الأربعاء، 27 ديسمبر 2006

سلطة المدير


كتب الزميل د. حمود ابو طالب (الوطن 24-12) شاكيا من تخلف اساليب التعليم وقلة اهتمام المعلمين والاداريين بجوانب التربية وتطوير شخصية الطالب. واستشهد بثلاثة حوادث عومل فيها اطفال في المرحلة الابتدائية بطريقة بعيدة تماما عن المعايير التربوية. واظن ان لدى الدكتور ابو طالب ولدى غيره من الكتاب والآباء الكثير من الامثلة التي تجاري ما ذكره او تزيد. 
وذكرتني القصة المنشورة بما حدث لي شخصيا في سنوات الدراسة المبكرة حين عرضت على معلم لي ورقة كتبت عليها ابيات شعر هي اولى محاولاتي الجادة، فقد نظر الاستاذ فيها مبديا اعجابه، لكن سحنته تغيرت فجأة، فمزق الورقة ورمى بها في وجهي قائلا: «هذه موهبة لا يستحقها الا مهذب».
ومنذ ذلك اليوم هجرت دواوين الشعر وتأدبت فعلا فلم اقرأه ولا حاولت نظمه. ويبدو ان قصة تمزيق الاوراق تأبى مفارقتي، فقبل بضعة ايام عاد ولدي من المدرسة باكيا لان استاذ الرياضيات مزق ورقته امام زملائه وقال له انه ولد كسول، فلما اتصلت بالاستاذ اخبرني ان خط الولد سيئ لا يمكن قراءته وانه فعل ذلك كي يجبره على تحسين خطه. لكن هذا خلق لي مشكلة جديدة، فهذا الولد الذي كان حتى ايام قليلة مضت عاشقا للرياضيات مبرزا فيها، اصبح فجأة كارها لها معرضا عن مذاكرتها متعللا بكل علة لتجنب حضور درسها.
أقول ان هذه الامثلة واشباهها اكثر من ان تحصى، واظن ان كل اب قد شهد واحدة منها او سمع عن بعضها. ونسمع من بعض المعلمين والمعلمات قصصا اخرى عما يتعرضون له من معاملة مهينة على ايدي مديريهم وكيف تنعكس على تعاملهم مع تلاميذهم، وهي  أيضا غير قليلة.
اقترح الدكتور ابو طالب على وزارة التربية «تنظيف مرافقها من بؤر الجهل والترهل والتكلس والعقليات التي تدمر الطلاب والطالبات». وفي هذا دعوة الى فصل المعلمين والاداريين الذين اتهموا في تلك الممارسات. لكن ليسمح لي الاستاذ الفاضل فهذا الاقتراح لا يحل أية مشكلة، لانه ببساطة يقتصر على علاج العيوب التي تتحول الى مشكلات مثيرة. ونعلم ان فصل موظف حكومي ليس سهلا او متعارفا، كما نعلم ان البيروقراطية لا تحاكم نفسها فضلا عن الادانة والعقاب.
الحل الامثل في ظني يكمن في وضع وتطبيق معايير صحيحة للعملية التعليمية، واريد الاشارة خصوصا الى اربعة من تلك المعايير.
الاول هو سيادة القانون، والغرض منه منع الاداريين والمعلمين من ايقاع عقوبات او اختراع الزامات ما لم يكن لها مرجع قانوني مقبول. فالمشاهد سواء في قطاع التعليم او غيره ان كثيرا من رؤساء الدوائر يصدرون تعليمات ملزمة وتنطوي على عقوبات من دون ان تكون لهم الصلاحية التي تخولهم بذلك. هذا التصرف هو بذاته جناية تستوجب العقاب للمدير او الموظف الذي يخول نفسه ما ليس حقا له، ويجبر الاخرين على الانصياع لما اراد من دون سند قانوني.
المعيار الثاني هو ربط تطبيق القانون بحقوق الانسان، ويتضح هذا خصوصا في العقوبات التي تنطوي على حط من الكرامة الشخصية للتلميذ او تعسف في العقاب او التصرف بدافع الغضب الخ. حقوق الانسان هي قيم حاكمة على كل قانون، وهي مصونة وجارية بمقتضى النظام الاساسي للحكم الذي تصدر عنه جميع قوانين البلاد.
المعيار الثالث هو الربط بين الصلاحيات والمسؤولية. يجب ان يكون واضحا للموظفين الحكوميين بانهم يتحملون مسؤولية كاملة عن اعمالهم، بمعنى ان كل تصرف سواء استند الى قانون او استند الى تقدير شخصي، قد يستدعي تقديم تبريرات مقبولة للغير اذا تسبب في مشكلة، وان عدم قبول الاخرين لهذا التبرير يحمل الموظف تبعات تصرفه. شعور الموظف بانه مسؤول امام آباء التلاميذ فضلا عن مرجعه الوظيفي سوف يحمله على التفكير مليا قبل الاقدام على فعل يستوجب المحاسبة والعتاب او العقاب.
اخيرا فاني ادعو وزارة التربية إلى تفعيل الفكرة التي طالما طرحت وطبقت احيانا، وهي تشكيل مجالس الآباء في كل مدرسة. هذه الفكرة التي اضعها كمعيار رابع، مطروحة منذ زمن بعيد ونفذت في بعض المدارس. لكن المشكلة تكمن في افتقار هذه المجالس إلى أية صلاحية واضحة وعدم وضوح العلاقة التي تربطها بادارة المدرسة، وقد شهدت بعض هذه المجالس فوجدت مدير المدرسة مُستثقلاً منها، منشغلا بتبرير كل خطأ يذكر، معارضا أي اقتراح او فكرة جديدة، فاذا اعيته الحيلة رمى الكرة في مرمى وزارة التربية بالقول ان الميزانية لا تسمح او ان هذه تعليمات الوزارة.. الخ.
لا اريد المبالغة بمثل المطالبة بتحويل مجلس الآباء الى مجلس امناء للمدرسة، او مجلس حكام كما يسمى في أوروبا، كما لا اريد المطالبة بجعل تعيين مدير المدرسة والاشراف على ميزانيتها ضمن اختصاصات المجلس، لكن الحد الادنى هو جعل صوت المجلس مسموعا في ادارة التعليم وايجاد طريقة قانونية لجعل النقد والاقتراحات موضع اهتمام في دوائر الاشراف التربوي.
خلاصة القول ان تطوير التعليم يحتاج فعلا الى المال لكنه يحتاج ايضا الى معايير للعمل والنقد والمحاسبة من خارج المنظومة البيروقراطية، واظن ان ادخال الآباء كطرف اساسي في مراقبة العمل التعليمي سيكون خطوة هامة في هذا السبيل.
http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20061227/Con2006122774812.htm
 عكاظ 27/ ديسمبر/2006  العدد : 2019


مقالات ذات علاقة

الأربعاء، 13 ديسمبر 2006

معالجة الفقر على الطريقة الصينية



نهضت الصين ولم يهتز العالم كما توقع الان بيرفيت في منتصف السبعينات. لكن التجربة الصينية في التنمية تتحول بالتدريج الى نموذج معياري في الاصلاح الاقتصادي والتحديث منافس للنموذج الكلاسيكي الذي تتبناه الولايات المتحدة الامريكية والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي. يتفق النموذجان في معظم المفاهيم القاعدية لفكرة التنمية، ولا سيما المعايير والمؤشرات الدالة على درجة التطور الاقتصادي، وكذلك العوامل المؤثرة في الانتقال من عصر التقاليد الى الحداثة، والأهداف الكمية لعملية التنمية.
 لكنهما يختلفان في الاسلوب ويختلفان في المعايير غير الاقتصادية للنمو. الاسلوب الرئيسي لتحديث الاقتصاد في النموذج الكلاسيكي الغربي هو «العلاج بالصدمة»، الذي يقول ببساطة: دع آليات السوق تقرر مساره حتى لو تضرر البعض. يقوم هذا النموذج على مبدأ عميق الجذور في الفلسفة السياسية الحديثة فحواه ان عامة الناس اقدر من الحكومات على تحسين مستوى معيشتهم. الانسان بطبعه ميال الى توسيع مصالحه واملاكه وارباحه، ومن الافضل للحكومة ان تبتعد قليلا عن السوق وتفسح المجال للناس كي يتنافسوا من اجل الربح. 

عندئذ سيبتكر هؤلاء الناس طرقا افضل للعمل والانتاج. لا يحتاج السوق الى قرارات حكومية لتحديد ما هو مطلوب وما هو متوفر، السوق نفسه يوازن بين العرض والطلب ويقرر مستوياته ونوعيته

طبقا لهذه النظرية فان النجاح بالمعنى الاقتصادي مرتبط بالربحية.


 وقد اكتشف العالم سلامة هذا المفهوم الى حد كبير. ثمة قطاعات كانت تعتبر في الماضي موضوعا لسيادة الدولة وسلطانها، مثل التعليم والصحة العامة والامن والصناعات العسكرية والمواصلات.. الخ. لكن ظهر اليوم ان هذه القطاعات ستكون اقدر على النجاح والتطور اذا تركت للناس يديرونها في سبيل الربح. لا ينحصر تاثير السوق في زيادة الثروة والاستثمار، بل يتعداه الى تغيير هيكل العلاقات الاجتماعية، ولا سيما اعادة صياغة التراتب بين الناس وفق معايير الكفاءة والجهد الشخصي بدلا من الانساب والانتماءات السابقة للولادة.

 من هنا فان المجتمع الحديث، أي المجتمع الذي يدير معيشته على اساس مفاهيم السوق الحرة، سيكون اقدر من المجتمع التقليدي على ابتكار الاطارات اللازمة لاستيعاب الاجيال الجديدة من الافراد الاكفاء والطامحين سيما الذين يأتون من خلفيات اجتماعية متواضعة



ابتعاد أية حكومة عن السوق لا يعني بالضرورة تخليها عن سلطاتها، بل اقتصارها على دور الحكم المحايد، او مدير اللعبة الذي يشرف على حسن تطبيق قوانينها ومنع العدوان. وعلى هذا الاساس فان تنمية الاقتصاد تتطلب – حسب هذا النموذج – التزاما قويا من جانب الحكومة بفرض قانون واحد يتسع للجميع ويتساوى امامه الجميع، ويتطلب مساواة مطلقة بين الناس في عرض الفرص والموارد والامكانات، خاصة تلك التي تعتمد على المالية العامة، كما يتطلب التزام السياسيين ورجال الدولة بالترفع عن ممارسة التجارة او استخدام نفوذهم للحصول على مكاسب تجارية


يقوم «النموذج الصيني» على نفس هذه المفاهيم، ولا سيما ابتعاد الحكومة عن السوق وحاكمية القانون والمساواة بين الناس ومنع استغلال السلطة. لكنه يدعو في الوقت نفسه الى دور اكبر للحكومة في توزيع النمو من خلال توجيه الموارد المالية الحكومية الى المناطق الاكثر فقرا، وتحملها عبء الدراسات الضرورية لاستنباط موارد جديدة في هذه المناطق. بعبارة اخرى فانه يفصل بين المناطق الجاذبة للاستثمار التي ستنمو اوتوماتيكيا اذا افسحت الحكومة المجال امام القطاع الخاص المحلي والاجنبي، والمناطق النائية التي تفتقر الى عناصر الجذب الاستثماري، ويعطي للحكومة دورا اكبر في هذه المناطق، سواء على مستوى التخطيط او التمويل

في الحقيقة: النجاح الاعظم الذي حققته الصين يرجع الى هذا التقسيم العقلاني الذي ركز على استئصال الفقر من دون التدخل المفرط في السوق. طبقا لتقرير اصدره صندوق النقد الدولي في العام الماضي فان الصين حققت ما يشبه المعجزة على صعيد مكافحة الفقر في عصر خلا تقريبا من المعجزات. عند انطلاق برنامج الاصلاح في 1978 كان 53 بالمائة من الصينيين في خط الفقر او دونه. لكن هذا الرقم انخفض الى 8 بالمائة فقط في العام 2003.

 ولم يتحقق هذا النجاح من خلال الدعم المباشر للفقراء او تحول الحكومة الى جمعية خيرية، بل من خلال التنظيم العقلاني للاقتصاد والتوزيع العادل للموارد، وهذا ما نفهمه من الارتفاع الاستثنائي للناتج الوطني الصيني الاجمالي خلال الفترة المذكورة من 44 بليون دولار الى 1425 بليون دولار، بمعدل سنوي يفوق 9 بالمائة، وهو ما يزيد عن أي معدل تحقق في أي بلد آخر في العالم.


عكاظ 13 ديسمبر 2006

الثلاثاء، 14 نوفمبر 2006

الآراء الجديدة للشيخ العودة


  لابد ان كثيرا من الناس يشاركونني الاعجاب بالاراء الجديدة والمثيرة للاهتمام التي عبر عنها الشيخ سلمان العودة في برنامجه الاسبوعي الذي يبث ظهر الجمعة على قناة «ام. بي. سي.». هناك بالطبع من يرفض هذه الاراء وربما يشتم الشيخ بسببها، وهذه فئة لا تقدر على استيعاب أي جديد او التعامل مع أي تطور في الافكار او في الواقع، فهي ملتصقة بقديمها ولو تخلى عنه كافة العقلاء واهل العلم. هناك ايضا من يرفضها لانها في نظره، «اقل من المطلوب»، لكننا نقدرها كآراء في غاية الاهمية، بالنظر الى موقع المتحدث والطبيعة الاشكالية للموضوع، فضلا عن التوجهات السائدة في الاطار الاجتماعي الذي يمثله الشيخ ويخاطبه في المقام الاول.
  والعودة فقيه ذو شعبية معتبرة في المملكة العربية السعودية، وقد ظهر تطور واضح في منهجه خلال السنوات الاخيرة. حافظ الرجل على المقولات الاساسية المتعارفة في اطار التدين التقليدي، لكنه عدل كثيرا من تطبيقاتها، ولا سيما تلك التي لها علاقة مباشرة بالموقف من منظومات القيم الحديثة والعلاقة بين الدين والسياسة. وهذه التعديلات تكفي لاعتبار آرائه متميزة، وان لم تصل الى مستوى التبني الكامل لفكر الاصلاح الديني المعاصر.
اريد الاشارة خاصة الى آرائه الجديدة حول «الشيعة» والتي تعد استثنائية في اهميتها، سواء بالقياس الى ارائه السابقة المتحفظة او بالقياس الى الاراء المتشددة لبقية المشايخ الذين يشتركون معه في المنهج والبيئة الاجتماعية. ما يهمني في حقيقة الامر نقطتان تشكلان كما اظن ارضية للتفاهم بين التكوينات المذهبية والاجتماعية المختلفة في المجتمع السعودي.
تتعلق النقطة الاولى بدعوة الشيخ العودة الى جعل الوطن والمواطنة وليس الانتماء المذهبي - اساسا للعلاقة بين السعوديين.
هذه الفكرة وان بدت بديهية للكثير من الناس، لكنها ليست كذلك بالنسبة للفقهاء والتيار الديني «ولا سيما التقليدي منه».
فباستثناء الاقلية التي قبلت بالعقل مصدرا مستقلا للتشريع، واعتبرت المصلحة العامة «العرفية» لجمهور المسلمين معيارا للمفاضلة بين الاحكام، فان الاغلبية الساحقة من الفقهاء، من السنة والشيعة، لا ترى في المواطنة قيمة مستقلة او حاكمة على العلاقة بين ابناء البلد الواحد، فالناس عندهم يتفاضلون بحسب ايمانهم، وكل منهم يفسر التقوى في معنى الالتزام بالمذهب الفقهي او الكلامي الذي ينتمي اليه «باعتباره حقا والحق احق ان يتبع».
 وثمة تنظيرات فقهية مطولة تستهدف في مجموعها التأكيد على فكرة عدم المساواة بين الناس. وقبل بضعة اشهر اثار احد القضاة جدلا لم ينته حتى اليوم، حين مدد هذا المفهوم الى النسب وقرر ان التكافؤ فيه شرط للمساواة بين الناس، وحكم بالتفريق بين زوجين بالرغم منهما لان الزوجة تنتمي الى قبيلة اعلى نسبا وارفع شأنا من قبيلة زوجها. نفهم بطبيعة الحال ان هذه التنظيرات تنطوي على تعسف شديد في استعمال النصوص والقواعد الفقهية، وهي لا تصلح كأساس للعلاقة بين الناس في المجتمعات السياسية الحديثة.
تقوم الدول الحديثة على قاعدة المساواة الكاملة بين ابناء الوطن الواحد بغض النظر عن دينهم او مذهبهم او التزاماتهم الاخلاقية. وارضية هذه المساواة هي الشراكة في التراب الوطني وليس الاشتراك في الدين او المذهب او الولاء السياسي.
تحدث الشيخ العودة ايضا عن نقطة اخرى لا تقل اهمية عن سابقتها وان كانت تقوم على قاعدة نظرية اخرى، وهي ربط تطبيق الاحكام بالمصالح العقلائية. وقد استدل الشيخ بالسيرة النبوية في التعامل مع اهل مكة عند الفتح، وبسيرة قدامى المسلمين مع من يعيش معهم من اتباع الديانات الاخرى، ليخلص الى مقولة فحواها ان علاقة المسلمين من اتباع المذاهب المختلفة مع بعضهم البعض، وعلاقتهم مع غيرهم لا تبنى على الخلاف او الوفاق في العقائد والاراء بل على اساس المصالح العقلائية. فمع الاقرار بوجود الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة، او بين المسلمين وغير المسلمين، الا ان العلاقة بينهم لا تقوم على التقارب او التباعد في هذا الاطار، بل على المصالح العامة والضرورات العقلائية.
هذه الاراء الجديدة للشيخ العودة تمثل في ظني نقلة هامة وسيكون لها اثر ملحوظ في تحسين المزاج الاجتماعي، خاصة فيما يتصل باعادة تكوين الاجماع الوطني الذي تضرر كثيرا في السنوات الاخيرة بسبب هيمنة الجدل المذهبي على ساحة السياسة، وتحول الفروقات المذهبية الى مبررات للتمايز السياسي والاجتماعي.
   اتمنى ان يواصل الشيخ العودة طرح مثل هذه الافكار التي تعزز سلامة المجتمع وأمنه، كما تقطع الطريق على تجار الجدل والوصوليين الذين وجدوا في خلافات اهل المذاهب سلما يتسلقون عليه الى المراتب والمناصب والمال والشهرة.
   صحيفة الأيام البحرينية  14 / 11 / 2006م 

الاثنين، 23 أكتوبر 2006

صيانة الوطن في سيادة القانون




سواء كنت تحب المواطن الاخر او تبغضه فان رايك فيه لا يؤثر على وصفه كمواطن يتساوى معك في الحقوق والواجبات. المواطن الاخر شريك لك في الوطن ، ويجب ان يتمتع – اخلاقيا وقانونيا – بنفس الحقوق التي تدعيها لنفسك ، كما يتحمل نفس الواجبات التي تطلب منك بمقتضى عضويتك في الجماعة الوطنية. صحيح ان الناس قادرون على اختيار اوطانهم ، لكنهم غير قادرين على سلب غيرهم وطنيته وحصته في وطنه. الوطن شراكة بين افراد احرار متساوين في الحقوق والواجبات . لا يستطيع احدهم افتراض حق لنفسه يزيد عن الاخرين الا بموافقتهم . القاعدة العامة ان جميع اعضاء الجماعة لهم شريحة من الحقوق هي الحد الادنى الذي لا يمكن سلبه ولا حجبه ولا اختصاره باي مبرر او قانون.
الوطن ليس احتشادا لبشر في رقعة جغرافية . بل هو منظومة قانونية – اخلاقية جرت صياغتها على  نحو عقلاني ومقصود وفق فلسفة خاصة وقواعد عمل محددة . ومن هنا فان العلاقة بين المواطنين ضمن المجتمع السياسي الواحد ليست عفوية ولا هي تطور طبيعي عن علاقات عضوية مثل العائلة. وهي ليست من نوع العلاقات الطبيعية التي تقوم على اساس وحدة الدم مثل العائلة والقبيلة ، وليست من نوع العلاقات التجارية المؤقتة التي تقوم على اساس التبادل المالي مثل المنظمات التجارية ، كما انها لا تدور حول مصلحة محددة كما هو الحال في منظمات الاعمال ومجموعات المصالح والاتحادات النقابية .
 قامت فكرة الوطن على قاعدة الشراكة الابدية في الارض والموارد الطبيعية والمتجددة . ووضع القانون لتحديد طبيعة هذه الشراكة ومعناها وكيفية الاستعمال الامثل للارض والتوزيع العادل للموارد ، وصيغة العلاقة المناسبة بين المواطنين ، كي يحصل جميع اعضاء الجماعة على حقهم كاملا ، يتساوى في ذلك الصغير مع الكبير ، الوضيع مع الرفيع ، والبعيد مع القريب .
الهوية الوطنية التي نسميها اختصارا بالمواطنة هي المعيار الوحيد للعلاقة بين المواطنين ، مهما اختلفت اصولهم والوانهم وثقافاتهم ومتبنياتهم العقيدية والحياتية . ربما اجد نفسي خيرا من جاري ، وربما ترتاح نفسي لابن قريتي ولا ترتاح لابن القرية الاخرى . ربما افضل الناس من شريحة خاصة على من ينتمون الى شرائح اخرى . ربما اتبنى عقيدة او مذهبا او ايديولوجيا تعتبر اهلها ارقى من غيرهم او اقرب الى الصلاح ، وربما تحصر الخير فيهم دون غيرهم . لكن هذه الاعتبارات كلها متبنيات شخصية ، هي حق للفرد ، لكنها لا تصلح اساسا لتحديد طبيعة العلاقة بين المواطنين ، ولا تصلح لتبرير حجب الحقوق عن شريحة معينة . فالعلاقة بينك وبينهم قائمة في اطار اخر ، على ارضية اخرى ، وتحكمها منظومة قواعد وقيم مختلفة .
حين نقبل بحمل الهوية الوطنية ، فاننا نقر – ضمنيا – بمنظومة القيم والقواعد التي تنطوي عليها فكرة الشراكة القائمة على تكافؤ القيمة بين اعضاء الجماعة ، وتساويهم في الحقوق والواجبات ، وكون القانون حاكما على العلاقة بين كل منهم والاخر. لا يستطيع احد مهما علا كعبه ومهما وجد في نفسه من ميزة على غيره ، ان يقبل بحمل هوية الوطن ثم يقرر لنفسه حقوقا فوق الاخرين . وسواء كان لديه مبررات ، او عرض ادلة ، او استعان بالقوة او ببليغ الكلام ، فانه لا يستطيع تجاوز حصته التي تماثل حصة كل فرد آخر.
من اجل صيانة علاقة التكافؤ والمساواة في الحقوق والواجبات ، وضعت القوانين التي توضح حدود العلاقة بين الافرد ، وتسمي الانتهاكات التي ربما يمارسها بعضهم على غيره ، والوسائل المتبعة لتصحيح ما ترتب على تلك الانتهاكات من فساد . تتعزز المواطنة برسوخ سيادة القانون ويتسع الفساد والبغي اذا ضعف القانون او فقد هيبته او قل الاهتمام بتطبيقه . ولهذا السبب اتفق علماء السياسة قاطبة على ان سيادة القانون وتطبيقه على نحو واحد ، على الجميع من دون تمييز ، هي الخطوة الاولى لصيانة النسيج الوطني وترسيخ المواطنة ، وبسط العدالة في توزيع الموارد ، وكبح البغي والظلم

الأربعاء، 11 أكتوبر 2006

الهندسة وسخرية الاقدار



الهندسة الاجتماعية هي واحد من الحقول العلمية التي اثارت اهتمام الكثير من السياسيين والعلماء في اوقات مختلفة، لكنه - مع ذلك – بقي على حاشية اهتمام المجامع الاكاديمية. جوهر فكرة الهندسة الاجتماعية هو تفكيك النظام الاجتماعي ثم اعادة تركيبه وصياغته على نحو خاص. الزعيم، سيما ذلك الذي ينظر الى نفسه كصاحب رسالة او رؤية تاريخية، يرغب في ان يرى جميع افراد شعبه على شاكلته: يحملون افكاره ويتبنون مبادئه ويتطلعون الى اهدافه، ويرون فيه المثال الاعلى او الانسان الكامل الذي يستحق الاتباع.
ترجع هذه الفكرة الى زمن قديم جدا، فهي ترتبط فلسفيا بنظرية النظام ونظرية الانسان الكامل المعروفتين في فلسفة ارسطو. تصور ارسطو العالم المثالي على شكل نظام ثابت تتحدد فيه ادوار الناس واعمالهم ومكانتهم على نحو يشبه ما نفهمه من فكرة «القدر».
ثمة من يولد كي يصبح ملكا، وثمة من يولد كي يعمل فلاحا، او فيلسوفا او جنديا او تاجرا، فاذا قبل كل فرد مكانه وعمل فيه بافضل ما يستطيع ولم يتطلع الى ادوار سواه او ينافسهم فيها، فان الحياة الاجتماعية ستستقر وتتطور بالتدريج نحو صورة المدينة المثالية. ولهذا عارض ارسطو النظام الديمقراطي لانه يفتح الباب للصدف الخارجة عن التخطيط والنظام، بخلاف النظام الارستقراطي الذي يضمن وصول افضل الناس واعلاهم علما ومكانة الى السلطة السياسية وادارة المجتمع.
تطورت هذه الافكار العتيقة الى المذهب السياسي الذي يعرف اليوم باسم الشمولية او التوتاليتارية، وخلاصته ان الحاكم او النخبة الحاكمة تحمل رسالة تاريخية الى المجتمع الذي تحكمه، وان على المجتمع ان يمكنها من فعل ما تشاء في سبيل تحويل مضمون هذه الرسالة الى واقع قائم.
كان الزعيم النازي هتلر بين ابرز الذين تبنوا هذا المذهب، وكافح كفاحا مريرا في سبيل تحويل المانيا الى قلب العالم ونجح الى حد كبير، لكنه وصل الى ذروة نجاحه في الوقت الذي وصلت اخطاؤه ايضا الى الذروة، فكانت نهايته كما نعرف. وكرر التجربة نفسها ستالين في الاتحاد السوفييتي السابق، لكنه وصل الى ذات النهاية التي اودت بهتلر ولو على صورة مختلفة. وفي السنوات الاخيرة حاول بعض الزعماء الاقل شأنا، مثل الرئيس العراقي السابق صدام حسين، تقليد تلك التجربة، فانتهى الامر بتحول العراق الى جحيم لاهله وجيرانه.
طبق المذهب الشمولي على اشكال مختلفة، وقد راينا في التجارب السابقة عنصرا يتكرر باستمرار هو محاولة الحكومة اعادة صياغة النظام الاجتماعي من خلال تغيير البنية السكانية. ركز هتلر قليلا على هذا العنصر واستهدف خصوصا الطائفة اليهودية، فعمل على اضعافها وابعادها عن اي مركز مؤثر في السياسة اوالاقتصاد او التعليم او الاعلام. اما ستالين فقد قام بعمل نموذجي اذ نقل شعوبا بكاملها من مناطقها واعاد اسكانها في اماكن اخرى ضمن عملية خلط قسري بين القوميات المختلفة بهدف اضعاف او تفكيك الهويات الموروثة لصالح الهوية السوفيتية الارقى.
قام صدام حسين بتجربة مماثلة فقد نقل العديد من العشائر الكردية الصغيرة من مواطنها الى مناطق عربية في الجنوب، وهجر الى خارج العراق اربعين الف عائلة من ذوي الاصول الايرانية، كما استقدم نحو ثلاثين الف عائلة من مصر واعاد اسكانها في مناطق في الشمال والوسط بهدف اضعاف الهويات العشائرية والمذهبية والقومية لسكان المناطق المستهدفة.
لم تفشل هذه التجارب فحسب، بل ادت ايضا الى اضعاف النظام السياسي في كل دولة شهدتها فشل هتلر واصبح مشروعه وصمة عار في تاريخ اوربا والعالم. ويذكر مشروع ستالين كسبب مهم وراء انفجار الاتحاد السوفيتي وسقوطه في 1991. اما العراق فقد تحول شبح «الهندسة الاجتماعية» التي طبقها النظام السابق الى محرك للتنافر والمخاوف ومبرر لدعوات التقسيم التي نسمع بها كل يوم.
يعتقد الزعماء انهم سيكونون احسن حالا لو اعادوا تركيب النظام الاجتماعي على نحو يناسب طموحاتهم. لكنهم في حقيقة الامر لا يريدون اكثر من تثبيت جذورهم في الارض، وتحويل سلطتهم من ظرف مؤقت الى «قدر» نهائي. نقطة الضعف الكبرى في هذه المشروعات هي موضوعها، اي البشر الذين يراد اعادة صياغتهم. لو كان الامر يتعلق بجمادات او مكائن لكان الامر هينا، فالجماد يبقى في اي مكان تضعه فيه.
 اما الانسان فهو كائن متحول، تستطيع ان تفرض عليه مكانه في يوم معين، لكن من المستحيل ان تفرض عليه غده ومستقبله، ومن المستحيل ان تحدد منتجات عقله وميوله فاذا خضع اليوم وبدا ان الامور ستستقيم كما خطط لها، فمن السفه الظن بان غدا سيكون مثل اليوم. انسان اليوم هو غيره في الغد، واذا لم يكن مختلفا فان ابنه سيكون مختلفا ولهذا فان مشروعات الهندسة الاجتماعية لم تنجح في اي بلد. ومن الاسلم والانفع اذن البحث عن سبل اخرى لتعزيز السلطة، وتعلمنا تجارب العالم المتحضر ان تحقيق الاجماع الوطني والتوافق هو اكثر السبل نجاحا واقلها كلفة.
  صحيفة الأيام البحرينية 11 / 10 / 2006م 

الجمعة، 6 أكتوبر 2006

بحثا عن حلول ساذجة



قبل وقت طويل نسبيا، كتب د. محمد جابر الانصاري عن مواطن عربي ينهض لحرب يتوقع مقتله فيها لكنه لا ينهض لتنظيف الطريق امام بيته. هذه الملاحظة العميقة يمكن تطبيقها على منظمات وحكومات تنهض لخوض حروب تنفق فيها مئات الملايين، وقد كانت تستطيع اتقاءها لو انفقت بضع عشرات من تلك الملايين على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستوى الحياة لاولئك الذين تحاربهم.  بعبارة اخرى، فانت مخير بين ان تدفع مليون دولار لشخص كيف يكفيك شر الحرب او تنفق عشرة ملايين في الحرب عليه.
ربما يبدو هذا الكلام مغريا للناس الذين يحسبون المسألة رياضيا. لكن السياسة لا تدار بهذه الصورة. السياسيون واصحاب التاملات يفضلون الابتعاد عن التبسيط، ويعتبرون كلاما من صنف الذي ذكرناه سذاجة مغرية. انا ايضا اعتقد انها فكرة ساذجة ومغرقة في التبسيط. لكني اجد - من ناحية اخرى - ان الحقائق بسيطة وان الفهم الساذج او الفطري هو اقرب الافهام الى جوهرها. كثير الكلام لا يغير حقائق الاشياء ولا يزيدها وضوحا.
الحرب في اليمن والحرب السابقة في السودان والحروب الاخرى التي طحنت المئات في الجزائر والعراق وباكستان وافغانستان كان يمكن تفاديها او على الاقل اختصار حجمها والامها لو انفقت موارد مناسبة على تنمية المناطق المشحونة بالعنف. جاء متمردو الجزائر من ولايات فقيرة بحثا عن حياة كريمة في العاصمة. وفي باكستان يدور التمرد المسلح في الولايات الجبلية الشمالية وهي الاشد فقرا وتخلفا في هذه البلاد. وانطلقت حرب السودان في الجنوب الذي طالما ضربته المجاعات والاوبئة بسبب غياب اي مشروع تنموي جاد.
ارتباط العنف بالفقر ليس من اسرار السياسة. منذ زمن طويل كان علي بن ابي طالب يقول "عجبت للجائع كيف لا يخرج في الناس شاهرا سيفه". يقدم د. تركي الحمد اشارة ذكية الى هذه العلاقة مستشهدا بتفسير الفيلسوف الفرنسي روسو الذي رأى ان الفقر بذاته لا يدفع الانسان الى العنف، ثمة كثير من الناس فقراء جدا لكنهم مسالمون. ما يدفع الانسان الى العنف هو اكتشافه للمضمون السياسي للفقر. اهمال الدولة يولد عند الناس شعورا بان فقرهم ليس ناتجا عن تقصيرهم بل عن خلل في بنية النظام السياسي الذي لا يهتم بهم او لا يريدهم اغنياء. عندئذ يجد الناس انفسهم امام خيارات كلها مريرة : الصبر على حياة بائسة، او الهجرة الى بلاد اخرى، او التمرد.
هذا وجه للمشكلة . لكن ما الذي يجعل التمرد خيارا وحيدا، رغم عواقبه الكارثية الواضحة؟. لو فكر كل فرد في حل شخصي لمشكلته، افليس من الممكن ان ينتهي جزء كبير من المشكلة؟.
هذا يعيدنا الى ملاحظة الدكتور الانصاري عن هوس العرب بالحلول الحاسمة واعراضهم عن الحلول الطويلة الامد والتدريجية. سواء كنا نفكر في مواجهة عدو او في تحسين مستوى معيشتنا فاننا نفكر دائما في حلول كاملة وفورية، حلول بالضربة القاضية. لا يختلف الافراد عن الحكومات، فالجميع يفكر على هذا النحو. احد الاسباب يكمن في  افتقار ثقافتنا الى القيم التي تعلي من شأن الحلول التدريجية والمساومة والتفاوض. لكن لعل السبب الرئيسي يكمن في فلسفة التربية والتثقيف التي تؤكد على احتكار الدولة للشأن العام. نتعلم في مدارسنا ان الدولة هي الجهة الوحيدة المكلفة بتنمية البلاد. يضاف الى هذا ان الدولة لا تسمح عادة للافراد والجماعات الصغيرة باقامة اطارات خاصة لتنظيم مشاركتهم في الجهد التنموي. لا شك ابدا في ان المجتمع الاهلي يستطيع المشاركة في علاج المشكلات وملء الفراغات وتعويض مواضع القصور في الاداء الحكومي. ابسط الامثلة على ذلك هو النشاطات الثقافية والجمعيات الخيرية الاهلية التي تسد بالتاكيد فراغا محسوسا .
هل يعني هذا ان المجتمع قادر على معالجة مشكلة العنف والحروب المتنقلة؟
المؤكد ان المجتمع قادر على ان يشارك في العلاج، لكن دوره يتوقف على مبادرات حكومية لتمهيد الطريق امام المجتمع كي يقوم بهذا الدور. قبل ذلك يجب ان نفكر جديا في الثمن الباهظ الذي تدفعه الدولة للحرب على المتمردين، والذي كان يمكن توفيره او تخفيضه لو عملت على تبريد البيئات المنتجة للعنف والتمرد، هذا يحتاج طبعا الى مراجعة جذرية لخريطة توزيع الموارد المالية، اي توجيه الجزء الاعظم لانماء المناطق الفقيرة بدل شراء الاسلحة.