الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2005

الخروج من قفص التاريخ


بداية الحداثة هي العودة الى الذات . ليست الذات الاسيرة في التاريخ الغابر وليست الذات المشدودة الى عالم خيالي لا يمكن ايجاده على الارض . بل الذات الحاضرة بما فيها وما يحيط بها وما تستطيع فعله وما تعجز عنه. نحن لا نستطيع استعادة مجدنا الغابر لان وظيفته الحياتية انتهت ، ولا نستطيع اقامة المدينة الفاضلة التي تخيلها الفلاسفة المثاليون لانها مجرد مثال . لكننا نستطيع البناء على الواقع الذي نعيشه كي نتجاوزه الى ما هو افضل واكمل .

ربما كان الاسلاميون على اختلاف مشاربهم ، الحركيون والتقليديون ، هم اكثر الناشطين في المجتمع قدرة على استثمار التاريخ بما يكتنزه من تجربة ومعنى ، واعادة شحنه في مسارات الحاضر الى درجة تنعدم فيها المسافة بين حدث اليوم وحدث الامس ، وتتماهى فيها القيمة بين موقف اليوم وموقف الامس . بالنسبة للناشطين الاجتماعيين فان التذكير بالحوادث التاريخية ليس عملا علميا هدفه تحليل الواقعة التي جرت في الامس البعيد . بل هو في المقام الاول عمل دعوي تبليغي غرضه استيراد القيمة الرمزية التي تنطوي عليها تلك الحادثة واعادة ضخها في قضية مشهودة او مسار معاصر .

ومن هذه الزاوية فان المكون التاريخي للهوية والثقافة ، يمكن ان يلعب دورا بناء في شحذ الهمم وبعث الروح في المجتمعات الخاملة . لكنه يمكن ايضا ان يلعب دورا معاكسا . ولعل هذا ما أشار اليه المرحوم محمد عبده حين شكا من ان المسلمين قد اصبحوا اسرى لحراس القبور . حراس القبور ليسوا سوى تلك الشريحة من اهل العلم الذين شغلهم الدفاع عن التقاليد الراسخة والتراث الذي ابدعه السابقون . كان محمد عبده يسعى لاقناع  جمهوره بان مشكلاتهم هي ثمرة واقعهم وان علاجها يجب ان يقوم على النظر في هذا الواقع . بينما شدد معارضوه على ان العلاج يجب ان يبدأ بالبحث عما قاله السابقون ، وان اي حل قيل في الماضي مقدم على اي حل معاصر . وجد محمد عبده ان مشكلة المسلمين تكمن في الغائهم لقيمة الزمن وتقديرهم المبالغ فيه للعصور الذهبية المتخيلة .

مثل هذه المشكلة واجهها ايضا المرحوم علي شريعتي الذي وجد ان كثيرا من الطقوس والتقاليد قد اكتسبت قيمة دينية ودخلت في دائرة المقدسات ، مع انها مجرد فولكلور ، اي تعبير ثقافي عن ظرف اجتماعي وسياسي محدد . لكنها تحولت على يد حراس القبور الى قيم ثابتة عابرة للمكان والزمان ، عصية على النقد او التغيير. بعد قيام الجمهورية الاسلامية في ايران ، واجه الزعماء الدينيون ذات المشكلة ، فالكثير منهم ينتمون اجتماعيا وثقافيا الى تلك الطبقة الحريصة على حماية التقاليد . لكن اية الله الخميني وجد ان الكثير من السوابق التاريخية التي جرى العرف على تقديسها لا تنفع في بناء دولة حديثة ولهذا فانه لم يتردد في تهميشها . في العام 1982 مثلا ، وجه عدد من الفقهاء البارزين نقدا لاذعا لما وصفوه بتجاوز البرلمان والحكومة لاحكام دينية راسخة وتقاليد اتفق عليها المجتمع الديني طوال قرون متمادية . فأجابهم الخميني في خطاب عام بان اعظم مشكلات الاسلام المعاصر هو العقول المتحجرة العاجزة عن رؤية التغير الكبير في حقائق الحياة ، اي هؤلاء الناس الذين يظنون ان مهمة الحكومة الاسلامية هي اعادة الناس الى عصور الاسلام الاولى .

 ان الاجتهاد الحقيقي هو ذلك الذي يستلهم روح الزمن والمكان ويعيد صياغة الاحكام الشرعية بما يناسبها ، وهو لا يحتاج – في هذه المهمة – الى تكرار ما قاله السابقون الذين عاشوا في عصر مختلف وظرف مختلف. على ضوء هذه الرؤية فان الخميني لم يعبأ بقول الذين طالبوا باعادة نظام الخلافة باعتبارها الصيغة الصحيحة للحكم الاسلامي ، ولم يعبأ بالذين عارضوا تفويض البرلمان صلاحيات تشريعية بدعوى ان التشريع حق خاص لصاحب الشريعة . ان نجاح الخميني في اقامة دولة قادرة على البقاء يرجع بدرجة كبيرة الى شجاعته في التحرر من قيود السوابق التاريخية والتقاليد الراسخة .

طوال العقود الثلاثة الماضية نجح التيار السياسي الاسلامي في تعبئة الجمهور من خلال استثمار المكون التاريخي للهوية ، وهذا ما عجزت عنه التيارات الاخرى التي اهملت اهمية التجربة التاريخية في تكوين المخيال الشعبي . لكن اليوم هو اليوم . ويجب ان لا نبقى اسرى لتلك التجربة . نحن بحاجة الى اعادة صياغة حياتنا العامة على ضوء الوقائع المعاصرة ، ومن اجل استثمارها . من المفهوم ان مرحلة التعبئة والتكوين هي في الاساس مرحلة سجال مع الغير ولهذا فان محور الخطاب السياسي يدور حول نقد الغير وتضخيم الذات . اما وقد خلصنا من تلك المرحلة فان من اللازم التركيز على الجوانب المدنية من العمل السياسي .

العودة الى الذات تعني اعادة شحن القيمة المعنوية والاخلاقية في هذا الواقع الذي يحيط بنا ، بغض النظر عن رضانا عنه او غضبنا منه . هذه الذات كما هي وكما تعيش ، وهذا الواقع كما هو وكما يجري هو نقطة الانطلاق لبناء المستقبل . في هذا المجال فان تجربة اليسار الاوربي تمثل نموذجا صالحا للاحتذاء . لقد تراجع اليسار مع انهيار المنظومة الاشتراكية في اواخر القرن المنصرم ، لكنه يعود اليوم الى الساحة وبقوة ملفتة من خلال الهموم التي اغفلتها الاحزاب الليبرالية ، ونشير خاصة الى منظمات الدفاع عن البيئة ومنظمات حقوق الانسان على اختلاف تخصصاتها وموارد تركيزها .

 ومن طريف ما يذكر هنا ، ان ظهور ما يوصف بالسياسة الاخلاقية كان المناسبة الاولى التي تشهد لقاء بين التيار الديني والتيار اليساري في اوربا . فطبقا لبحث اجري قريبا ، فان ما يقرب من ثلث الناشطين في مجالات البيئة والدفاع عن الحريات واعمال المساعدة الانسانية ، ينتمون الى خلفيات دينية . ونحن نعرف ان اليسار هو الجناح الاخر لهذه النشاطات . لقد وجد التياران الديني واليساري في السياسة الاخلاقية رافعة للعودة الى التاثير في الحياة العامة بعد فترة من التهميش .

بطبيعة الحال فان التيار الديني العربي ليس في الهامش اليوم ، فهو فاعل ومؤثر ، من خلال السلطة او من خلال الشارع . لكنه بحاجة الى التحرر من السياسة السجالية (اي المعارضة المطلقة) ، والاهتمام بدلا عن ذلك بالمعارضة من خلال تقديم البدائل . نحن بحاجة الى تصورات استراتيجية جديدة حول القضايا التي لا بد من مناقشتها اليوم او غدا ، مثل النظام المؤسسي الذي يضمن العدالة الاجتماعية . ومثل مكونات العلاقة المتوازنة بين المجتمع والدولة ، ولا سيما في ضوء الاتجاه المتزايد للتخلص من صيغة الدولة الشديدة التدخل . نحن ايضا بحاجة الى دراسة انعكاسات التغير في حركة السوق على ثقافة الاجيال الجديدة ولا سيما التواصل او الانقطاع بين الاجيال . كما ينبغي ان نساهم في تطوير صيغة محلية للمجتمع المدني وموقعه من نظام العلاقات الاجتماعية / السياسية .

بكلمة مجملة ، فان على الاسلاميين وغيرهم من الفعاليات السياسية ، ان ينتقلوا من دور التحريض والتعبئة ، الى دور الفعل في الحياة العامة . الفعل المؤثر لا ينحصر في الامساك بالسلطة. ان النشاط التطوعي في اطار منظمات المجتمع المدني يوفر قدرا من النفوذ لا يقل قيمة او اثرا عن ذلك الذي توفره السلطة .
  الايام – البحرين 27-9-2005

الثلاثاء، 20 سبتمبر، 2005

جبر العامة


مع الصعود المعاصر للاسلام السياسي ، ظهر الى السطح ما يمكن وصفه بنخبة سياسية جديدة ، تتشكل في الاساس من رجال دين او مثقفين حركيين نجحوا في صناعة نفوذ اجتماعي يتجاوز نفوذ المجموعات المرجعية التقليدية مثل المؤسسة الدينية الرسمية او السياسيين او وجهاء المجتمع التقليديين .  ان اكثر الزعماء تاثيرا في معظم المجتمعات المسلمة هم اليوم رجال تتراوح اعمارهم بين الثلاثين والخامسة والاربعين.

ويتحمل القادة الجدد مسؤوليات اوسع من تلك التي تحملها اسلافهم ، فهم يتعاملون مع مجموعات نشطة من شباب متعلمين يتطلعون الى ادوار في المجتمع تحقق ذواتهم . لكن هذا ليس هو المجال الوحيد المليء بالتحديات والمطالب ، فالشعارات الدينية التي يرفعها اولئك القادة ، تضفي عليهم ايضا صورة الزعيم الديني الذي يتوقع منه اتباعه تفسيرا دينيا لجوانب حياتهم المختلفة .

والحقيقة ان ظهور هذه الطبقة من الزعماء الدينيين قد عالج الى حد ما مشكلة الضعف المزمن للمجتمع ، ولا سيما عجزه عن المشاركة في تطوير الحياة السياسية والمشاركة في الشأن العام . لكنه من جهة اخرى اضعف الى حد كبير دور النخبة المثقفة ، التي يفترض ان تلعب دور المرجع في النقاشات المتعلقة بتطور المجتمع . انحسار دور النخبة المثقفة ساعد دون شك في منح الزعيم السياسي مكانة حاسمة في القضايا التي يدور حولها الجدل في المجتمع . لكنه من جهة اخرى تركه فريسة للراي العام ، او ما نطلق عليه "جبر العامة" .

"جبر العامة" هو في الاساس مفهوم نخبوي بغيض ، وربما كان مرجعه هو ضيق النخبة بالراي العام او ربما عجزها عن استقطاب تعاطف الجمهور مع تطلعاتها وارائها ، التي تبدو في اول الامر غريبة او متعارضة مع ميول الراي العام . لكن من جهة اخرى ، فان الخضوع لجبر العامة هو بالضرورة عقبة في طريق التطور الاجتماعي . فعامة الناس اميل – عادة – الى الاستمرار في انماط التفكير واساليب الحياة التي تعارفت عليها ، وهي اميل الى الاعراض عن اي فكرة جديدة او منهج مبتكر. بطبيعة الحال فان الكثير من الزعماء يفضلون مسايرة التوجه العام كي يحافظوا على مكانتهم ، والقليل منهم فقط يغامر باتخاذ مواقف او تبني اراء لا ترضي التيار العام من الجمهور . ولهذا السبب ربما فاننا نجد قادة ذوي خلفيات اصلاحية يتحولون – بعد حصولهم على مكانة مؤثرة – الى اشخاص محافظين يمالئون المجتمع ويسايرونه ولو على حساب القيم التي انطلقوا منها في البداية .

اين هي المشكلة في هذا ؟

ان نقدنا لهذه الظاهرة يقوم على فرضية فحواها ان نجاح التيار الاسلامي الجديد في تعبئة الجمهور ، قد ساهم بصورة مباشرة او غير مباشرة في فرض المشاركة الشعبية في الحياة العامة . اي انه بكلمة اخرى ساهم في التخلص من تقليد مزمن يقوم على اعتبار الشأن العام – والسياسي منه خاصة – نطاق عمل خاص بفئة صغيرة من النخبة العليا . وفي اعتقادنا ان دخول عامة الناس على خط العمل السياسي هو تمهيد ضروري لاعادة صياغة النظام الاجتماعي على نحو متفارق مع النمط الذي ساد العالم الاسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، والذي سادت خلاله علاقة السيد - التابع ، وادت الى تهميش الاغلبية الساحقة من الجمهور ، بمن فيهم المتعلمين واهل الراي . ضمن هذا المفهوم فانه يمكن تصنيف الحركة الاسلامية المعاصرة كواحدة من قوى الحداثة . ان استعادة الانسان السيطرة على مصيره ، واستعادة المجتمع لزمام امره ، ومشاركته الفاعلة في صناعة نظامه السياسي ومستقبله ، هي بعض ابرز الاسس النظرية التي قامت عليها فكرة الحداثة .

وهنا تكمن اشكالية العلاقة بين الحركة الاسلامية وجمهورها . فهي من ناحية قوة تحديث يرتبط قدرها بنضج المشاركة الشعبية ، وهذا بدوره مشروط بتغيير الثقافة السائدة وما يقوم على ارضيتها من قيم ومنظومة علاقات . لكن من ناحية اخرى فان حاجة الحركة – ولا سيما قياداتها السياسية – الى تامين دعم شعبي ثابت ، يفرض عليها مسايرة ميول الجمهور . وكما سلفت الاشارة فان الجمهور في الاعم الاغلب ميال الى مقاومة التغيير . وبالتالي فان مسايرته تعني بالضرورة اتخاذ مواقف محافظة او معارضة للتحديث والتغيير . ومما يزيد الامر سوءا ان معظم القادة الحركيين يواجهون تحديا يوميا من جانب رجال دين او مثقفين تقليديين يرفضون التدين الحركي ويرونه ابتداعا . وفي العادة فان هؤلاء يستغلون اي تطور في مواقف الفريق الاول للتشنيع عليه واتهامه بضعف الدين او قلة الفهم او المساومة على المباديء الراسخة .
من المؤسف ان اخلاقيات العمل السياسي في المجتمعات العربية ضعيفة الى حد كبير وفي هذا الجانب ، لا يختلف الاسلاميون عن غيرهم ، فمعظم النشطين في المجتمع ، سياسيين وغيرهم ، لا يتورعون ابدا عن الحاق الاذى بخصومهم متى ما استطاعوا ، والسنتهم هي اقل حدود الاستطاعة . ولهذا فان الحركيين يواجهون مشكلة عسيرة حين يضطروا الى الاختيار بين قيم الاصلاح التي آمنوا بها في البداية ، ومتطلبات السياسة التي اكتشفوها بعد ان انضموا الى نادي النخبة .

لا يسعنا بطبيعة الحال ان نطالب زعيما بالتفريط في مكاسبه السياسية ، كما لا يسعنا – في الوقت نفسه – السكوت عن سلوك يؤدي في نهاية المطاف الى اعادة المجتمع الى حظيرة التقاليد بعد ان اوشك على التخلص من اغلالها . ويبدو ان الحل الوحيد لهذه المشكلة هو دعم نوع من تقسيم العمل بين الزعماء السياسيين والمثقفين الاصلاحيين ، الناقدين والمطالبين بالتغيير. مثل هذا التقسيم ينبغي ان يكون بديهيا ، اذ ان مهمات السياسي لا تسمح له بمعالجة الامور التي تحتاج الى سعة من العلم او متابعة لتطورات الفكر . مثلما ان المثقف الناقد ، عاجز عن تعبئة الجمهور الذي يحتاج الى رجال قادرين على اعادة انتاج الافكار في صورة رموز قريبة من ذوات الناس وقلوبهم . نقول ان تقسيم العمل ينبغي ان يكون بديهيا ، لكن التوصل الى بعض البديهيات يحتاج الى شجاعة . واظن ان بعض الزعماء ربما يشعر بالقلق من المثقفين الناقدين ، لان بعض نقدهم قد يتوجه اليه ، ولان تصاعد دورهم قد يفهم باعتباره منافسا لدور الزعيم . لكن على اي حال ، فان من المهم لنا ان نستوعب حقيقة ان احدا لا يستطيع جمع المجد من اطرافه ، وان بعض المجد في مجتمع متحرك ومتطور ، خير من كامله في مجتمع خامل يحاكي اجتماع اهل القبور.

الأحد، 18 سبتمبر، 2005

من أجل حداثة محلية


 في البحرين، مثل تركيا والعراق ولبنان والمغرب والجزائر وماليزيا واليمن ومصر وغيرها من الدول الاسلامية، تحولت الجماعات السياسية الاسلامية عن المطالبة بحكومة دينية صرفة الى المطالبة بالديمقراطية كنظام للحكم وادارة المجتمع.
بعض هؤلاء صادق في دعواه، مؤمن ايمانا عميقا بأن الديمقراطية هي الصورة المثلى لتوزيع الموارد وادارة التعارضات السياسية وغير السياسية في عالم اليوم اما البعض الاخر كما هو الحال بالنسبة للجيل الجديد من المحافظين الايرانيين فهو يعتبر الديمقراطية مرحلة وسطية بين الاستبداد العلماني والدولة الاسلامية الكاملة او دولة العدل الالهي كما يسمونها.
يمثل هذا التحول تطورا هاما في ثقافة المسلمين السياسية التي طالما انحصرت بين قمع الافكار وتلقين الافكار ومن سخرية القدر ان معظم الاسلاميين قد تخلوا عن افكارهم السابقة بعد ان نجحوا في الوصول الى السلطة، بمفردهم في بعض الاقطار وشركاء لغيرهم في اقطار اخرى.
ربما كان ابرز تلك المفارقات هو تحول النظام الديمقراطي الى مورد اجماع بين الاحزاب العراقية، بما فيها الاحزاب الدينية الشيعية التي كانت حليفة لايران، والسنية التي تتكون من رجال دين وتلاميذ لمدرسة المرحوم سيد قطب، فضلا عن الاحزاب ذات الجذور الماركسية، سواء العربية او الكردية.
في الجزائر ايضا فان ابرز جماعتين اسلاميتين، اي جبهة الانقاذ وحماس، تتحدثان بدون تحفظ عن الحاجة الى تكريس الديمقراطية وفي مصر والكويت وسوريا فان الاخوان المسلمين الذين اعتبروا يوما ما ابرز المشككين في الديمقراطية، لا يرون اليوم نظاما بديلا عنها اما في لبنان وماليزيا وتركيا والباكستان، فقد انخرطت المجموعات الاسلامية في العمل السياسي وقبلت من دون تحفظ قواعد اللعبة الديمقراطية في مقابل هذا فاننا لا نجد احدا اليوم يدعو الى نظام سياسي يقوم على قاعدة ولاية الفقيه كما هو الحال في ايران، فضلا عن نظام الامارة الاسلامية التي اقامتها طالبان، او حكومة المستبد العادل التي حاول العسكريون تطبيق نموذجها في السودان ومن قبلها باكستان في ظل الجنرال ضياء الحق.
واظن ان هذا التحول قد تعزز في السنوات الاخيرة بسبب الانفجار الهائل للعنف السياسي الذي يتلبس عباءة الاسلام، ولا سيما منذ الهجوم على نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر ١٠٠٢ وخلال الشهور الثلاثة الاخيرة استمعت مثل سائر الناس الى عدد من دعاة العنف السياسي ومنظريه يتبرأون على شاشات التلفزيون من الدماء والدمار الذي سببته دعواتهم السابقة.
 وخلال هذا الاسبوع سمعت احدهم يتحدث بالخصوص عن قيمة القضاء المستقل في بريطانيا وكونه الملجأ الوحيد الذي يحميه ويحمي كل مواطن من عسف الدولة وانحياز السياسيين ولا شك ان استقلال القضاء وكونه الضمان الثابت للحقوق الدستورية للمواطن، هو واحد من ابرز فضائل الديمقراطية ولا شك ان انفجار العنف ذاك ووصول نيرانه الحارقة الى كل مكان، بما فيها تلك الاماكن التي ظنها المتطرفون دوائر آمنة لهم، قد حمل الكثير منهم على اعادة النظر في عواقب تلك الدعوات وأثرها عليهم وعلى اتباعهم فضلا عن غيرهم.
هذه التطورات الهامة تشير الى ما اظنه بداية انقلاب في الخطاب السياسي العربي والاسلامي بصورة عامة نحن نتحدث عن الخطاب السياسي في معنى اللغة السائدة اي التعبيرات الثقافية التي تستهدف تبرير او تفسير المواقف والاتجاهات، والمفاهيم التي يتعامل معها كمسلمات، ونوعية الاهداف التي يختارها الجمهور او النخبة، وما يترتب عليها من منظومات مصالح والتزامات سياسية او اجتماعية.
 اقول انه بداية انقلاب وليس انقلابا كاملا، لأن التحولات رغم اهميتها ما تزال محدودة في سطح الممارسة السياسية ولم تنزل بعد الى العمق نزولها الى العمق يعني بصورة محددة اندماج المفاهيم والقيم الاساسية للديمقراطية في النسيج الثقافي المحلي بحيث تتحول مثل سائر مكونات الثقافة المحلية الى خلفية للتفكير والسلوك الفردي والجمعي، اي جزء من مكونات الهوية ورؤية الذات والعالم.
من المحتمل ان يتحقق هذا الاندماج في وقت ما في المستقبل، لكننا لا ندري هل سيكون هذا المستقبل قريبا ام بعيدا ومصدر القلق تجاه التوقيت يكمن في الخشية من ان تطاول الزمن قد يسمح بقيام ما نصفه بذهنية ملتبسة، اي خلفية ثقافية تتجاور فيها قيم الديمقراطية والقيم  الموروثة من العصر الابوي الديكتاتوري، من دون ان تتفاعل او تندمج ولدينا تجربة سابقة على هذا النوع من التجاور بين قيم الحداثة العقلانية والتقاليد الاسطورية، أدت في حينها الى تطور مشوه، لا هو بالحداثة الحقيقية ولا هو بالتقليد، رغم انه ساعد في اطالة عمر النظام الاجتماعي التقليدي ولو كسيحا ومشوها.
بناء على هذا فان المجتمع، بنخبته المثقفة وجماعاته السياسية، فضلا عن عامة الناس، بحاجة الى مناقشة معاني تلك التحولات، ولا سيما ما يترتب على التحول في الخطاب السياسي من تغير في المفاهيم وديناميات العمل والمحاور الكبرى للثقافة الشعبية وكمثال على ذلك، فان حديثنا عن الديمقراطية او الحريات العامة او حقوق الانسان، يستلهم  عن قصد او غير قصد النموذج القائم في الغرب هذا النموذج لا يأتينا من فراغ، بل هو محمول على خلفية معرفية وفلسفية وتجربة اجتماعية خاصة، قد لا يكون معظمنا راغبا في التسليم بها. من الضروري اذن ان نفكر فيها تفكيرا نقديا لتحديد ما نستطيع القبول به وما لا نستطيع.
اظن ان التعامل النقدي مع مكونات الحداثة هو السبيل الوحيد الى اكتشاف فضائلها وعيوبها، وصولا الى صياغة نموذج محلي للحداثة والديمقراطية، يستلهم مفاهيمها وقواعدها الكبرى من دون ان يصادم المكونات الاساسية لهويتنا الثقافية او متبنياتنا التي هي حقيقة ذاتنا.
صحيح ان الحداثة لا تنفصل عن التجربة المعرفية والاجتماعية التي قامت في اطارها، لكن من ناحية اخرى فانها، مثل اي تجربة انسانية اخرى، قابلة للنقد والتفكيك ومن هذه الزاوية فان بامكاننا صياغة حداثتنا الخاصة لكن هذا الامر يتوقف على نقاش لا يستثني ايا من مسلماتنا الثقافية، بما فيها تلك التي تبدو لأول وهلة غير قابلة للنقد او المجادلة.
  - « صحيفة الأيام البحرينية » - 18 / 9 / 2005م