‏إظهار الرسائل ذات التسميات النكاية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات النكاية. إظهار كافة الرسائل

31/07/2025

سلوك النكاية

 اطرف رد تلقيته هذا الأسبوع ، سؤال استنكاري يقول صاحبه ".. وهل المركز الصحي او سفلتة الشارع في تلك القرية ، أهم من الوحدة العربية...؟"

يتعلق هذا السؤال بكلام ورد في مقال الأسبوع الماضي ، يندد بتسييس الخدمات العامة ، مثل صيانة الطرق وتشغيل شبكات الكهرباء والماء ، الخ. ويزعم المقال ان تسييس الحياة وقضاياها ، جعل الإصلاح مستحيلا.

وكنت على وشك الرد بأن المركز الصحي اهم من الوحدة العربية. لكني خشيت ان تفهم العبارة على غير ما اردته. فاستبدلت الجواب بسؤال معاكس وجهته للسائل: وهل تعتقد ان الذي لا يكترث لوضع قريته ، سيهتم كثيرا بمشروع عظيم كالوحدة العربية ، اهتماما جادا ومقترنا بوعي واستعداد للمساهمة ، وليس مجرد كلام في الهواء او تكرار لما يقال في التلفزيون؟.
د. محمد جابر الانصاري

ويبدو ان ترددي في الجواب كان في محله. لأني سألت نفسي بعد قليل: وما المانع ان يكون الشخص قليل الاكتراث بأمور قريته ، لكنه عظيم الاهتمام بأمور بلاد بعيدة جدا. وقد رأينا في الواقع وقرأنا أيضا ، عن علماء لم يكتبوا حرفا واحدا عن قراهم ، ولم يعرضوا علومهم على أهلها ، لكن بحوثهم اثارت اهتمام العالم شرقا وغربا. أردت القول أنه ليس من المستبعد ان يهتم شخص بالوحدة العربية ، مع أنه لا يكترث لوحدة اهل قريته او طريقها او مستوصفها. ليس مستبعدا ولا معيبا أيضا ، فهموم الناس وانشغالاتهم مختلفة ، كما تختلف أذواقهم وذكرياتهم.

هذه الفكرة جعلتني اتردد في الجواب. لكنها ذكرتني أيضا بأن الدكتور محمد جابر الانصاري ، المفكر البحريني المعروف ، عرض وجها آخر لهذه القصة ، وأظنه جديرا بأن نستمع اليه. يقول الانصاري انك قد تجد شابا في مقتبل العمر ، مستعدا لهجران اهله سعيا وراء الاستشهاد في حرب حقيقية او متوهمة. لكن هذا الشخص عينه ليس مستعدا للخروج من بيته لتنظيف الشارع امام بابه.

-         ما هو القاسم المشترك بين هذه القصة وتلك؟.

القاسم المشترك هو الثقافة السياسية ، بمعنى تصور الانسان للشأن العام ، ودوره هو كفاعل في المجال العام ، أي إدارة البلد. الاهتمام بالطرق والكهرباء والمستوصف في مقال الأسبوع الماضي ، يعادل تنظيف الشارع في المثال أعلاه ، والتشنيع على رجال السياسة والدولة في المثال الأول يعادل المشاركة في الحرب ، في المثال الثاني.

تحدث الانصاري عن "النكاية" باعتبارها مضمونا لنوع من الثقافة السياسية ، قائمة على أرضية الكراهية ، تؤثر في ذات السياق ، على موقف الفرد او الجماعة من القضايا العامة ، ومن الفاعلين في المجال العام.

ينصرف مفهوم "النكاية" الى تطبيق محدد ، يتجلى في تركيز الفرد على المواقف التي تجسد التضاد والمعارضة والقطيعة ، واهمال المواقف التي تفسر بأنها لينة ، او جيدة ، او قبول بتعددية الموقف ، او وقوف عند منتصف الطريق.

رأي الانصاري هذا ، يفسر مثلا موقف شريحة واسعة جدا من الذين تحدثوا في الشأن السوري ، وكانت تعبيراتهم – وفق ما شرحت في الأسبوع الماضي – متشددة وقاسية ، ضد من صنفوهم كأعداء ، رغم انهم مواطنون سوريون مثل الذين يناصرونهم ويدافعون عنهم.

سلوك "النكاية" يعني ان تنظر الى الآخر المختلف ، باعتباره سيئا في الغالب ، وان تتمنى ان يكون في حال سيء ، دائما ، وان تفسر كل افعاله وكلامه وتصرفاته تفسيرا يسيء الى صورته في عيون الناس.

انت تسمع متحدثين في المجالس العامة ، وكتابا على منصات التواصل الاجتماعي ، يحشدون كل مثلبة تنقل اليهم ، فيلقونها على من يكرهونهم ، مع ان بعضها غير معقول او متناقض.

الكراهية – أيا كان سببها – تحجب الحقيقة عن عقل الناظر ، فلا يرى الوقائع ولا يلتزم بالتسلسل المنطقي للافكار. وهذا مسيء له أولا ، قبل ان يسيء لسامعيه. بدل النكاية في الغير ، ادع الله لهم بالهداية ، فلعل دعاءك يرتد اليك.

الخميس - 06 صفَر 1447 هـ - 31 يوليو 2025 م   

https://aawsat.com/node/5170300

مقالات ذات صلة

سلوك النكاية

 اطرف رد تلقيته هذا الأسبوع ، سؤال استنكاري يقول صاحبه ".. وهل المركز الصحي او سفلتة الشارع في تلك القرية ، أهم من الوحدة العربية...؟...