الاثنين، 16 نوفمبر 2009

ان تكون سياسيا يعني ان تكون واقعيا


الجدل الدائر حول السماح للبعثيين بالمشاركة في الانتخابات العراقية هو مثال آخر على المسافة بين الالتزامات الاخلاقية والواقعية السياسية. اذا كنت تؤمن بهدف واذا كنت تملك القوة اللازمة لتحقيقه ، فهذا لا يعني بالضرورة انك سوف تصل اليه . في عالم السياسة ، ليس ثمة قوة مطلقة ، ولهذا فليس ثمة امكانية لقرارات او قناعات مطلقة .

هناك دائما مسافة بين ما تريد فعله وما تستطيع فعله. قد تملك اقوى جيش في العالم ، لكنك تعجز عن استعماله او قد تتضرر من استعماله. في نهاية المطاف يستعمل الانسان قوته للحصول على مكاسب او للتخفيف من خسائر . لكن هذا الامر لا يتحقق في معظم الاحيان. في افغانستان فشل الجيش الامريكي ، الاقوى والاكثر تقدما على مستوى  العالم ، في هزيمة طالبان ، المجموعة المتخلفة والفقيرة. وفي اليمن اقر رئيس الوزراء خلال المؤتمر الذي عقد في لندن في الاسبوع الماضي بان حكومته ليست متمسكة بالحل العسكري خيارا وحيدا لحل الازمة السياسية في البلاد.

تعتقد الحكومة العراقية ان حزب البعث قد انتهى سياسيا وهي تريد انهاءه قانونيا بحرمان اعضائه من دخول البرلمان والحكومة. لكن جولات العنف الاخيرة تظهر ان هذا الحزب لا زال حيا وان كان ضعيفا او مترنحا. واظن ان معظم البعثيين السابقين ، يريدون تجاوز هذا الحزب والخلاص من ارثه الدامي . فهو لم يعد طريقا الى الثروة والسلطة كما كان الامر قبل 2003 ، بل عبئا يصعب الدفاع عنه او تبرير الانتماء اليه.

 لكن السياسة ليست لونا واحدا. الاحزاب والايديولوجيات غالبا ما تكون اقنعة لمصالح ثابتة او مصالح في طور الانشاء . كل واحدة من دوائر المصالح هذه تجمع في داخلها شرائح من الناس الذين يبحثون عن دور او وسيلة للدفاع عن انفسهم او على الاقل تحديد مواقعهم وعلاقتهم مع المحيط . ربما لا يشارك جميع الناس في الحياة السياسية او ربما لا يعبأون بالسياسة اصلا . لكنهم في كل الاحوال يريدون ان يحددوا مكانهم كي يحتموا به ساعة الازمة .

المصالح السياسية مثل البضائع في السوق ، ربما تخسر شعبيتها ورغبة الناس فيها ، لكن اصحابها لا يرمونها في صناديق الزبالة الا اذا ضمنوا بديلا مناسبا . وما لم يحصلوا على هذا البديل فسوف يصرون على مواصلة عرضها ومحاولة بيعها مهما كان اتجاه السوق . ينطبق الامر نفسه على سوق السياسة . لافتات مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث وامثالها لم تعد جذابة في سوق السياسة كما كان حالها قبل عشرين عاما .

 ولعل بعض اصحابها قد تخلوا عنها بعدما وجدوا بضاعة اكثر جاذبية . اذا اخذنا العراق كمثال فسوف تجد رجالا دافعوا عن حزب البعث حتى الاسبوع السابق لسقوط النظام القديم ، لكنهم الان اعضاء فاعلون في الاحزاب التي استفادت من سقوطه . هؤلاء اذن عثروا على بدائل فلم يعودوا مهتمين بتاريخ مضى. لكن ليس كل الناس كذلك .

تفجر الجدل حول حزب البعث وامكانية السماح له بالمشاركة في العملية السياسية بعدما استبعدت هيئة المساءلة والعدالة عددا من المرشحين للانتخابات القادمة ابرزهم صالح المطلق الذي كان مقربا من زوجة الرئيس السابق صدام حسين . يقول المطلق بتلميح يشبه التصريح انه ربما يتبرأ من حزب البعث لكنه لن يفعل ذلك في العلن. وتبريره يبدو منطقيا : اعداء البعث لن يصوتوا له في الانتخابات بسبب تاريخه ، لكن البعثيين الحاليين او السابقين سوف يدعمونه لانهم بحاجة الى من يحميهم ويدافع عن مصالحهم. بعبارة اخرى فان طريقه الى البرلمان يمر عبر البعثيين السابقين او الحاليين ، فاذا تخلى عنهم فلن يحصل على شيء . حجمه السياسي محسوب بعدد مؤيديه ، فاذا تخلى عنهم فلن يكون شيئا .

هذه الاشكالية ليست مشكلة للمطلق وامثاله ، بل هي في المقام الاول مشكلة للحكومة العراقية التي عليها ان تخرج بالبلد من حال التنازع والفوضى . المسالة اذن ليست موقفا نظريا من الحق والباطل ، بل هي عملية سياسية تقتضي الامتناع عن استعمال القوة التي مهما تضخمت فان لها حدودا .

 العراق مثل اليمن وافغانستان بحاجة الى سياسيين يجيدون محاكاة الواقع ، انه بحاجة الى سياسيين يجيدون المساومة وحبك الصفقات اكثر من حاجته الى البزات العسكرية. الحسم هنا ليس في الجبر بل في اتخاذ قرار يجمع المختلفين ويداوي الجراح ، حتى لو اقتضى تقديم تنازلات مؤلمة. الواقعية السياسية مؤلمة بذاتها وبغيضة ، لكنها الخيار الاخلاقي الوحيد حين تكون الخيارات الاخرى ملونة بالدم والبارود.
نوفمبر 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

"الفرج بعد الشدة"

|| ما تحدثه الاوبئة من فتك بالبشر، ومن فوضى واضطراب في نظام العالم، تولد شعورا قويا بالحاجة للتغيير، اي ابتكار بدائل عن نظم عجزت عن احت...