الأربعاء، 12 نوفمبر، 2008

حول قدرة المجتمعات على التحكم في حياتها


 انتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة الامريكية هو دليل آخرعلى قابلية الليبرالية السياسية لتجديد نفسها وتصحيح عيوبها. تتدخل في عملية الانتخاب عوامل كثيرة سياسية وثقافية ، تشكل بمجموعها ما نسميه بالظرف التاريخي. النجاح او الفشل في كسب اصوات الناخبين هو في اغلب الاحوال نتاج ذلك الظرف الذي قد يكون مساعدا او العكس.

يتكون الظرف التاريخي نتيجة لنوعين من العوامل ، اولها العوامل االثقافية او البنيوية ، وهي في العادة طويلة الامد من حيث التكوين ومن حيث التاثير . وقد نستطيع تسميتها بالعوامل الثابتة . اما النوع الثاني فهو العوامل السياسية التي تظهر في حالات محددة وتختفي بزوالها. يمكن التمثيل على النوع الاول بموقف الاكثرية من الاقلية . العرف الجاري في جميع الانظمة السياسية يقضي بان ينتمي رئيس الدولة الى الاكثرية. اما مثال النوع الثاني فهو تاثير التطورات الاقتصادية او السياسية في تغيير موقف الجمهور من بعض المرشحين .

 ما يهمنا في هذا المجال هو سلوك المجتمعات المختلفة من حيث نسبة انفعالها بالعوامل الثابتة قياسا الى مجموع العوامل ومن حيث قابليتها لاعادة النظر في هذه العوامل بتاثير العوامل المتغيرة. ثمة مجتمعات تلعب عواملها الثابتة الدور الحاسم في معظم مواقفها من القضايا المطروحة .

مثال ذلك موقف الولايات المتحدة وايران من التفاوض المباشر بينهما ، فمنذ قيام الثورة قبل ثلاثين عاما لم تستطع الدولتان تجاوز العوامل المانعة للتفاوض المباشر ، الامر الذي حول النزاع بينهما من خلاف سياسي الى معضلة ايديولوجية وتقليد ثابت يعجز كلاهما عن تجاوزه. ما نراه اليوم من كلام كثير حول البرنامج النووي هو مجرد وعاء للعلة الجوهرية اي العجز عن اختراق العائق التاريخي . قبل المسالة النووية تمحور الكلام حول دعم الارهاب وقبله عن اعاقة السلام في الشرق الاوسط وقبله عن تهديد امن الخليج وقبله عن تصدير الثورة. وهكذا فاننا نشهد في كل حقبة مبررا جديدا لكن المحصلة النهائية هي التاكيد على العائق التاريخي اي العجز عن التفاوض المباشر.

معظم من ناقش احتمالات فوز باراك اوباما مالوا الى التشكيك في قدرته على تجاوز العائق التاريخي او مجموع عوامل التاثير الثابتة مثل رفض الاكثرية البيضاء تولية رئيس اسود ، او رفض قطاع الاعمال المؤثر على الاعلام والراي العام تولية مرشح مصنف على يسار الحزب الديمقراطي او رفض اللوبي اليهودي دعم مرشح ذي جذور اسلامية الخ..

لا نستطيع الان لومهم على التسرع في اصدار ذلك الحكم ، لانهم قراوا التناسب بين تاثير العوامل الثابتة والمتغيرة . ولم يكن بين المتغيرات ما هو قوي الى درجة زحزحة العوامل الثابتة. لكن الذين ايدوا اختيار باراك اوباما كواحد من المرشحين الاوائل للحزب الديمقراطي ، ثم اختاروه واحدا من اثنين في التصفيات قبل النهائية ، ثم دعموه كمرشح وحيد في مقابل هيلاري كلينتون ، كل هؤلاء كانوا واثقين من قابلية المجتمع الامريكي لتجاوز العوامل الثابتة التي اصبحت عرفا عاما او تقليدا راسخا . لقد حدث هذا قبل تفاقم ازمة سوق المال في اغسطس الماضي ، اي قبل ان تبدأ العوامل المتغيرة في الاشتغال. اولئك الناس لم يكونوا قلة ، ولم يكن غالبيتهم من السود الذين ربما يشك في انحيازهم . كل ما في الامر انهم كانوا واثقين في قدرة النظام الاجتماعي الليبرالي على تجاوز تقاليده واعرافه مهما كانت عميقة الجذور.

المجتمعات المسكونة بالتاريخ ، وتلك الخاضعة لتاثير الايدولوجيا ، وكذلك المبتلاة بعلة الارتياب ، هي اقل المجتمعات قدرة على تجديد نفسها ، لانها اقل جرأة على تحدي اعرافها وتقاليدها ، واقل رغبة في الانتصار على نفسها وثوابتها ، اي في نهاية المطاف مملوكة لتجربتها الماضية وعاجزة عن التحكم في حياتها . وعلى العكس من ذلك تبدو المجتمعات الاميل الى الليبرالية اقدر على التحكم في مسارات حياتها وتغيير هذه المسارات حيثما وجدت حاجة . حينما يعجز المجتمع عن التحكم في تقاليده وذاكرته التاريخية ، فسوف يبقى سجينا لها ، يكرر صورة الماضي في الحاضر ويعيش زمنه منفصلا عن حقيقة هذا الزمن . وحينما يتحرر المجتمع من قيود اعرافه وقيود تجربته التاريخية ، يصبح الحاضر والماضي ملكا له فيعيد صياغة حاضره كما يعيد صياغة ذاته فيولد من جديد .

15-11-2008

الاثنين، 10 نوفمبر، 2008

اوباما : عودة امريكا الى حلم الانسان الاول



وصول باراك اوباما الى البيت الابيض هو دليل آخر على فضائل الليبرالية السياسية . يميز الليبرالية عن غيرها من المذاهب الفلسفية خيط دقيق هو ايمانها بان الانسان الفرد هو صانع مصيره . لدى كل فرد نوعان من الصفات ، موروث عن ابويه ومكتسب بجهده . لا يختار الانسان صفاته الموروثة مثل لونه وعرقه وجنسه ودينه وانتمائه الاجتماعي ، وقد لا يستطيع التحكم فيها . لكنه يستطيع اختيار صفاته المكتسبة مثل الارادة والمستوى العلمي والكفاءة التنظيمية والعملية والمقبولية الاجتماعية. في نظام اجتماعي ليبرالي يمكن للصفات الموروثة ان تلعب دورا مساعدا او معيقا في سعي الفرد الى الرقي والصعود في مدارج الحياة . لكنها جميعا ليست عوامل حاسمة. الصفات المكتسبة هي العامل الحاسم .

قبل اربعين عاما دعا زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر مواطنيه الامريكيين الى جهاد انفسهم الميالة للاستئثار واحتكار الحقوق والفضائل ، وطالبهم بالمشاركة في تحقيق الحلم الانساني الاجمل " المساواة بين الناس في الفرص والحقوق والمسؤوليات". كان همه يومذاك هو التمييز العنصري الذي يصنف السود والملونين كمواطنين من الدرجة الثانية .

 بعد مارتن لوثر كافح الافارقة الامريكيون من اجل فرص متساوية في السياسة والاقتصاد . المتفائلون والحالمون منهم راهنوا على الكفاح السلمي في ظل القانون ، انطلاقا من الايمان بان الليبرالية قادرة على تجديد نفسها واصلاح اخطائها. المتشائمون منهم قالوا ان الليبرالية  عاجزة عن تغيير ما في داخل الانسان من نزعات الاستئثار . لكن الذي ثبت اليوم هو حلم مارتن لوثر ، الذي فكر في كفاح سلمي وراهن على فضائل الليبرالية.

في اواخر القرن العشرين بدأت معالم التغيير تتجلى ، وكان ابرز مظاهرها تعيين كولن باول كاول امريكي اسود قائدا للقوات المسلحة الامريكية. رغم الصفحات الكثيرة السوداء في سجله ، سوف يذكر جورج بوش بانه الرئيس الذي قطع الميل الاخير في تحقيق المساواة العرقية ، فقد عين اثنين من السود في اعلى مناصب الادارة للمرة الاولى في التاريخ الامريكي: اختار كولن باول وزيرا للخارجية  وكوندوليزا رايس مستشارة لمجلس الامن القومي .

يمثل اوباما املا جديدا للشعب الامريكي في تلافي الاخطاء الكثيرة التي ارتكبتها ادارته السابقة وقادت الى المزيد من الحروب والمزيد من القلق ، والمزيد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية كما زادت ايضا من كراهية امريكا على امتداد العالم .

في ظل نظام سياسي ليبرالي يستطيع المجتمع تعديل توازنات القوة واتجاهاتها بصورة سلمية ، بل والى حد ما بصورة احتفالية. انتخاب اوباما ليس مجرد تغيير للرئيس بل هو اعلان عن تحقق الحلم الامريكي في اقرار تكافؤ الفرص وتجسيد التعدد والتنوع على المستوى السياسي كما هو على المستوى الثقافي والمادي ، الحلم بمجتمع يسمح بالتنافس الحر ، مجتمع تستطيع اكثريته ان تجعل ممثل الاقلية قائدا لها من دون ان تسيطر عليها هواجس الارتياب .

حتى يوم امس كان رمز امريكا رجلا ابيض هاجر اليها في القرن السابع عشر ، اما اليوم فان الذي يراس هؤلاء  شاب اسود من اب مسلم هاجر اليها في منتصف القرن العشرين . وبدأ حياته بين اقل الناس حظا ، ثم تغلب على صعوبات حياته الاولى حين اختار ان يصعد عبر الطريق الطبيعي الذي يسلكه ابناء الاقلية ، اي التفوق الدراسي . ثم اصبح ناشطا في السياسة عبر الحزب الديمقراطي ومنظمات المجتمع المدني حتى انتخب نائبا في الكونغرس ومن هناك مهد طريقه الى البيت الابيض.

في مجتمع ليبرالي يستطيع ولد فقير ان يصبح رئيسا للجمهورية ، لان الليبرالية لا تتوقف عند انتماء موروث ولا ثروة . الليبرالية هي الاطار الوحيد الذي يسمح لاي كان بالصعود من خلال الكفاح السلمي المدني وخدمة الاخرين والتنافس معهم .

امريكا التي اوجعت العالم واوجعت نفسها بالحروب والتهديدات والازمات والقلق ، جاهدت نفسها وجاهدت تقاليدها العتيقة فانتصرت على ذاتها وانتصرت على تقاليدها وجددت حياتها . كانت حياتها وهويتها احادية اللون وهي اليوم ملونة ومشرقة . امريكا لم تصبح الدولة الاعظم لانها الاغنى والاكثر تقدما في العلوم ، بل اصبحت اغنى واكثر تقدما لانها آمنت بالمساواة وحرية المبادرة وتكافؤ الفرص . هذا درس لكل المتشائمين من الكفاح السلمي ولكل المتحفظين على الليبرالية ولكل المتشككين فيها او الخائفين منها.