الأربعاء، 27 فبراير، 2008

الشيخ القرني في باريس


قبل نصف قرن او يزيد، قيل للامام يحيى حميد الدين امام اليمن السابق ان فلانا وفلانا من ضباط جيشه يميلون للشيوعية ويدعون اليها، فطلب ارسالهم الى موسكو في دورات تدريبية. وفرح الضباط الشباب بهذه النعمة غير المتوقعة. وضحك الامام في سره لما عرف انه سيأتي في قادم الايام


وانتهت القصة بسفر الشباب مدفوعين بالامال العريضة والفرح، ثم عودتهم محملين بخيبة الامل مما رأوه على ارض الواقع
قصة الشيخ عايض القرني في باريس تحمل نفس الروح، وان جاءت على عكس ما حصل لضباط الامام يحيى.
في احاديثه السابقة تحدث الشيخ عن حياة تشبه حياة البهائم يعيشها انسان الغرب، مقارنة بالحياة الفاضلة التي يعيشها قومنا في ديار الاسلام


وفي مقالته الاخيرة عن رحلته الى باريس تحدث عكس ذلك تماما: حياة فاضلة يعيشها انسان الغرب مقابل حياة تشبه حياة البهائم يعيشها العرب. والحق ان كلام الشيخ اليوم مثل كلامه بالامس، ثمرة انفعال باللحظة، بعيدا كل البعد عما ينبغي لصاحب الفكر من التأمل في الاشياء والسعي للكشف عما وراء قشرتها الخارجية


ويظهر ذلك جليا في استنتاجه بان "المجتمع عندنا يحتاج إلى تطبيق صارم وصادق للشريعة لنخرج من القسوة والجفاء الذي ظهر على وجوهنا وتعاملنا". ولو اعاد قراءة مقاله قبل نشره، فلربما اعاد النظر في هذا الاستنتاج
فالذين امتدح اخلاقهم في باريس لم يصبحوا بالجمال الذي وصفه بعد تطبيقهم للشريعة، بل لأن "الحضارة ترقق الطباع" كما قال اولاً


والحضارة التي رآها هناك ليست الشوارع الواسعة ولا البنايات الضخمة ولا السيارات الفخمة، ولا الفترينات الانيقة، فعندنا من هذه خير وزيادة. اول الحضارة هي تنوع الافكار والثقافات وحرية النقد والفصل الحازم بين المعرفة والسلطة الاجتماعية
وثانيها هو المبالغة في قيمة الانسان الفرد، واعتباره كفؤا مستقلا متمايزا بعقله.. وثالثها هو الحماية القانونية للحريم الشخصي للفرد، اي المجال الذي يتمتع فيه بحرياته الخاصة التي هي جوهر وجوده كانسان، مثل حرية التفكير والتعبير، وحرية التملك والتنقل والعمل. هذا الحريم هو المجال الذي يسمح للفرد بتحقيق ذاته والاستمتاع بوجوده ككائن أعلى من بقية ما في الكون. وهو حريم ينبغي حمايته ضد اي تدخل او خرق لأي مبرر ديني أو أخلاقي أو سياسي أو سواه


الايمان بفردانية الفرد وحريته وتساويه مع غيره في القيمة والعقل، هو الذي مكن عقل الانسان الغربي من التفكير الحر والتخيل والتأمل وتحدي المجهولات، فحوله الى مبدع. كما ان الضمان القانوني لحريمه الشخصي وحريته المطلقة ضمن هذا الحريم، هو الذي مكن انسان الغرب من تحقيق ذاته والاعتزاز بكفاءته، واغناه عن الاعتزاز بالقبيلة والجماعة والجنسية والبطولات المتوهمة، فاصبح من بعدها انسانا مكتملا بقطع النظر عن أصله


الفرد الذي يؤمن بكماله الذاتي وكونه كفؤاً، يعرف ان هذه الاوصاف ثابتة له اذا اثبتها لغيره، فتساويه مع الغير مشروط بتساوي اولئك معه، وحقوقه الفردية جميعا مشروطة بتمتع جميع الناس غيره بنفس الشريحة من الحقوق
 لا يجادل أحد حول فائدة تطبيق الشريعة، لكننا جميعا نجادل في تفاصيل التطبيق وكيفيته وشروطه والقائمين عليه، والحق ان بلادنا وكثيرا من بلاد المسلمين لم تتخل عن تطبيق الشريعة في اي وقت، لكنها مع ذلك لم تصل الى ما وصل اليه اهل باريس وغير باريس ممن رآهم الشيخ القرني وممن لم يرهم.


تبدأ الحضارة بالانسان، وتتواصل مع الفكر، وتتعمق مع العلم، فتصل أخيرا الى الانسان اللين المتسامح الحريص على اداء الواجب، الذي يشعر بقيمته وقيمة الاخرين المساوية له، قيمته كانسان وقيمتهم كاعضاء في المجتمع الانساني، قبل ان يكونوا مسلمين او عربا او حملة جنسية محددة او ابناء قبيلة او مذهب محدد


فيما مضى ذهب الشيخ القرني الى امريكا وبريطانيا داعيا، متحدثا من فوق، ناظرا الى من دونه كمساكين يفتقرون لما يملكه، وذهب اليوم الى باريس محتاجا فنظر اليهم كأناس يملكون ما يفتقر اليه، فوجد فيهم ما لم يجده في زياراته السابقة


تمنيت لو ان الشيخ وربما بقية المشايخ ذهبوا الى بلاد العالم سياحا لا دعاة، والتقوا بأهل تلك البلاد لا بمن هم على شاكلتهم، عندها سيرون في العالم غير ما عرفوه وسيكشفون حقائق ما خطرت على بالهم، ولعلهم من ثم يجدون ان ما يقوله معارضوهم هنا ليس ثمرة انبهار بحضارة الغالب، ولا هو توهم او خيال، ولا هو تنفيس عن عقد نقص، بل هو معرفة جديدة توصل اليها هؤلاء وتأخر عنها أولئك .
 صحيفة عكاظ 27 فبراير 2008

الأربعاء، 6 فبراير، 2008

المجتمع السري


يقول باحثون إن الاقتصاد السري في مصر يعادل تقريبا ثلث الناتج القومي الإجمالي. والاقتصاد السري هو وصف للنشاطات التجارية التي لا تخضع للتنظيم الرسمي، وهي واسعة في مصر بسبب ضيق الإطارات القانونية والمؤسسية، لا سيما التعقيدات البيروقراطية وتعسف إدارات الضرائب، والقوانين المعيقة. حالة الاقتصاد السري في مصر هي نموذج لظاهرة عامة في العالم العربي تتلخص في التباين بين القدرة الاستيعابية للإطارات النظامية من جهة وبين مستوى الحركية والنشاط الاجتماعي من جهة أخرى.
يمكن تشبيه العلاقة بين الحركية الاجتماعية والتنظيم القانوني بالعلاقة بين ماء النهر ومجراه، إذا كان مجرى النهر واسعا ومرنا فسوف يستوعب كل ما يصب فيه من مياه وسوف يقوده إلى الجهات الصحيحة والمفيدة، واذا كان المجرى ضيقا، فإن الماء الزائد سوف يفيض على جوانب المجرى أو يشق طرقا جديدة بعيدة عن مجرى النهر، أو يتحول إلى فيضان. قد تكون المجاري الجديدة مفيدة للأراضي العطشى وقد تكون مضرة، مثلما هو الفيضان الذي قد يفيد وقد يدمر ما يجد أمامه. في كل الأحوال فإن عجز الإطارات القانونية والمؤسسية عن استيعاب الحراك الاجتماعي سوف يؤدي بالضرورة إلى قيام مسارات ومؤسسات ونشاطات اجتماعية غير خاضعة للتنظيم الرسمي وغير قابلة للإدارة، يصفها الباحثون الاجتماعيون بالمجتمع السري مثلما يصفون التجارة غير المنظمة بالاقتصاد السري.
المجتمع السري ليس بالضرورة مجهولا او مكتوما، فالناس جميعا أو شريحة منهم على الأقل تعرف بوجوده وتمارسه وتستريح إليه، بل وتعتبره سياقا حياتيا اعتياديا مثلما النشاط المؤطر قانونيا هو نشاط حياتي اعتيادي. الفارق بين الاثنين يكمن تحديدا في وجود إطار رسمي ينظمه، لا أكثر ولا أقل. سواء عرف البيروقراطيون بوجود المجتمع السري أو غفلوا عنه، وسواء استعظموه او استهانوا به، فإن فعله وتأثيره في نفوس الناس وفي حياتهم، لا يقل عن فعل المؤسسة الرسمية وتاثيرها. وعلى أقل التقادير فإنه يؤثر في جوانب من حياة الناس لا تصل إليها يد المؤسسة الرسمية.
وفي العادة فإن الدوائر الرسمية في جميع الدول تسعى للتعرف إلى تلك النشاطات. يحركها في هذا السعي القلق الأمني، أو الرغبة في التنظيم والإدارة. لهذا يمكن القول إن الدوائر الرسمية تعرف غالبية النشاطات الأهلية غير المنظمة، معرفة كاملة او جزئية. ومن المفترض ـ نظريا على الأقل ـ أن تقود المعرفة بها الى المرحلة التالية، أي تنظيم تلك النشاطات وتأطيرها. وهنا تكمن المشكلة التي تعانيها معظم الدول العربية، أعني التباطؤ والتلكؤ في توفير المتطلبات اللازمة لتأطير النشاط الأهلي، بل وفي بعض الأحيان تنميطها جميعا كمشكلات أو تهديدات، بدل النظر إليها كفرص وعلامات صحة في المجتمع.
لعل منتديات الانترنت هي أكثر أشكال المجتمع السري شيوعا في الوقت الراهن، ويكشف العدد الكبير من هذه المنتديات عن شريحة ضخمة من الاهتمامات والهموم والنقاشات الدائرة في المجتمع. والحقيقة أنها قد أصبحت موردا رئيسيا للأفكار والمعلومات لمعظم المهتمين بالرأي العام والمشتغلين بالشأن العام. منتديات الانترنت هي شكل واحد فقط من أشكال المجتمع السري، وربما أكثرها إثارة للاهتمام. لكن الى جانبها ثمة أشكال عديدة أخرى للنشاط الأهلي، بعضها أكثر نضجا ولعله أعمق تأثيرا. هذه الأشكال وتلك هي نماذج أولية لتيارات جديدة في المجتمع، أو هي تعبيرات عن تيارات قائمة فعالة في المجال العام.
سواء أعجبتنا هذه التعبيرات أم أزعجتنا، فهي تمثِّل في مجموعها حقيقة المجتمع في لحظته الراهنة. حقيقة المجتمع كنطاق واسع ومتنوع، وهو يزداد تنوعا واتساعا مع مطلع كل شمس. إذا تخلى المجتمع عن ركوده وبدأ في الحركة، فإن الحركة بذاتها تفرز أنواعا من النشاط معظمه جديد وغير مألوف. المجتمعات الحية هي التي تسارع إلى الإقرار بحقيقة ذاتها وما تنطوي عليه من تنوع وتغير ، فتبادر إلى توسيع إطاراتها وتنظيماتها القانونية والمؤسسية كي تستوعب الوافدين الجدد إلى الحياة العامة. بينما ترفض المجتمعات الخاملة أو اليائسة الاعتراف بالجديد والتعارف معه حتى لو امتلأت الساحة بوجوده وفعله.
 عكاظ 6 فبراير 2008  العدد : 2425
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20080206/Con20080206171135.htm

مقالات ذات علاقة