤسف اننا لا نملك حتى الان قاعدة علمية مناسبة لتطوير التقنيات التي نحتاجها، كما لا نملك قاعدة صناعية توفر ما نحتاجه من عتاد وتجهيزات، على الرغم من وجود العديد من الكليات الجامعية المتخصصة والالاف من الشباب الذين درسوا في التخصصاات ذات العلاقة في الجامعات الاجنبية. واظن ان السبب وراء هذا النقص هو انعدام التاسيس النظري الذي اشرنا اليه.
لو ذهبنا في هذين المسارين، فان عائدات البترول سوف تقفز الى اضعاف العائدات الحالية، كما انها ستوفر فرص عمل ليس في مواقع الانتاج فقط، بل في كل مستويات الاقتصاد الوطني. ان صناعة البترول توفر اليوم اقل من عشرة بالمائة من الوظائف، اما النسبة الاعظم فهي ناتج ثانوي لعائدات التصدير. مع التحول المشار اليه فان صناعة البترول قادرة على مضاعفة الفرص الوظيفية، كما ان تضاعف العائدات سوف يلبي البقية الباقية ويزيد.
قلنا في البداية ان مشكلة البطالة تتعلق بالشريحة المتوسطة من الوظائف. ونضيف هنا ان طلاب هذه الشريحة سيكونون ابرز المستفيدين من التحول المطلوب. اذا نظرنا الى صناعة البترول والبتروكيمياويات الحالية فسوف نجد ان معظم وظائفها تنتمي الى هذه الشريحة. وبطبيعة الحال فان التوسع فيها سيقود بالضرورة الى توسع مواز في فرص العمل لهذا نعود الى القول بان مشكلة البطالة يمكن ان تختفي تماما من دول الخليج لو وضعت نظرية مناسبة للعمل الاقتصادي، نظرية تتواصل مع الامكانات القائمة فعلا وتبني عليها.